(2-2) عينة صغيرة من هذه التناقضات:
لأنَّ أُناسًا كَثيرينَ شَهِدوا علَيهِ زُورًا فتَناقَضَت شَهاداتُهُم. فقامَ بَعضُهُم وشَهِدوا علَيهِ زُورًا، قالوا: »نَحنُ سَمِعناهُ يَقولُ: سأهدِمُ هذا الهَيكَلَ المَصنوعَ بالأيدي، وأبني في ثلاثةِ أيّامِ هَيكَلاً آخَرَ غَيرَ مَصنوعِ بالأيدي«. وفي هذا أيضًا تناقَضَت شَهاداتُهُم.
الكتاب المقدس – مرقس 14: 56-59
لقد علم علماء المسيحية و تعرّفوا و دوّنوا التناقضات الكثيرة و المنتوعة الموجودة في الكتاب المقدس منذ عصور من الآن. هذه التناقضات هي نتيجة مباشرة للمحاولات المستمرة بلا هوادة لتصحيح و تقويم و تحسين الكتاب المقدس بهدف جعل عقيدة ما "واضحة" للقارئ. إن العامة هم الذين تُركوا في الظلمة في هذا الخصوص. يوجد أدلة واسعة تاريخية و نصيّة نجدها في أسفار الكتاب المقدس تؤكد على هذه النتيجة. الكثير من الأمثلة المفصلة قد تم عرضها في هذا الفصل من الكتاب و في سابقه. فكما رأينا سابقاً، بعض علماء المسيحية يقدرون الأخطاء في الكتاب المقدس في مجال يتراوح بين 14,800 – 50,000 أو حتى أكثر من ذلك. لهذا السبب أصبح من الضروري أن تطلب الكنيسة "الإيمان الأعمى" من قبل عامة الناس.
من المعروف الآن أن متّى ليس هو كاتب إنجيل متّى (إقرأ مثلاً متى 9:9)، و كذلك يوحنا ليس هو كاتب إنجيل يوحنا (إقرأ مثلاً يوحنا 21: 24).. و هلمّ جراً. و ذهب هؤلاء العلماء المسيحيون (وليس المسلمون) أبعد من ذلك في محاولة لتحديد المستندات الأصلية التي أُخذت عنها هذه الأسفار، مثل J، P، Y، Q.. إلخ (أنظر القسم 2-3). لقد شهد القرآن منذ قرون من الآن أن كتب الله السابقة قد طرأ عليها التعديل بأيدي قليل بلا ضمير. و حتى الآن عندما يدرك المسيحيون بأنفسهم و جامعاتهم أن هذا حقيقة تاريخية، لا يكلفون أنفسهم في إخبار العامة. يبدو أن بعض العلماء المحافظين – أمثال السيد بروس F.F. Bruce – قد توقفوا تماماً عن تفنيد دليل التحريف و التجؤوا الآن إلى "روحانية" الكتاب المقدس ليحدثوهم نتيجة لذلك أن تعاليم الكتاب المقدس مفيدة بأي حال حتى ولو كنا لا نعلم من هم المؤلفون الذين أوحي إليهم.
آخرون يرفضون بإصرار تصديق أن أحداً قد بدل كلمة الله أو أن الكتاب المقدس يحتوي على أي تعارض من أي نوع كان مهما كانت حجم الأدلة المقدمة. فهم إما:
* يبررون تلك التعارضات باستخدام التجريد ليشرحوا المعنى "الحقيقي" للأعـداد المقدمة، أو
* يشرحونها باستخدام فرضيات شخصية ليست موجودة في الكتاب المقدس، أو
* أو يزعمون أن هذه الأمور ليست بذات أهمية و أن الكلمات لازالت وحياً من عند الله حتى لو كنا لا نعلم من هم المؤلفون "الموحى إليهم" ولو تضاربت رواياتهم.
