د. يوسف زيدان يكتب: أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف.. شَرَارُ البدءِ وشُرورُ المنتهى

١٧/ ٩/ ٢٠٠٩
نبتدئ اليوم بعون الله (الرب) الكلامَ على أسرار الخلاف وخلفياته، وأهوال الاختلاف وويلاته. سعياً لإمعان النظر فى القنابل (الفكرية) الموقوتة، والحمِيات (الوجدانية) المزمنة، التى يزخر بها واقعنا المعاصر ذو السطح الهادئ والباطن المضطرم. ولاشك فى أن كلامنا سيكون حتماً شائكاً، وقد يراه البعضُ شائقاً، والبعض لائقاً.. والبعضُ سوف يراه غير لائق، وغير مطلوب! استناداً إلى العبارة التى طالما تناقلتها الألسنة، وشاعت حتى استعلنت بيننا وكأنها اليقين. أعنى العبارة القائلة: الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية.

ولو كانت هذه العبارة أدق، لأُضيفت (قد) وعُدِّلت قليلاً بحيث تصير: الخلاف فى الرأى قد لا يفسد قضية للود. ومع ذلك، فإن الخلاف فى الرأى هو كالخلاف فى أى أمر آخر، من شأنه أن يطيح بكل قضايا الود والتواد والتودد والمودة (إلى آخر مشتقات هذه الكلمة الطيبة) فالخلاف والود، والاختلاف والتواد، والخُلف والمودة، كلها قضايا متقابلة فيما بينها بالتناقض. وقد قال أرسطو (المعلم الأول) قبل قرون طوال، إن القضايا المتناقضات متنافرات! فالنقيضان لا يجتمعان معاً، ولا يرتفعان معاً.. منطقياً.

تلك هى المقدمة (الأولى) من المقدمات الواجب علينا الوقوف عندها قبل الشروع فى تلك المقالات التى تبدأ هذا الأسبوع، وقد تمتد إلى سبعة أسابيع تالية. وهناك مقدمات أخرى، غيرها، يحسن الوقوف أولاً عندها، لضبط المسألة التى نحن بصددها، فمن ذلك ما يلى:

يعتقد كثيرون أن المشكلات تنحلُّ من تلقاء نفسها، وأن (الزمن) كفيلٌ بإنهاء الخلافات الصغيرة والاختلافات المحدودة التى تقع بين الناس. وهذا فيما أرى، وقد أكون مخطئاً، غيرُ صحيح. لأن تجارب الأمم والشعوب، والتاريخ الطويل للخبرات الإنسانية، والآثار الباقية عن القرون الخالية، كلها مؤكِّدات لحقيقة واضحة، هى أن الخلاف يبدأ صغيراً شاحباً، فإذا طال عليه الزمن كبر واستقوت ملامحه. انظرْ مثلاً إلى أشهر حروب العرب فى الجاهلية (حرب البسوس) التى امتدت لأكثر من عشرين عاماً، وأودت بحياة كثير من الأبطال المحاربين فى قبيلتيْ (تغلب، وبكر) اللتين اختلفتا أولاً على مقتل ناقة اسمها البسوس، أو كانت ناقة لامرأةٍ اسمها البسوس.

وكان من الممكن أولاً إنهاء الأمر بفديةٍ أو تعويض، لكن الخلاف تطور حتى جرت بين القبيلتين الحرب، فانهمكوا فيها حتى أُنهكوا تماماً، وفشلوا، وذهبت ريحهم مع أنهم كانوا قبل هذه الحرب بقليل قد حققوا إنجازاً تاريخياً مبهراً بانتصارهم على (الفرس) فى موقعة (ذى قار) فكانت المرة الأولى التى تجتمع فيها القبائل العربية ضد قوة عظمى بمقاييس ذاك الزمان، وتحاربها صفاً، وتنتصر عليها.. قبل الإسلام.

وكذلك الأمر فى أكبر فواجع الزمن الإسلامى، وهو الاجتياح المغولى لديار المسلمين، الذى ابتدأ بشرارة صغيرة، ولم ينتبه الناس آنذاك إلى أن معظم النار من مستصغر الشرر. فقد اختلف جنكيز خان (المغولى) مع محمد خوارزمشاه (المسلم) حول نظام تسيير القوافل، فوقعت عند بلدة أوترار الحدودية حادثة محدودة مع قافلة أرسلها جنكيز خان من دون إخطار سابق، وكان تجار القافلة مسلمين ! فإذا بالحاكم المسلم التابع لمحمد خوارزمشاه يستولى على القافلة ويقتل أفرادها، ثم يتطور الأمر بسرعة بعدما أهان خوارزمشاه رُسل جنكيز خان إهانة بالغة، فثارت النفوس ودارت رحى الحرب الطاحنة التى امتدت عقوداً من الزمان وقتلت (ملايين) البشر.

إذن، فأهوالُ الاختلافات (المرعبة) تهب رياحها القوية، مع إهمال أسرار الخلافات (الهينة) التى تصير مع الوقت عويصة الحال، خصوصاً إذا توارثتها أجيالٌ من بعد أجيال. فهنا ترسخ فى النفوس آليات التناقض والرفض والنـزاع، فتصير تراثاً عند أولئك وهؤلاء. وكل تراث له، لا محالة، قداسةٌ فى النفوس! مما يجعل إعادة النظر فيه أمراً شائكاً، غير شائق عند الكثيرين، ولا مطلوب.

