من اسرار القران

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

من اسرار القران

النتائج 1 إلى 10 من 63

الموضوع: من اسرار القران

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اقتباس
    هلا كتبت لنا بالخط الواضح لان بعض الكتابات تزغلل النظر
    الاخت الفاضله ... هل المقصود نوع الخط او الحجم او لون الخط حيث هذه من خطوط المنتدي ...
    وجزاكم الله خير
    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي

    (46)‏ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
    بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار
    هذة الآية الكريمة جاءت في بداية الخمس الثاني من سورة الحجر وهي سورة مكية‏,‏ نزلت بين عام الحزن وعام الهجرة‏,‏ ولذلك فقد جاءت السورة الكريمة بروح التثبيت لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في مواجهة عناد ومكابرة كفار قريش له‏,‏ وتكذيبهم ببعثته الشريفة‏,‏ وتشكيكهم في الوحي الذي جاءه من ربه‏,‏ واتهامهم له زورا بالجنون‏,‏ وهم أعرف الناس برجاحة عقله‏,‏ وعظيم خلقه‏,‏ وشرف نسبه‏..‏ ولذلك فإن محور السورة الرئيسي يدور حول إبراز طبيعة المكذبين بدين الله الحق‏(‏ الإسلام‏),‏ ودوافعهم لتكذيبه‏,‏ وحول التأكيد علي سنن الله التي لا تتخلف ولا تتوقف عن عقاب المكذبين‏,‏ في كل زمان وفي كل مكان‏,‏ واستعراض مصارع عدد من هؤلاء الطغاة الكافرين‏,‏ والمشركين‏,‏ والمكذبين‏,‏ المفسدين في الأرض بغير حق‏,‏ والمتجبرين علي الخلق‏,‏ لعله يكون في ذلك عبرة للمعتبرين في كل وقت وفي كل حين‏...!!‏ وعدد آيات سورة الحجر تسع وتسعون‏;‏ وقد سميت بهذا الاسم لذكر الحجر في الآية الثمانين منها‏,‏ وهي مدائن صالح‏,‏ ديار قبيلة ثمود‏,‏ وهي عبارة عن بيوت منحوتة في الصخر الثابت علي جانبي الوادي‏,‏ أو المجلوب إلي بطن الوادي‏,‏ وهي الآن خربة‏,‏ تقع إلي الشمال الغربي من المدينة المنورة علي الطريق القديم بينها وبين مدينة تبوك‏.‏

    وتستهدف سورة الحجر التذكير بالمقاصد الأساسية للعقيدة الإسلامية‏,‏ وقد استهلت بثلاثة من الحروف المقطعة وهي الر‏,‏ والحروف المقطعة المعروفة باسم الفواتح الهجائية تتكون من أربعة عشر حرفا‏,‏ أي تضم نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين‏,‏ وقد وردت في أربع عشرة صيغة‏,‏ افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏,‏ وقد جمعها بعض علماء السلف في عبارة مبهرة تقول‏:‏ نص حكيم قاطع له سر وهو وصف للقرآن الكريم‏,‏ وقد حاول عدد غير قليل من علماء المسلمين استجلاء كنه هذه الفواتح الهجائية‏,‏ وتوقف العدد الأكبر عن الخوض فيها‏,‏ واكتفي بتفويض أمرها إلي الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ معتبرا إياها سرا من أسرار القرآن الكريم لم يتم اكتشافه بعد‏.‏
    وتنتقل السورة الكريمة إلي الإشادة بكتاب الله وآياته‏,‏ وروعة بيانه‏,‏ ووضوح دلالاته‏,‏ وتتابع بتهديد جازم للجاحدين من الكفار والمشركين بمشهد الآخرة‏,‏ وهم يعانون أهوالها‏,‏ وقد استبان لهم الحق فيتمنون لو كانوا في الدنيا من المسلمين‏...!!‏

    ومن قبيل التهوين من صلف هؤلاء الجاحدين تطلب الآيات من رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون‏,‏ ويشغلهم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من شقاء في الدنيا‏,‏ وعذاب مهين في الآخرة جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم‏...!!‏
    وهذا التهديد والوعيد من الله‏(‏ تعالي‏)‏ لهؤلاء الكفار والمشركين ولأمثالهم من التابعين لهم يليه مباشرة تذكير بمصائر غيرهم من الأمم الظالمة‏,‏ البائدة‏,‏ التي لم يهلك الله‏(‏ تعالي‏)‏ أيا منها إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا‏.‏

    وتذكر الآيات في سورة الحجر تحديات كفار قريش لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ واستهزاءهم به‏,‏ واستنكارهم لبعثته الشريفة حتي طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة‏,‏ ليشهدوا علي صدق نبوته‏,‏ وترد الآيات عليهم بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق‏,‏ وأن من هذا الحق أن يدمر الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ المكذبين بآياته ورسله بعد أن جاءتهم نذره‏...!!‏
    وتؤكد سورة الحجر أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي أنزل القرآن العظيم‏,‏ وهو‏(‏ سبحانه‏)‏ الذي تعهد بحفظه فحفظ بصفائه الرباني‏,‏ ولغة وحيه العربية علي مدي يزيد علي الأربعة عشر قرنا‏,‏ وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏,‏ فلا يمكن لتحريف أن يطوله‏,‏ ولا لتبديل حرف واحد أن يصيبه‏,‏ ولا لضياع أن يغيبه‏...,‏ وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها لهو بحق من أعظم المعجزات لهذا الكتاب الرباني الخالد الذي كذب به كفار قريش‏,‏ كما يكذب به كفار هذا الزمن ومشركوه وملاحدته‏...!!‏

    ومن قبيل تثبيت رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وتهوين الأمر عليه وعلي أتباعه الصالحين في كل زمان ومكان‏,‏ تذكر الآيات أن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏(‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ لم يكن منفردا دون غيره من رسل الله بجحود قومه وتكذيبهم ومكابرتهم‏,‏ وعنادهم واستهزائهم‏,‏ فما من نبي ولا من رسول سبقه إلا وتعرض لذلك وأشد منه‏,‏ فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا‏,‏ ولعذاب الآخرة أشد وأنكي‏...!!‏ وذلك لأنهم لم يكن ينقصهم الدليل المنطقي علي صدق الوحي‏,‏ وعلي ضرورة الإيمان به‏,‏ ولكنه الصلف‏,‏ والعناد‏,‏ والمكابرة في مقابلة الحق‏...!!‏
    وتصور لنا الآيات في أول سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل‏,‏ وعنادهم في مواجهة الحق‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

    ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون‏.‏ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
    ‏(‏الحجر‏:15,14).‏

    وفي وصف سورة الحجر بطبيعة المكذبين بهذا الدين‏,‏ ودوافعهم لتكذيبه عن عناد لا عن نقص في أدلة الإيمان‏,‏ وتصوير مصارعهم ومصائرهم المروعة‏,‏ تؤكد سنن الله التي لا توقف ولا تتخلف أبدا في جزاء المؤمنين وعقاب المكذبين‏;‏ وتستعرض عددا من آيات الله في الكون‏,‏ وفي الحياة والموت لدحض دعاوي المكذبين‏;‏ وتذكر بخلق آدم‏(‏ عليه السلام‏,‏ وبسجود الملائكة له‏,‏ وبقصة الشيطان الرجيم معه‏,‏ ومحاولة غوايته له‏,‏ وللغافلين من ذرية آدم من بعده إلي يوم الدين‏,‏ كما تعرض لأصل الهدي والضلال في هذه الحياة الدنيا وجزاء كل منهما‏.‏ ثم تستعرض بشيء من التفصيل مصارع المكذبين من أقوام كل من أنبياء الله‏:‏ لوط وشعيب وصالح‏(‏ علي رسولنا وعليهم من الله السلام‏),‏ وتعرض لشيء من رحمات الله مع كل من نبييه إبراهيم ولوط‏(‏ علي نبينا وعليهما الصلاة والسلام‏).‏
    وتتحدث سورة الحجر في خواتيمها عن خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق‏,‏ وتؤكد أن الساعة آتية لا ريب فيها‏...,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخلاق العليم‏,‏ وتوصي بعدد من الوصايا لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ منها أن يعلن أنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ هو النذير المبين‏,‏ وأن يصدع بما يؤمر‏,‏ وأن يعرض عن المشركين‏,‏ فإن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد كفاه سفه المستهزئين من الكفار والمشركين الذين كانت سفاهتهم تؤذي مشاعره وتؤلمه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فيضيق صدره‏,‏ وتوصيه الآيات أن يفزع إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ كلما أصابه شيء من ذلك‏,‏ وأن يعبد الله‏(‏ تعالي‏)‏ حتي يأتيه اليقين‏...!!‏

    وسورة الحجر في خطابها إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ هي خطاب للقائمين علي الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان‏...‏ خاصة في زماننا الحالي‏...‏ زمن الغطرسة والكبر لأهل الكفر والشرك والضلال وفي مقدمتهم الأمريكيون والبريطانيون‏,‏ وضيعتهم الحركة الصهيونية العالمية‏...‏ وشياطينها المحتلون لأرض فلسطين العربية المسلمة‏,‏ فملأوها ظلما وجورا وفسادا علي مدي نصف قرن أو يزيد قليلا‏,‏ والذين ندعو الله‏(‏ تعالي‏)‏ أن يطهر الأرض من رجسهم ودنسهم في أقرب وقت ممكن إن شاء الله رب العالمين آمين آمين آمين يارب العالمين‏.‏ وكما هددت سورة الحجر المكذبين من الكفار والمشركين في زمن الوحي‏,‏ وتوعدتهم بمصارع الغابرين‏...‏ فإنها تتهدد كفار ومشركي اليوم وإلي قيام الساعة بمثل عقاب الغابرين الهالكين‏...!!!‏
    والآيات الكونية والتاريخية التي استشهدت بها سورة الحجر تشمل ما يلي‏:‏

    ‏(1)‏ إثبات أن السماء بناء محكم شاسع الاتساع‏.‏
    ‏(2)‏ تسمية الحركة في السماء بالعروج‏.‏
    ‏(3)‏ إثبات أن الكون يغشاه الظلام الدامس في أغلب أجزائه وأن طبقة نور النهار طبقة رقيقة للغاية‏.‏
    ‏(4)‏ الإشارة إلي بروج السماء‏,‏ وإلي حفظها من كل شيطان رجيم‏.‏
    ‏(5)‏ الإشارة إلي شيء من وظائف الشهب‏.‏
    ‏(6)‏ الإشارة إلي كروية الأرض بذكر مدها لأن المد إلي ما لا نهاية هو قمة التكوير‏.‏
    ‏(7)‏ ذكر إرساء الأرض بالجبال‏.‏
    ‏(8)‏ إثبات كل شيء موزون في الأرض‏.‏
    ‏(9)‏ إعداد المعايش للإنسان والحيوان والنبات علي الأرض بمعني تهيئة الأرض لاستقبال الحياة بمختلف صورها‏.‏
    ‏(10)‏ إثبات أن خزائن كل شيء عند الله وما ينزله إلا بقدر معلوم‏.‏
    ‏(11)‏ إرسال الرياح لواقح للسحب من أجل إنزال ما بها من بخار الماء علي هيئة ماء المطر لسقيا الإنسان والحيوان والنبات وتخزين جزء من ماء المطر في صخور الأرض‏.‏
    ‏(12)‏ إثبات الإحياء من العدم والإماتة والبعث لله الحي الذي لا يموت‏.‏
    ‏(13)‏ خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون‏,‏ وخلق الجان من نار السموم‏.‏
    ‏(14)‏ خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق‏.‏
    ‏(15)‏ نسبة الخلق كله إلي الله الخلاق العليم‏.‏
    ‏(16)‏ الإنباء بطرف من قصص كل من آدم‏,‏ وإبراهيم‏,‏ وأقوام عدد من أنبياء الله منهم لوط‏,‏ وشعيب‏,‏ وصالح‏(‏ علي نبينا وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏).‏

    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي تفصيل لا يتسع له المقال ولذلك فسوف أقتصر هنا علي قضية إرسال الرياح لواقح للسحب من أجل إنزال ما بها من بخار الماء علي هيئة ماء المطر لسقيا كل من الإنسان والحيوان والنبات‏,‏ وهي قضية لم يتوصل الإنسان إلي فهمها إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها من قبل اثني عشر قرنا هو من آيات الإعجاز العلمي فيه‏,‏ وقبل الدخول إلي ذلك أوجز أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏.‏

    من أقوال المفسرين
    دورة الماء حول الأرض
    في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
    وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين‏(‏ الحجر‏:22).‏
    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏)‏ أي تلقح السحاب فتدر ماء‏,‏ وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها‏,‏ وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم‏,‏ فإن أفردها وصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج‏,‏ وقال أعمش‏,‏ عن عبدالله بن مسعود في قوله‏(‏ تعالي‏):(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏)‏ قال‏:‏ ترسل الريح فتحمل الماء من السماء‏,‏ ثم تمر مر السحاب حتي تدر كما تدر اللقحة‏,‏ وقال الضحاك‏:‏ يبعثها الله علي السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء‏,‏ وقال عبيد بن عمير الليثي‏:‏ يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما‏,‏ ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب‏,‏ ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر‏,‏ ثم تلا‏:(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏).‏

    وقوله تعالي‏(‏ فأسقيناكموه‏)‏ أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن تشربوا منه‏...‏ وقوله‏:(‏ وما أنتم له بخازنين‏),‏ قال سفيان الثوري‏:‏ بما نعين‏;‏ ويحتمل أن المراد‏:‏ وما أنتم له بحافظين‏,‏ بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض‏,‏ ولو شاء الله‏(‏ تعالي‏)‏ لأغاره وذهب به‏,‏ ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون والآبار والأنهار‏,‏ ليبقي لهم طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم‏....‏
    وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ رحمهما الله‏)‏ ما نصه‏:(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏)‏ تلقح السحاب فيمتلئ ماء‏(‏ فأنزلنا من السماء‏)‏ السحاب‏(‏ ماء‏)‏ مطرا‏(‏ فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين‏)‏ أي‏:‏ ليست خزائنه بأيديكم‏[‏ أو لستم أنتم الخازنين له‏]...‏

    وجاء في الظلال‏(‏ علي كاتبها من الله الرضوان‏)‏ ما نصه‏:...‏ أرسلنا الرياح لواقح بالماء‏,‏ كما تلقح الناقة بالنتاج‏;‏ فأنزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح‏,‏ فأسقيناكموه فعشتم به‏:(‏ وما أنتم له بخازنين‏)...‏ فما من خزائنكم جاء‏,‏ إنما جاء من خزائن الله ونزل منها بقدر معلوم‏.‏
    والرياح تنطلق وفق نواميس كونية‏,‏ وتحمل الماء وفقا لهذه النواميس‏;‏ وتسقط الماء كذلك بحسبها ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس؟ لقد قدره الخالق‏,‏ ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر‏....‏

    وجاء في الهامش‏:‏ أراد بعضهم أن يفسر لواقح هنا بالمعني العلمي الذي كشف وهو أن الرياح تحمل اللقاح من شجرة إلي شجرة‏,‏ ولكن السياق هنا يشير إلي أنها لواقح بالماء دون سواه‏....‏
    وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبه رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏)‏ حوامل‏,‏ جمع لاقح بمعني حامل‏;‏ لحملها الماء والتراب بمرورها عليهما‏,‏ وحملها السحاب وسوقه واستدراره‏.‏ وهي ملقحة تلقح السحاب بما تمجه فيها من بخار الماء‏....‏

    وذكر كتاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ قد أرسلنا الرياح حاملة بالأمطار وحاملة بذور الإنبات‏,‏ وأنزلنا منها الماء وجعلناه سقيا لكم‏,‏ وأن ذلك خاضع لإرادتنا ولا يتمكن أحد من التحكم فيه حتي يصير عنده كالخزائن‏.‏
    وجاء في الهامش هذا التعليق‏:‏ سبقت هذه الآية ما وصل إليه العلم من أن الرياح عامل مهم في نقل حبوب اللقاح إلي الأعضاء المؤنثة في النبات ليتم بذلك عقد الثمار‏,‏ كما أنه لم يعرف إلا في أوائل القرن الماضي‏(‏ القرن العشرين‏)‏ أن الرياح تلقح السحاب بما ينزل بسببه المطر إذ إن نويات التكاثف أو النويات التي تتجمع عليها جزيئات بخار الماء لتكون نقطا من الماء نامية داخل السحب هي المكونات الأولي من المطر تحملها الرياح إلي مناطق إشارة السحاب وقوام هذه النويات أملاح البحار وما تذروه الرياح من سطح الأرض والأكاسيد والأتربة ونحوها كلها لازمة للإمطار‏.‏

    لقد ثبت في العلم حديثا أن للمطر دورة مائية‏,‏ تبدأ بتبخر المياه من سطح الأرضـ والبحر ثم تعود إليه مرة ثانية علي نحو ما سلف ذكره‏,‏ فإذا ما نزل المطر استقي منه كل حي علي الأرض كما تستقي منه الأرض نفسها‏,‏ ولا يمكن التحكم فيه لأنه بعد ذلك يتسرب من الأحياء ومن الأرض إلي التبخر‏,‏ ثم تبدأ الدورة ثانية بالتبخر وهكذا دواليك‏.‏ ومن هذا يستبين معني الآية في قوله تعالي‏(‏ وما أنتم له بخازنين‏)‏ أي‏:‏ ما نعيه من النزول من السماء ولا التسرب إليها علي صورة البخار‏....‏
    وجاء في صفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبه خيرا‏)‏ ما نصه‏:(‏ وأرسلنا الرياح لواقح‏)‏ أي تلقح السحاب فيدر ماء‏,‏ وتلقح الشجر فيتفتح عن أوراقه وأكمامه‏,‏ فالريح كالفحل للسحاب والشجر‏(‏ فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه‏)‏ أي فأنزلنا من السحاب ماء عذبا‏,‏ جعلناه لسقياكم ولشرب أرضكم ومواشيكم‏(‏ وما أنتم له بخازنين‏)‏ أي لستم بقادرين علي خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار‏,‏ ولو شئنا لجعلناه غائرا في الأرض فهلكتم عطشا‏....‏

    إرسال الرياح لواقح
    في منظور العلوم المكتسبة
    تعرف الرياح بأنها الهواء المتحرك بالنسبة لبقية الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏;‏ وهذا الغلاف الغازي أخرجه الله‏(‏ تعالي‏)‏ أصلا من داخل الأرض ولا يزال يخرجه عبر فوهات البراكين في أثناء ثوراتها‏,‏ وعندما أخرج هذا الغاز اختلط بالدخان الكوني الناتج عن عملية الانفجار العظيم‏,‏ وعن التفاعلات النووية داخل النجوم‏,‏ وعن انفجار بعض الأجرام السماوية فتكون الغلاف الغازي للأرض من خليط بعضه من الأرض والبعض الآخر من السماء ولذلك يصفه القرآن الكريم بالبينية التي يقول فيها‏:‏
    وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق‏...‏
    ‏(‏الحجر‏:85).‏

    وقد ذكر هذه البينية الفاصلة بين السماوات والأرض في إحدي وعشرين آية قرآنية‏,‏ وأكد تعريفها قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):...‏ وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون‏(‏ البقرة‏:164).‏
    والغلاف الغازي للأرض يمتد إلي عدة آلاف من الكيلو مترات في السمك وتقدر كتلته بنحو ستة آلاف مليون مليون طن‏,‏ ولكن بما أن‏99%‏ من كتلته تقع دون ارتفاع خمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏(‏ أي دون مستوي الركود الطبقي المعروف في اللغة الإنجليزية باسم‏
    Stratopause)‏
    فإن دراسة حركة الرياح تكاد تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏.‏

    وتقسم الرياح علي أساس من ارتفاعها فوق مستوي سطح البحر إلي ثلاثة مستويات علي النحو التالي‏:‏
    ‏(1)‏ الرياح السطحية‏:‏ تمتد من مستوي سطح البحر إلي بضعة كيلو مترات قليلة فوقه‏,‏ وهي من أهم العوامل في تشكيل سطح الأرض حيث تباشر عملية تآكل صخور ورسوبيات وتربة سطح الأرض‏,‏ وتوزيعها حيثما وجدت تلك المواد غير مغطاة بوقاء من النبات أو غيره فهي من أقوي عوامل التعرية خاصة في الصحاري والقفار‏,‏ وتأتي في المقام الثاني بعد الماء في أشكاله المختلفة كعامل رئيسي من عوامل تعرية الأرض‏.‏

    والرياح السطحية إذ تعصف علي سطح الصحاري تحمل معها كميات كبيرة من فتات الصخور السائبة والمفروطة لآلاف الكيلو مترات في الاتجاه الأفقي‏,‏ وترتفع ببعضها من الدقائق الناعمة ضد الجاذبية الأرضية لعدة كيلو مترات‏.‏
    كذلك فإن حركة هذه الرياح السطحية تضبط الظروف المناخية‏,‏ وذلك بتوزيع درجات كل من الحرارة والرطوبة علي سطح الأرض‏,‏ وهذه تلعب دورا مهما في توزيع مناطق الضغط المرتفع والمنخفض علي سطح الأرض‏,‏ ومن ثم حركة الرياح‏.‏

    هذا بالإضافة إلي أن تكثف الرطوبة في الهواء يؤدي إلي تكون السحاب‏,‏ وانتشار نوي التكثف في السحاب يعين علي نمو قطيرات الماء المتكثفة إلي أحجام تفوق قدرة حمل الهواء لها فتسقط بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ مطرا‏,‏ أو بردا‏,‏ أو ثلجا‏.‏ وهذه كلها تلعب دورا مهما في تجوية الصخور وتفتيتها‏.‏ وفي غمار ذلك كله لا يمكن نسيان دور الرياح في إثارة الأمواج البحرية وتياراتها‏,‏ وأثر ذلك في تآكل الصخور علي طول الشواطئ البحرية‏,‏ وفي استقبال ما يصل البحر من رواسب البر‏.‏
    ودور الرياح السطحية في نقل ما تفكك وانفرط من الغطاء الصخري المكون لأديم الأرض كالرمل والغرين والغبار‏,‏ والتحرك به إلي مسافات بعيدة وإلي ارتفاعات شاهقة ثابت علميا‏,‏ ويبلغ ذلك مداه إذا ما تناهت الحبيبات دقة‏,‏ وجفت وتعرت أي لم يكن يحميها غطاء من نبات أو غيره‏,‏ وتتوقف المسافة التي يحمل إليها هذا الفتات أفقيا ورأسيا علي تضاريس موضعه الأصلي‏,‏ وحجم ووزن حبيباته‏,‏ وقوة الريح وعدد ساعات هبوبها‏,‏ واستمرارية ذلك‏.‏