و حتى في ذلك، فهم لا يحاولون شرح كافة التناقضات المقدمة. كما رأينا في الفقرة السابقة، فقد قاموا بتطوير نظام يتمكنون من خلال فقرة واحدة تخفيض عدة آلاف من التناقضات إلى "عدد قليل لا تكاد تذكر أهميته"، و قبل الوصول إلى نهاية الفقرة يمسح هذا "العدد القليل" بسرعة على أنها "مجرد تناقضات في الظاهر".
المشكلة في كثير م الحالات أن الطبيعة البشرية عندما تُخيّر بين أمرين، تختار الأسهل ولو لم يكن أحياناً الخيار الأفضل. بهذه الطريقة يخسر الكثير من الناس مدخرات حياتهم مع أناس يخبرونهم أن سيستثمرونها في "ربح أكيد"، أو مع أناس يشجعونهم في الدخول في المقامرات. إننا لا نتوقع من أرضنا أن تنبت الثمار دونما بذل العمل الشاق لشهور. إننا لانتوقع من شركة أن تدفع لنا شيكاً اسبوعياص بمبلغ ضخم دون أن نقدم عملاً مفيداً للشركة. إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالأجر الأخير – فردوس رب العالمين – يقال حينها أننا غير مضطرين للعمل بعد الآن للحصول على الأجر الأخير.
لقد جعل بولس من الخلاص في المسيحية سلعة سهلة جداً، فما عليهم إلا أن "يؤمنوا". لا يطلب منهم عملاً فعلياً. لا يجب على أحد أن يعمل من أجل خلاصه [رومية 3: 28، إلخ]. لقد جلب لهم بولس "أمراً مؤكداً" و طريقاً مختصراً للخلاص. و بالنسبة لوصايا عيسى (عليه السلام) التي حافظ عليها بنفسه بإخلاص و تمام حتى حادثة الصلب، فقد تم طرحهم جانباً من قبل بولس على أنها قديمة و مفسدة و على وشك الزوال [العبرانيين 8: 13، إلخ].. إن الحقيقة - بأن عيسى (عليه السلام) أخبر أتباعه بنفسه أن الحفاظ على الوصايا و بيع ممتلكاتهم سيجعل منهم "كاملين" – أصبحت في طي النسيان [متى 19: 16-21]. و الحقيقة - بأن عيسى (عليه السلام) أمر أتباعه بنفسه بالحفاظ على الوصايا لآخر الزمان – قد نُسيت أيضاً [متى 5: 17-19]. كل ما يحتاجون إليه هو "الإيمان"، فقد تم خلاصهم. أما الشريعة و الوصايا فهم مجرد "إضافة".
قمت في هذا القسم بعرض جدول يتضمن عينة صغيرة من التناقضات الكثيرة و المتنوعة بين أعداد الكتاب المقدس. تلك ستكون بعض الأمثلة الواضحة البسيطة و المعروفة اليوم. أما البعض الآخر منها يتطلب مقارنة بين نصوص عدة (مثلاً القسم 5-2، 5-4، 5-5) أو يتطلب معرفة تاريخية أو علمية معينة. إني أحث القارئ للتحقيق في هذه الأمثلة و محاولة تحليل الأعذار المقدمة بخصوصهم بموضوعية. أرجو ألا تقبل أي محاولة لتبرير هذه التناقضات دون تحليلها أولاً بعناية. و عندما يخبرك أحدهم أن أمراً ما كان خطأ في النسخ فتذكر أن النسّاخ – من ضمنهم نساخ العهد القديم – يدّعون أن كل كلمة و كل حرف قد أُحصيت و سُجلت بأمانة، و لهذا فإنه من المستحيل أن تتسلل إليها أخطاء غير مقصودة. إن هذا القول بحد ذاته يفند كل الأعذار (1).