وهناك مقدمة أخرى، ضرورية، لابد من تبيانها. ملخصها أن الخلاف بين الناس أوله لذيذ! فهو، حسبما يبدو لأول وهلة، سبيلٌ للتمايز وطريق للخصوصية. والإنسان بطبعه يميل إلى ما يؤكد ذاته ويُجوهر صفاته. وإدمان الخلاف والعكوف عليه، يقود بالضرورة إلى الشعور بالتميُّز والاختلاف. وهو شعور (مرضى) بضم الميم، لأنه يُريح وجدانياً. لكنه شعور (مرضى) بفتح الميم والراء، لأنه مع مرور الوقت يقترن بإعلاءٍ وهمىٍّ للذات، وحطٍّ تلقائىٍّ من شأن المخالفين، خاصةً إن كان الخلاف موروثاً والاختلاف تراثياً ومقدساً.

وللخلافات والاختلافات تاريخٌ عجيب، ونهايات مفجعة مقارنة بالبدايات الهينة، مهما كان السبب الأول، والسر المخفى أو الأمر المعلن، الذى ابتدأ به الأمر أصلاً. انظرْ مثلاً إلى ما كان بمصر قبل الفتح (الغزو) العربى الإسلامى، حيث كان هناك حزبان قويان (حزب الخضر، حزب الزرق) وهما فى الأصل من جماعات مشجعى فرق الألعاب الأوليمبية، على طريقة (الأهلى والزمالك) المعاصرة. لكن أولئك وهؤلاء من أهل الحزبين ظلا يتكتلان اقتصادياً ويتخاصمان سياسياً، ثم انتهى أمرهما بأن اقتتلا عسكرياً.. وعندما دخل عمرو بن العاص إلى مصر، كان الحزبان يتقاتلان فيما بينهما ! وكان قتالهما سبباً لاستيلاء المسلمين على مصر، ضمن عدة أسباب أخرى، بالطبع.

إذن لا يشترط فى الخلافات والاختلافات (المزمنة) أن تكون بالضرورة ذات خلفية دينية. فالخضر والزرق (الحزبان) كانا يعودان فى أصل الخلاف بينهما إلى الزمن الوثنى الذى تعدَّدت فيه الديانات من دون منازعات بين أصل هذه الديانة أو تلك، ولم يرفع أحدهما ضد الآخر شعاراً دينياً حتى حين أدركهما الزمن المسيحى.. وفى الزمن الإسلامى، تظل الواقعة التى هى بالإجماع أكبر (الفواجع) وأفظع الأهوال، سقوط بغداد بيد المغول سنة ٦٥٦ هجرية، هى نتيجةٌ مباشرةٌ لخلاف غير دينى، بالمرة.

لأن المغول آنذاك لم يكونوا فى معظمهم على أى دين! صحيحٌ أن زوجة هولاكو (طقز خاتون) كانت مسيحية نسطورية تكره المسلمين وتشجع زوجها على الفتك بهم، لكنه أصلاً كان مدفوعاً بالخلاف الذى أشرنا إليه قبل قليل، والاختلاف الذى ورثه عن أعمامه وأبيه وجَدِّه الفاتح الأسطورى جنكيز خان. وقد استباح هولاكو بغداد، التى كانت آنذاك أعظم مدن العالم وأكثرها تحضراً، لمدة أربعين يوماً يفعل فيها جنوده ما يشاءون. فكانت النتيجة قتل ما يقرب من مليون مسلم فى الأيام الأربعين، بحسب أوسط التقديرات.

وفى زماننا المعاصر، روَّعت العالم مذابح (رواندا) التى لا يبلغ عدد قتلاها الإحصاء، ولا يبلغ الوصف حقيقة دمويتها. مع أن الخلاف بين الهوتو والتوتسى، هو خلاف عرقى (قَبَلى) لا شأن للدين فيه، بشكل مباشر.. وهذا الأمر لم يتوقف حدوثه على غياهب إفريقيا (السوداء) بل جرى مؤخراً نظيرٌ له فى قلب أوروبا (البيضاء) التى استيقظت يوماً من سباتها العقلانى، الحداثى وما بعد الحداثى، على المذابح المروِّعة التى قام بها الصرب ضد الكروات والبوسنويين، على أساسٍ عرقىٍّ وليس دينياً ! فالكروات مسيحيون، والبوسنويون مسلمون، والصرب وارثون لتراث الخلاف والاختلاف الذى امتد فيهم جيلاً بعد جيل على أسس (عرقية) مثلما امتد بين الهوتو والتوتسى على أسس (قَبَلية) وامتد بين الخضر والزرق على أسس (رياضية).

ومع ذلك، يبقى الخلاف الدينى والاختلاف العقائدى، هو الأدوم والأثقل والأفظع والأفتك بين الناس! لأنه بطبيعته ممتد الأثر فى الأجيال، ولأنه يتوسل فى احتدامه بحجةٍ خطيرة هى امتلاك (اليقين) وضلال (المخالفين) ولأنه يزعم لنفسه قداسة لا حدود لها، بادعائه النطق باسم الإله.. الله.. الرب.. يهوه.. إلوهيم.. إيل.. أهيه الذى أهيه (أحد أسماء الله التوراتية) ولأن الاختلاف والتناحر القائمين على الخلاف والتنوع المذهبى فى الدين، سجَّلا فى تاريخ الإنسانية أروع المعدلات (الروعة فى اللغة معناها الفزع) فى أطول الحروب زمناً: الحروب الصليبية، التى وإن كانت لها دواعٍ كثيرة، إلا أن شعارها يظل دينياً..

ومن أفظع حوادث البشرية، ما جرى فى غرب أوروبا من قيام الكاثوليك على البروتستانت، حتى ذبحوا منهم فى يوم واحد (يوم واحد) ثمانمائة ألف شخص.. ثمانمائة ألف إنسان قُتلوا فى يوم واحد لأنهم مسيحيون بروتستانت اختلفوا مذهبياً مع مسيحيين كاثوليك اعتقدوا أنهم وحدهم على صواب، وأن اليقين التام فى جانبهم وحدهم، وأن مخالفيهم ضالون.. فذبحوهم!