    والمواد المنقولة بواسطة الرياح إما أن تحمل معلقة بين طبقات الهواء إذا كانت خفيفة‏,‏ وإما أن تدفعها الرياح علي سطح الأرض‏,‏ وهي في انتقالها هذا يسبق خفيفها ثقيلها في الانتقال‏,‏ وبذلك تصنف مكوناتها‏,‏ وقد تتراكم في مجموعات علي أساس من كتلها وأحجامها‏,‏ وكثافتها‏,‏ وربما تركيبها المعدني‏.‏
    وفي مقدور الرياح السطحية أن تحمل الغبار مرتفعة به ضد الجاذبية الأرضية لعدة كيلو مترات فوق كل من اليابسة والمساحات الشاسعة من الماء‏,‏ خاصة في المناطق الجافة الدافئة حيث يسخن الهواء بملامسته سطح الأرض فيتمدد‏,‏ وتقل كثافته حتي يرتفع إلي أعلي علي هيئة أعاصير‏
    (Whirls),‏
    ودوارات‏
    (Eddies)‏
    حاملا معه دقائق الغبار في أعمدة طويلة تتحرك عبر السهول والوديان‏.‏

    وكثيرا ما تشاهد عواصف الغبار وهي تظلم السماء في وضح النهار‏;‏ وتحيل الهواء إلي هبوب خانق‏,‏ وتحمل كميات هائلة من هذا الغبار إلي مسافات بعيدة‏,‏ ويشاهد ذلك علي وجه الخصوص في المساحات الصحراوية الجافة مثل الصحراء الكبري التي كثيرا ما تحمل عواصفها الغبار الأحمر لتسقطه علي بعد مئات من الكيلو مترات شمالا في كل من جزر الكناري‏,‏ وإيطاليا وألمانيا‏,‏ والمساحات المائية التي مرت بها‏,‏ والبواخر العابرة فيها‏.‏
    وتتسبب عمليات تذرية الرياح للتربة في خفض مستوي سطح الأرض بصفة عامة لعدة عشرات من الملليمترات في كل قرن من الزمان‏,‏ وفي بعض الحالات الاستثنائية يمكن أن يزال إلي عمق متر كامل من التربة الناعمة من مثل التربة الصلصالية والغرينية الجافة في سنوات قليلة‏,‏ وقد يتسبب ذلك في تكوين حفر أرضية يتراوح عمقها بين‏50,30‏ مترا‏,‏ وتصل مساحتها إلي عدة كيلو مترات مربعة‏.‏

    ومن نتائج تعرية الرياح للصخور وتذرية ما تفكك منها تكون السهول الواسعة‏,‏ والأحواض المنخفضة خاصة في المناطق المكونة من صخور رخوة كالصلصال والطفال‏;‏ التي تستمر فيها عمليات التعرية حتي تنتهي عند مستوي الماء تحت سطح الأرض فيتوقف عمل الرياح لأنها لا تقوي علي حمل الفتات الصخري الرطب‏.‏
    وقد هبت عاصفة هوائية لمدة أربع وعشرين ساعة علي أحد الأودية في كاليفورنيا
    ‏(SanJoaguinValley)‏
    وذلك في‏1977/12/12‏ م كانت سرعتها في حدود‏300‏ كيلو متر في الساعة‏,‏ ويقدر ما حملته من غبار التربة العلوية في مساحة قدرها ألفان من الكيلو مترات المربعة بنحو مائة مليون طن‏.‏

    والدقائق الخفيفة من الغريق والصلصال‏(‏ أقل من‏0.15‏ من الملليمتر‏)‏ وهباءات الرماد الناتج عن الحرائق‏,‏ وبعض حبوب اللقاح الدقيقة‏,‏ وفتات دقيق جدا من بعض حطام النباتات‏,‏ وبلورات متناهية الصغر في الحجم من أملاح البحر والمحيطات حملتها الأبخرة المتصاعدة منها‏,‏ ودقائق من الرماد البركاني‏,‏ وبعض الأبخرة والمواد المتطايرة‏,‏ وحتي بعض البكتيريا الدقيقة‏,‏ وبعض المركبات الكيميائية المتعددة‏,‏ كل ذلك إذا انتشر في جسم السحابة شكل نوي للتكثف يعين بخار الماء الموجود في السحابة علي مزيد من التكثف فوق قطيرات الماء أو بللورات الثلج المتكونة داخل السحابة‏,‏ حتي تصل كتلة قطرات الماء إلي الحد الذي لا يقوي الهواء علي حملها فتسقط بإرادة الله‏(‏ تعالي‏)‏ حيث يشاء مطرا أو بردا أو ثلجا أو خليطا من كل ذلك‏,‏ ومن هنا كان دور الرياح في تلقيح السحاب بنوي التكثف المختلفة‏.‏
    ومن سنن الله‏(‏ تعالي‏)‏ المتحكمة في حركات الرياح السطحية الجاذبية الأرضية‏,‏ وقدر الاحتكاك بتضاريس سطح الأرض‏,‏ وتدرج معدلات الضغط الجوي وهي مرتبطة ارتباطا مباشرا بتوزيع درجات الحرارة علي سطح الأرض‏.‏

    وتظل هذه العوامل سائدة حتي ارتفاع‏65‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر حيث تبدأ عوامل أخري في التحكم بحركة الرياح‏.‏
    وأعلي سرعة للرياح السطحية تحدث عند حدود نطاق الرجع
    ‏(TheStratopause)‏
    الذي يتراوح سمكه من‏7‏ ـ‏16‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏.‏

    ‏(2)‏ الرياح المتوسطة‏:‏ وتمتد من فوق الرياح السطحية‏(‏ أي من فوق الحدود العليا لنطاق الرجع‏)‏ إلي مستوي‏35‏ كيلو مترا فوق سطح البحر وهنا تستمر سنن الله الحاكمة لحركة الرياح السطحية‏,‏ وقد تتدخل بعض العوامل الأخري وأهمها خلخلة الهواء‏.‏
    ‏(3)‏ الرياح المرتفعة‏:‏ وتمتد في المستوي من‏35‏ كم إلي‏65‏ كم فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وتستمر سنن الله الحاكمة لحركة الرياح السطحية مع تدخل عدد من العوامل الأخري وأهمها قلة الضغط‏,‏ والجفاف الشديد‏.‏

    أما فوق مستوي‏65‏ كيلو مترا من سطح البحر فتبدأ سنن إلهية جديدة في التحكم بحركة الرياح وأهمها الكهربية الجوية‏,‏ والمغناطيسية‏,‏ وعمليات المد والجزر الهوائيين‏.‏
    من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن تصريف الرياح بمشيئة الله تثير السحاب بتزويد الهواء بالرطوبة اللازمة‏,‏ وأن إرسال الرياح بنوي التكثف المختلفة يعين بخار الماء الذي بالسحاب علي التكثف كما يعين قطيرات الماء المتكثفة في السحاب علي مزيد من النمو حتي تصل إلي الكتلة التي تسمح لها بالنزول مطرا أو ثلجا أو بردا بإذن الله‏,‏ كما أن الرياح تدفع بهذه المزن الممطرة بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي حيث يشاء‏,‏ وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في أوائل القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله بهذه الدقة والوضوح والكمال العلمي مما يقطع بأن مصدرها الرئيسي هو الله الخالق‏,‏ ويجزم بأن القرآن الكريم هو كلامه‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ كما يجزم بالنبوة والرسالة لهذا النبي الخاتم الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فلم يكن لأحد من الخلق أدني إلمام بدور الرياح في حمل دقائق المادة إلي السحاب حتي تعين علي تكثف هذا البخار فينزل بإرادة الله مطرا في زمن تنزل الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده فسبحان منزل القرآن الذي أنزل فيه قوله الحق‏:‏
    وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
    ‏(‏الحجر‏:22).‏

    وذلك لأن خزن الماء في الأرض هو أيضا من آيات الله الكبري التي أعدها إعدادا ينطق بطلاقة القدرة الإلهية وعظيم الحكمة الربانية‏,‏ وقد تعرضنا لذلك في مقال سابق‏,‏ ولا أري ضرورة لإعادة شرحه هنا مرة أخري‏.‏
    كذلك فقد كررنا مرارا أنه لولا دورة الماء حول الأرض لأسن هذا الماء وتعفن لأن بلايين الكائنات الحية تحيا وتموت فيه في كل لحظة‏,‏ ولهذا يمن علينا ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله‏(‏ فأسقيناكموه‏)‏ فتبارك الذي أنزل القرآن العظيم‏(‏ أنزله بعلمه‏)‏ وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الخاتم الذي تلقاه والحمد لله رب العالمين‏.‏

    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي

    47)‏ ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه
    ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله‏..*‏




    هذاالنص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة النور‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وعدد آياتها أربع وستون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في الآية الخامسة والثلاثين منها إلي حقيقة كونية عليا مؤداها أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏..‏
    ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات الإلهية التي تحكم سلوك المسلم وأخلاقه ومعاملاته‏,‏ والآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها في حياته الخاصة والعامة‏,‏ وضوابط العلاقات في داخل الأسرة المسلمة‏,‏ والبيت المسلم‏,‏ صيانة للحرمات‏,‏ وحفاظا علي المجتمعات المسلمة من كل أسباب التفكك والانهيار‏....!!‏

    ومن الآداب السلوكية التي فرضتها السورة الكريمة علي أصحاب رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في زمن الوحي‏(‏ والتي تنسحب علي المسلمين في كل زمان ومكان‏)‏ أنهم إذا كانوا في معية رسول الله وهم قائمون علي أمر مهم من أمور المسلمين‏,‏ لايجوز لهم أن يتركوه حتي يستأذنوا فيأذن لهم‏.‏
    وأوردت السورة الكريمة عددا من الحدود الشرعية التي فرضها الله‏(‏ تعالي‏)‏ صونا للمجتمعات الإنسانية من الفساد‏,‏والإباحية‏,‏ والفوضي‏,‏ من مثل حدود الزنا‏,‏ والقذف‏,‏ واللعان‏,‏ وعالجت قضايا الأسرة‏,‏ والآداب التي تحكم سلوك كل فرد من أفرادها‏,‏ والحلول للمشكلات التي يمكن أن تعترض سبيلها‏...!!‏

    وتبدأ سورة النور بالتأكيد علي أنها من جوامع سور القرآن الكريم‏,‏ أنزلها الله‏(‏ تعالي‏)‏ كما أنزل بقية سور هذا الكتاب العزيز علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وفرض فيها علي عباده فرائض ألزمهم باتباعها‏,‏ كما أنزل عددا من آياته البينات كي تكون تذكرة للناس إلي قيام الساعة‏...!!‏
    وتحذر سورة النور من اتباع خطوات الشيطان‏,‏ وتأمر بالإنفاق في سبيل الله‏,‏ وتنهي عن الخوض في أعراض الناس‏,‏ وعن قذف المحصنات الغافلات الممؤمنات‏,‏ وتؤكد أن الخبيثات من الزوجات للخبيثين من الأزواج والخبيثين من الأزواج للخبيثات منهن‏,‏ وأن الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات‏,‏ وتنهي عن دخول البيوت دون الاستئذان والسلام علي أهلها‏,‏ وتأمر بغض البصر‏,‏ وحفظ الفرج‏,‏ وبالاحتشام وستر العورات‏,‏ وعدم التبرج بزينة‏,‏ وتضع ضوابط للزواج‏,‏ وتحرم البغاء‏,‏ وتؤكد أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏,‏ وتضرب مثلا لهذا النور‏(‏ولله المثل الأعلي‏),‏ وتدعو إلي بناء المساجد بيوتا لله‏(‏ تعالي‏)‏ في الأرض‏,‏ وتأمر بالقيام علي تطهيرها‏,‏ وتعظيمها‏,‏ وعمارتها‏,‏ ورفع شأنها كي تكون دوما منارات للهدي‏,‏ ومراكز للدعوة إلي دين الله‏,‏ ومساجد يعبد فيها الله‏(‏ تعالي‏)‏ وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه ولامنازع‏),‏ ويسبح المؤمنون بحمده صباح مساء‏,‏ لايشغلهم عن ذلك شاغل من شواغل الدنيا بزخارفها وزينتها‏,‏ فلايجوز للمؤمن بالله أن ينشغل عن إقام الصلاة في المساجد علي أوقاتها‏,‏ وإيتاء الزكاة عند استحقاقها‏,‏ بأقدارها‏,‏ وحدودها‏,‏ وفي مصارفها الشرعية‏,‏ وذلك كله طمعا في مرضاة الله‏(‏ تعالي‏),‏ وفي كرمه‏,‏ وفضله‏,‏ ورحمته‏,‏ وتجنبا لغضبه وسخطه‏,‏ وخوفا من أهوال يوم القيامة التي تضطرب لها القلوب‏,‏ وتزيغ الأبصار‏..‏ فالله‏(‏ تعالي‏)‏ يعطي مايشاء لمن يشاء من عباده‏,‏ ولاحدود لعطائه‏,‏ وذلك انطلاقا من تمام ربوبيته‏,‏ وكمال قدرته‏,‏ وطلاقة مشيئته‏,‏ وفيض جوده‏,‏ وعظيم إحسانه‏.....!!‏

    وفي مقابل هذا الموقف من المؤمنين فإن الكفار سوف يفاجأون في الآخرة برؤية أعمالهم التي اقترفوها في الدنيا‏(‏وهم يظنون أنها أعمال نافعة‏)‏ وكأنها سراب خادع‏,‏ يخدع الظمآن في هجير الصحراء فيراه ماء يجري في القيعان علي سطح الأرض حتي إذا جاءه لم يجده شيئا‏,‏ ووجد الله عنده فوفاه حسابه‏,‏ والله سريع الحساب‏*.‏
    وتشبه السورة الكريمة تخبط الكفار في ظلمات الضلال بالواقف في قاع البحر العميق‏,‏ وسط ظلمات متراكمة‏,‏ متكاثفة‏,‏ بعضها فوق بعض‏,‏ تحجبه عن رؤية يده إذا أخرجها ورفعها أمامه‏,‏ وأضافت السورة أن من لم يهده الله للإيمان فلن يهتدي أبدا‏.‏ وتؤكد أن جميع من في السماوات والأرض يسبح لله الذي له ملك كل شيء وإليه المصير‏....!!‏

    وتحدثت الآيات عن تكون السحب الركامية‏,‏ وعما ينزل الله‏(‏ تعالي‏)‏ منها من ماء وبرد‏,‏ وعما يصاحب ذلك من ظواهر كالبرق‏,‏ كما تحدثت عن تقلب الليل والنهار‏,‏ وعن خلق كل دابة من ماء‏,‏ وعن إنزال الآيات المبينات للحق‏,‏ وعن هداية الله‏(‏ تعالي‏)‏ لمن يشاء من خلقه إلي دينه الحق الذي هو الإسلام كما أنزله علي فترة من الرسل وأتمه وحفظه في بعثة الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
    وتحذر الآيات في هذه السورة المباركة من النفاق والمنافقين‏,‏ وتصفهم بأحط الصفات‏,‏ وتقارن بين مواقفهم ومواقف المؤمنين‏,‏ وتفضح دخائل نفوس المنافقين وما جبلوا عليه من الكذب‏,‏ والمكر‏,‏ والاحتيال‏,‏ والحنث في الأيمان‏,‏ ونقض العهود والمواثيق‏,‏ وتؤكد الآيات أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خبير بما يعملون‏...,‏ وعلي الرغم من ذلك كله فإن الآيات توصي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أن يأمر هؤلاء المنافقين ــ في زمرة من يأمر من عباد الله ــ بطاعة الله ورسوله‏,‏ فإن جوبه ذلك بالإعراض فإن ما علي الرسول إلا البلاغ‏,‏ وما عليهم إلا السمع والطاعة‏...!!‏

    وتؤكد الآيات في سورة النور أن وعد الله‏(‏ تعالي‏)‏ قائم للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده في كل زمان ومكان أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم‏,‏ وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضي لهم‏,‏ وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا ماداموا يعبدون الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي التوحيد الخالص لايشركون به شيئا‏,‏ وأن‏..‏ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‏.‏
    وتأمر الآيات مجددا بإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وطاعة الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في كل أوامره خاصة في الأمر بالجهاد في سبيل الله‏,‏ وذلك طلبا لرحمة الله‏(‏ تعالي‏),‏ وتؤكد أن الذين كفروا ليسوا بمعجزين في الأرض‏,‏ وأن مأواهم النار وبئس المصير‏,‏ كما تؤكد أنه ليس علي أهل الأعذار من حرج أو إثم في القعود عن الجهاد في سبيل الله‏...!!‏

    وتختتم سورة النور بوصف الذين آمنوا والتزموا بأوامر الله ورسوله‏,‏ وتأمر بتوقير هذا الرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ ودعائه بأفضل مايمكن أن يدعي به‏..‏ وتحذر من مخالفة أمره أو الخروج عن منهجه وسنته‏,‏ لأن ذلك قد يكون سببا في تعرضهم لفتنة في الدنيا ولعذاب أليم في الآخرة‏,‏
    وتؤكد الآيات في ختام السورة مرة أخري أن لله مافي السماوات والأرض‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه‏)‏ عليم بما في قلوب خلقه من الإيمان والكفر‏,‏ وأنهم جميعا سوف يرجعون إليه فينبئهم بما فعلوا في الدنيا ويحاسبهم عليه‏,‏ ويجازي كلا بعمله‏,‏ وهو‏(‏ تعالي‏)‏ لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏.‏

    والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة النور علي صدق ما جاء بها من حقائق وأحكام آيات عديدة منها مايلي‏:‏
    ‏(1)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏.‏

    ‏(2)‏ ضرب المثل لهذا النور الإلهي بمشكاة‏..‏ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولاغربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور علي نور‏...‏

    ‏(3)‏ تشبيه أعمال الكافرين بالتشبيه العلمي الرائع‏..‏ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئا‏...‏

    ‏(4)‏ التشبيه بالظلمة المركبة فوق قيعان البحار العميقة التي تغشاها الأمواج الداخلية ومن فوقها الأمواج السطحية ومن فوقها السحب‏,‏ وكل منها يحجب جزءا من أشعة الشمس فيؤدي إلي تلك الظلمة المتراكبة الحالكة‏,‏ والأمواج الداخلية في كل من البحار العميقة والمحيطات لم تعرف إلا في القرن العشرين‏.‏

    ‏(5)‏ التأكيد علي حقيقة أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور‏,‏ وفي ذلك إشارة ضمنية إلي حقيقة لم يكتشفها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين مؤداها أن صور الحياة فوق قيعان البحار العميقة والمحيطات قد زودها الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بوسائل إنارة ذاتية‏,‏ ولولا ذلك ماكان لها من نور‏.‏

    ‏(6)‏ التأكيد علي حقيقة أن كل ما في السماوات والأرض يسبح بحمد الله‏(‏ تعالي‏)‏ ويقدسه ويمجده في عبادة تسخيرية لايدركها كثير من الناس‏.‏

    ‏(7)‏ التأكيد علي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يسوق السحاب بقدرته وإرادته إلي حيث يشاء‏(‏ أي يزجيه‏),‏ وتتم هذه العملية ببطء يسمح لقطع السحاب المختلفة من الاقتراب والالتحام مع بعضها البعض‏(‏ ثم يؤلف بينه‏),‏ والتراكم وتكاثف بعضها فوق بعض‏(‏ ثم يجعله ركاما‏)‏ حتي يزداد سمكها وترتفع الي أعلي فيزداد تكثف بخار الماء فيها‏,‏ ونمو قطيرات الماء الناتجة من هذا التكثف بالتدريج حتي تنزل مطرا من خلال تراكمات السحاب بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ والي حيث يشاء
    ‏(‏فتري الودق يخرج من خلاله‏),‏ كما قد تتجمد بعض قطيرات الماء نظرا للارتفاع الهائل الذي تصل إليه فينزلها الله‏(‏ تعالي‏)‏ بردا من هذه السحب المتراكمة كالجبال وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء‏,‏ وأن نور برق البرد في هذه السحب الركامية يكاد يذهب بأبصار الناظرين إليه من شدته‏.‏

    ‏(8)‏ التأكيد علي قدرة الله البالغة في تقليب الليل والنهار‏.‏

    ‏(9)‏ خلق كل دابة من ماء‏.‏

    ‏(10)‏ الإشارة إلي إمكانية تصنيف الدواب علي أساس من طريقة مشيها‏(‏ والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي علي بطنه ومنهم من يمشي علي رجلين ومنهم من يمشي علي أربع يخلق الله مايشاء إن الله علي كل شيءقدير‏*.‏
    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة مستقلة ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة السابعة والتي تشير فيها الآية الثالثة والأربعون من سورة النور إلي تكون المزن الركامية‏,‏ وإلي إنزال كل من المطر والبرد منها بإرادة الله‏(‏ تعالي‏),‏ وإلي ماقد يصاحب ذلك من برق ورعد‏,‏ وقبل التعرض لذلك لابد من استعراض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏.‏

    من أقوال المفسرين
    في تفسير قوله تعالي‏:‏
    ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏*(‏ النور‏:43)‏
    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ مانصه‏:‏ يذكر تعالي أنه يسوق السحاب بقدرته أول ماينشئها وهي ضعيفة وهو الإزجاء‏,(‏ ثم يؤلف بينه‏)‏ أي يجمعه بعد تفرقه‏,(‏ ثم يجعله ركاما‏)‏ أي متراكما أي يركب بعضه بعضا‏,(‏ فتري الودق‏)‏ أي المطر‏,(‏ يخرج من خلاله‏)‏ أي من خلله‏,‏ وقوله‏:(‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد‏)‏ قال بعض النحاة‏:(‏ من‏)‏ الأولي لابتداء الغاية‏,‏ والثانية للتبعيض‏,‏ والثالثة لبيان الجنس‏,‏ ومعناه‏:‏ أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد‏,‏ وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن‏(‏ من‏)‏ الثانية عنده لابتداء الغاية لكنها بدل من الأولي والله أعلم‏,‏ وقوله تعالي‏:(‏فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏)‏ يحتمل أن يكون المراد بقوله‏:(‏فيصيب به‏):‏ أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد‏,‏ فيكون قوله‏:(‏ فيصيب به من يشاء‏)‏ رحمة لهم‏(‏ ويصرفه عن من يشاء‏)‏ أي يؤخر عنهم الغيث‏,‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:‏

