الإيمان
أ- اسم الإيمان تارة يذكر مفرداً غير مقرون بغيره فيدخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، وتارة يقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح أو بالذين أوتوا العلم، فيكون الإيمان اسما لما في القلب، وما قرن معه اسمًا للشرائع الظاهرة، ثم أن نفي الإيمان عند عدمها دل على أنها واجبة، لأنه لا ينفي إلا لنفي بعض واجباته وأن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة.
ب- ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه فإن من لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً.
ج- والإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان فلابد أن يكون ترك واجباً أو فعل محرماً فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد.
د- ومن أسباب نور الإيمان وقوته سماع القرآن وتدبره ومعرفة أحوال النبيومعجزاته والنظر في آيات الله والتفكر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في أحوال نفس الإنسان، ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم والضرورات التي يحدثها الله للعبد يضطره بها إلى ذكر الله تعالى والاستسلام له واللجأ إليه، وقد يكون هذا سبباً لشيء من الإيمان، وهذا سبباً لشيء آخر، وسبب الإيمان وشعبه تارة من العبد وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان ويأمره بالخير وينهاه عن الشر.
- (نعم الله العامة والخاصة)
أنعم الله على المكلفين بنعم أصولية وفروعية مشتركة بين البر والفاجر وخص المؤمنين بنعم أخرى بها تمت عليهم النعمة فأوجدهم بعد العدم وخلق لهم الأسماع والأبصار والعقول وجميع ما تتم به العافية وأعطاهم قوتين عظيمتين بها يوجدون أفعالهم ويختار كل منهم ما أراد من الأفعال الحسنة والقبيحة وهما المشيئة والإرادة والقدرة. وباجتماع القوتين تتم الأقوال والأفعال، ثم أنه كمل على جميعهم النعمة بأن مرهم أن يصرفوا مشيئتهم وإرادتهم إلى ما ينفعهم مما يحبه الله ويرضاه وأن يمتنعوا عما يكرهه الله وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لتفصيل ما يحبه الله مما يكرهه والترغيب في هذا والترهيب من هذا بكل وسيلة وطريق، وأخبرهم بما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب، وأشهدهم نموذجاً من ذلك في دار الدنيا، وكل هذه الأمور وتوابعها اشترك فيها كل أحد فلم يبق لأحد على الله حجة، بل حجته ورحمته وصلت إليهم كلهم، ثم إنه تعالى خص المؤمنين بخصائص من رحمته بها آمنوا واهتدوا وعملوا الصالحات، وهو أنه حبب إليهم الإيمان وزينهم في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم كلما فعلوا شيئاً من الهداية وقصدوا مراضي ربهم أمدهم بهدايات متنوعة ولطف بهم ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وحفظهم ودافع عنهم بإيمانهم السوء والفحشاء فاستقاموا على الصراط المستقيم بمنته ورحمته، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، أفبعد هذا يبقى حجة للمعاند وشغب للمكابر يحتج فيه بالقدر، ولم يبق إلا أن يقول كيف خص المؤمنين بما خصهم به دوننا، فيقال هذا فضله وإحسانه يؤتيه من يشاء، فلم يمنع الكافر والفاجر حقاً له يستحقه، بل منع عنه فضله الذي خص به المؤمنين لكمال حكمته ولعلمه أنه لا يستحق هذا الفضل لإعراضه عن ربه واعتراضه عليه وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [سورة الأنفال، آية: 23] (طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول ص201).
- [SIZE="7"]أولياء الله[/SIZE
]وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه المرسلون منهم وأفضل المرسلين أولوا العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم، وأفضل أولوا العزم محمدخاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد والحوض المورود وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقاً وأولهم بعثاً، ومن حين بعثه الله جعله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه ظاهراً وباطناً ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أوليائه بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان.
ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل فقد أحل الله رسوله في أعلاها وخصه بذروة سنامها فهو سيد الشاكرين وإمام الصابرين وأعظم المجاهدين وأشرف المتواضعين وأكمل النبيين وأقوى المتوكلين وأعلى العابدين، وهكذا جميع خصال الفضل والخير قد جمعها الله فيه وتبوأ أكملها وأعلاها. أ هـ من كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) لشيخ الإسلام ابن تيمية ص30.
- (نية المؤمن خير من عمله)
"نية المؤمن خير من عمله" هذا قاله غير واحد. وبعضهم يرفعه، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن النية المجردة عن العمل يثاب عليها، والعمل بلا نية لا يثاب عليه.
الثاني: أن من رأى الخير وعمل مقدوره منه، وعجز عن إكماله. كان له أجر عامله. لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم".
الثالث: أن القلب ملك البدن، والأعضاء جنوده. فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث خبثت، والنية عمل القلب.
الرابع: أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة، كتوبة المجبوب من الزنا، وكتوبة الأخرس عن القذف، وأصل التوبة: عزم القلب.
الخامس: أن النية لا يدخلها فساد. فإن أصلها حب الله ورسوله، وإرادة وجه الله، وهذا بنفسه محبوب لله ورسوله، مرضي لله ورسوله، والأعمال الظاهرة يدخلها آفات كثيرة، ولهذا كانت أعمال القلوب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة، كما قيل: قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق عكسه. والله أعلم ( مختصر الفتاوى المصرية لشيخ الإسلام، ابن تيمية ص11).
- مفاتيح الخير والشر
مفتاح الجنة (لا إله إلا الله) وأسنانه شرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة والذكر؛ ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده للتفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته والإخلاص له في الحب والبغض، والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل.
وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، ومعرفة مفاتيح أبواب الخير والشر لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه، فإن الله سبحانه جعل لكل خير وشر مفتاحاً وباباً يدخل منه إليه، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله، والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحاً للنار، وكما جعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل الغناء مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي كلها مفتاح الكفر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم، وأخذ المال من غير حله، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت مفاتيح له، والله من وراء توفيقه وعدله، له الملك وله الحمد، وله النعمة والفضل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون(انظر كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للشيخ ابن القيم صفحة 45. ).






ومعجزاته والنظر في آيات الله والتفكر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في أحوال نفس الإنسان، ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم والضرورات التي يحدثها الله للعبد يضطره بها إلى ذكر الله تعالى والاستسلام له واللجأ إليه، وقد يكون هذا سبباً لشيء من الإيمان، وهذا سبباً لشيء آخر، وسبب الإيمان وشعبه تارة من العبد وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان ويأمره بالخير وينهاه عن الشر.
رد مع اقتباس


المفضلات