وقد نسوا معظم كلام السيد المسيح ووصاياه، وتعلقوا فقط بما هو مكتوب فى الإنجيل من قول المسيح: «أتظنون أننى جئت لأضع فى الأرض سلاماً، ماجئتُ لأضع فى الأرض سلاماً بل سيفاً، جئتُ لأفرِّق بين الابنة وأمها، وبين الابن وأبيه» تعلَّقوا بذلك وفهموه على وجه واحد، ولم يتأولوا الوجوه الأخرى لمعنى العبارة.. فهاجتِ الأهوال، وأطلَّ العنفُ من تحت الأرض فالتهم أقدام الناس وارتوى بدمائهم ومضغ قلوبهم وأطاش عقولهم.

لأن العنف الدينى أصيلٌ، نظامىٌّ، مقدس، لا يلبث إن لم تُطفأ شرارات ابتدائه، أن تثور شرور نهاياته، فتندفع فى أرض الله المرعباتُ.. العادياتُ ضَبْحاً، وتدقُّ فى الطرقات سنابكُ الخيل.. المورياتُ قَدْحاً، وتفزع الناسَ الجحافلُ.. المغيراتُ صُبْحاً، المثيراتُ به نَقْعاً.

وبعد، فمقالات الأسابيع التاليات سوف تكون وقفات عند بعض نقاط الخلاف (الدينى) لمعرفة أسرارها، تلافياً لانقلابها من حالة الشرارات إلى احتدام (الشرور) بين الناس فى هذا البلد بمن فيه، ومع مَنْ حوله. والأمر هنا يقتضى الإشارة إلى أن المقالات القادمة لم تُكتب للمبتدئين، ولا لأنصاف المتعلمين، ولا للمفتشين عن السقطات، ولا للساقطين فى مهاوى التعصب، ولا للمتاجرين بالدين وبؤس الناس، الراغبين فى إذكاء الخلاف ابتغاء منافع شخصية ونزعات دنيوية ونزغات شيطانية. وهؤلاء، على كل حال، لهم كتبةٌ كثيرون يكتبون لهم، وقنوات تليفزيونية تطفح بما إليه يشتاقون.

فليصرفوا أنظارهم عن مقالاتى المكتوبة لغيرهم، ورؤاى التى لا تزعم لنفسها (اليقين) ولا تدَّعيه، وإنما توجِّه بعض الانتباه إلى شرارات البدء التى قد تُفضى إلى ويلات المنتهى. وسوف تكون مقالتى القادمة فى هذه (السلسلة) بعنوان: تحصيل الفلوس بالجزية أو بالمكوس. والتى بعدها ستكون بعنوان: القبطية صناعة عربية إسلامية.. فإلى لقاء.


========
2
. يوسف زيدان يكتب: أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف تحصيلُ الفلوسِ بالجزية أو بالمكوسِ

٢٣/ ٩/ ٢٠٠٩
طفرت فجأة فى واقعنا (المصرى) المعاصر، مسألة «الجزية» التى أطلَّت أولاً على استحياء، فلم تؤخذ مأخذ الجدية، ثم توالى ظهورها وتكررت على ألسنة «أولئك وهؤلاء» حتى صارت من أكثر الكلمات ذيوعاً هذه الأيام. ومَنْ أراد أن يفاجئ نفسه بهذا الذيوع المفاجى، عليه أن يترك قراءة هذه المقالة ويبحث فى الإنترنت عن السياقات التى ترد فيها كلمة «جزية» حيث سيجد عشرات الآلاف منها، إما فى كلام مباشر أو فى إشارات غير مباشرة.

والذى يهمنا هنا من ذلك كله، هو (الفهم) الجديد للجزية عند أولئك وهؤلاء.. ومقصودى بأولئك، إخواننا من المسلمين المتحمِّسين الغاضبين، الذين يسميهم البعضُ الإسلاميين، والبعضُ الجماعات، والبعضُ المتشدِّدين! وهم يرون فيما يرون، أن على المسيحيين فى مصر دفع الجزية.

ومقصودى بهؤلاء، إخواننا من المسيحيين المتحمِّسين الغاضبين، الذين يسميهم البعضُ الأقباط، والبعضُ بأسماءٍ أخرى سوف نعود إليها فى مقالة قادمة (الأرثوذكس المصريين، المرقسيين، اليعاقبة، اللاخلقيدونيين.. إلخ) وهؤلاء فى العادة يتكلم بالنيابة عنهم فريقان: رجال الدين، وأهل المهجر! وقد نشرت الصحف مؤخراً، وصفحات الإنترنت؛ كلاماً عجيباً لواحد من كبار رجال الدين (القبطى) يقول فيه إن كنيسته تؤيد توريث الحكم (الجمهورى) فى مصر، لأن جمال مبارك شخص لطيف، وحسنى مبارك رجل طيب لا يطالب الأقباط بسداد الجزية! هكذا قال،

وهكذا قالوا.. فالله المستعان على ما يقولون ويتقولون، وعليه التكلان فيما سوف أورده فيما يلى، للتنبيه على الخلط الذى يقع فيه أولئك وهؤلاء، قبل أن يتحول هذا الأمر من (كلام غير دقيق) إلى (كلام سخيف) إلى (كلام مكلوم) إلى أفعالٍ قائمةٍ على الكلام الخلافى، منذرةٍ بالعنف الاختلافى.. المقدَّس.

الجزية.. الخراج.. المكوس.. الضرائب.. الرسوم! هذه كلها مفردات لا شأن لها فى الأصل بالدين، إسلاماً كان أو غير إسلام. لكنها مفاهيم اقتصادية فى الأساس، يُعبر عنها الآن بصيغة معاصرة هى (مصادر الدخل العام) لكنها ارتبطت مؤخراً فى الأذهان، زوراً، بالفتح الإسلامى لمصر.. أو (الغزو) حسبما يطيب لبعض «نابهى» الأقباط المعاصرين تسميته، كنوعٍ من الإدانة له! بينما الأمر من الجهة المقابلة (الإسلامية) لا يتضمن أى إدانة..