    ‏(‏فيصيب به‏)‏ أي بالبرد نقمة علي من يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم‏,(‏ويصرفه عن من يشاء‏)‏ رحمة بهم‏,‏ وقوله‏:(‏يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏)‏ أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته‏....‏
    وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه برحمته الواسعة‏)‏ مانصه‏:(‏ألم تر أن الله يزجي سحابا‏)‏ يسوقه برفق‏(‏ ثم يؤلف بينه‏)‏ بضم بعضه إلي بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة‏(‏ ثم يجعله ركاما‏)‏ بعضه فوق بعض‏(‏ فتري الودق‏)‏ المطر‏(‏يخرج من خلاله‏)‏ مخارجه‏,(‏ وينزل من السماء‏)(‏ من‏)‏ زائدة‏(‏ جبال فيها‏)‏ في السماء بدل بإعادة الجار‏(‏ من برد‏)‏ أي بعضه‏(‏ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏)(‏ يكاد‏)‏ يقرب‏(‏ سنا برقه‏)‏ لمعانه‏(‏ يذهب بالأبصار‏)‏ الناظرة له‏:‏أي يخطفها‏.‏

    وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ مانصه‏:‏
    ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر عليها الناس غافلين‏,‏ وفيها متعة للنظر‏,‏ وعبرة للقلب‏,‏ ومجال للتأمل في صنع الله وآياته‏,‏ وفي دلائل النور والهدي والإيمان‏.....,‏ والمشهد يعرض علي مهل وفي إطالة‏,‏ وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع‏.‏ كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه‏,‏ وبعثه إلي التأمل والعبرة‏,‏ وتدبر ما وراءها من صنع الله‏.‏ إذ يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلي مكان‏,‏ ثم تؤلف بينه وتجمعه‏,‏ فإذا هو ركام بعضه فوق بعض‏,‏ فإذا ثقل خرج منه الماء‏,‏ والوبل الهاطل‏,‏ وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة‏,‏ فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة‏..‏ ومشهد السحب كالجبال ليبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها‏,‏ فإذا المشهد مشهد الجبال حقا‏,‏ بضخامتها‏,‏ ومساقطها‏,‏ وارتفاعاتها وانخفاضاتها‏,‏ وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس‏,‏ إلا بعد ماركبوا الطائرات‏.‏

    وهذه الجبال مسخرة بأمر الله‏,‏ وفق ناموسه الذي يحكم الكون‏,‏ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء‏,‏ ويصرفه عمن يشاء‏..‏ وتكملة المشهد الضخم‏:(‏ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏)‏ ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض‏,‏ علي طريق التناسق في التصوير‏.‏
    وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:(‏ ألم تر أن الله‏):‏ دليل من الآثار العلوية علي كمال قدرته تعالي وانفراده بالخلق والتدبير‏.(‏ يزجي سحابا‏)‏ يسوقه سوقا رفيقا إلي حيث يريد‏.‏ يقال‏:‏ زجي الشيء يزجيه تزجية‏,‏ دفعه برفق‏,‏ كزجاه وأزجاه‏.(‏ ثم يجعله ركاما‏)‏ متراكما بعضه فوق بعض‏.‏ يقال‏:‏ ركم الشيء يركمه ركما‏,‏ إذا جمعه وألقي بعضه علي بعض‏.‏ وتراكم وارتكم الشيء‏:‏ اجتمع‏,‏ والركام‏:‏ الرمل المتراكم‏.(‏ الودق‏)‏ أي المطر‏.‏ وهو في الأصل مصدر ودق السحاب يدق ودقا‏,‏ إذا نزل منه المطر‏.(‏ خلاله‏)‏ أي فتوقه ومخارجه‏.‏ جمع خلل‏,‏ كجبال وجبل‏..(‏ سنا برقه‏)‏ أي شدة ضوء برق السحاب ولمعانه‏.‏ يقال‏:‏ سنا يسنو سنا‏,‏ أي أضاء‏.‏

    وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزي الله كاتبيه خير الجزاء‏)‏ ما نصه‏:‏ ألم تر أيها النبي أن الله يسوق بالريح سحابا‏,‏ ثم يضم بعضه إلي بعض ويجعله متراكما‏,‏ فتري المطر يخرج من خلال السحاب‏,‏ والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال في عظمتها بردا‏,‏ كالحصي ينزل علي قوم فينفعهم أو يضرهم تبعا لقوانينه وإرادته ولا ينزل علي آخرين كما يريد الله فهو سبحانه الفاعل المختار‏.‏
    ويكاد ضوء البرق الحادث من اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته‏,‏ وهذه الظواهر دلائل قدرة الله الموجبة للإيمان‏.‏

    وجاء في الهامش الملاحظتان التاليتان‏:‏
    ‏1‏ ـ لا يعرف التشابه بين السحب والجبال إلا من يركب طائرة تعلو به فوق السحاب فيراها من فوق كأنها الجبال والآكام‏,‏ وإذا لم تكن تلك الطائرات في عصر النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فإنه يكون ذلك دليلا علي أن هذا الكلام من عند الله الذي يعلم ما علا‏,‏ وما انخفض‏.‏

    ‏2‏ ـ تسبق هذه الآية الكريمة ركب العلم‏.‏ فإنها تتناول مراحل تكون السحب الركامية وخصائصها‏.‏ وما عرف علميا في العهد الأخير من أن السحب الممطرة تبدأ علي هيئة وحدات يتآلف عدد منها في مجموعات هي السحب الركامية‏:‏ أي السحب التي تنمو في الاتجاه الرأسي‏,‏ وترتفع قممها إلي علو‏15‏ أو‏20‏ كيلو مترا فتبدو كالجبال الشامخة‏.‏
    كما أن هذه السحب هي ـ وحدها ـ التي تجود بالبرد وتشحن بالكهرباء‏,‏ وقد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون متصلة‏(40‏ تفريغا في الدقيقة الواحدة‏)‏ فيذهب ببصر الراصد من شدة الضياء‏.‏ وهذا هو عين ما يحدث للملاحين والطيارين الذين يخترقون عواصف الرعد في المناطق الحارة‏.‏ وينجم عن فقد البصر هذا أضرار بليغة تشكل خطرا حقيقيا علي أعمال الطيران وسط العواصف الرعدية‏.‏

    السحب الركامية في منظور العلوم المكتسبة
    اولا‏:‏ تكون السحب‏:‏
    تتكون السحب نتيجة لتكثف بخار الماء في الهواء الرطب علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء‏,‏ ويتم مثل هذا التكثف بتبريد الهواء الدافئ الرطب إما بالتقائه مع جبهة باردة‏,‏ أو بارتفاعه إلي أعلي بطفوه فوق الجبهة الباردة أو بارتطامه بالسلاسل الجبلية‏,‏ وفي كل الأحوال يكون تصريف الرياح وإرسالها بمشيئة الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الوسيلة الفاعلة في حركة الهواء الرطب أفقيا ورأسيا‏.‏
    وتساعد حركة الرياح حرارة الشمس التي تصل الأرض بكميات متفاوتة نظرا لميل محور دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس علي دائرة البروج بزاوية قدرها ست وستون درجة ونصف‏.‏ والأرض تجري كذلك في مدارها حول الشمس وهي مائلة بهذا القدر‏,‏ وعلي ذلك فإن أشعة الشمس تتعامد علي خط الاستواء‏,‏ وتميل ميلا كبيرا فوق القطبين‏,‏ وميلا متوسطا بينهما‏,‏ مما يؤدي إلي تباين كبير في توزيع درجات الحرارة علي سطح الأرض‏,‏ وعند هذا التباين تنتج حركة صاعدة للهواء الساخن‏,‏ وحركة هابطة للهواء البارد‏,‏ كذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يعين علي دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب‏,‏ وإلي تكون عدد من الخلايا بين خط الاستواء وكل من قطبي الأرض علي هيئة دورة عامة للرياح شديدة الانتظام حول الأرض‏,‏ منها الدوائر الحارة‏,‏ والمعتدلة والباردة والجبهات الهوائية الفاصلة بينها‏.‏ وبالاضافة إلي ذلك فإن الظروف الجغرافية المحلية تزيد من تعقيد الصورة العامة لحركات الرياح التي تكون دافئة ورطبة فوق المحيطات المدارية‏,‏ وحارة‏/‏ جافة فوق الصحاري‏,‏ وباردة‏/‏ جافة فوق المناطق المكسوة بالجليد‏.‏

    وتتدخل تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل الجبلية‏,‏ والتلال‏,‏ والهضاب‏,‏ والسهول والمنخفضات و الكتل المائية المختلفة في زيادة تعقيد الصورة‏,‏ ففي الصيف تسخن اليابسة أكثر من الكتل المائية‏,‏ وفي الشتاء تحتفظ الكتل المائية بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة‏,‏ فينشأ عن تلك الفروق في درجة الحرارة حركة للرياح تعرف باسم نسيم البر والبحر‏,‏ كما تنشأ دورة للرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات المحيطة بها‏.‏
    وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية من مناطق الضغط المرتفع إلي مناطق الضغط المنخفض تصاحبها حركات رأسية إلي أعلي‏,‏ فإذا سخنت كتلة من الهواء إلي درجة تمايزها عن الكتل الهوائية المجاورة لها فإنها ترتفع إلي أعلي حيث يتناقص ضغطها‏,‏ وتنخفض درجة حرارتها‏,‏ ويبدأ ما فيها من رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة فيها إلي نقطة التشبع‏(‏ نقطة تكون الندي‏),‏ فتتحول الكتلة الهوائية الرطبة إلي سحابة من أنواع السحب المتعددة‏.‏

    وبتصريف الرياح أفقيا ورأسيا ينقسم الغلاف الغازي المحيط بالأرض إلي أعداد من الكتل الهوائية المتجاورة والمتمايزة في صفاتها الطبيعية وتركيبها الكيميائي‏,‏ وكل كتلة من هذه الكتل الهوائية تمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما بينه خاصة في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية‏,‏ وتمتد كل كتلة منها لعدة كيلو مترات أفقيا ولمئات حتي آلاف الأمتار رأسيا‏,‏ ويفصل بينها حدود واضحة تعرف باسم الجبهات الهوائية‏.‏
    والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏,‏ وتقدر كتلته بأكثر قليلا من ستة تريليونات من الأطنان‏(6.120*1510‏ طن‏),‏ والغالبية العظمي من هذه الكتلة‏(99%)‏ يقع دون ارتفاع‏50‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وعلي ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏.‏

    ويتناقص ضغط الهواء بالارتفاع في الغلاف الغازي للأرض من حوالي الكيلو جرام علي السنتيمتر المربع‏(1.0336‏ كيلو جرام‏/‏ سم‏2)‏ عند مستوي سطح البحر إلي حوالي الجرام علي السنتيمتر المربع‏(1.0336‏ جرام‏/‏ سم‏2)‏ عند ارتفاع‏48‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وإلي قرابة الصفر عند ارتفاع ستين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏.‏
    والغلاف المائي للأرض تقدر كميته بحوالي‏1.36‏ مليار كيلو متر مكعب‏,‏ ويغمر ماء الأرض أكثر قليلا من‏71%‏ من مساحة سطحها‏,‏ وأغلب هذا الماء‏(97.2%)‏ مخزون في البحار والمحيطات‏,‏ وأغلب الباقي‏(‏ حوالي‏2.15%‏ من مجموع ماء الأرض‏)‏ موجود علي هيئة جليد فوق قطبي الأرض‏,‏ وفي قمم الجبال العالية‏,‏ والباقي‏(0.65%)‏ موجود في البحيرات العذبة‏,‏ وفي خزانات الماء تحت سطح الأرض‏,‏ وفي المجاري المائية المختلفة من الأنهار والجداول وغيرها‏.‏

    وتقوم حرارة الشمس بتبخير‏380.000‏ كيلو متر مكعب من ماء الأرض سنويا‏,‏ أغلبها‏(320.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ والباقي‏(60.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ يصعد من اليابسه بالبخر ومن تنفس الانسان والحيوان ونتج النبات‏,‏ وهذا البخار تدفعه حركة الرياح جانبيا ورأسيا علي هيئة هواء رطب إلي مناطق أبرد أو أقل ضغطا فتبدأ فيه عمليات التكثف علي هيئة قطيرات متناهية الدقة من الماء فتتكون السحب‏,‏ ثم تدفع تيارات الرياح بهباءات الغبار وغيرها من نوي التكثف إلي داخل السحب فتعين علي المزيد من تكثف بخار الماء ونمو قطيراته إلي الحجم الذي يسمح بنزولها مطرا أو بردا أو ثلجا‏,‏ وتحرك الرياح تلك السحب المثقلة بالماء‏(‏ المزن‏)‏ إلي حيث يشاء الله‏(‏ تعالي‏)‏ لها أن تنزل فينزلها‏(‏ سبحانه‏)‏ بقدر معلوم‏.‏
    وحينما يصل ماء المطر إلي المنطقة المقسوم لها أن ينزل عليها هذا القدر من الماء بتقدير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ فإنه يجري علي سطح اليابسة يشرب منه كل حي بالقدر المقسوم‏,‏ كما يقوم بدور مهم في تفتيت صخور الأرض وتكوين التربة‏,‏ وشق الفجاج والسبل‏,‏ ويخزن جزء معلوم منه في صخور الأرض المنفذة وينتهي المطاف بالباقي إلي البحار والمحيطات ليعاود الكرة من جديد‏.‏

    والماء المختزن تحت سطح الأرض قد يشارك في تغذية بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات‏,‏ وقد تتفجر عنه الصخور فيخرج علي هيئة عدد من الينابيع الفوارة أو العيون‏,‏ كما قد يحفر عليه عدد من الآبار‏.‏
    وتسقط الأمطار علي البحاروالمحيطات بمعدل‏284.000‏ كيلو مترا مكعبا في السنة‏,‏ وعلي اليابسة بمعدل‏96.000‏ كيلو مترا مكعبا‏,‏ وذلك في دورة معجزة تعرف باسم دورة الماء حول الأرض وفي ذلك يقول المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه‏.‏

    ثانيا‏:‏ تكون السحب الركامية‏:‏
    بتصريف الرياح ـ حسب علم الله ومشيئتة ينقل بخارالماء من مناطق البخر علي هيئة الكتل الهوائية الدافئة الرطبة إلي مناطق التكثيف الباردة مكونا السحب التي تلقح بنوي التكثف بفعل الرياح التي يصرفها الله‏(‏ تعالي‏)‏ أيضا بعلمه وحكمته وإرادته فتتحول هذه السحب إلي سحب قادرة علي إنزال الماء تعرف باسم السحب الممطرة‏(‏ أو المزن‏)‏ يسوقها الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي حيث يشاء‏.‏
    وعلي ذلك فإن من العوامل الفاعلة في تكثف بخار الماء في داخل الكتل الهوائية الرطبة وتكون السحب هو تبردها بدرجة كافية حتي تصل إلي نقطة الندي فيبدأ البخار المتجمع في تلك الكتل الهوائية الرطبة في التكثف علي هيئة قطيرات مائية‏,‏ وتتبرد الكتل الهوائية الرطبة إما بالتقائها مع كتل هوائية باردة‏,‏ وإما برفعها إلي مستويات أعلي من مستوي سطح البحر بعدة مئات بل آلاف من الأمتار‏,‏ مما يتسبب في فقدانها الكثير من حرارتها بوجودها في وسط أقل حرارة‏,‏ وبتمددها لوجدوها في وسط أقل ضغطا فتتبرد إشعاعيا‏,‏ ومع التبرد ترتفع درجة الرطوبة النسبية فيها‏,‏ ويبدأ ما تحمله كتلة الهواء الرطب من بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات الماء فتتكون السحب‏,‏ وتتحدد قاعدة السحابة الواحدة بناء علي كل من درجة الحرارة والرطوبة في كتلة الهواء الصاعدة وشدة الرياح التي تدفعها‏,‏ بينما تتحدد قمة السحابة وحجمها علي هذه العوامل ذاتها بالاضافة إلي قوة حركة الدفع إلي أعلي وطبيعته‏.‏

    ومن العناصر الفاعلة والمؤدية إلي مزيد من تكثف بخار الماء في داخل السحب المثقلة به هي نوي التكثف التي يسوقها الله‏(‏ تعالي‏)‏ مع الرياح المصرفة‏,‏ وهي عبارة عن هباءات دقيقة من الغبار والهباب‏,‏ والمركبات الكيميائية التي لها جاذبية خاصة لبخار الماء‏(‏ مثل كبريتات النوشادر‏)‏ وبعض الأملاح الناتجة عن تبخر ماء البحار والمحطيات‏,‏ وغير ذلك مما يمكن أن يعلق بالهواء‏.‏
    فعندما يرسل الله‏(‏ تعالي‏)‏ الرياح فتدفع بكتلة من الهواء الرطب الدافئ فوق كتلة من الهواء البارد فإنها تتبرد‏,‏ ويبدأ ما بها من بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات مائية فتتكون سحب منخفضة نسببا لها هيئة طباقية ولذا تعرف بالسحب الطباقية‏
    (Stratiformor Layered Clouds)‏
    وهي تتكون من طبقات أفقية تقريبا تمتد لمئات من الكيلو مترات المربعة‏,‏ بسمك عدة مئات من الأمتار‏,‏ وتدفعها رياح عمودية علي اتجاه جبهتها تزودها ببخار الماء‏,‏ ولذلك فهي عادة ما تكون من أغزر أنواع السحب إمطارا وأوسعها انتشارا بإذن الله‏(‏ تعالي‏).‏

    وعلي العكس من ذلك فإنه عندما يرسل الله‏(‏ تعالي‏)‏ الرياح فتدفع بكتلة من الهواء البارد في أتجاه كتلة من الهواء الدافيء الرطب‏,‏ فإن كتلة الهواء البارد تقطع كتلة الهواء الدافيء بمقدمتها‏(‏ الجبهة الهوائية الباردة‏)‏ وبتكرار عملية سوق السحب في اتجاه بعضها بعضا‏(‏ الإزجاء‏),‏ والتأليف بينها فإنها تداوم إلي نصفين ترفع احدهما إلي أعلي‏,‏ وتحتوي النصف الآخر في الأرتفاع إلي أعلي علي هيئة متراكمة مكدسة متراكبة فوق بعضها بعضا‏,‏ ومع مداومة الارتفاع يبدأ بخار الماء في كتلة الهواء المرتفعة في التكثف علي هيئة قطيرات مائية دقيقة مكونة تجمعات من السحب العالية المتراكبة تعرف باسم السحب الركامية‏(
    Cumuliformor Heap Clouds)‏
    وهي عبارة عن أكوام من السحب المكدسة فوق بعضها بعضا بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بعدد من الأخاديد والأودية العميقة التي قد يصل ارتفاعها إلي أكثر من‏15‏ كيلو مترا‏,‏ مما يعكس الأرتفاع المتكرر والمتعدد للهواء المشبع ببخار الماء علي مدي طويل من الزمن‏,‏ ومع الارتفاع إلي مستويات تتعدي مستوي الركود المناخي يحدث الانخفاض الشديد في درجة الحرارة مما يسمح بتكون بللورات من الثلج في قمة جبال السحب الركامية يليه إلي أسفل حبيبات البرد وقطرات من الماء الشديد البرودة‏,‏ ثم قطرات الماء البارد‏,‏ والسحب الركامية‏,‏ هي النوع الوحيد من السحب المعروفة لنا والمصاحبة بظواهر الرعد والبرق و بنزول كل من البرد والثلج‏.‏

    وعلي ذلك فإن تكون السحب الركامية يتطلب أن تسوق الرياح بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قطعا من السحاب المتناثر بطريقة مستمرة ولفترة محددة حتي تتلاقي وتتحد وتتآلف في مناطق تعرف باسم مناطق التجمع‏(
    ConvergenceZones
    وهو ما سماه القرآن الكريم بتعبير الإزجاء‏,‏ وهذا الإزجاء أو السوق البطيء لقطع السحاب يزيد من تركيز بخار الماء في مثل هذا التجمع من السحب‏,‏ وذلك لأن سرعة تحرك هذه السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المثيرة لها‏,‏ خاصة إذا كان حجم السحابة كبيرا‏,‏ وذلك بسبب تأثير قوة الإعاقة‏(DragForce)‏ وهذا ما يسبب التحام وتآلف تلك السحب‏.‏
    كذلك فإن سرعة الرياح تتباطأ بصفة عامة كلما اتجهنا إلي مناطق التجمع حتي تتلاحم السحب مع بعضها البعض بإرادة الله‏(‏ تعالي‏),‏ ولعل هذا هو المقصود من قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه‏..‏ وعندما تلتحم سحابتان أو أكثر‏(Cloud-merging)‏ فإن تيار الهواء الصاعد داخل تجمعهما يزداد شدة‏,‏ وعنفا‏,‏ وسرعة مما يعين علي جلب المزيد من بخار الماء إلي قمة هذا التجمع التراكمي للسحب‏,‏ ويزيد من معدلات التكثف فيه‏,‏ وبازدياد سرعة تيار الهواء الصاعد فإنه يدفع بالتجمع المتراكم إلي مزيد من الارتفاع إلي أعلي‏,‏ وتكون سرعة التيارات الهوائية الصاعدة أعلي ما تكون في وسط هذا التجمع للسحب الركامية‏,‏ مما يؤدي إلي المزيد من ركم مكوناتها والدفع بها إلي أعلي بهيئة النافورة المتدفقة أو البركان الثائر الذي تتراكم طفوحه علي جانبيه‏.‏

    وكلما زاد إزجاء السحب إلي بعضها البعض أي تجميعها‏,‏ زاد ركمها أي تراكمها وتكدسها‏,‏ وزاد سمك تجمعها وبالتالي زادت قدرة هذا السحاب المركوم علي إنزال المطر والبرد بإذن الله وزادت ظواهر الرعد والبرق فيه‏,‏ وسمي بالمزن الركامية‏(‏ أو السحاب الركامي الممطر‏),‏ والأنواع الشاهقة الارتفاع من المزن الركامية تتكون من بلورات الثلج في قمتها‏,‏ ومن خليط من حبات البرد وقطرات ماء شديد البرودة في وسطها‏,‏ وقطرات ماء بارد فقط في قاعدتها‏.‏
    وتتحرك السحب الركامية إلي حيث شاء الله تعالي لها أن تصل‏,‏ وتظل عملية الركم مستمرة فيها مادامت تيارات الهواء الصاعدة قادرة علي رفع مزيد من بخار الماء‏,‏ وعندما تثقل حمولة هذا السحاب المركوم ينزله ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ حيث يشاء بقدر معلوم علي هيئة مطر‏,‏ أو برد‏,‏ أو ثلج‏,‏ أو علي هيئة خليط منها جميعا وذلك حسب مكونات التجمعات المزنية المركومة وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة فيها وأسفل منها‏,‏ ويتكون البرد بين درجات تتراوح بين ما دون الصفر المئوي وأربعين درجة تحت الصفر‏,‏ وقد تنمو حبات البرد إلي حجم البرتقالة‏,‏ وهي مدمرة للزراعة‏,‏ وينزل المطر من قاعدة المزن الركامية علي هيئة زخات متفرقة في باديء الأمر‏,‏ ثم لا تلبث أن تشمل معظم قاعدتها حيث تسود التيارات الهابطة في نهاية عمر المزن الركامية‏.‏