=========================================
(1) في الحقيقة فإن علماء اليهود يخبروننا أن حفظهم الجاد للتوراة بأدق التفاصيل و أصغرها يتعدى مجرد إحصاء و تسجيل كل حرف و كلمة. فهم يقولون لنا مثلاً أن النسّاخ مدربون على مهمتهم من خلال دراسة الشريعة و العرف اليهوديين. و يخبروننا أن التوراة يجب أن تُكتب على برشمان خاص محلل مستخلص من الحيوانات المجترة. و بأن النسّاخ لا يسمح لهم باستخدام قلم مصنوع من المعدن (تعتبر أداة حرب)، بل يجب استخدام ريشة من طير حلال كالديك الرومي. و بأن الحبر يجب أن يكون مصنوعاً من مزيج من بندق خاص (كالذي من الهند) و مسك عربي و ماء. و أن الصفحات يجب ضمها إلى بعض بعروق و أوتار حيوانات محللة بأسلوب لا يُظهر مكان الربط على وجه التوراة الأمامي. كما يوجد أيضاً قوانين فيما يتعلق ببنية الحروف العبرية، على سبيل المثال سبعة حروف فقط تحتمل الزخرفة تدعى "Tagin". فبوجود مثل هذه القوانين و النظم، هل يعقل أن تكون مئات الأخطاء الكثيرة في العهد القديم و التي وثّقت من قبل علماء الكتاب المقدس جميعها "زلات أقلام" حسنة النية؟
=========================================
لقد شاهدت كثيراً من المزاعم حول "الإعجازات العددية" و "مكتشفات الشيفرة" في الكتاب المقدس. و مرة أحدى هذه المزاعم التي تطرقت لها حديثاً تقول أن التوراة أظهرت مؤخراً صحة إحصائية بنسبة تتعدى 99.998%. أحد هؤلاء الرجال الذين استحوذ هذا
الموضوع على فكرهم هو إيفان بانين Ivan Panin الذي أمضى /50/ سنة في كتابة أكثر من /43000/ صفحة يبحث عن عددية الكتاب المقدس في محاولة إثبات أن الكتاب المقدس يحتوي على معجزة عددية فيما يتعلق بالرقم سبعة و أحد عشر، و مواقع الحروف و غيرها من الأمور.
بداية، كما يلاحظ جاري ميلر Gary Miller فإن الكتاب المقدس لا ينص على أن مثل هذه الأمور ذو علاقة بالموضوع. فالله لم يقل في أي مكان: ((أنظر معجزة السبعة و الأحد عشر!)). ثانياً، فإن هذه "المعجزات العددية" يستشهد بها في إثبات أن الكتاب المقدس قد تم "حفظه بشكل تام". و مع ذلك فإن الكتاب المقدس يحتوي على تضارب عددي (أنظر إلى الأمثلة في الجدول التالي) و التي يعزوها نفس العلماء علىأنها "زلات أقلام". فأي من هذا هو الصحيح؟ هل حُفظ الكتاب المقدس بشكل تام دونما خطأ فحوى معجزات عددية و نصيّة خفية، و كل كلمة و كل حرف قد أُحصي و سُجّل، أم أن الكتاب المقدس قد تعرض لـ"زلات الأقلام" كحال نسخ الكتاب المقدس الحالية بأنها ليست 100% و بشكل كامل و تام كلمة الله المطلقة دون خذلان أو تيهان؟ من الواضح أننا لا نستطيع الجمع بين القولين.
على سبيل المثال، قام بانين Panin بنفسه بمراجعة العهد الجديد مستنداً على أفكاره الخاصة. ففي الأماكن التي لا يتوافق فيها النص مع نظريته فإنه يحسم الأمر معتمداً على ما يلائم خطته. أحد مؤلفي "النظرية الرياضية" تمسك بالقول أن سفر العبرانيين مجهول المصدر كتبه بولس لأن ذلك يؤدي إلى أن مجموع أسفار الكتاب المقدس المنسوبة لبولس سيكون عددها أربعة عشر – مضاعف العدد سبعة. لاحظ كيف يتم ليّ النص ليلائم النظرية بدلاً أن يكون العكس!!.
--يتبع--








رد مع اقتباس


المفضلات