فالمسلمون طيلة تاريخهم يقولون عن الفتوحات من دون حرج «المغازى» ويؤرخون فى السيرة النبوية لحروب النبى تحت عنوان «غزوات النبى» ويمدحون البطل بأنه «الغازى» ويسمون بعض أطفالهم «غازى» من دون أى شعور بالإدانة المرادة مؤخراً، عند استعمال كلمة (غزو مصر) بدلاً من فتح مصر.

المهم، أن كلمتيْ : فتح / غزو، صارتا ترتبطان مؤخراً فى الأذهان بمفهوم مضطرب المعنى فى ذهن معاصرينا، هو مفهوم «أهل الذمة» حتى إن بعض (الإسلاميين) المعاصرين يشير إلى أقباط مصر بأنهم أهل ذمة! ومن ثم، فإن عليهم دفع الجزية! ومن ثم، فالرئيس الحالى لمصر رجل طيب لأنه لا يأخذ من الأقباط الجزية.. وهذا بالطبع خلط وتخليط من أولئك وهؤلاء، أخشى إن أهملنا النظر فيه أن ينقلب نزاعاً يؤججه الاحتقان الحالى بين الفريقين. ولذلك نقول:

الذمة فى اللغة العربية، وفى المفهوم الفقهى الإسلامى، تعنى (الأمان) وهى لا ترتبط بأى معنى سلبى، بل على العكس، كان العربى يمتدح القوم بأنهم بالنسبة إليه «لهم ذمة» وفى شعر المتنبى: إن المعارف فى أهل النهى ذمم. وفى كلامنا المعاصر إذا استحلفنا شخصاً بأمرٍ عزيز، قلنا: بذمّتك؟

إذن، الذمة ليست أمراً مذموماً، حتى يظن (الإسلاميون) أنهم يهينون الأقباط بإطلاق هذا الوصف عليهم، وهى لا تتضمن فى أصلها أى انتقاص، حتى يظن (المسيحيون) أنها تقليل من شأنهم، ولم يكن نبى الإسلام يقصد بها أية معانٍ سلبية حين أوصى بأهل مصر (القبط) خيراً، لأن لهم حسبما ورد فى الحديث الشريف: رَحماً وذمة.. غير أن المتأسلمين المعاصرين، والمتأقبطين، صاروا يحيلون كلامهم إلى نَواحٍ تخدم حالة النُّواح المزمن الذى صار الفريقان يلتذان به، من دون انتباه إلى أن بقية الناس قد يقعون فريسة لهذا النُّواح الذى سرعان ما ينقلب نحيباً ثم مهارشةً ثم مكافحةً ثم صراعاً، مع أن أساسه وهمى تماماً.

والعجيب فى هذا الأمر، أن الذمة (عقد) سنوى، لم يعد يعقد منذ قرون طوال. فقد صار المصريون جميعاً يعانون الحرب معاً، ولا يدافع بعضهم عن بعض مقابل ضريبة سنوية هى التى كانت تسمى الجزية. وبالتالى فلا معنى أصلاً لطرح هذا الأمر من الأساس. ناهيك عن الاختلاف حوله والاستشهاد به كى يحقق البعض من أولئك وهؤلاء أغراضاً فى نفوسهم، لا صلة لها أصلاً بهذا الدين أو ذاك، وإنما هى حذلقات (افتكاسات) وتهويمات (فذلكات) يخدعون بها الناس فى بلادنا.. الناس (الغلابة) ذهنياً، الذين يسميهم المتأسلمون (الجمهور) ويسميهم المتأقبطون (الشعب)

وكأن هناك تصنيفاً حقيقياً للمصريين بناءً على انتمائهم الدينى، وكأن «الجمهور» فى كلام المتأسلم لا يشمل المسيحيين، وكأن «الشعب» فى كلام المتأقبط لا يشمل المسلمين.. مع أننا جميعاً، شئنا أم أبينا، صرنا مع الأيام كياناً واحداً، فى ذمة واحدة هى ذمَّة التخلُّف وفقر الفكر وفكر الفقر وعُصاب التعصُّب وتعصُّب العصابيين، من المستفيدين بالخلاف من أولئك وهؤلاء.

ولمن أراد التدقيق فى معرفة حقيقة «الجزية» وكيف أنها لا ترتبط عقائدياً بالدين الإسلامى، ولا تاريخياً بأقباط مصر؛ نسوق الشواهد المستقاة من المتون (الكتب) التاريخية، والحواشى (الشروح) الفقهية، والوقائع (الحوادث) الفعلية التى تؤكد أن الناس صاروا اليوم فى وهم عظيم.. ولسوف نجمل ذلك فى النقاط التاليات:

أولاً: الجزية مفهوم عربى سابق على الإسلام، حيث كانت القبائل والعشائر «تجير» بعضها بعضاً، مقابل رسوم معلومة يدفعها الذى لا يرغب فى خوض الحروب، لمن يتولى الدفاع عنه عند اللزوم. فهى أشبه بما نعرفه اليوم تحت اسم الأحلاف العسكرية بين الدول، أو اتفاقيات الدفاع المشترك.. أو على نحو أكثر محدودية، تأجير شركات الأمن والخدمات التأمينية (الحراسة).

ولما جاء الإسلام استخدم المسلمون كثيراً من التقاليد العربية التى كان معمولاً بها من قبل، ومنها هذا التقليد المسمى «إجارة» أو «عقد ذمة» أو «عهد أمان».. إلخ، وبالتالى فلا معنى لمخادعة الناس اليوم، بطرح هذا الأمر وكأنه أصل من الأصول الدينية.