    إن معرفة السحب الركامية لم يدركها الانسان إلا بعد ريادة السماء بواسطة الطائرات‏,‏ وهذا الفهم لطبيعة وتكون السحب الركامية لم تصل إليه العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن العشرين‏,‏ ومن هنا يأتي وصف القرآن الكريم لها بهذه الدقة والإحاطة والشمول شهادة صدق علي أن القرآن العظيم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏,‏ أنزله بعلمه‏,‏ وأنزل فيه قوله الحق‏:‏
    ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله‏,‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏.(‏ النور‏:43)‏

    وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي هذا القرآن العظيم وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏


    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي


    48)...‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد
    فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار




    النص القرآني المتمم للآية الثالثة والأربعين من سورة النور نص معجز لاحتوائه علي عدد من الحقائق العلمية التي لم يدركها أهل العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏.‏ وسورة النور سورة مدنية‏,‏ آياتها أربع وستون‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول عدد من التشريعات الإلهية التي تحكم سلوك المسلم‏,‏ وتضبط أخلاقه ومعاملاته‏,‏ وتحدد له ما يجب أن يتمسك به من آداب في كل من حياته الخاصة والعامة‏,‏ كما تحدد ضوابط العلاقات في داخل الأسرة المسلمة صونا لحرماتها‏,‏ وحفاظا عليها من التفكك والانهيار‏,‏ انطلاقا من كونها محضن الصغار‏,‏ ولبنة بناء المجتمع المسلم‏...!!‏
    ولذلك أوردت سورة النور عددا من الحدود الشرعية من مثل حد الزنا‏,‏ وحد القذف‏,‏ وضوابط درء الشبهات كاللعان وغيرها‏,‏ وذلك صونا للمجتمعات الإنسانية من الفساد والإباحية والفوضي واختلاط الأنساب‏.‏

    وقد سميت السورة باسم سورة النور لورود الإشارة في الآية الخامسة والثلاثين منها إلي حقيقة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏.‏ وتبدأ السورة الكريمة بتأكيد أنها من جوامع سور القرآن الكريم‏,‏ التي أنزلها الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وفرض فيها علي عباده فرائض ألزمهم بها‏,‏ كما أنزل عددا من آياته البينات تذكرة للناس‏;‏ ومن أول هذه الفرائض تحريم الزنا‏,‏ ووضع الحدود الرادعة للواقعين فيه‏;‏ وتبشيع هذه الجريمة بتأكيد علي أن‏...‏ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك علي المؤمنين‏;‏ وتشير السورة إلي إشاعة فرية الإفك‏,‏ وتجرم الخائضين فيها‏,‏ وتبرئ المظلومين من دنسها‏,‏ مؤكدة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لايحب أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين‏.‏
    وتحذر سورة النور من اتباع خطوات الشيطان‏,‏ وتحض علي الإنفاق في سبيل الله‏,‏ وتنهي عن الخوض في أعراض الناس‏,‏ وعن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات‏;‏ وتؤكد أن ألسنة الخائضين في أعراض الناس وأيديهم وأرجلهم سوف تشهد عليهم يوم القيامة بما كانوا يعملون‏.‏

    وتنهي سورة النور عن دخول البيوت دون استئذان وسلام علي أهلها‏,‏ وتأمر بغض البصر‏,‏ وحفظ الفرج‏,‏ وستر العورات‏,‏ وبالاحتشام وعدم التبرج بزينة‏,‏ وتضع ضوابط الزواج‏,‏ وتحرم البغاء واستغلال الجواري للكسب الدنيوي الرخيص من وراء هذه الجريمة غير الإنسانية وغير الأخلاقية‏,‏ وتدعو إلي عتق رقاب الأرقاء‏,‏ وإلي بناء المساجد‏,‏ والقيام علي تطهيرها‏,‏ وعمارتها‏,‏ بيوتا لله في الأرض‏,‏ ومنارات للهدي‏,‏ ومراكز للدعوة إلي دين الله‏,‏ يعبد فيها الله‏(‏ تعالي‏)‏ وحده‏(‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏),‏ ويسبح فيها المؤمنون بحمده صباح مساء‏,‏ لا يشغلهم عن ذلك شيء من شواغل الدنيا وملهياتها‏,‏ أو زخارفها‏,‏ وزيناتها‏;‏ وذلك طمعا في مرضاة الله‏,‏ وتجنبا لسخطه وغضبه‏;‏ وتحسبا لأهوال يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار‏,‏ وتبشرهم السورة الكريمة بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يجزيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله‏,‏ فهو‏(‏ سبحانه‏)‏ يهب ما يشاء لمن يشاء‏,‏ ولا حدود لعطائه‏...!!‏
    وفي المقابل تؤكد سورة النور أن الكفار في الآخرة سوف يجدون أعمالهم التي اقترفوها في الدنيا‏(‏ متصورين أنها أعمال نافعة‏)‏ وكأنها سراب خادع‏,‏ لا قيمة له ولا وزن عند الله الذي سوف يوفيهم حسابهم‏,‏ والله سريع الحساب‏...!!‏

    وتشبه السورة تخبط الكفار في ظلمات الشرك والكفر والضلال بالواقف في قاع بحر عميق وسط ظلمات متكاثفة تحدثها ظلمة كل من السحاب‏,‏ والأمواج السطحية‏,‏ والأمواج العميقة‏,‏ فلا يكاد يري شيئا من حوله‏,‏ وتقرر أنه‏:...‏ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور‏.‏
    وتؤكد الآيات أن جميع من في السماوات والأرض يسبح لله الذي له ملك السماوات والأرض وملك كل شيء وإليه المصير‏,‏ وتصف مراحل تكون السحب الركامية وما يصاحبها من إزجاء‏,‏ وتأليف وركم‏,‏ وإنزال لما فيها من ماء وثلج وبرد‏,‏ وحدوث للبرق‏,‏ وتشير إلي تبادل الليل والنهار‏,‏ وإلي خلق كل دابة من ماء‏,‏ وإلي عدد من الوسائط التي تتحرك بها تلك الدواب‏,‏ وكلها من الدلائل البينة علي طلاقة القدرة الإلهية‏.‏

    وتحذر سورة النور من النفاق والمنافقين‏,‏ وتفضح دخائل نفوسهم‏,‏ وما جبلوا عليه من الكذب‏,‏ والمكر‏,‏ والاحتيال‏,‏ والحنث في الأيمان‏,‏ ونقض العهود والمواثيق‏,(‏ تماما كما يفعل الصهاينة المجرمون اليوم‏),‏ وتقارن بين مواقف كل من المنافقين والمؤمنين‏,‏ وتأمرهم بطاعة الله ورسوله فإن أعرضوا فما علي الرسول إلا البلاغ‏.‏ وتؤكد سورة النور أن وعد الله قائم للذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم‏,‏ وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضي لهم‏,‏ وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا ما داموا يعبدون الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يشركون به شيئا‏,‏ وأن‏...‏ من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‏.‏ وتعاود الآيات الأمر بإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وطاعة الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ خاصة في الأمر بالجهاد في سبيل الله‏,‏ مؤكدة أن الذين كفروا ليسوا بمعجزين في الأرض‏,‏ وأن مأواهم النار وبئس المصير‏,‏ كما تعاود إلي المزيد من ضوابط السلوك في البيت المسلم‏,‏ وفي حضرة رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ـوهو نموذج للتعامل مع أية قيادة إسلاميةـ وتجعل هذا الأدب في التعامل من صفات المؤمنين الملتزمين بأوامر الله ورسوله‏,‏ وتحذر من مخالفة تلك الأوامر درءا لفتن الدنيا وعذاب الآخرة‏.‏

    وتختتم سورة النور بالتأكيد مرة أخري أن لله ما في السماوات والأرض‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ عليم بما في قلوب خلقه‏(‏ لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏),‏ وأنهم جميعا سوف يرجعون إليه فينبئهم بما فعلوا في الدنيا ويجازيهم بأعمالهم‏.‏

    والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة النور علي صدق ما جاء بها من حقائق وأحكام آيات عديدة منها ما يلي‏:‏
    ‏(1)‏ حقيقة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏,‏ وضرب المثل لهذا النور بتشبيه علمي دقيق‏(‏ ولله المثل الأعلي‏).‏

    ‏(2)‏ التشبيهات الدقيقة بظواهر السراب‏,‏ وبالظلمات المركبة فوق قيعان البحار العميقة‏,‏ وبحقيقة أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور‏.‏

    ‏(3)‏ تأكيد حقيقة تسبيح كل ما في السماوات والأرض لله‏.‏

    ‏(4)‏ وصف تكون السحب الركامية والظواهر المصاحبة لتكوينها بدقة بالغة‏,‏ ونسبة ظاهرة البرق إلي البرد‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا في أواخر القرن العشرين‏.‏

    ‏(5)‏ تبادل‏(‏ تقليب‏)‏ الليل والنهار‏.‏

    ‏(6)‏ خلق كل دابة من ماء‏.‏

    ‏(7)‏ الإشارة إلي إمكانية تصنيف الدواب علي أساس من طريقة مشيها‏.‏
    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي إنزال البرد من السحب الركامية‏,‏ وعلاقة ذلك بحدوث ظاهرة البرق‏,‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذا النص القرآني المعجز‏.‏

    من أقوال المفسرين



    1ـ بلورات ثلج تتحول بالتدريج الى جليد
    2ـ صورة مكبرة لحبيبات من البرد فى حجم حبات الخرز
    3ـ صاعقة من البرق بين السحب الركامية وسطح الارض
    4ـ قطاع فى سحابة ركامية بداخلها برد يتكون مسببا عاصفة برقية / رعدية
    5ـ سحب ركامية
    في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):...‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏.‏
    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:...‏ وقوله‏:(‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد‏)‏ قال بعض النحاة‏:(‏ من‏)‏ الأولي لابتداء الغاية‏,‏ والثانية للتبعيض‏,‏ والثالثة لبيان الجنس‏,‏ ومعناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد‏,‏ وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن‏(‏ من‏)‏ الثانية عنده لابتداء الغاية لكنها بدل من الأولي والله أعلم‏,‏ وقوله تعالي‏:(‏ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏)‏ يحتمل أن يكون المراد بقوله‏:(‏ فيصيب به‏)‏ أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد‏,‏ فيكون قوله‏:(‏ فيصيب به من يشاء‏)‏ رحمة لهم‏(‏ ويصرفه عن من يشاء‏)‏ أي يؤخر عنهم الغيث‏,‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:(‏ فيصيب به‏)‏ أي بالبرد نقمة علي من يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم‏,(‏ ويصرفه عن من يشاء‏)‏ رحمة بهم‏,‏ وقوله‏:(‏ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏)‏ أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته‏....‏

    وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:...(‏ وينزل من السماء‏)(‏ من‏)‏ زائدة‏(‏ جبال فيها‏)‏ في السماء‏,‏ بدل بإعادة الجار‏(‏ من برد‏)‏ أي بعضه‏(‏ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏)(‏ يكاد‏)‏ يقرب‏(‏ سنا برقه‏)‏ لمعانه‏(‏ يذهب بالأبصار‏)‏ الناظرة له أي يخطفها‏.‏
    وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما نصه‏:...‏ وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة‏...‏ ومشهد السحب كالجبال ليبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها فإذا المشهد مشهد الجبال حقا بضخامتها‏,‏ ومساقطها‏,‏ وارتفاعاتها‏,‏ وانخفاضاتها‏,‏ وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس‏,‏ إلا بعدما ركبوا الطائرات‏.‏

    وهذه الجبال مسخرة بأمر الله وفق ناموسه الذي يحكم الكون‏,‏ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏...‏ وتكملة المشهد الضخم‏(‏ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏)‏ ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض‏,‏ علي طريق التناسق في التصوير‏.‏
    وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏)‏ ما نصه‏:...(‏ سنا برقه‏)‏ أي شدة ضوء برق السحاب ولمعانه‏.‏ يقال‏:‏ سنا يسنو سنا‏,‏ أي أضاء‏.‏

    وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزي الله كاتبيه خيرا‏)‏ ما نصه‏:...‏ والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال في عظمتها بردا‏,‏ كالحصي ينزل علي قوم فينفعهم أو يضرهم تبعا لقوانينه وإرادته‏,‏ ولا ينزل علي آخرين كما يريد الله فهو سبحانه الفاعل المختار‏,‏ ويكاد ضوء البرق الحادث من اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته‏,‏ وهذه الظواهر دلائل قدرة الله الموجبة للإيمان‏.‏

    وجاء في تعليق الخبراء بالهامش الملاحظتان التاليتان‏:‏
    ‏(1)‏ لا يعرف التشابه بين السحب والجبال إلا من يركب طائرة تعلو به فوق السحاب فيراها من فوق كأنها الجبال والآكام‏,‏ وإذا لم تكن تلك الطائرات موجودة في عصر النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فإنه يكون ذلك دليلا علي أن هذا الكلام من عند الله الذي يعلم ما علا وما انخفض‏.‏

    ‏(2)‏ تسبق هذه الآية الكريمة ركب العلم فإنها تتناول مراحل تكون السحب الركامية وخصائصها‏.‏ وما عرف علميا في العهد الأخير من أن السحب الممطرة تبدأ علي هيئة وحدات يتألف عدد منها في مجموعات هي السحب الركامية أي السحب التي تنمو في الاتجاه الرأسي‏,‏ وترتفع قممها إلي علو‏(15)‏ إلي‏(20)‏ كيلو مترا فتبدو كالجبال الشامخة‏!.‏
    كما أن هذه السحب هي ـوحدهاـ التي تجود بالبرد‏,‏ وتشحن بالكهرباء‏,‏ وقد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون متصلة‏(40‏ تفريغا في الدقيقة الواحدة‏)‏ فيذهب ببصر الراصد من شدة الضياء‏....‏

    فهم النص القرآني في ضوء المعارف المكتسبة
    أولا‏:‏ النصف الأول من الآية الكريمة‏:‏
    في النصف الأول من الآية الكريمة رقم‏(43)‏ من سورة النور التي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ـوالخطاب من بعده للناس كافةـ بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله‏....‏
    ‏(‏النور‏:43)‏

    سبق وأن ذكرنا في مقال سابق أن الفعل‏(‏ يزجي‏)‏ معناه يسوق سوقا رفيقا‏(‏ من زجي الشيء‏,‏ يزجيه‏,‏ تزجية‏,‏ وإزجاء أي دفعه برفق‏.‏

    وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الرياح‏(‏ المصرفة حسب المشيئة الإلهية‏)‏ هي التي تثير السحاب‏,‏ وأن السحاب في بدء استثارته يكون في كثير من الأحوال علي هيئة القطع الصغيرة المتناثرة في صفحة السماء الدنيا‏,‏ ثم تأتي الرياح لتسوق هذه القطع الصغيرة المتناثرة من السحاب سوقا رفيقا‏(‏ وهو الإزجاء‏),‏ ولما كانت سرعة تحرك قطع السحاب الصغيرة أبطأ من سرعة الرياح التي تسوقها‏,‏ فإن عملية إزجائها تستغرق وقتا من الزمن حتي تؤدي في النهاية إلي تجميعها في كتلة سحابية ضخمة‏,‏ ولذلك استخدم القرآن الكريم حرف العطف ثم الذي يدل علي الترتيب مع التراخي‏;‏ ويزداد بطء السحابة في تحركها كلما زادت كتلتها‏,‏ وكلما قربت من منطقة التجمع‏(‏ حيث يؤلف الله تعالي بينها أي يضم بعضها إلي بعض في التئام ومواءمة‏),‏ وهنا تتلاحم مكونات السحب الصغيرة المجتمعة علي بعضها البعض وتمتزج امتزاجا كاملا في جسم واحد كبير‏(‏ وهو المقصود بالتآلف‏),‏ ومع بطء تحرك هذا التجمع السحابي الكبير تزداد سرعة التيارات الهوائية الصاعدة إلي داخله‏,‏ ويزداد ارتفاع مكوناته إلي أعلي‏,‏ ويؤدي ذلك إلي جلب مزيد من بخار الماء إلي داخله‏;‏ وباستمرار ارتفاع مكونات هذا التجمع السحابي إلي مستويات عليا من نطاق المناخ‏(‏ نطاق الرجع‏)‏ ـحيث الانخفاض المستمر في كل من الضغط ودرجة الحرارةـ تزداد الفرص لتكثف ما به من بخار الماء‏,‏ مما يزيد في سرعة التيارات الهوائية الصاعدة إلي داخل هذا التجمع من السحب‏,‏ وبالتالي إلي زيادة تدفق بخار الماء إلي قلبه‏,‏ وزيادة نموه‏,‏ وكذلك زيادة فرصه في الارتفاع إلي أعلي علي هيئة أعداد من سلاسل السحب التي تأخذ شكل السلاسل الجبلية‏,‏ ذات القمم السامقة‏,‏ والتي تتعدد بتعدد التيارات الهوائية الصاعدة إلي داخلها‏,‏ والمرتفعة بمكوناتها إلي أعلي مستويات تصلها قوة اندفاع تلك التيارات الصاعدة‏,‏ وهذه التيارات الهوائية الصاعدة تكون في أعلي سرعاتها في وسط السحب‏,‏ وتتضاءل سرعاتها علي الأطراف فيظهر تأثيرها علي هيئة النافورات المتدفقة بمائها إلي أعلي‏,‏ أو فوهات البراكين الثائرة التي تلقي بملايين الأطنان من الحمم إلي أعلي فتتساقط متجمعة ومتكدسة علي جوانب المخروط البركاني‏,‏ وتؤدي هذه العملية إلي إلقاء السحب بعضها فوق بعض علي جوانب تيارات الهواء الصاعدة بما فيها من بخار الماء المتكثف لتتجمع حول القمة المتكونة‏,‏ وهذا هو المقصود‏(‏ بالركم‏)‏ لأن‏(‏ الركم‏)‏ في اللغة هو إلقاء الشيء بعضه فوق بعض‏[‏ من‏(‏ ركم‏)‏ الشيء‏(‏ يركمه‏)(‏ ركما‏)(‏ فارتكم‏)‏ و‏(‏تراكم‏)‏ أي اجتمعت أجزاؤه شيئا فوق شيء فأصبح‏(‏ ركاما‏)(‏ مركوما‏)‏ أو‏(‏ مرتكما‏)‏ أو‏(‏ متراكما‏)‏ بعضه علي بعض‏];‏ و‏(‏ركم‏)‏ السحاب يؤدي إلي نموه الرأسي باستمرار علي هيئة سلسلة من القمم الجبلية المفصولة بعدد من التلال والهضاب والأودية‏;‏ وكلما زاد نمو تجمعات السحب رأسيا زاد سمكها وزاد ركمها‏,‏ ومن هنا كانت تسمية هذا النوع من تجمعات السحب باسم السحب الركامية‏(‏ أو المركومة‏)
    (CumuliformorHeapClouds)‏
    وترجمة هذا التعبير الإنجليزي هو السحب المكدسة أو المتجمعة علي هيئة أكوام متراصة فوق بعضها تمييزا لها عن غيرها من أنواع السحب‏,‏ وإبرازا لدور الركم في تكوينها‏.‏

    ومن السحب الركامية أنواع منخفضة إلي متوسطة الارتفاع‏(‏ يزيد ارتفاع قواعدها علي كيلو مترين فوق مستوي سطح البحر‏),‏ ومنها السحب العالية التي تجاوز قممها الخمسة عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وتتجاوز قواعدها الستة كيلو مترات فوق هذا المستوي‏.‏
    ونظرا لكثرة ما بها من بللورات الثلج وحبات البرد وقطرات الماء شديدة البرودة‏;‏ فإن السحب الركامية العالية المعروفة باسم السمحاق الركامي والمتوسطة المعروفة باسم السحب الركامية المتوسطة تظهر أحيانا علي شكل أعداد كبيرة من الكريات البيضاء المتراصة في صفوف منتظمة‏,‏ وإن كانت تأخذ أشكالا متموجة في بعض الأحيان‏.‏ وتتكون السحب الركامية المنخفضة الارتفاع والمعروفة باسم السحب الركامية المزنة والمزن الركامية علي هيئة كتل جبلية الشكل ذات نمو رأسي واضح‏,‏ وقواعد أفقية تقريبا‏.‏

    وتشتمل السحب الركامية علي بللورات الثلج في قممها‏,‏ وعلي خليط من حبات البرد وقطرات من ماء شديد البرودة في وسطها‏,‏ وعلي قطرات الماء البارد في قاعدتها‏;‏ وتصاحبها عادة ظواهر البرق والرعد وهطول المطر وسقوط حبات البرد وبللورات الثلج‏.‏
    ومن السحب الركامية المنخفضة ما يشبه سلاسل التلال بدلا من سلاسل الجبال لقلة سمكها نسبيا‏,‏ ولتوقف عمليات الركم دون الارتفاعات المناسبة‏,‏ وهي لقلة ارتفاعها لا يتكون بداخلها البرد ولا الثلج‏,‏ ولا يصاحبها برق ولا رعد‏,‏ وإذا أمطرت فلا ينزل منها إلا الماء‏.‏

    وتتحرك السحب الركامية إلي حيث أراد الله‏(‏ تعالي‏)‏ لها أن تصل‏,‏ وتظل عوامل الركم فيها مستمرة مادامت تيارات الهواء الصاعدة إلي قلبها مندفعة بقوة تمكنها من الاحتفاظ بحمولتها من قطيرات الماء‏,‏ وحبات البرد وبللورات الثلج‏;‏ وعندما تضعف قوة الرياح الصاعدة ـالتي يصرفها الله تعالي كما يصرف غيرها من أنواع الرياح بعلمه وقدرته وحكمتهـ أو عندما تزيد حمولة هذا التجمع من السحب علي قدرة حملها فإن عملية الركم تتوقف وتبدأ مكوناتها في الهبوط إلي الأرض‏,‏ وأول ما ينزل منها الماء‏,‏ وقد يصاحبه أو يتلوه نزول البرد الذي يتلوه نزول الثلج‏;‏ ولذلك تقول الآية الكريمة‏...‏ فتري الودق يخرج من خلاله‏....‏
    وإلفاء من حروف العطف التي تدل علي الترتيب والتعقيب مع الاشتراك وبدونه‏,‏ و‏(‏الودق‏)‏ هو المطر‏,‏ و‏(‏من خلاله‏)‏ أي من فتوق السحاب الركامي ومخارجه‏,‏ لأن‏(‏ خلال‏)‏ جمع‏(‏ خلل‏)‏ علي وزن جبال وجبل‏;‏ وقد ثبت علميا أنه بتباطؤ سرعة التيارات الهوائية الصاعدة أو توقفها تتكون مناطق خلخلة في قاعدة السحب الركامية فينزل منها الماء بإرادة الله‏(‏ تعالي‏)‏ وتقديره أولا من مناطق الخلخلة تلك التي تظل تتسع لتشمل قاعدة السحابة بأكملها حين يسود تيار الهواء الهابط‏,‏ وقد يصاحبه كل من البرد والثلج أو يتلوه تباعا‏,‏ وذلك حسب ارتفاع ومكونات السحابة الركامية وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة فيها‏.‏

    ثانيا ـ النصف الثاني من الآية الكريمة‏:‏
    في النصف الثاني من الآية الكريمة يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
    ‏..‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏*(‏ النور‏:43)‏

    ومعني ذلك أنه بعد‏(‏ إزجاء السحاب‏)‏ أي سوقه سوقا رفيقا‏,‏ و‏(‏التأليف بينه‏)‏ أي ضم بعضه إلي بعض في التئام ومواءمة‏,‏ وبعد‏(‏ ركمه‏)‏ أي تكديسه فوق بعضه بعضا بواسطة حركة التيارات الهوائية الصاعدة في داخل هذا التجمع من السحب‏,‏ و‏(‏خروج الودق‏)‏ أي المطر من خلاله‏,‏ ينزل الله‏(‏ تعالي‏)‏ من السماء‏(‏ أي من هذه السحب الركامية‏).(‏ من جبال‏)‏ أي من السحب الركامية المرتفعة التي تشبه الجبال في شكلها وارتفاعها وقممها‏,(‏ فيها من برد‏)‏ أي في هذه الجبال من السحب الركامية التي تعلو قممها عن خمسة عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر يوجد البرد‏,‏ والبرد لغة هو مايبرد من المطر في الهواء فيتجمد ويصلب وعلي ذلك فهو يشمل الثلج أيضا‏,‏ وهما لايتكونان في الغلاف الغازي للأرض إلا في السحب الركامية‏,‏ وهي توصف بأنها سحب بردة أي ذات برد وثلج‏,‏ أي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ ينزل من السحب الركامية المرتفعة القمم كالجبال شيئا مما فيها من برد وثلج فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏).‏
    ومما ينزل من السحب الركامية البرد الذي عادة ما يصاحب بالعواصف البرقية الرعدية‏,‏ ويصل حجم حبيباته إلي عدة سنتيمترات في طول قطرها‏,‏ وتكون في هذه الحالة ظاهرة مدمرة خاصة للنباتات ولبعض الحيوانات وبالتالي للإنسان‏,‏ كما قد تصيب بعض المنشئات بأضرار بالغة‏,‏ ومن هنا كان البرد من جند الله‏,‏ ينزله حسب تقديره ومشيئته في المكان والزمان المحددين انتقاما من العاصين‏,‏ وابتلاء للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين‏.‏
    ‏(‏يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏)‏ والضمير في‏(‏ برقة‏)‏ يعود علي البرد‏,‏ بمعني أن مرد ظاهرة البرق يعود إلي‏(‏ البرد‏)‏ وهي حقيقة لم تدركها العلوم المكتسبة إلا في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين‏,‏ و‏(‏السنا‏)‏ هو الضوء الساطع‏,‏ و‏(‏سنا برقه‏)‏ أي شدة ضوء برقه‏,(‏ ويذهب بالأبصار‏)‏ أي يخطفها فيفقدها البصر بالتماعها من شدة ضوء البرق‏,‏ فسبحان الذي نسب ظاهرة البرقللبرد من قبل ألف وأربعمائه سنة‏,‏ ولم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن العشرين‏.‏

    كيفية تكون البرد في داخل السحب الركامية
    تصل قمم السحب الركامية عادة إلي ارتفاعات قد تتجاوز الخمسة عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏(‏ أي تتجاوز نطاق الرجع بأكمله‏),‏ وفي هذه الارتفاعات الشاهقة تنخفض درجة الحرارة انخفاضا شديدا حتي تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء‏,‏ كذلك يتناقص الضغط الجوي من سطح البحر باستمرار مع الارتفاع حتي يصل إلي واحد من ألف من قيمته بعد ارتفاع مقداره‏48‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وتعين هذه الظروف علي تكثف بخار الماء في السحابة ونمو قطيرات الماء فيها إلي أحجام تعتبر نسبيا كبيرة‏,‏ وتجمد هذه القطيرات علي هيئة بلورات الثلج في قمم السحب الركامية العالية إذا توافرت لها نوي التبلور‏,‏ ويتحول في وسطها إلي خليط من البرد والماء الشديد البرودة‏,‏ ويتكون البرد في درجات أقل من الصفر المئوي وحتي أربعين درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ ويتكون البرد في الأجزاء الوسطي من السحب الركامية نتيجة لسقوط بلورات الثلج من قمم تلك السحب إلي أواسطها حيث تكثر قطيرات الماء المبرد تبريدا شديدا والتي تتجمد‏,‏ بمجرد اصطدامها بالكتل الثلجية الهابطة والتحامها بها أو باصطدامها مع بعضها البعض فتتكون كرات أو أقراص من الثلج غير المتبلور حول نواة من بلورة أو كتلة ثلجية‏,‏ أو بدونها‏,‏ وذلك لأن قطرات الماء شديدة البرودة تكون في حالة غير مستقرة‏,‏ فإذا اصطدمت ببعضها البعض أو بأي جسم آخر فإنها تتجمد في الحال‏.‏

    ولايهطل الثلج‏(‏ الجليد‏)‏ إلا في المناطق الباردة التي تصل فيها درجة الحرارة إلي مادون الصفر المئوي‏,‏ وإلا مع توافر نوي التكثف الملائمة في قمم السحب الركامية‏.‏
    وبللورات الثلج وكذلك حبيبات البرد تنمو بتصادمها مع بعضها البعض علي هيئة صفائح رقيقة حتي تقارب أقطارها السنتيمتر فتنزل بقدر الله وحيث يشاء إلي الأرض التي قدر أن يصيبها به‏.‏

    ويتساقط الجليد في شتاء المناطق الباردة علي مساحات واسعة‏,‏ ويظل ينمو علي سطح الأرض من سنتيمترات قليلة في السمك إلي عدة أمتار‏,‏ ويسبب تجمعه فوق سطح الأرض هبوطا عاما في درجة الحرارة لبرودته مما يؤدي إلي برودة الجزء الملاصق له من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ولقيامه بعكس نسبة كبيرة من الإشعاع الشمسي‏,‏ ولذلك تبقي درجة حرارة الجو في المناطق المكسوة بالجليد في حدود الصفر المئوي أو دونه علي الرغم من سطوع الشمس‏,‏ وقد يؤدي تراكم الجليد إلي شل حركة المواصلات‏,‏ وإتلاف المحاصيل الزراعية لتكسرها بتجمع كتل الثلج فوقها‏,‏ ولتمزق أوعيتها الخشبية بتجمد العصارة الغذائية فيها‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فقد يكون لنزول الثلج وما يصاحبه من ظواهر الصقيع مردودا إيجابيا علي بعض أشجار الفاكهة المتساقطة الأوراق إذ تحتاج هذه الأشجار لنجاح إثمارها ونموها إلي فترة من السكون خلال الشتاء بتساقط أوراقها وتكسر بعض فروعها مما يحفزها علي النمو والاثمار في الربيع والصيف التاليين‏,‏ ولذلك قال‏(‏ تعالي‏):‏
    ‏...‏ وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏...‏

    أي يضر به من يشاء ويصرف ضرره عمن يشاء‏,‏ أو ينفع به من يشاء ويصرف نفعه عمن يشاء بعلمه وحكمته وقدرته‏.‏
    ويبدأ تساقط الجليد عادة في مناطق خطوط العرض العالية ابتداء من شهر ديسمبر‏,‏ ويستمر متقطعا طيلة فصل الشتاء‏,‏ كما يغطي الجليد قمم الجبال العالية طيلة السنة تقريبا‏,‏ ويسمي الارتفاع الذي تظهر عنده الثلوج الدائمة باسم‏(‏ حد الثلج الدائم‏),‏ ويتراوح ارتفاع هذا الحد بين‏1,2‏ كيلو متر في بلد شمالي كالنرويج إلي خمسة كيلو مترات ونصف الكيلو متر في بلد إفريقي مثل تنزانيا‏,‏ وإلي ستة كيلو مترات ونصف الكيلو متر في بلد أمريكي جنوبي مثل المكسيك‏,‏ وعندما يذوب بعض هذا الجليد الذي تراكم طوال فصل الشتاء في كل من فصلي الربيع والصيف قد يكون سببا في فيضان بعض الأنهار فيضانا مغرقا في بعض الحالات‏.‏

    دور البرد في حدوث ظاهرة البرق
    إلي منتصف الثمانينيات من القرن العشرين بقي تعريف البرق بأنه تفريغ كهربي بين سحابتين تحمل كل منهما شحنة كهربية مختلفة‏,‏ أو بين جزءين مختلفين من سحابة واحدة كل منهما يحمل شحنة كهربية مختلفة‏,‏وإذا ما تمت عملية التفريغ الكهربي تلك بين السحب والأرض سميت الظاهرة باسم الصاعقة‏.‏
    ويصاحب ظاهرة البرق انطلاق حرارة عالية قد تصل إلي عشرات الآلاف من الدرجات المئوية مما يؤدي إلي تسخين فجائي وشديد لكتل من الهواء التي ينتشر البرق فيها فتتمدد فجأة‏,‏ وينتج عن تمددها سلسلة من أمواج التضاغط والتخلخل في الهواء المحلي ينتج عنها أمواج صوتية علي هيئة جلجلة أو فرقعات شديدة تظل تتردد وتنعكس بين السحب الركامية وقواعدها‏,‏ وبينها وبين الغلاف الغازي للأرض أو المرتفعات المحيطة بها‏,‏ أو بينها وبين سطح الأرض مباشرة‏,‏ وتعرف هذه الموجات الصوتية وتردداتها ورجعها باسم الرعد‏.‏

    في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين أثبتت التجارب المختبرية أنه عند انصهار الثلج تتولد شحنات كهربائية لاتتوقف حتي تتم عملية الانصهار‏.‏
    وعلي العكس من ذلك أثبتت التجارب المعملية أن الماء عند تجمده من محلول ملحي يتولد تيار كهربائي مصاحب بفرق جهد كهربي ملحوظ بين كتلة الثلج والمحلول المائي المالح المغموسة فيه وعلي السطح الفاصل بينهما‏,‏ وأن هذا الفرق في الجهد الكهربي يتلاشي باكتمال عملية التجمد‏.‏

    كذلك ثبت أن شحنة كهربائية يمكن أن تنتقل بين بلورتين من بلورات الثلج بمجرد اصطدامهما‏,‏ وقد أشارت هذه النتائج المعملية إلي إمكانية أن يكون نمو بلورات الثلج وحبيبات البرد وانصهارها داخل السحب الركامية هو أحد أسباب تولد الشحنات الكهربائية في داخل تلك السحب‏,‏ وبالتالي لتكون ظاهرتي البرق والرعد فيها‏:‏
    وبعد ذلك لاحظ إخصائيو الأرصاد الجوية أن تيارا كهربائيا يتولد في أثناء سقوط كل من الثلج والبرد والمطر وأنه ينساب إلي أعلي‏,‏ في اتجاه معاكس لاتجاه سقوطها من السحب الركامية‏.‏

    وفي منتصف الستينيات من القرن العشرين ثبت بالملاحظة تولد قوة كهربائية عند تلامس قطعتين من الثلج في درجتي حرارة مختلفتين أو عند انزلاق إحداهما علي الأخري وذلك بالتأثير الحراري‏,‏ وأن وجود فقاعات هوائية حبيسة في داخل تلك البلورات الثلجية يؤثر في نوع الشحنة الكهربائية من ناحية كونها موجبة أو سالبة‏.‏
    كذلك تتولد شحنات كهربائية عند تصادم قطرات الماء الشديدة البرودة مع بلورات الثلج أو حبات البرد أو مع أي خليط منهما ومعني ذلك أن شحنات كهربائية تتولد عندما يتحول الماء من حال إلي حال‏:‏ من الماء شديد البرودة إلي البرد أو إلي الثلج‏,‏ كما تتولد عند تصادم أو ملامسة أي من هذه الحالات مع بعضها البعض‏,‏ وكلما طرأ علي كل حالة من حالات الماء الصلبة والسائلة والغازية طاريء يغير من شكلها أو حجمها‏,‏ أو كتلتها‏,‏ أو درجة حرارتها‏.‏

    هذه التجارب والملاحظات المتكررة انتهت في الثمانينيات من القرن العشرين إلي اعتبار البرد بمعناه الشامل للماء شديد البرودة‏,‏ ولحبات البرد ولبلورات الثلج‏,‏ هو المولد الحقيقي لشحنات الكهرباء ومن ثم لظاهرة البرق‏.‏
    وحبات البرد هي تلك الحبات الكرية وشبه الكرية التي تتكون من راقات من الثلج علي هيئة إضافات متتالية لثلج جاف غير متبلور علي هيئة الزبد فوق إحدي نوي التبلور‏,‏ سواء كانت تلك النواة بلورة من الثلج أو قطعة منه أو هباءة من الغبار أو الهباب الناجم عن عمليات الاحتراق المختلفة‏,‏ أو مما تقذف به البراكين عبر فوهاتها من غازات وأبخرة‏,‏ أو ماينتج عن احتراق الشهب باحتكاكها بالغلاف الغازي للأرض في أجزائه العليا‏,‏ أو من الأملاح المختلفة التي يمكن أن تحملها الأبخرة المتصاعدة من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ أو غير ذلك من ملوثات الهواء‏.‏

    وعندما يتم تكثف بخار الماء تحت الصفر المئوي بحوالي الثلاثين درجة فإنه يتحول إلي ثلج مباشرة عند توافر نوي التكاثف الصلبة‏,‏ دون مروره بمرحلة قطران الماء السائل‏,‏
    أما إذا حدثت عملية التكثف في هذه الدرجات المنخفضة من الحرارة دون توافر نوي التكثف الصلبة تتكون نقط من الماء شديد البرودة الذي لايتجمد علي الرغم من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة إلي ما دون درجة تكون الجليد‏,‏ وتظل نقط الماء الشديد البرودة تلك في حالة من عدم الاستقرار يجعلها قابلة للتجمد بمجرد تصادمها مع بعضها البعض أو مع أي جسم صلب‏,‏ وبذلك يتكون البرد‏,‏ وبتكونه ينشأ البرق‏,‏ ويصاحبه الرعد‏,‏ وتنزل الثلوج والبرد وتهطل الأمطار بإذن الله‏,‏ وذلك لأن ضغط التشبع بالنسبة للماء السائل أكبر من ضغط التشبع بالنسبة إلي الثلج في نفس درجة الحرارة‏,‏ ومن هنا فإن سحابة ركامية بها مقادير كافية من قطرات الماء الشديد البرودة تصبح مهيأة لإنزال المطر بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ بمجرد تجمد تلك القطرات‏.‏

    والسحابات الركامية عادة ماتكون لها قمم ناصعة البياض لتوافر بلورات الثلج فيها‏,‏ وبمجرد تساقط شيء من تلك البلورات الثلجية إلي المنطقة الوسطي من السحابة وهي غنية بقطرات من الماء الشديد البرودة يبدأ البرد في التشكل‏,‏ وتنشط ظاهرتا البرق والرعد‏,‏ وتكون السحابة مرشحة لإنزال الماء بأمر من الله‏(‏ تعالي‏)‏ وبرحمة منه وفضل علي هيئة رخات قليلة تبدأ من وسط السحابة‏,‏ ثم لاتلبث أن تنتشر في كل قاعدتها‏.‏
    ومصدر الشحنات الكهربائية المندفعة من السحب الركامية إلي سطح الأرض وبالعكس أثناء هطول كل من الأمطار والثلوج يوجد علي ارتفاعات تكاد تنحصر بين سطحين في الغلاف الغازي للأرض تتراوح درجتي حرارتهما بين‏(15)‏ درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ و‏(25)‏ درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ وعلي الرغم من اختلاف أنواع السحب الركامية مكانا‏,‏ وزمانا‏,‏ وبناء‏,‏ وفي عوامل التكوين إلا أن هذا الحيز الحراري يبقي ثابتا‏.‏

    ويصحب عملية تكون كل من الثلج والبرد تخلق مجال كهربائي إذا وصل تركيز بلورات الثلج في الحيز المحصور بين‏(-15‏ م‏),(-25‏ م‏)‏ إلي عشر بلورات في اللتر الواحد‏.‏
    من هنا توصل العلماء في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين إلي أن البرد بمعناه الواسع هو السبب الرئيسي في تكون ظاهرة البرق والتي يصاحبها الرعد بإذن الله‏(‏ تعالي‏),‏ وهي حقيقة سبق القرآن الكريم بتأكيدها من قبل ألف وأربعمائة سنة وذلك في الآية التي نحن بصددها‏(‏ رقم‏(43)‏ من سورة النور‏)‏ التي أكدت إزجاء السحاب‏,‏ ثم التأليف بينه‏,‏ ثم جعله ركاما‏,‏ ثم إنزال الودق من خلاله‏,‏ وفصل بين المراحل الثلاث الأولي بحرف العطف‏(‏ ثم‏)‏ الذي يفيد الترتيب مع التراخي لأن كل مرحلة منها تستغرق فترة زمنية حتي تتم‏,‏ فلما وصل إلي المرحلة الرابعة فصلها بحرف العطف‏(‏ فـ‏)‏ والذي من معانيه الترتيب مع التعقيب لأن نزول المطر بإذن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يتم بعد إتمام عملية الركم مباشرة‏,‏ وأن هذا الماء ينزل من خلال وسط قاعدة السحابة الركامية أولا وهي منطقة ضعف تنتج عن توقف اندفاع تيارات الهواء الصاعد أو ضعفها‏,‏ وغلبة تيار الهواء الهابط عليها‏,‏ ثم بعد ذلك ينزل من جوانب قاعدة السحابة أو منها كلها‏.‏

    كذلك فإن وصف السحب الركامية بلفظ الجبال‏,‏ وقصر نزول البرد عليها‏,‏ وحدوث البرق بلمعانه الخاطف‏,‏ ونسبة البرق إلي البرد‏,‏ كل ذلك من الحقائق العلمية التي لم تصل إليها المعارف المكتسبة إلا بعد مجاهدة طويلة استغرقت آلاف العلماء‏,‏ ومئات السنين حتي تبلور شيء من فهم الانسان لها في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالاشارة إليها في آية واحدة نري فيها من الإيجاز‏,‏ والشمول‏,‏ والكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والدقة في التعبير والإحاطة بالمعاني مالا يقدر عليه إلا الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ فلم يكن لأحد من البشر إدراك لهذه الحقائق الكونية إلا في العقود الثلاثة الماضية‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد الذي تلقي هذا القرآن عن ربه‏,‏ والحمد لله الذي أنزل هذا القرآن بعلمه‏,‏ وحفظه بوعده وعهده
    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي

    ‏(49)‏ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون




    هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أول الخمس الأخير من سورة الروم وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ستون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم للإشارة في مطلعها إلي هزيمة الروم‏(‏ الدولة البيزنطية‏)‏ علي أيدي جيوش الفرس‏(‏ في حدود سنة‏614‏ مـ‏615‏ م‏),‏ والبشارة بنصرهم المستقبلي في بضع سنين من تاريخ نزول هذه السورة المباركة‏(‏ وقد تحقق ذلك في حدود سنة‏624‏ م أي في العام الهجري الثاني حين تحقق نصر الله للمسلمين في يوم بدر‏).‏
    ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة‏,‏ وركائزها الأساسية ومنها الإيمان بوحدانية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏,‏ وبوحدة الرسالة السماوية التي تكاملت في بعثة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وبوحدة الخلق‏,‏ وبالآخرة وأهوالها‏,‏ وحتمية الجزاء‏,‏ والخلود في حياة قادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا كما أخبر الصادق المصدوق‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏

    وتبدأ سورة الروم بثلاثة حروف من الفواتح الهجائية‏(‏ أو ما يعرف باسم الحروف المقطعة‏)‏ وهي ألم‏;‏ وهذه الحروف الثلاثة تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏(‏ هي البقرة‏,‏ آل عمران‏,‏ العنكبوت‏,‏ الروم‏,‏ لقمان‏,‏ والسجدة‏),‏ وهذه الفواتح من أسرار القرآن الكريم التي حاول عدد من الدارسين الكشف عنها دون الوصول إلي إجماع في ذلك‏,‏ وتوقف الكثيرون عن الخوض فيها مكتفين بتفويض أمرها إلي الله‏(‏ تعالي‏),‏ راجين أن يفتح‏(‏ بفضله ورحمته‏)‏ باب علم لأحد المهتمين بها في مستقبل الأيام إن شاء‏.‏
    وتنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلي زف بشري الانتصار المستقبلي للروم بعد نزول السورة ببضع سنين‏,‏ وكانت جيوش الفرس قد هزمتهم قبل نزولها بعدة سنوات‏,‏ وكانت فارس دولة وثنية‏,‏ وكان الروم البيزنطيون من أهل الكتاب‏,‏ ومن هنا كانت البشري للمسلمين‏.‏

    وتؤكد الآيات في مطلع سورة الروم أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد‏...‏ ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏
    وتؤكد الآيات أن أكثر الناس يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون‏.‏

    وتذكر السورة الكريمة بآيات الله في الأنفس وفي الآفاق‏,‏ وبحتمية لقاء الله‏,‏ وبالاعتبار بقصص الأمم السابقة‏,‏ وبما نزل بهم من عذاب عقابا لهم علي تكذيبهم واستهزائهم بآيات الله ورسله‏,‏ وتحذر من يأس المجرمين وحزنهم يوم تقوم الساعة‏,‏ وكفرهم بشركائهم‏,‏ ويومئذ يتفرق الخلق إلي صالحين وكافرين‏,‏ وتتحدث الآيات عن جزاء كل منهم‏.‏
    وتزخر سورة الروم بالأمر بتسبيح الله‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وبحمده‏(‏ تعالي‏)‏ علي نعمائه‏,‏ في كل وقت‏,‏ وفي كل حين‏,‏ كما تزخر بالآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية في الخلق والإفناء والبعث‏,‏ وتضرب العديد من الأمثال‏...!!‏