ثانياً: لم يكن الأقباط حين جاء عمرو بن العاص فاتحاً (غازياً) يحكمون مصر، كى يقال إنه أخذها منهم أو احتلَّها من أصحابها الأصليين! فالذى يملك مصر هو الإمبراطور هرقل، وقبله بسنواتٍ الفرسُ (البابليون) وقبلهم بسنوات نيقتاس.. وهؤلاء جميعاً ليسوا مصريين أصلاً، ولا أقباطاً أصلاً!

بل الأكثر من ذلك، أن مصر طيلة تاريخها لم يحكمها حاكم قبطى (قطُّ) لا فى أيام عمرو بن العاص، ولا قبله، ولا بعده. وبالتالى فإن خرافة (أصحاب البلد) التى بدأت تروج مؤخراً، هى محض خرافة وتوجيه للأكاذيب.. وإلا، فليقل لنا هؤلاء اسماً واحداً، لحاكم قبطى واحد تولى حكم هذا البلد.

ثالثاً: فى الزمن الذى كان فيه تقليدُ «الجزية» معمولاً به، كان هناك أيضاً «الخراج» وسيلة من وسائل تمويل الدخل العام الذى ينفق منه على المنافع العامة ومتطلبات الدفاع. فالجزية والخراج هما (الضرائب العامة) التى يدفعها المسلم تحت اسم الخراج، وغير المسلم باسم الجزية.

وكلاهما كان يسمى قبل مجىء الإسلام لمصر ودخول معظم المصريين فيه، باللفظ اليونانى MAKSO الذى حُرِّف وصار «المكس» ولذلك يسمى أحد أحياء الإسكندرية إلى اليوم، بالمكس، لأن الضرائب كانت تُدفع للروم هناك.. ولما جاء المسلمون لم يكن همهم تحصيل أعلى قدر من الضرائب العامة، جزيةً، أو خراجاً، أو مكوساً، وهو ما يظهر لنا من قول عمرو بن العاص لأحد أساقفة مصر المعاصرين له (ولا نعرف إن كان هذا الأسقف قبطياً أم بيزنطياً) حين سأله الأسقف عن القدر المالى المطلوب دفعه كل عام: لو جئت لى بملء هذه الكنيسة ذهباً ما أخذته منك، فأنتم خزانة لنا، إن يسَّر الله علينا يسَّرنا عليكم، وإن عسَّر عسَّرنا..

وقد اعترض عمرو بن العاص، نفسه، على الخليفة عثمان بن عفان حين ضغط نائبه فى مصر (عبد الله بن أبى سرح) على البلاد، فجمع منها مالاً كثيراً. وهذه الواقعة مشهورة فى التاريخ الإسلامى، ورواها عدد كبير من المؤرخين والإخباريين ورواة السيرة والتراجم.

رابعاً: لم يكن نظام «الجزية» معمولاً به فى كل البلاد التى فتحها المسلمون، بل إن النبى نفسه أسقطها عن أهل «نجران» مقابل بعض الأثواب التى كانوا ماهرين فى صناعتها، والتعهد بأن يستضيفوا الذين يمرون عليهم من المسلمين.. وقد أسقط عمر بن الخطاب (الخليفة) الجزية عن أهل قبيلة «تغلب» التى كانت من كبريات القبائل المسيحية فى العراق. كما أسقطها عن الشعوب غير المسلمة فى آسيا، وأسقطها عن بعض نواحى أنطاكية فى مقابل بعض التسهيلات (اللوجستية) التى تعهدوا بها.

خامساً: إن عقود الذمة والجزية التى تم إبرامها فى بدء الانتشار الإسلامى فى العالم، كانت تتضمن نصوصاً مثل ذلك الذى ورد فى عهد خالد بن الوليد مع المسيحيين من أهل «الحيرة» حيث جاء فيها: أى شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت عنه الجزية وعِيل (حصل على راتب) من بيت مال المسلمين.

وعندما وجد الخليفة عمر بن الخطاب يهودياً يسأل الناس (شحَّات) وعرف منه أنه لا يملك شيئاً، ولا يستطيع دفع الجزية؛ أعطاه من ماله الخاص ثم أخذه إلى خازن بيت المال (= وزير المالية) وأمره أن يُسقط عنه وعن أمثاله الجزية.. وبعده بزمان، كتب الخليفة عمر (ابن عبد العزيز) إلى نوابه فى الأقاليم والبلاد: إن كان عندكم من أهل الذمة، مَنْ كبر سنه وضعفت قوته وولَّت عنه المكاسب، فأجروا عليه رزقاً (رواتب) من بيت مال المسلمين.. وقال القرطبى: الجزية توضع على الرجال الأحرار البالغين،الذين لا يقاتلون، ولا تكون على النساء والذرية والعبيد والمجانين والمغلوبين على عقولهم، ولا على الشيخ الفانى (كبير السن).

سادساً: كان من وسائل الدخل العام وتحصيل الفلوس: الجزية، المكوس، الخراج، التعشير، الزكاة، فداء الأسرى (الاكتتاب العام) الوقف (المشروعات القومية القائمة على التبرعات).. فليكفّ مثيرو اللغط، من أولئك وهؤلاء، عن الطنطنة الفارغة بحكاية الجزية، رغبة فى تهييج بواطن أهل البلد، بعضهم على بعض.

====
3
د. يوسف زيدان يكتب: أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف (٣/٧)

٣٠/ ٩/ ٢٠٠٩
أقباط مصر.. أقباط المهجر.. الكنيسة القبطية.. المرحلة القبطية.. الزمن القبطى السابق على الفتح العربى لمصر.. مؤتمر القبطيات.. منظمة أقباط الولايات المتحدة..