    وتنصح سورة الروم رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وبالتالي تنصح كل إنسان بأن يقيم وجهه للدين الإسلامي الحنيف‏,‏ ذلك الدين القيم‏,‏ دين الفطرة التي فطر الله‏(‏ تعالي‏)‏ الناس عليها‏,‏ والتي لا تبديل لها‏,‏ وهي حقيقة لا يعلمها كثير من الناس‏,‏ كما تنصح بالإنابة إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ وتقواه‏,‏ وبإقام الصلاة‏;‏ وتحذر من الشرك والمشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون‏(‏ الروم‏:32).‏
    وتتحدث سورة الروم عن شيء من التقلب في طبائع النفس الإنسانية من مثل اللجوء إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ في الشدة‏,‏ والإعراض عن هديه في الرخاء‏,‏ والإيمان به‏(‏ تعالي‏)‏ في لحظات الضيق‏,‏ والكفر به‏(‏ سبحانه‏)‏ وبما أنزل في لحظات السعة‏,‏ وتتساءل تساؤل الاستنكار والاستهجان‏:‏ هل تلقي هؤلاء المشركون من الله‏(‏ تعالي‏)‏ ما يتكلم بما كانوا به يشركون؟ وتضيف أن الناس إذا أذاقهم الله رحمة فرحوا بها‏...‏ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون علما بأن بسط الرزق لمن يشاء الله‏(‏ تعالي‏)‏ من عباده‏,‏ وقبضه عمن يشاء من عباده هو من آيات الله البينات لقوم يؤمنون‏.‏

    ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها سورة الروم‏:‏ الأمر بإخراج الزكاة‏,‏ وإيتاء كل ذي حق حقه من ذوي القربي‏,‏ والمساكين‏,‏ وأبناء السبيل‏,‏ والنهي عن أكل الربا‏,‏ وتؤكد أن الالتزام بأوامر الله خير للذين يريدون وجه الله‏,‏ وأنهم هم المفلحون والمضعفون‏.‏
    وتؤكد السورة الكريمة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخلاق‏,‏ الرزاق‏,‏ المحيي‏,‏ المميت‏,‏ الباعث‏,‏ الشهيد‏,‏ ولا يستطيع أحد ممن أشرك به المشركون أن يفعل شيئا من ذلك‏,‏ فسبحانه الله وتعالي عما يشركون‏...!!‏

    وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين سوء أعمال الناس وما كسبت أيديهم‏...‏ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون‏;‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من تاريخ الأمم السابقة وكيف كانت عاقبة أمورهم لأن أكثرهم كانوا مشركين‏...!!‏
    وتوصي سورة الروم خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ـومن ثم فإنها تأمر جميع المؤمنينـ بضرورة الاستقامة علي الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع الله‏(‏ تعالي‏)‏ بها كل الخلائق‏,‏ ثم يجزي كلا بعمله‏,‏ ويخص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالكثير من فضله‏,‏ ويخص الكافرين بعذابه وعقابه‏,‏ لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يحب الكافرين‏.‏

    وتتحدث الآيات عن إرسال الرياح مبشرات برحمة من الله وفضل‏,‏ ولتجري الفلك بأمره‏,‏ وليبتغي الناس من فضله ورحمته ولعلهم يشكرون‏...!!‏
    وتذكر السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبما أصاب المجرمين من أقوامهم‏,‏ كما تذكره بتعهد الله‏(‏ تعالي‏)‏ بنصر المؤمنين‏.‏

    وتتحدث الآيات بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي‏...‏ يرسل الرياح فتثير سحابا‏,‏ فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون‏*‏ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين‏*.‏
    واعتبرت سورة الروم قدرة الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي إحياء الأرض بعد موتها‏(‏ وذلك بإنزال ماء المطر عليها‏)‏ إثباتا لقدرته‏(‏ تعالي‏)‏ علي إحياء الموتي وهو علي كل شيء قدير‏;‏ وأن الناس لو رأوا الريح مصفرا لظلوا من بعده يكفرون‏.‏

    وتعاود السورة توجيه الخطاب إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ له‏:‏ فإنك لا تسمع الموتي ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين‏*‏ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون‏*.‏
    وتؤكد الآيات أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي خلق الناس من ضعف‏,‏ ثم جعل من بعد ضعف قوة‏,‏ ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة قادر علي أن يخلق ما يشاء وهو العليم القدير‏.‏

    وتكرر سورة الروم الحديث عن الساعة وأهوالها‏,‏ وعن موقف كل من المجرمين والذين أوتوا العلم والإيمان فيها‏,‏ وتؤكد أن معذرة الذين ظلموا لن تنفعهم يومئذ ولا هم يستعتبون‏;‏ ويقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ أنه قد ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل‏,‏ ويوجه الخطاب مرة أخري إلي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بقوله‏(‏ عز من قائل‏):...‏ ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون‏*‏ كذلك يطبع الله علي قلوب الذين لا يعلمون‏*.‏
    وتختتم السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏(‏ تعالي‏)‏ له بالصبر حتي لا يستخفنه الذين لا يوقنون من الكفار والمشركين‏,‏ فإن وعد الله بنصره ونصر المؤمنين حق‏.‏

    والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي صدق ما جاء بها من حقائق العقيدة وقواعدها وأسسها ما يلي‏:‏
    ‏(1)‏ خلق الأنفس بالحق‏.‏
    ‏(2)‏ خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأجل مسمي‏.‏
    ‏(3)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وهو أهون عليه‏,‏ وله المثل الأعلي في السماوات الأرض‏,‏ وأن إليه يرجع الخلق كله‏.‏
    ‏(4)‏ إخراج الحي من الميت‏,‏ وإخراج الميت من الحي‏,‏ وإحياء الأرض بعد موتها وضرب ذلك مثلا لبعث الخلق‏.‏

    ‏(5)‏ خلق الإنسان من تراب‏.‏
    ‏(6)‏ خلق الإنسان في زوجية للأنس وللراحة النفسية والسكن وللذرية‏,‏ وتأسيس هذه العلاقة علي أسس من المودة والرحمة‏,‏ وجعل الخلق كله في زوجية حتي يتفرد الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه‏.‏
    ‏(7)‏ اختلاف ألسنة وألوان الخلق‏.‏
    ‏(8)‏ إعطاء الإنسان القدرة علي النوم بالليل‏(‏ وهو الأصل‏)‏ أو بالنهار‏(‏ وهو الاستثناء للضرورة‏)‏ وعلي ابتغاء فضل الله‏.‏
    ‏(9)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يري البرق للمخلوقين خوفا وطمعا‏.‏

    ‏(10)‏ إنزال الماء من السماء فيحيي الله‏(‏ تعالي‏)‏ به الأرض بعد موتها‏.‏
    ‏(11)‏ قيام السماء والأرض بأمر الله‏(‏ تعالي‏).‏
    ‏(12)‏ بعث الأجداث من الأرض بدعوة من الله‏(‏ تعالي‏).‏
    ‏(13)‏ خضوع وقنوت كل من في السماوات والأرض لله‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏
    ‏(14)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له‏.‏

    ‏(15)‏ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره‏....‏
    ‏(16)‏ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله‏....‏
    ‏(17)‏ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو القدير العليم‏*.‏
    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة السادسة عشرة التي تفصل تكوين السحب الطباقية‏,‏ ولكن قبل الخوض في ذلك لابد من استعراض عدد من أقوال المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏.‏

    من أقوال المفسرين


    الاتجاهات الرئيسية للرياح حول الارض
    في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
    الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون‏.(‏ الروم‏:48)‏
    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ يبين تعالي كيف يخلق السحاب‏,‏ الذي ينزل منه الماء‏,‏ فقال تعالي‏:(‏ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا‏)‏ إما من البحر أو مما يشاء الله عز وجل‏,(‏ فيبسطه في السماء كيف يشاء‏)‏ أي يمده فيكثره وينميه‏,‏ ينشئ سحابة تري في رأي العين مثل الترس‏,‏ ثم يبسطها حتي تملأ أرجاء الأفق‏,‏ وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالا مملوءة كما قال تعالي‏:(‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ـإلي قولهـ كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون‏),‏ وكذلك قال هاهنا‏:(‏ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا‏),‏ قال مجاهد‏:‏ يعني قطعا‏,‏ وقال الضحاك‏:‏ متراكما‏,‏ وقال غيره‏:‏ أسود من كثرة الماء تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض‏,‏ وقوله تعالي‏:(‏ فتري الودق يخرج من خلاله‏)‏ أي فتري المطر وهو القطر‏,‏ يخرج من بين ذلك السحاب‏(‏ فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون‏)‏ أي لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم‏....‏
    وجاء في عدد من التفاسير الأخري من مثل‏:‏ الجلالين‏,‏ الظلال‏,‏ صفوة البيان في معاني القرآن‏,‏ المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏,‏ وصفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبيها خير الجزاء‏)‏ كلام مشابه‏,‏ لا أري ضرورة لاسترجاعه هنا‏.‏

    من دلالات الآية الكريمة في ضوء المعارف المكتسبة


    صورة حقيقية للمزن الطباقية
    يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في محكم كتابه‏:‏
    الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون‏(‏ الروم‏:48)‏
    وفي هذه الآية الكريمة ست حقائق علمية سبق القرآن الكريم كل المعارف الإنسانية بالإشارة إليها من قبل ألف وأربعمائة سنة ويمكن إيجازها فيما يلي‏:‏

    أولا‏:(‏ الله الذي يرسل الرياح‏):‏


    رسومات تخطيطية توضح بعض الانواع الرئيسية للسحب
    تعرف الرياح بأنها خلايا من الهواء المحيط بالأرض تتحرك حركة مستقلة عن الحركة العامة للغلاف الغازي الذي يدور مع الأرض كجزء منها‏.‏
    والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏;‏ وتقدر كتلته بنحو الستة آلاف تريليون طن‏;‏ ويقع أغلب هذه الكتلة‏(99%‏ منها‏)‏ دون ارتفاع خمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وعلي ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وإن أمكن إدراكها إلي ارتفاع‏65‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏.‏

    ويدور الغلاف الغازي للأرض مع هذا الكوكب كجزء منه بصفة عامة إلا أن كل كتلة من كتل هذا الغلاف الغازي تحتفظ بكمية حركة دوران مستقلة تجمعها عند كل خط من خطوط العرض‏,‏ وتتوقف مقادير هذه الحركة المستقلة علي بعد كتلة الغاز عن محور الأرض‏,‏ وعلي ذلك يكون أعلاها في المنطقة الاستوائية‏,‏ وأقلها في المنطقة القطبية‏;‏ وعلي هذا الأساس تنحرف الرياح التي تهب نحو خط الاستواء تجاه الغرب والتي تهب بعيدا عنه تجاه الشرق بصفة عامة‏.‏
    وأعلي سرعة للرياح تقع فوق نطاق الرجع مباشرة‏,‏ الذي يتراوح سمكه بين ستة عشر‏(16)‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ وعشرة كيلو مترات‏(10)‏ فوق القطبين‏,‏ وبين سبعة‏(7)‏ وثمانية‏(8)‏ كيلو مترات فوق خطوط العرض الوسطي‏,‏ ولذلك فإن الرياح عندما تتحرك من خط الاستواء في اتجاه القطبين فإنها تهبط فوق هذا المنحني الوسطي‏,‏ فتزداد سرعتها‏,‏ هذا بالإضافة إلي أن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يعطي محصلة شرقية لحركة كتل الهواء في المناطق المعتدلة‏,‏ ومحصلة غربية في المناطق الاستوائية‏,‏ مما يزيد من سرعان هذه الرياح العليا زيادة ملحوظة تعطيها اسم التيارات النفاثة‏.‏ وهي أحزمة تكاد تغلف الأرض‏,‏ يتدفق فيها الهواء بصورة متنقلة وسريعة وغير مستقرة‏.‏

    وبالإضافة إلي ذلك فإن الصفات الطبيعية للكتل الهوائية المتجاورة مثل درجة الحرارة‏,‏ الضغط الجوي‏,‏ درجة الرطوبة والشفافية وغيرها تتباين علي المستويين الأفقي والرأسي مما يؤدي إلي تحرك الرياح من مناطق الضغط المرتفع إلي مناطق الضغط المنخفض‏,‏ ففي المنطقة الاستوائية حيث تتعامد أشعة الشمس أغلب العام‏,‏ يتكون حزام من الضغط المنخفض يعرف باسم منطقة الركود تهب عليها الرياح من مناطق الضغط المرتفع حول كل من المدارين‏(‏ مدار السرطان ومدار الجدي‏)‏ أي من الشمال ومن الجنوب وتعرف باسم الرياح التجارية وهذه الرياح عند مرورها فوق البحار والمحيطات تتشبع ببخار الماء الذي تبخره حرارة الشمس من المسطحات المائية‏,‏ ويصل إلي الهواء من تنفس وإفرازات كل من الإنسان والحيوان‏,‏ ومن نتح النبات‏;‏ وعندما يصل هذا الهواء المشبع ببخار الماء إلي المنطقة الاستوائية ترتفع درجة حرارته فتقل كثافته مما يعين علي ارتفاعه إلي أعلي حيث الانخفاض المستمر في كل من الضغط ودرجة الحرارة فيعين ذلك علي تكثف بخار الماء وتكون السحب‏.‏
    وفي المنطقتين المداريتين يهبط الهواء البارد من أعلي إلي أسفل لكثافته‏,‏ فترتفع درجة حرارته‏,‏ ويفقد رطوبته‏,‏ فيزداد الجفاف وتنتشر الصحاري‏.‏

    أما عند القطبين فإن برودة الجو تؤدي إلي تكوين منطقتين من مناطق الضغط المرتفع تهب منهما الرياح الباردة المعروفة باسم الشرقيات القطبية‏;‏ وبين كل من قطبي الأرض والمنطقتين المداريتين توجد منطقة ضغط منخفض في المنطقتين المعتدلتين متجهة إليها رياح رطبة دافئة تعرف باسم الغربيات السائدة‏,‏ وعند التقاء الغربيات السائدة بالشرقيات القطبية يرتفع الهواء الرطب الدافئ إلي أعلي فوق الهواء البارد الجاف مثيرا لتكون السحب بإرادة الله‏(‏ تعالي‏).‏
    وبالإضافة إلي هذه الخلايا الرئيسية التي تكون الدورة العامة للرياح‏,‏ هناك مرتفعات ومنخفضات جوية تتم علي نطاق أصغر فتزيد من تعقيد الصورة‏,‏ وبعضها عارض مؤقت‏(‏ وليس ثابتا في مكان محدد‏,‏ لكنه يتحرك من مكان إلي آخر‏),‏ وبعضها ثابت محدد‏.‏

    وتنجم التغيرات في الضغط الجوي أساسا عن التغيرات في كم الحرارة الذي يصل إلي الأجزاء المختلفة من سطح الأرض في أثناء دورانها حول محورها المائل علي دائرة البروج بزاوية مقدارها ست وستون درجة ونصف تقريبا أمام الشمس‏;‏ وعلي ذلك فإن مناطق الضغط المختلفة ـومن ثم حركة الرياحـ تتبع الوضع الظاهري للشمس‏,‏ فنجدها تنزاح نحو الشمال في فصل الصيف‏,‏ ونحو الجنوب في فصل الشتاء‏.‏
    وعلي ذلك فإن الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض إلي ارتفاع‏(65)‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر يقسم أفقيا ورأسيا إلي عدد من الكتل الهوائية التي تتمايز عن بعضها بعضا في عدد من صفاتها الطبيعية من مثل درجات الحرارة والرطوبة والضغط والشفافية‏,‏ والمهيمن علي هذه الكتل الهوائية في نشأتها‏,‏ وتصريفها هو الإرادة الإلهية التي تضع كلا منها لفترة محددة فوق مساحة معينة من سطح الأرض‏,‏ سواء كان ذلك من اليابسة أو الماء‏,‏ لأن الهواء السائد لمدة كافية فوق أية مساحة من الأرض لا يلبث أن يتأثر بخصائصها الطبيعية‏(‏ خاصة درجات الحرارة والرطوبة والشفافية‏)‏ بسمك يتباين بتباين طول مكثها فوق تلك المساحة الأرضية‏.‏ وعند إزاحة تلك الكتل الهوائية إلي مناطق أخري بواسطة تصريف الله‏(‏ تعالي‏)‏ للرياح‏,‏ فإنها تحمل معها صفاتها من الحرارة أو البرودة‏,‏ والرطوبة أو الجفاف فتؤدي إلي التقلبات الجوية‏.‏

    ويتكون علي السطح الوهمي الفاصل بين كل كتلتين من هذه الكتل الهوائية المتباينة في صفاتها الطبيعية ما يسمي باسم الجبهات الهوائية‏,‏ وهي مناطق تفاعل جوي نشط‏,‏ فإذا التقت كتلتان من الهواء فإن الدافئة منهما تعلو فوق الباردة‏,‏ ويتكون بينهما منطقة انتقالية هي منطقة الجبهة الهوائية التي تحول دون اختلاطهما‏.‏
    والنتيجة هي قيام دورة عامة للرياح حول الأرض تبلغ من الدقة والتعقيد والانتظام ما لا يمكن لعاقل أن يرده لغير الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ فإن فهمنا لبعض السنن الحاكمة للدورة العامة للرياح حول الأرض لا يخرجها عن كونها من جند الله‏,‏ يسخرها بإرادته ومشيئته‏,‏ ومع فهمنا لبعض تلك السنن فإن حيودا كثيرة تطرأ عليها ولا يمكن ردها إلا إلي الإرادة الإلهية التي تصرف الرياح حسب علم الله وحكمته‏;‏ فالله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يرسل الرياح‏,‏ وهو الذي يصرفها كيف يشاء‏,‏ ولا يمكن لأحد أن يتحكم في حركة الرياح غيره‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ والسنن التي نراها حاكمة لتلك الحركة هي من صنع الله وتدبيره‏,‏ وهي أيضا محكومة بعلم الله‏,‏ وحكمته وإرادته‏;‏ ومعرضة للتغيير والتحويل في كل وقت‏,‏ وليس أدل علي ذلك من التقلبات الجوية‏,‏ والتغير في مناخ المناطق الأرضية المختلفة من زمن إلي آخر من أزمنة الأرض‏.‏

    ثانيا‏:(‏ فتثير سحابا‏):‏
    يلعب بخار الماء العالق في طبقات الغلاف الغازي المحيط بالأرض دورا مهما في نشأة جميع الظواهر الجوية باستثناء العواصف الرملية‏;‏ فعندما تسطع الشمس فوق المسطحات المائية فإن حرارتها تبخر جزءا من هذا الماء الذي يرتفع ليعلق بالأجزاء الدنيا من الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ والذي يندفع إليه أيضا كميات أخري من بخار الماء عن طريق تنفس وإفرازات أجساد كل من الإنسان والحيوان‏,‏ وبخر ونتح النباتات‏.‏
    ويقدر ما يرتفع من بخار الماء سنويا من الأرض إلي غلافها الغازي بنحو‏(380.000)‏ من الكيلو مترات المكعبة‏,‏ وتحمل الرياح هذا الكم الهائل من بخار الماء علي هيئة السحب‏,‏ وبنسبة أقل علي هيئة درجات متفاوتة من الرطوبة‏,‏ لتعيده مرة أخري إلي الأرض حسب تصريف الله تعالي فيما يعرف باسم دورة الماء حول الأرض‏,‏ التي بدونها كان كل ماء الأرض عرضة للفساد والتعفن لكثرة ما يموت فيه من الكائنات‏.‏

    وتحمل السحب نحو‏20%‏ فقط من الرطوبة‏(‏ الماء‏)‏ الموجودة في الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ويوجد الماء بها علي هيئة قطيرات صغيرة جدا لا يكاد طول قطرها يتعدي الميكرون الواحد‏(‏ أي‏0.001‏ من الملليمتر‏)‏ وتلتصق هذه القطيرات المائية بالهواء للزوجتها ولقدرة الماء الفائقة علي التوتر السطحي‏,‏ وذلك في السحب غير الممطرة‏,‏ فإذا تلقحت تلك السحب بنوي التكثف المختلفة‏(‏ من مثل هباءات الغبار والهباب والأملاح وغيرها من شوائب الهواء‏),‏ أو بامتزاج سحابتين مختلفتين في صفاتهما الطبيعية‏,‏ فإن مزيدا من عملية تكثف بخار الماء يؤدي إلي نمو قطيرات الماء في السحب مما يزيد من إمكان إنزالها المطر أو البرد أو الثلج أو خلائط منها بإذن الله‏(‏ تعالي‏).‏
    فعندما يتكثف بخار الماء في الهواء‏,‏ ويتحول إلي قطيرات من الماء أو إلي بللورات دقيقة من الثلج أو من خليط منهما يتكون كل من السحاب‏,‏ والضباب‏,‏ والندي‏,‏ والصقيع وغيرها من الظواهر الجوية‏;‏ وكل من الندي والضباب ينجم عن التبريد بالإشعاع في أثناء الليل‏,‏ بينما يمكن أن يتبرد الهواء بالتوصيل الحراري‏,‏ أو بالمزج مع هواء أبرد‏,‏ أو بالانتشار والتمدد‏;‏ وتتطلب عملية تكثف بخار الماء الموجود في الهواء عموما استمرار التبريد حتي تصل درجة الحرارة إلي مستوي التشبع‏(‏ نقطة الندي‏),‏ وعندها يصير الهواء غير قادر علي حمل كل ما به من بخار الماء فيتكثف جزء منه علي هيئة قطيرات الماء‏.‏

    وتتكون السحب نتيجة لتكثف بخار الماء في الهواء الدافئ الرطب‏,‏ ويتم ذلك بتبريد هذا الهواء بالتقائه مع جبهة باردة‏,‏ أو بارتفاعه إلي أعلي فوق الجبهة الباردة‏,‏ أو بارتطامه بسلاسل جبلية عالية تعين علي ارتفاعه إلي مستويات عليا‏;‏ وفي كل الأحوال يكون إرسال الرياح وتصريفها بمشيئة الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الوسيلة الفاعلة في شحنها بالرطوبة‏,‏ وفي حركة الهواء الرطب أفقيا ورأسيا‏,‏ ومن ثم إثارة السحب بمختلف أنواعها‏,‏ ويعين في ذلك كل من حرارة الشمس‏,‏ وتضاريس سطح الأرض‏,‏ ودوران الأرض بميل واضح حول محورها من الغرب إلي الشرق‏,‏ والجاذبية الأرضية‏,‏ وتدرج معدلات الضغط بين كتل الهواء المختلفة‏,‏ وكل من الكهربية والمغناطيسية الجويين‏,‏ وعمليات المد والجزر الهوائيين في المستويات المرتفعة‏,‏ والرياح الشمسية التي تهب علي الأرض‏,‏ وغيرها من العوامل‏,‏ ولذلك فإن إنزال المطر من السحب لا يزال قضية غير مفهومة علميا بالتفصيل‏,‏ لتداخل العديد من العوامل المؤثرة والتفاعلات غير المعروفة فيها والتي لا يمكن ردها إلا إلي الإرادة الإلهية‏...!!!‏ فسقوط المطر لا يزال سرا من أسرار الكون التي لم يستطع الإنسان أن يفهمها بالكامل إلي يومنا الراهن ونحن نعايش نهضة علمية وتقنية لم يسبق لجيل من البشر أن وصل إلي مستواها‏...!!‏

    وتقسم السحب في نطاق الرجع عادة حسب ارتفاعاتها إلي ثلاث مجموعات كما يلي‏:‏
    ‏(1)‏ سحب منخفضة‏:‏ وتمتد من سطح البحر إلي ارتفاع كيلو مترين تقريبا‏.‏
    ‏(2)‏ سحب متوسطة الارتفاع‏:‏ وتمتد من كيلو مترين إلي سبعة كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر‏.‏

    ‏(3)‏ سحب مرتفعة‏:‏ وتمتد من ارتفاع سبعة كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر إلي ارتفاع ثلاثة عشر كيلو مترا تقريبا‏.‏
    كذلك تقسم السحب حسب طرائق تكونها إلي سحب تنمو رأسيا وتعرف باسم السحب الركامية‏(‏ وتصفها الآية الثالثة والأربعون من سورة النور وصفا تفصيليا مع كل الظواهر المصاحبة لها‏),‏ وسحب تنمو أفقيا وتعرف باسم السحب الطباقية وتصفها الآية التي نحن بصددها وهي الآية رقم‏48‏ من سورة الروم وصفا بالغ الدقة في الإحكام والروعة في الإيجاز‏).‏

    وبالمزاوجة بين الأساسين السابقين تمكن علماء الأرصاد الجوية من التعرف علي عشر مجموعات رئيسية من السحب علي النحو التالي‏:‏
    ‏(‏أ‏)‏ السحب المنخفضة‏:‏
    وتقسم إلي أربع مجموعات هي‏:‏
    ‏(1)‏ السحاب الطباقي المنبسط الخفيض أو الرهج
    ‏(Stratus).‏
    ‏(2)‏ السحاب الركامي الطباقي
    ‏(Stratocumulus).‏
    ‏(3)‏ السحاب الركامي المنخفض أو الخفيض ويعرف عند العرب باسم القرد
    ‏(Cumulus).‏
    ‏(4)‏ المزن الركامية‏(‏ الركام المزني‏)‏ ويعرف عند العرب باسم الصيب
    ‏(Cumulonimbus).‏

    ‏(‏ ب‏)‏ السحب المتوسطة‏:‏
    وتقسم إلي ثلاث مجموعات هي‏:‏
    ‏(1)‏ السحاب الركامي المتوسط
    ‏(Altocumulus).‏
    ‏(2)‏ السحاب الطباقي المتوسط
    ‏(Altostratus).‏
    ‏(3)‏ المزن الطباقية
    ‏(Nimbostratus).‏

    ‏(‏ جـ‏)‏ السحب المرتفعة‏:‏
    وتقسم إلي ثلاث مجموعات هي‏:‏
    ‏(1)‏ السحاب الرقيق المرتفع ويعرف عند العرب باسم القزع
    ‏(Cirrus).‏
    ‏(2)‏ السحاب الركامي المرتفع أو السمحاق الركامي
    ‏(Cirrocumulus).‏
    ‏(3)‏ السحاب الطباقي المرتفع أو السمحاق الطباقي
    ‏(Cirrostratus).‏
    وتقع السحب الطباقية عادة في المستويين الأدني والأوسط من نطاق الرجع‏,‏ ونادرا ما تصل إلي مستوياته العليا‏,‏ وعلي العموم يهبط مستوي تكون كل أنواع السحب عن هذه المستويات المتوسطة فوق القطبين‏,‏ وتزيد عنها في المناطق الاستوائية‏;‏ ويندر تكون السحب في نطاق التطبق لندرة الرطوبة فيه بصفة عامة‏.‏

    ثالثا‏:(‏ فيبسطه في السماء كيف يشاء‏):‏
    عندما يرسل الله‏(‏ تعالي‏)‏ الرياح فتدفع بكتلة من الهواء الدافئ الرطب فوق كتلة من الهواء البارد‏,‏ أو تدفع بكتلة من الهواء البارد تحت كتلة من الهواء الرطب الدافئ‏,‏ فإن الهواء الدافئ القليل الكثافة يطفو فوق الهواء البارد الكثيف في الحالتين‏,‏ فيتمدد ويبرد‏,‏ ويبدأ ما به من بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات من الماء‏,‏ فتتكون مجموعات من السحب المنخفضة غالبا‏,‏ التي تنتشر انتشارا أفقيا في صفحة السماء علي هيئة طباقية تمتد إلي عشرات الكيلو مترات المربعة في المستوي الأفقي‏,‏ وبسمك لا يتجاوز عدة مئات من الأمتار‏,‏ ولذا تعرف باسم السحب الطباقية
    ‏(StratiformorLayeredClouds).‏
    وهذه السحب الطباقية تدفعها الرياح في اتجاه أفقي عمودي علي اتجاه جبهتها‏,‏ فتزودها بمزيد من بخار الماء‏,‏ فيكون انتشارها أساسا في هذا الاتجاه الأفقي‏,‏ ولكن نظرا لاختلاف درجات الحرارة في داخل هذه السحابة الأفقية الممتدة إلي عشرات الكيلو مترات يحدث بداخلها تيارات حمل خاصة عند اصطدامها ببعض تضاريس الأرض‏,‏ ولذلك فهي عادة ما تكون من أكثر أنواع السحب توزعا في السماء‏,‏ وتهيئة لإنزال المطر بإذن الله‏,‏ ويكون إمطارها علي مساحات شاسعة من سطح الأرض‏;‏ ولعل هذا هو المقصود من الوصف القرآني الدقيق الذي يقول فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ فيبسطه في السماء‏.‏

    رابعا‏:(‏ ويجعله كسفا‏):‏
    عندما تتكون السحب الطباقية يرسل الله‏(‏ تعالي‏)‏ الرياح لتلقحها بنوي التكثف مما يعين علي مزيد من نمو قطيرات الماء فيها‏,‏ ويجعلها مهيأة لإنزال المطر بإذن الله‏.‏
    وتتخلق السحب الطباقية عادة عند التقاء كتلة من الهواء الرطب الدافئ مع كتلة من الهواء البارد‏,‏ أو عند اصطدام تلك الكتلة الهوائية الرطبة بتضاريس سطح الأرض‏;‏ وعند ذلك يحدث بداخل تلك السحب الطباقية التي تنتشر أساسا في الاتجاه الأفقي بعض عمليات الرفع إلي أعلي مما يحدث تيارات حمل رأسية بداخلها تؤدي إلي تمزيقها إلي عدد كبير من القطع المتجاورة‏;‏ ولعل هذا هو المقصود بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ ويجعله كسفا أي قطعا‏.‏

    خامسا‏:(‏ فتري الودق يخرج من خلاله‏):‏
    تتكون السحب الطباقية عادة من قطيرات الماء في أجزائها السفلي‏,‏ ومن قطيرات الماء شديد البرودة في أجزائها العليا حيث تصل درجة الحرارة إلي ما دون الصفر المئوي بنحو عشر درجات‏.‏ ومن المعروف أن هذا النوع من السحب لا يتكون بداخله البرد ولا يصاحبه البرق والرعد‏.‏
    وتظل قطرات الماء في السحب الطباقية تنمو بالتكثف أو بالتصعيد أو بهما معا إلي حد معين حين تتوقف عمليات التكثف‏.‏

    ولكي تنزل قطرات الماء من خلال السحابة علي هيئة المطر لابد من نموها إلي أحجام وكتل تسمح بسقوطها بفعل بالجاذبية الأرضية‏,‏ كما تسمح بتحملها لعمليات البخر في أثناء هذا النزول في الهواء غير المشبع بين السحابة وسطح الأرض‏(‏ بمتوسط سرعة في حدود سنتيمتر واحد في الثانية‏)‏ حتي تصل إلي سطح الأرض علي هيئة رذاذ أو مطر‏.‏
    وفي العمر العادي للسحابة فإن قطرات الماء لا يمكنها أن تنمو بالتكثف وحده إلي الحجم المطلوب‏(‏ عشري الملليمتر في طول القطر علي الأقل‏)‏ ولكن يشاء الله‏(‏ تعالي‏)‏ أن يجعل من تصادم هذه القطرات والتحامها مع بعضها البعض في أثناء نزولها ما يعين علي الوصول إلي الحجم والكتلة المطلوبين لنزولها من السحابة ومرورها بسرعة أعلي في عمق الهواء غير المشبع تحت السحابة مما يعين علي تقليل كمية التبخر منها‏.‏

    كذلك فإن في الأجزاء العليا من السحب الطباقية يمكن أن يتجمد بخار الماء مباشرة كما قد يتجمد عدد من قطيرات الماء شديدة البرودة علي هيئة بللورات من الثلج تنمو بسرعة مكونة رقائق من الثلج الذي ينزل في اتجاه الأرض فينصهر متحولا إلي قطرات الماء قبل الوصول إليها‏.‏
    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي


    50)...‏ وأنزلنا من السماء ماء طهورا




    هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة الفرقان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها سبع وسبعون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بتعظيم الله وتمجيده‏,‏ الذي أنزل القرآن الكريم علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ ليكون للعالمين نذيرا‏,‏ وفارقا بين الحق والباطل في أمور الدين بركائزه الأساسية‏:‏ العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وهي من القضايا التي لايمكن للإنسان ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ أن يضع لنفسه فيها ضوابط صحيحة‏.‏
    وبما أن القران الكريم هو آخر الرسالات السماوية‏,‏ وأتمها‏,‏ وأكملها‏,‏ فقد تعهد ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بحفظه حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفا حرفا‏,‏ بنفس لغة الوحي‏:‏ في صفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏,‏ وصدق انبائه في كل ماجاء به‏,‏ ليبقي إلي قيام الساعة فارقا بين الحق والباطل‏,‏ وبين الإيمان والكفر‏,‏ ومن هنا كانت تسمية هذه السورة الكريمة‏.....!!‏

    ويدور المحور الرئيسي لسورة الفرقان حول قضية العقيدة‏,‏ ومن ركائزها التوحيد الخالص لله الخالق‏,‏ والإيمان به‏,‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ وباليوم الآخر‏.‏
    وتؤكد السورة الكريمة أن لله ملك السماوات والأرض‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ لم يتخذ ولدا‏,‏ ولم يكن له شريك في الملك‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه‏)‏ خلق كل شيء فقدره تقديرا‏,‏ بحكمته‏,‏ ووفق إرادته‏;‏ وعلي الرغم من وضوح تلك الحقيقة‏,‏ فإن كثيرا من الخلق المكلف قد اتخذ من دونه آلهة‏...‏ لايخلقون شيئا وهم يخلقون‏,‏ ولايملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا‏,‏ ولايملكون موتا ولا حياة ولانشورا وتنعي سورة الفرقان علي هؤلاء الكافرين ـ قدامي ومعاصرين ـ تشككهم في نبوة رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وفي الكتاب الذي أنزل إليه‏,‏ وتكذيبهم بالآخرة‏,‏ وتطاولهم علي الله ورسوله‏,‏ بطلب الخوارق من المعجزات حتي يؤمنوا‏,‏ من مثل طلب إنزال الملائكة‏,‏ أو رؤية الله جهرة‏.,‏ أو إلقاء كنز من السماء لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ أو أن تكون له جنة يأكل منها‏,‏ وعلي الرغم من أنه لم يحقق لهم شيئا من ذلك فقد اتهموه‏(‏ شرفه الله‏)‏ بالسحر‏,‏ وبترديد أساطير الأولين‏,‏ وتأمره السورة الكريمة بمقابلة تلك الدعاوي الباطلة بترديد قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما‏(‏ الفرقان‏:6).‏

    وتعرض سورة الفرقان لبعض مشاهد الآخرة من صور العذاب الذي يلقاه الكافرون المكذبون بالدين‏,‏ وصور النعيم الذي يلقاه عباد الله المتقون‏,‏ وشتان مابين الحالين‏...!!‏
    ومن قبيل التخفيف علي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ تقرر السورة الكريمة أن جميع من سبقوه من الأنبياء والمرسلين كان لهم أعداء من المجرمين الكافرين بالله ورسالاته‏...,‏ وتكرر استنكار تطاول الكافرين علي الله ورسوله باعتراضهم علي تنزل القرآن الكريم منجما‏,‏ وكان كل من الكتب السابقة قد أنزل جملة واحدة‏.‏

    وعرضت سورة الفرقان لقصص عدد من الأمم السابقة‏,‏ ولتفاعل كل من تلك الأمم مع من أرسلوا إليهم من أنبياء الله‏,‏ وعما كان لذلك التفاعل من عقاب أو ثواب‏,‏ وذلك من أمثال قوم موسي وهارون‏,‏ وقوم نوح‏,‏ وأقوام عاد وثمود‏,‏ وأصحاب الرس‏,‏ وقوم لوط‏(‏ علي نبينا وعليه السلام‏),‏ وأقوام بين هؤلاء جميعا علي مر القرون الكثيرة‏,‏ وتؤكد سورة الفرقان اتخاذ الكافرين لأهوائهم أربابا من دون الله لعدم استماعهم إلي كلمة الحق‏,‏ أو محاولة تدبرها بعقولهم‏,‏ وبذلك ينحطون بأنفسهم إلي مادون مستويات الأنعام‏...!!‏ فيتطاولون علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بانكار وجوده‏....!!,‏ وتأمر السورة رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)..‏ وبالتالي تأمر كل من تبعه من المؤمنين إلي يوم الدين ـ بضرورة مخالفة الكافرين‏,‏ وجهادهم بالقرآن الكريم جهادا كبيرا‏;‏ وتؤكد له أنه ما أرسل إلا مبشرا ونذيرا للناس كافة‏,‏ كما تأمره بضرورة التوكل علي الله‏(‏ الحي الذي لايموت‏)‏ والتسبيح بحمده لأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخبير بذنوب عباده‏.‏
    وتنتهي سورة الفرقان إلي استعراض عدد من صفات عباد الرحمن في مقابلة رائعة بين صفات أهل الحق وصفات أهل الباطل‏,‏ ودعوة من الله لعباده بضرورة التحلي بمكارم الأخلاق حتي يستحق العبد التكريم بنسبته إلي الله فيكون من عباد الرحمن‏.‏

    وتؤكد السورة الكريمة جزاء هذه الطائفة من خلق الله الصالحين بالخلود في جنات النعيم‏,‏ في حفاوة وتكريم بالغين من الله وملائكته‏;‏ وتنتهي سورة الفرقان بتأكيد هوان البشرية علي الله‏,‏ لولا وجود تلك الطائفة من عباده الصالحين الذين يعرفون مدلول الألوهية الحقة فيجأرون إلي الله‏(‏ تعالي‏)‏ بالدعاء مخبتين‏...!!‏
    أما المكذبون‏,‏ الكافرون‏,‏ المتطاولون علي الله ورسوله‏,‏ فكان لزاما علي الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ أن يجزبهم بسوء أعمالهم ما يستحقون‏.‏

    هذا‏,‏ وقد استشهدت سورة الفرقان علي صدق ماجاء بها من بيان بعدد كبير من الآيات الكونية التي منها مايلي‏:‏
    ‏(1)‏ أن ملك السماوات والأرض لله الواحد الأحد‏,‏ الذي لم يتخذ ولدا‏,‏ ولم يكن له شريك في الملك‏.‏
    ‏(2)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خلق كل شيء فقدره تقديرا‏.‏
    ‏(3)‏ أن تشقق السماء بالغمام من علامات انهيار النظام الكوني في الآخرة‏.‏

    ‏(4)‏ أن مد الظل وقبضه من الأدلة العلمية علي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏;‏ وأتبعت الآيات ذلك بتخصيص الليل للراحة والنوم والسكن‏,‏ وتخصيص النهار لليقظة والجري وراء المعايش‏.‏
    ‏(5)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هو الذي ينزل من السحاب‏(‏ السماء‏)‏ ماء طهورا‏,‏ ليحيي به أرضا ميتة‏,‏ ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا‏.‏
    ‏(6)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي‏....‏ مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏.‏

    ‏(7)‏ أن الله‏(‏ تعالي هو الذي‏...‏ خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا‏....‏
    ‏(8)‏ أن الله تعالي هو الذي‏....‏ خلق السماوات والأرض ومابينهما في ستة أيام‏....‏
    ‏(9)‏ أن الله تعالي هو الذي‏...‏ جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا‏;‏ وفي ذلك تفريق علمي دقيق بين الضوء المنبثق من مصدره‏,‏ والنور الناتج عن انعكاسه من فوق سطح مظلم‏.‏

    ‏(10)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي‏...‏ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا‏;‏ وفي ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏.‏
    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي مناقشة موضوعية خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف يقتصر الحديث هنا علي النقطة الخامسة فقط من هذه النقاط العشر‏,‏ وهي قضية إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمة الله‏,‏ وإنزاله الماء الطهور من السماء‏;‏ وقد سبق لنا مناقشة قضية إرسال وتصريف السحاب بإرادة الله وعلمه وحكمته‏,‏ولا أري داعيا لإعادة ذلك هنا‏,‏ وعليه فسوف أقصر الحديث في هذا المقال علي إنزال الماء الطهور من السماء‏,‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرح هذه الآية الكريمة قبل التعرض لشرح دلالاتها العلمية‏.‏

    من أقوال المفسرين
    في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏
    وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏(‏ الفرقان‏:48)‏
    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏مانصه‏:...‏ وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم‏,‏ وهو أنه‏(‏ تعالي‏)‏ يرسل الرياح مبشرات‏,‏ أي‏:‏ بمجيء السحاب بعدها‏,‏ والرياح أنواع‏:‏ فمنها مايثير السحاب‏,‏ ومنها مايحمله‏,‏ ومنها مايسوقه‏,‏ ومنها مايكون بين يدي السحاب مبشرا‏,‏ ومنها ما يلقح السحاب فيمطر‏,‏ ولهذا قال‏(‏ تعالي‏):‏ وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏....‏

    وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ رحمهما الله‏)‏ مانصه‏:(‏ وهو الذي أرسل الرياح‏)...(‏ نشرا بين يدي رحمته‏)‏ متفرقة قدام المطر‏,‏ وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا‏,‏ وفي أخري بسكونها وفتح النون مصدر‏,‏ وفي أخري بشرا بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي‏:‏ مبشرات‏,‏ ومفرد الأولي‏(‏ نشور‏)‏ كـ‏(‏ رسول‏),‏ والأخيرة‏(‏ بشير‏)‏ كـ‏(‏ قدير‏),‏ و‏(‏أنزلنا من السماء ماء طهورا مطهرا‏.‏
    وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ مانصه‏:‏ والحياة علي هذه الأرض كلها تعيش علي ماء المطر‏,‏ إما مباشرة‏,‏ وإمابما ينشئه من جداول وأنهار علي سطح الأرض‏,‏ ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلي باطن الأرض منه‏,‏ ولكن الذين يعيشون مباشرة علي المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكا صحيحا كاملا‏,‏ وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه‏,‏ وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب‏,‏ ويستبشرون بها‏,‏ ويحسون فيها رحمة الله ـ إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان ــ‏.‏

    والتعبير يبرز معني الطهارة والتطهير‏:(‏ وأنزلنا من السماءماء طهورا‏)‏ وهو بصدد ما بالماء من حياة‏.‏
    وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحمه الله‏)‏ مانصه‏:(‏ بشرا‏)‏ مبشرات بالغيث‏.‏

    وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏:‏
    وهو الذي سخر الرياح فتسوق السحب وتبشر الناس بالمطر الذي هو رحمة منه لهم‏,‏ ولقد أنزلنا من السماء ماء طاهرا مطهرا مزيلا للأنجاس والأوساخ‏....‏

    وجاء في تعليق الخبراء العلميين بالهامش مايلي‏:‏ وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏:‏ في هذه الآية الكريمة يمن الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي البشر بإنزال الماء طاهرا إليهم من السماء‏,‏ وتتضمن الآية الإشارة إلي أن ماء المطر عند بدء تكونه يكون في أعلي درجات النقاء‏,‏ وعلي الرغم من أن حمله بعد ذلك مما في الجو من أجسام وذرات فإنه يكون في أعلي درجات الطهارة‏.‏
    وذكر صاحب صفوة التفاسير‏(‏ جزاه الله خيرا‏)‏ مانصه‏:(‏ وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏)‏ أي‏:‏ أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث والمطر‏,‏ وأنزلنا من السماء ماء طهورا‏,‏ أي‏:‏ أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماء طاهرا مطهرا تشربون وتتطهرون به‏,‏ قال القرطبي‏:‏ وصيغة‏(‏ طهور‏)‏ بناء مبالغة في‏(‏ طاهر‏)‏ فاقتضي أن يكون طاهرا مطهرا‏.‏

    مدلول الآية الكريمة في ضوء العلوم المكتسبة
    أولا‏:‏ سبق القرآن الكريم بالإشارة إلي أصل ماء الأرض‏:‏
    في الوقت الذي تضاربت فيه آراء العلماء حول أصل ماء الأرض جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أخرج كل ماء الأرض من داخلها‏,‏ ودوره بين الأرض والسماء في عملية مستمرة دائمة من أجل تطهيره وإنزاله ماء طهورا علي هيئة المطر والبرد ليجري علي سطح الأرض في أشكال وهيئات متعددة‏,‏ تلعب أدوارا مهمة في تشكيل سطح الأرض‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيه‏,‏ وتفتيت صخوره‏,‏ وتكوين تربته‏,‏ وتركيز ثرواته‏,‏ وتوفير قدر من الرطوبة في كل من التربة والأجزاء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏.‏

    وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
    ‏(1)‏ والأرض بعد ذلك دحاها آخرج منها ماءها ومرعاها‏(‏ النازعات‏:31,30).‏
    ‏(2)‏ أفرأيتم الماء الذي تشربون‏.*‏أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون‏*‏ لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون‏(‏ الواقعة‏:68‏ ـ‏70).‏

    ‏(3)‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون‏(‏الأعراف‏:57).‏
    ‏(4)‏ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
    ‏(‏الحجر‏:22)‏

    ‏(5)‏ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون‏(‏ الروم‏:48)‏
    ‏(6)‏ ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏(‏ النور‏:43)‏
    ‏(7)‏ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلي بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور‏(‏ فاطر‏:9)‏
    ‏(8)‏ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث‏.....*(‏ لقمان‏:34)‏

    ‏(9)‏ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا
    ‏(‏النبأ‏:14).‏
    ‏(10)‏ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا علي ذهاب به لقادرون‏...(‏ المؤمنون‏:18)‏
    ‏(11)(‏ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض‏.....(‏ الزمر‏:21)‏