موقع الأقباط المتحدون.. صوم القبط.. أعياد الأقباط.. قبط! هذه التعبيرات، وغيرها الكثير، هى تسميات مشهورة ومفاهيم عامة وعناوين اشتهرت مؤخراً على الألسنة وتداولتها الأقلام. حتى إنه لم يعد من الممكن الشك، مجرد الشك، فى مسألة (القبطية) ومشتقاتها الكثيرة، باعتبار أن لها معنىً محدداً ودلالة واضحة تشير إلى جماعة معينة، وصنفٍ مخصوص من المصريين يتميز بالدين (المسيحى) عن أصحاب الدين الإسلامى، فكأن أولئك وهؤلاء منفصلون..

غير أننا سنرى فيما يلى، أن (القبطية) هى مفهوم معاصر يرتبط -بالضرورة- بالثقافة العربية الإسلامية، ولا يمكن له أن يوجد خارج هذه الثقافة. والأمر يقتضى منا الرجوع فى الزمن إلى الوراء قليلاً، ثم نتقدم منه إلى زمننا الحالى، خطوةً خطوة، فنفهم (السر) الكامن وراء هذا الخلاف الموهوم بين المصريين، عبر تصنيفهم (السخيف) إلى مسلم وقبطى، بناءً على اختلاف ديانة كل منهما، وكأن الديانات صارت أوطاناً لها هويات.

انتشرت المسيحيةُ فى القرنين الثانى والثالث الميلاديين، انتشاراً رتيباً هادئاً، كان لابد من حدوثه!

فالإمبراطورية الرومانية كانت قد سارت آنذاك فى سُبل الاضمحلال التدريجى، بعدما كانت قد بسطت جناحيها على الشرق والغرب، وأدخلت (مصر) إلى حدود الإمبراطورية التى عاشت زمناً مجيداً، ثم بدأ اندثارها مع انتشار مظاهر البذخ والخلاعة، وانغماس سكان روما والمدن الكبرى (التى تؤدى إليها كل الطرق، وتؤدى هى إلى روما باعتبارها عاصمة العالم آنذاك) فى اللهو والمجون والمتع الحسية، على نحوٍ فاق كل الحدود وتجاوز حدود المعقول إلى آفاق اللامعقول.

وحسبما يقول ابن خلدون فى مقدمته الشهيرة (مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر) فإن الترف يؤدى بالضرورة إلى انحلال السلطة السياسية! وهو ما حدث فعلاً مع الإمبراطورية الرومانية التى أخذت أوصالها تتفكك وقلبها يهترئ، حتى سقطت أسوارها سنة ٤١٠ ميلادية أمام جحافل القوط (الألمان) ولم تعد من يومها إلى سابق عهدها المجيد، قطُّ، مما أفسح مجال المنافسة على زعامة العالم، أمام مدن أخرى مثل أنطاكية والإسكندرية..

ودخلت حلبة المنافسة مدينة المقر الإمبراطورى: بيزنطة (القسطنطينية، إسطنبول) التى بناها الإمبراطور قسطنطين الكبير الذى تبنى المسيحية وتسامح معها باعتبارها إحدى الديانات الكثيرة المعترف بها آنذاك، فضمن بذلك ولاء المسيحيين الذين كان عددهم قد ازداد تدريجياً فصاروا فى زمانه (بداية القرن الرابع الميلادى) يمثلون عشرة بالمائة من مجموع السكان.

ومن منتصف القرن الرابع الميلادى، وحتى امتلاك المسلمين لأنحاء الإمبراطورية الرومانية فى طورها الثانى: البيزنطى (دولة الروم، لا الرومان) وهو ما حدث فى النصف الأول من القرن السابع الميلادى، مضت سنوات طوال تنافست فيها المدن الكبرى على زعامة العالم عوضاً عن روما.. ومع الانتشار الواسع للديانة المسيحية، كان لابد أن يكون التنافس دينياً، فاتخذت الإسكندرية مذهباً، وأنطاكية مذهباً آخر، وروما مذهباً ثالثاً وبيزنطة مذهباً رابعاً..

وهكذا، وكانت هناك تقلبات فى هذه المذاهب التى تشكلت وتحددت مواقفها العقائدية فى المؤتمرات الكنسية الدولية التى سميت اصطلاحاً بالمجامع المسكونية.. خاصةً مجامع: نيقية ٣٢٥ ميلادية (حيث استعلنت الإسكندرية على الجميع) وإفسوس سنة ٤٣١ ميلادية (حيث انتصرت الإسكندرية بصعوبة على بيزنطة) وخلقيدونية سنة ٤٥١ (حيث أُهينت الإسكندرية وخرجت من الساحة العالمية إلى غير رجعة).

وفى مجمع خلقيدونية هجم الأساقفةُ الممثلون لكبريات الكنائس العالمية (المسكونية) على أسقف (بابا) الإسكندرية المسكين «ديوسقوروس» ونتفوا شعر لحيته وضربوه، وياللعار، بالنعال!

فكان من الطبيعى أن يغضب أتباعه فى مصر والشام، وهو ما حدث فعلاً.

خاصةً بعدما تبنى القسيس (القَسّ) السورى «يعقوب البرادعى» وجهة نظر الإسكندرانيين فى العقيدة المسيحية، وهى العقيدة التى أدت إلى اختلاف الكنائس الكبرى الأرثوذكسية (أى الإيمان القويم) بسبب الجدل حول طبيعة السيد المسيح: هل (الابن) و(الآب) من طبيعة واحدة، أم عن طبيعة واحدة!

وما بين «من» و«عن» حدث خلاف عظيم كان السر فيه هو السعى إلى زعامة العالم المسيحى، وهو ما أدى إلى اختلاف مروِّع تسبب فى جريان أنهار الدم بين أولئك وهؤلاء، لأن الإسكندرانيين لم يرضوا بالأساقفة الذين كانت بيزنطة (العاصمة الإمبراطورية) ترسلهم، فكانوا يختارون من بينهم هم أساقفة آخرين (بابوات) ويقتلون المرسَلين من بيزنطة وروما..

وقد حدثت بين الفريقين، فى الإسكندرية، وقائع مروِّعة، وجرى فى شوارع المدينة دم كثير، لأن الإسكندرانيين الذين لم يوافقوا على مجمع خلقيدونية (اللاخلقيدونيين) كانوا يهجمون على الأساقفة الخلقيدونيين فيفتكون بهم فتكا شديداً، فيفتك بهم الآخرون..

ولا أريد هنا أن أُفزع القراء بذكر هذه الوقائع المروِّعة، ويكفى أن نذكر أن الأسقف «البابا» الذى اختاره الإسكندرانيون، وهو الأمبا تيموثيوس الملقب بالقط (أو ابن عرس) قتل الأسقف «البابا» بروتيروس المرسَل من بيزنطة، فى قلب كنيسة الإسكندرية، بل وفى مكان المعمودية المقدس..

بينما قتل الأسقفُ الشنيع كيرس الملقب بالمقوقس (لأن أصله من القوقاس) عشرين ألفاً فى ميدان محطة الرمل بالإسكندرية، فى يوم واحد، لأنهم لم يوافقوا على المقترَح العقائدى الذى طرحه عليهم لحل مشكلة طبيعة المسيح!

ولم تكن كنيسة الإسكندرية آنذاك تسمى (القبطية) ولا كان أتباعها يعرفون بالأقباط.

كان يقال لهم «اليعاقبة» نسبة إلى يعقوب البرادعى، وكان يقال لهم «مونوفيست» نسبة إلى الكلمة اليونانية التى تعنى الطبيعة الواحدة، وكان يقال لهم «الإسكندرانيون» نسبة إلى العاصمة المصرية التى تهيمن على أديرة وادى النطرون الذى كان اسمه آنذاك وادى هبيب.

ولم يعترف هؤلاء بهذه التسميات، واختاروا لأنفسهم فيما بعد اسم (المرقسيون) نسبة إلى مرقس الرسول الذى بشَّر (كرَّز) فى الإسكندرية وقُتل فيها (استشهد) على أيدى الرومان سنة ١٩٦٨ ميلادية، وهى تسمية لم توافق عليها بقية الكنائس الكبرى فى العالم، لأن الكنائس لو حملت أسماء الرسل (الحواريين) لكان هناك الكنيسة اليوحناوية والكنيسة البطرسية والكنيسة المتاوية.. إلخ، وهذا غير معمول به.

كانت هناك، إذن، مشكلة فى تسمية هؤلاء (اللاخلقيدونيين، اليعاقبة، المونوفيست، المرقسيين، الإسكندرانيين) ولم يكن من المعتاد أن يشار إليهم بالمصريين أو الكنيسة المصرية، لأن مصر آنذاك كان بها كنائس أخرى، مثلما هو الحال اليوم، وكانت أهمها وأكثرها أتباعاً كنيسة الخلقيدونيين (الملكانيين، أتباع الملك، الروم الأرثوذكس).

وكان العرب يشيرون إلى سكان مصر باستعمال وصفين، الوصف الأول هو (المصريون) وهم أهل القبائل العربية التى كانت تعيش فى مصر من قبل الفتح بقرون طوال (كان ستون بالمائة من أهل عاصمة الصعيد «قوص» يتكلمون العربية منذ القرن الخامس الميلادى) أو هؤلاء الذين جاءوا لاحقاً مع عمرو بن العاص واستقروا بمصر.

هؤلاء جميعاً يسميهم العرب «المصريين» ولذلك نجد فى كتب التاريخ الإسلامى، أن الخليفة عثمان بن عفان «قتَله المصريون» والمراد بهم هنا، العرب المسلمون الذين كانوا يعيشون بمصر..

والصنف الآخر من أهل مصر، بحسب التسمية العربية التى كانت مستعملة آنذاك، هى (القبط) وهم أهل مصر من المسيحيين، بصرف النظر عن مذهبهم العقائدى.

وقد استعمل العرب كلمة «قبط» استناداً إلى الكلمة اليونانية «إ جبتوس» بأن نزعوا كعادتهم اللاحقة الأخيرة (الواو والسين) فاستبقوا «إجبت» ونطقوها القبط، تمييزاً للمسيحى فى مصر عن مسيحيى الشام والعراق الذين كانوا يسمونهم: النصارى..

وهى بالمناسبة تسمية غير دقيقة، ولكنها مأخوذة من التعبير القرآنى الذى يشير إلى أن الحواريين (تلاميذ المسيح) هم الأنصار، حسبما ورد فى الآية القرآنية )..

كَمَا قَالَ عيسى ابن مريم للحواريينَ منْ أنصارى إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصار اللهِ..).

كان العرب إذن، من قبل الإسلام ومن بعده، يسمون المسيحيين فى مصر (القبط) بصرف النظر عن مذهبهم العقائدى، ولذلك نجد الرسالة المشهورة من النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى مصر، مرسَلة إلى «المقوقس عظيم القبط» مع أن المقوقس كان الأسقف الملكانى (الخلقيدونى) بينما كان للآخرين الذين نعرفهم اليوم باسم الأقباط، أسقف آخر هو بنيامين.. وكان بنيامين هارباً من وجه المقوقس البشع، الذى يجب أن يسمى عصره، بحق: عصر الاستشهاد!

لأن الذين قتلهم المقوقس ببشاعة مروِّعة، يزيدون بعشرات المرات عن جميع الذين قتلهم الرومان فى مصر خلال زمن الاضطهاد الذى امتد قرابة قرنين من الزمان، بسبب إيمانهم بالمسيحية وهروبهم من الزراعة إلى الصحراء، وهو ما سوف يعرف اصطلاحاً بحركة الرهبنة.

وأظن، وقد أكون مخطئاً، أن الكنيسة (القبطية) المعاصرة، يجب عليها أن تتخلى عن التقويم الخاص الذى تعمل به حالياً، أعنى التقويم المسمى «تقويم عصر الشهداء» أو «التقويم القبطى» وهو الذى يبدأ من سنة ٢٨٤ ميلادية، باعتبارها السنة التى تولى فيها دقلديانوس الحكم..

ومن الممكن أن يجعلوا، إن أرادوا، سنة مجىء المقوقس إلى مصر هى بداية هذا التقويم الخاص بهم– إن كان هناك ضرورة أصلاً لأن يكون هناك تقويم خاص، فى مقابل التقويم الهجرى الذى يحبه الإسلاميون ولا يعرفه اليوم معظم المسلمين، حتى إنك إذا سألت أحدهم عن السنة الهجرية الحالية، فلن يعرف!

وأننى أقترح ذلك! لأنه، فى حقيقة الأمر ووفقاً للتاريخ الفعلى، فإن دقلديانوس لم يقتل من (الشهداء) إلا أقل القليل بالقياس إلى المقوقس الذى استشهد على يديه عشرات الآلاف مدفوعين بحب الاستشهاد.. وسوف أعود للكلام على الجهاد وحب الاستشهاد فى مقالة قادمة من هذه السلسلة.

إذن، فالتسمية ذاتها (القبطية) هى تسمية عربية إسلامية، ولم تكن تفرق بين أتباع الكنائس المصرية. ولما استقرت مصر بيد عمرو بن العاص، وبعد فتحه (الثانى) لمدينة الإسكندرية التى غاظته كثيراً بسبب تمردها عليه، حتى إنه أقسم أمام أبوابها، بأن يهدم أسوارها..

قال: والله لئن ملكتها لأجعلنها مثل بيت الزانية (أى بلا أبواب، وغير حصينة) وقد قام بذلك فعلاً، فخرَّب سورها ونزع عنها البوابات، وعرض على أهلها الرحيل بما يملكون، إن أرادوا.

فكان الأغنياء (الملكانيون) يرحلون عنها بممتلكاتهم بحراً إلى بيزنطة وبقية أنحاء أوروبا، بينما يمكث فيها الفقراء (اللاخلقيدونيون، اليعاقبة، المونوفيست، المرقسيون) فرحين برحيل أعدائهم فى المذهب الدينى، مهما أخذوا معهم من أموال وممتلكات.

ومن هنا، فيما أظن، جاء التعبير المصرى الشهير الذى لا يزال يتردد على الألسنة إلى اليوم، كلما رحل عنا شخص أو جماعة غير مأسوف على رحيلهم: المركب اللى تودى!

وهكذا قام المسلمون، بغير قصد، بتفريغ مصر من معظم أتباع المذهب الخلقيدونى، فأسهموا بذلك فى استقرار أعدائهم الذين نسميهم اليوم (الأقباط) استناداً إلى التسمية العربية لهم..

وبالطبع، لم يرحل جميع المسيحيين (الملكانيين) بل ظلت لهم كنائس وبيع وممتلكات يدفعون عنها الجزية فى مقابل الأمن، حسبما ذكرنا فى مقالنا السابق، وكانت هناك كنائس أخرى تعيش بمصر– مثلما هو الحال اليوم- ولكن هذا الوضع الجديد (العربى / الإسلامى) سمح لإخواننا الذين نسميهم اليوم، ويسمون أنفسهم (الأقباط) بالاستقرار والزيادة العددية. خاصةً أن عمرو بن العاص أطلق لرئيسهم الدينى (بنيامين) أماناً عاماً، حيثما كان، يدعوه فيه للخروج من مخبئه والمجىء بسلام لرعاية أتباعه..

وقد استجاب بنيامين (الأسقف، الأمبا، البابا) وجاء إلى عمرو بن العاص الذى التزم بما وعده به، وترك له الحرية التى كان محروماً منها، وسمح له بتجديد الكنائس وتنظيم أمور رعاياه، رغبة من الفاتح (الغازى) العربى المسلم، العظيم: عمرو بن العاص، فى استقرار الأحوال بمصر.

لأنه كان قد أحبَّ هذه البلاد، ونظر إليها باعتبارها (خزانة الإسلام) ولذلك غضب لاحقاً عندما أرهقها «عبد الله بن أبى سرح» بالمكوس وضغط على أهلها لتحصيل الجزية..

ولما سنحت له الفرصة، عاد عمرو بن العاص لحكم مصر، وظل يحكمها حتى وفاته. فلما استقرت بيده، استقر أهلها من (المصريين) ومن (القبط) على اختلاف كنائسهم.

من هنا، أدعو إخوانى «الأقباط» لتصحيح فكرتهم النمطية عن مسألة فتح مصر، وأدعو (المتأسلمين) إلى الكفِّ عن النظر إلى المسيحيين المصريين على أنهم: غرباء فى وطنهم!

وأدعو (المتأقبطين) إلى الكفِّ عن تلك الخرافة التى تقول إن مصر وطن الأقباط (بالمعنى السياسى المعاصر) وإن العرب المسلمين سلبوا البلاد من أيديهم (فهى لم تكن يوماً بأيديهم) كما ذكرت فى مقالتى السابقة، فهى لم يحكمها طيلة تاريخها حاكم واحد (قبطى) بالمعنى المعاصر لهذه الكلمة، وهو المعنى الذى قام واستقام واستقر، باعتباره صناعة عربية إسلامية.. لا غير!

وبالتالى، فإنه من قادحات الشرر المنذرات بالشرور، الادعاء بأن الإسلام قام باحتلال مصر.. بلادنا.. الطيبة.. الحزينة.. الدافئة.. الحنون.. المرهقة.. الشاحبة.. الحبيبة.. المحيرة!