    ثانيا‏:‏ تضارب آراء العلماء حول أصل ماء الأرض‏:‏
    تضاربت آراء العلماء حول أصل الماء علي سطح الأرض تضاربا كبيرا‏,‏ ولم يحاول أحدهم ربط ذلك بماء المطر علي الرغم من وضوح ذلك‏.‏ ففي الحضارة اليونانية القديمة اقترح أفلاطون‏(428‏ ـ‏348‏ ق‏.‏م‏.)‏ وجود خزانات جوفية هائلة علي هيئة عدد من الممرات والقنوات تحت سطح الأرض تقوم بتغذية جميع أشكال الماء علي سطح الأرض من جداول وأنهار‏,‏ وبحيرات وبحار ومحيطات وغيرها‏,‏ وتخيل أن هذا الخزان المائي الهائل ليس له قاع إذ يتخلل الأرض كلها‏,‏ وأن الماء يمور فيه بصفة مستمرة‏.‏
    أما أرسطو‏(385‏ ـ‏322‏ ق‏.‏م‏)‏ فقد رفض هذه الفكرة علي أساس أن مثل هذا الخزان لابد أن يكون أكبر من حجم الأرض لكي يتمكن من الإبقاء علي جميع الأنهار متدفقة‏,‏ ونادي بأن هواء باردا في داخل الأرض يتحول إلي الماء كما يتحول الهواء البارد حول الأرض‏,‏ واقترح أن تضاريس الأرض العالية تعمل عمل قطع الإسفنج الهائلة حيث تتشبع بهذا الماء المتكون في داخل الأرض من تكثف الهواء الجوفي البارد‏,‏ وأنها تقطر هذا الماء فتغذي به الأنهار والجداول والينابيع‏.‏

    كذلك نادي فيزوفيوس في القرن الأول الميلادي‏(‏ وهو من مفكري الحضارة الرومانية‏)‏ بأن الأودية بين الجبال أكثر حظا من الجبال في غزارة ماء المطر‏,‏ وأن الثلج يبقي فوق الأرض لفترة أطول في المناطق المكسوة بالغابات الكثيفة‏,‏ وأنه عند انصهاره يتحول إلي ماء فيتخلل فتحات الأرض‏,‏ ويصل في النهاية إلي أسافل الجبال التي تسيل منها الجداول وتتدفق‏.‏
    وظل العديد من العلماء حتي آواخر القرن السابع عشر الميلادي مقتنعين بفكرة الكهوف الكبيرة في داخل الأرض كمصدر رئيسي لماء الأنهار‏,‏ أو أن الماء المتجمع تحت سطح الأرض يأتي من البحر‏,‏ وقد لخص هذه الآراء الخاطئة عالم أوروبي باسم أثناسيوس كيرثر‏(1602-1680‏ م‏)‏ مفترضا أن البحر مرتبط بجبال جوفاء تتدفق منها الأنهار والجداول‏.‏ ولم يستطع أحد من علماء الغرب ومفكريه تصور إمكانية أن تكون زخات المطر المتفرقة علي مدار السنة كافية لابقاء الأنهار وغيرها من مجاري الماء متدفقة به علي مرور الزمن‏.‏ علي الرغم من أن فرنسياباسم برنارد باليسي‏(1510‏ م‏-1590‏م‏)‏ كان قد أعلن أن الأنهار والينابيع لايمكن أن يكون لها مصدر غير ماء المطر‏,‏ وأشار إلي أن الماء تبخره حرارة الشمس‏,‏ وتحمل الرياح الجافة التي تضرب الأرض هذا البخار فتتشكل السحب التي تتحرك في كل الاتجاهات كالبشائر التي يرسلها الله‏,‏ وعندما تدفع الرياح تلك الأبخرة يسقط الماء فوق أجزاء من الأرض‏,‏ وعندما يشاء الله تذوب تلك السحب التي ليست سوي كتلة من الماء‏,‏ وتتحول إلي مطر يسقط علي الأرض‏,‏ وعندما يواصل هذ الماء نزوله من خلال شقوق الأرض ويستمر في النزول حتي يجد منطقة مغلفة بالص
    خور الكثيفة فيستقر عندها علي هيئة مخزون فوق هذا القاع الذي يتدفق منه الماء عندما يجد فتحة توصله إلي سطح الأرض علي هيئة ينابيع أو جداول أو أنهار‏.‏
    وواضح أن باليسي هذا قد نقل هذا الكلام عن ترجمات معاني القرآن الكريم التي كانت قد توافرت للأوروبيين في زمانه‏,‏ أو عن بعض كتابات المسلمين التي قام الأوروبيون بترجمتها في بدء عصر النهضة الأوروبية إلي كل من اللاتينية واليونانية بعد نهبها من المكتبات الإسلامية في كل من الاندلس وإيطاليا وصقلية‏,‏ أو خلال الحروب الصليبية‏,‏ وذلك لوضوح النبرة الإسلامية في كتابته‏.‏

    ثالثا‏:‏ أهمية الماء للحياة علي الأرض‏:‏
    كوكب الأرض هو أغني كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته علي سطح ذلك الكوكب بنحو‏1,4‏ بليون كيلومتر مكعب‏,‏ ويتوزع أغلب هذا الماء‏(97,22%)‏ في البحار والمحيطات‏,‏ ويتجمد أغلب الباقي‏(‏ في حدود‏2,15%)‏ علي هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض‏,‏ وعلي قمم الجبال‏,‏ ومابقي بعد ذلك ونسبته لاتكاد تتعدي‏(0,63%)‏ من مجموع ماء الأرض يتوزع بين الماء المختزن تحت سطح الأرض‏(‏ وتبلغ نسبته‏(0,613%),‏ والمخزون في البحيرات الداخلية‏,‏ والجاري في الأنهار والجداول‏,‏ والمتمثل في رطوبة كل من التربة والجو‏(‏ ونسبته في حدود‏0.027%).‏
    ويغطي ماء الأرض حاليا نحو‏(71%)‏ من مساحة سطحها المقدرة بنحو‏(510‏ ملايين كيلومتر مربع‏),‏ بينما تشغل اليابسة حوالي‏(29%)‏ من تلك المساحة فقط‏,‏ والصراع بين اليابسة والماء كان‏-‏ ولايزال‏-‏ من سنن الله في الأرض‏.‏

    والماء سائل شفاف‏,‏ وهو في نقائه لا لون له‏,‏ ولا رائحة‏,‏ ولا طعم‏,‏ ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين‏,‏ وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين‏,‏ وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان فيما بينهما زاوية قدرها‏(105‏ من الدرجات‏),‏ وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل أحدهما شحنتين موجبتين‏,‏ ويحمل الآخر شحنة سالبة مكافئة‏,‏ وهذه الخاصية وفرت للماء‏-‏ بإرادة خالقه‏-‏ من الصفات الطبيعية والكيميائية ماجعل منه أقوي مذيب معروف‏,‏ وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة‏,‏ فأجساد الكائنات الحية يغلب علي تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الانسان بين‏(71%)‏ في الانسان البالغ و‏(93%)‏ في الجنين ذي الأشهر المعدودة‏.‏
    هذا بالاضافة إلي أن جميع الأنشطة الحيوية من مثل الأيض والتمثيل الضوئي لايمكن أن تتم في غيبة الماء في أجساد كل من النبات والحيوان والإنسان‏.‏

    فالنبات علي سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق مابها من عناصر ومركبات ذائبة في الماء‏,‏ وهذه العصارة الغذائية يمتصها النبات بواسطة شعيراته الجذرية‏,‏ فترتفع في الأوعية الخشبية للنبات بقدرة خاصة أعطاها الله‏(‏ تعالي‏)‏ للماء تعرف باسم الخاصية الشعرية‏,‏ تعين العصارة الغذائية علي الارتفاع إلي أعلي في داخل النبتة حتي تصل إلي قمتها مهما كان ارتفاعها‏,‏ وخاصية ثانية تعرف باسم التوتر السطحي تعين الماء علي التماسك في أسطح أفقية فلا ينهار منها بسهولة‏.‏
    وبعد الاستفادة بالقدر اللازم من الماء‏,‏ يطلق النبات الزائد عن حاجته إلي الجو بالبخر بعدد من العمليات الحيوية التي أهمها النتج‏.‏ وبالمثل فإن كلا من الإنسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب‏,‏ ويطرد الزائد عن حاجته بواسطة عدد من العمليات الحيوية التي أهمها التنفس‏,‏ العرق‏,‏ الدموع‏,‏ الإخراج‏,‏ وغيرها‏.‏

    رابعا‏:‏ دورة الماء حول الأرض‏:‏
    تبخر أشعة الشمس كما هائلا من ماء الأرض فيرتفع علي هيئة بخار يعلق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ثم يتكثف في أجزاء منها علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء مكونا السحب باذن الله‏.‏
    ويقدر مايرتفع من الأرض إلي غلافها الغازي سنويا بنحو‏(380,000‏ كيلومترا مكعبا‏)‏ من الماء‏,‏ يتبخر أغلبه من أسطح البحار والمحيطات‏(320,000‏ كيلومترا مكعبا‏),‏ ويرتفع الباقي من اليابسة‏(60,000‏ كيلومترا مكعبا‏).‏

    ويعود كل مايتبخر من ماء الأرض إليها ثانية‏(380,000‏ كيلومترا مكعبا في السنة‏)‏ ينزل منه بتقدير الله‏(284,000‏ كم‏3)‏ فوق البحار والمحيطات‏,(000,.96‏ كم‏3)‏ فوق اليابسة‏,‏ وفي عودته إلي الأرض يصرفه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ حسب مشيئته وعلمه‏,‏ ومن نماذج هذا التصريف الإلهي البديع أن الفرق بين البخر من أسطح البحار والمحيطات والمطر فوقها‏(‏ ناقص‏36,000‏ كم‏3)‏ هو نفسه الفرق بين الإمطار علي اليابسة والبخر الصاعد منها‏(‏ زائد‏36,000‏ كم‏3)‏ والزائد علي اليابسة يفيض إلي البحار والمحيطات للمحافظة علي مستوي منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية محددة‏.‏
    هذه الدورة المائية المعجزة حول الأرض استمرت منذ أن أخرج الله‏(‏ تعالي‏)‏ ماء الأرض من داخلها إلي اليوم الراهن وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها‏,‏ وبهذه الدورة يتحرك الماء من الغلاف المائي للأرض إلي غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات ومواد ذائبة فيه وعالقة به‏,‏ وتمتد هذه الدورة من نحو الكيلومتر تحت سطح الأرض إلي ارتفاع يقدر بنحو خمسة عشر كيلومترا فوق مستوي سطح البحر‏.‏

    وبخار الماء عادة لايكاد يري إلا إذا تعرض لعمليات التكثف علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء تظل عالقة بأجزاء من الغلاق الغازي للأرض علي هيئة الندي أو الضباب بالقرب من سطح الأرص‏,‏ وعلي هيئة السحب المختلفة في نطاق التغيرات المناخية المحيطة بالأرض‏,‏ وقد تصل تلك السحب إلي الأجزاء السفلي من نطاق التطبق الذي يعلوه‏.‏
    وقد تتحول قطرات الماء في هذه المستويات العليا إلي كل من البرد والثلج‏,‏ أو تنمو إلي أحجام تمكنها من النزول إلي الأرض مطرا حسب مشيئة الله وتقديره‏.‏

    وعند نزول المطر إلي الأرض قد يتدفق فوق سطحها علي هيئة السيول الجارفة التي قد تؤدي إلي دمار شامل في المناطق الصحراوية‏,‏ وإلي فيضانات مغرقة بالأنهار والجداول‏.‏
    كذلك يتسلل قدر من ماء المطر إلي التربة‏,‏ أو يصل إلي طبقات صخرية عالية المسامية والنفاذية فيتحرك رأسيا بالجاذبية الأرضية إلي أسفل حتي يصل إلي مخزون الماء تحت سطح الأرض فيعمل علي تجديد عذوبته‏,‏ وتعويض مايفيض أو يضخ منه‏.‏

    وهذه الدورة المائية المعجزة يتم بواسطتها تطهير الماء‏,‏ وتلطيف جو الأرض‏,‏ وتوفير نسبة معينة من الرطوبة‏,‏ في كل من غلافها الغازي وتربتها فتسمح للكائنات الحية بما تحتاجه منها‏.‏
    وبواسطة هذه الدورة المائية تتم تسوية سطح الأرض‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيه‏,‏ ويتم تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين كل من التربة والصخور الرسوبية‏,‏ وخزن قدر من ماء المطر فيها وفي غيرها من صخور قشرة الأرض‏,‏ وتركيز عدد من الخامات الاقتصادية‏.‏

    ماء السماء ماء طهور
    إن دورة الماء حول الأرض لها فوائد كثيرة من أبرزها تطهير هذا الماء من عوالقه وشوائبه المختلفة‏,‏ فحينما ينزل ماء المطر علي الأرض ويجري علي سطحها فانه يحمل معه من نفاياتها كما كبيرا إلي أحواض البحار والمحيطات في عملية تنظيف وتطهير مستمرة لسطح الأرض‏,‏ وغسل لأدرانها المختلفة‏,‏ والماء في جريانه علي سطح الأرض يذيب كل مايمكن اذابته من مكوناتها من مختلف العناصر والمركبات‏,‏ كما يحمل ملايين الاطنان من العوالق غير المذابة والتي تترسب علي طول مجاري الانهار والأودية ودالاتها وفوق قيعان البحار والمحيطات والبحيرات وغيرها من التجمعات المائية‏,‏ وفي هذه الأوساط المائية يحيا ويموت بلايين الكائنات الحية ولذلك يتعفن الماء غير الجاري في التجمعات المائية المحدودة بسرعة كبيرة وبدرجات أقل في البحار الواسعة والمحيطات‏,‏ ويزيد من تلوث هذه الأوساط المائية مايدفع إليها من مخلفات المصانع والمنازل‏.‏
    وحينما تبخر أشعة الشمس هذا الماء فإنه يتطهر مما فيه من الملوثات‏,‏ ويصعد إلي الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي علي هيئة بخار ماء نقي طاهر من كل ماكان فيه من أدران وأوساخ وأملاح‏.‏

    وهذه هي عملية التطهير الرئيسية لماء الأرض‏,‏ ولذلك فان أنقي صورة للماء الطبيعي هي ماء المطر‏,‏ علي الرغم من أنه عند نزوله من السماء قد يذيب نسبة ضئيلة من مكونات الغلاف الغازي للأرض كما قد يحمل معه نسبة لاتكاد تدرك من ذرات بعض الأملاح اللازمة لصحة الإنسان وغيره من الكائنات الحية‏,‏ وذلك لأن الماء الصافي تماما قد يكون ضارا بجسم الانسان‏,‏ ولايفسد ماء السماء إلا الملوثات التي قد يطلقها الإنسان‏,‏ وذلك من مثل أكاسيد الكبريت التي تسبب نزول مايسمي بالأمطار الحمضية أو إطلاق بعض الغبار المشع كالذي ينتج من التجارب النووية أو من التسرب من المنشئات القائمة علي مثل هذا النشاط كالمفاعلات النووية من مثل ماحدث في كل من مفاعل تشرنوبل النووي في الاتحاد السوفيتي السابق‏(‏ ابريل‏1986‏ م‏)‏ والذي أدي إلي سقوط أمطار مليئة بالاشعاع عبر كل من أوروبا والمشرق العربي وأثر علي كل من الإنسان والحيوان والنبات في المنطقة‏,‏ ومفاعل جزيرة الأميال الثلاثة‏(ThreeMilesIsland),‏ ومفاعلات شمال اسكتلندا قبل وبعد ذلك التاريخ‏.‏
    والرسوبيات الملحية التي تقدر بملايين الأطنان بين مختلف التتابعات الصخرية المكونة لقشرة الأرض هي من بقايا عملية تطهير ماء الأرض بتبخيره ثم تكثيفه في الغلاف الغازي للأرض بطريقة مستمرة‏,‏ ونسب الملوحة المتباينة في كل مياه الأرض المالحة والمتزايدة بمرور الزمن هي من نواتج عملية التبخير تلك وهي مستمرة مابقيت الأرض حتي لا يفسد ماؤها بتراكم الأملاح والنفايات وافرازات الكائنات الحية المختلفة وتكدس بقاياها بعد موتها‏,‏ وتحلل تلك البقايا وتعفنها‏.‏ وعلي ذلك فالمصدر الرئيسي للماء النقي علي سطح الأرض هو ماء المطر‏.‏

    وحتي الماء المخزون تحت سطح الأرض فان ملوحته تزداد باستمرار مع الزمن لإذابته من أملاح الصخور المختزن فيها أو لتبخره‏,‏ وتركيزنسبة مابه من أملاح مذابة‏,‏ ولاتتجدد عذوبة هذا الماء ونسبة الأوكسجين فيه إلا بما يصل إليه من ماء المطر‏.‏
    من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن القرآن الكريم قد وصف في عدد من آياته حقيقة اخراج كل ماء الأرض‏-‏ علي كثرته‏-‏ من داخل الأرض‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الانسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ كما وصف دورة الماء حول الأرض بدقة علمية فائقة وأثبت أن مختلف صور الماء علي سطح الأرض ناتج من هذه الدورة المائية التي يطهر بها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ هذا السائل المهم والذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مستمرة عن طريق تبخيره إلي الغلاف الغازي المحيط بالأرض ثم تكثيفه منه وانزاله ماء طهورا بتقدير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ وحسب مشيئته وارادته‏.‏

    وهذه حقائق لم تصل إلي علم الانسان إلا بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من عشرة قرون علي الأقل‏,‏ ولم تثبت علميا إلا في خلال القرون الثلاثة الماضية‏,‏ وحتي وصولها في هذا التاريخ إلي علم الانسان يعتقد أن مصدره كان القرآن الكريم‏,‏ وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ التي نقلت إلي الحضارة الغربية عبر عمليات الترجمة من التراث الإسلامي في كل من بلاد الأندلس‏,‏ وصقلية‏,‏ وإيطاليا‏,‏ وبلاد الشام في أثناء الحروب الصليبية‏.‏
    وفي ذلك من الاثباتات المادية القاطعة بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن سيدنا محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ علي الرغم من كفر الكافرين‏,‏ ومحاجة المعاندين‏,‏ وادعاءات المبطلين‏,‏ فالحمدلله الذي انزل القرآن‏(‏ انزله بعلمه‏),‏ وتعهد بحفظه فحفظه بنصه ومعناه ومعجزاته‏,‏ وبلغة وحيه في صفائه الرباني واشراقاته النورانية التي لاينكرها إلا جاحد‏,‏ وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين والحمدلله رب العالمين أولا وآخرا وقبل وبعد كل شيء
    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,600
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    29-11-2014
    على الساعة
    05:10 PM

    افتراضي

    51)‏ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج
    وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا
    ‏*‏ الفرقان‏:53*‏





    هـذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الأخير من سورة الفرقان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها سبع وسبعون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الكريم‏(‏ الفرقان‏),‏ وهو اسم من أسماء القرآن العظيم‏,‏ لكونه فارقا بين الحق والباطل‏..‏
    ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن ركائزها‏:‏ تنزيه الله‏(‏ تعالي‏)‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله من مثل نسبة الولد زورا إليه‏,‏ والادعاء الباطل بوجود شركاء له في ملكه‏,‏ والهروب من الاعتراف بالحقيقة الجلية أنه تعالي خالق كل شيء بتقدير دقيق‏,‏ وحكمة بالغة‏,‏ وأن له‏(‏ وحده‏)‏ ملك السماوات والأرض دون شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ وهي من صفات الألوهية الحقة‏..‏

    وتبدأ سورة الفرقان بتمجيد الله وتعظيمه‏,‏ وبالتأكيد علي أنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي أنزل القرآن الكريم علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فارقا بين الحق والباطل ليكون نذيرا للعالمين‏,‏ في كل وقت وفي كل حين‏;‏ وتنعي السورة الكريمة علي الذين كفروا إنكارهم لتلك الحقيقة القائمة‏,‏ وتطاولهم علي كل من كتاب الله وخاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وإنكارهم ليوم الدين‏,‏ وترد عليهم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
    قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما
    ‏[‏الفرقان‏:6].‏

    كذلك تنعي عليهم تعنتهم بالاعتراض علي بشرية خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وعلي محدودية حظه من المال‏,‏ وعلي تنزل القرآن منجما‏,‏ وقد أنزل كل من الكتب السابقة دفعة واحدة‏;‏ وتطاولهم بطلب الرسالة السماوية من الملائكة مباشرة‏;‏ أو طلب رؤية الله جهرة حتي يؤمنوا به‏,‏ وهي صورة من صور الصلف الكافر الذي لا يفهم لمدلولات كل من الألوهية والنبوة والرسالة‏,‏ حقيقة ولا معني صحيحا‏...!!‏
    وتعرض السورة الكريمة لشيء من مشاهد الآخرة‏,‏ ولعذاب الكافرين في نار جهنم‏,‏ وتقارن بين هذا العذاب المهين‏,‏ وبين تكريم الله للمتقين في جنات النعيم‏...!!‏

    كما تعرض لمصارع المكذبين في عدد من الأمم السابقة علي هذه الأرض‏,‏ وإلي شيء من مصائرهم يوم القيامة‏,‏ وندمهم علي ما قد فرطوا فيه من حقوق الله وحقوق عباده‏,‏ وعلي انصرافهم عن اتباع الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وتوليهم لأهل الكفر والشرك والضلال‏,‏ اتباعا لغواية الشيطان‏,‏ ولغواية الغاوين من بني الإنسان‏,‏ وعبادة لهوي النفس الذي يعمي ويصم عن رؤية الحق‏,‏ وعن الاستماع إلي حجيته ومنطقه فيهوي ذلك بالإنسان إلي ما دون مستوي البهائم‏..!!‏
    ويشكو المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ إلي ربه هجر قومه للقرآن الكريم‏,‏ وهذه الشكوي كما كانت قائمة في زمن النبوة تظل قائمة في كل زمان يهجر فيه القرآن‏,‏ ويقصي عن مناط الحكم والتشريع‏...!!‏

    وتعرج سورة الفرقان إلي تخفيف الأمر عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بتذكيره بأن كافة الأنبياء والمرسلين من قبله قد جوبهوا من قبل أهل الكفر والضلال بعداوة شديدة‏,‏ وبالتأكيد له علي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ عالم بذلك‏,‏ مطلع عليه‏,‏ ومجاز به‏,‏ وتوصيه بالصبر والمصابرة‏,‏ وبمجاهدة الكافرين بما في القرآن العظيم من حق أبلج‏,‏ وتعينه علي ذلك بأمره بالتوكل علي الله‏(‏ تعالي‏),‏ الحي الذي لا يموت‏,‏ وبالتسبيح دوما بحمده‏,‏ وتعيد إلي ذاكرته‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أن دوره هو دور البشير النذير‏..‏
    وتقرر السورة الكريمة أن من صلف الكافرين وتطاولهم وضلالهم إنكار الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وعبادة من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
    ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر علي ربه ظهيرا
    ‏[‏الفرقان‏:55]..‏

    ويقول‏(‏ عز من قائل‏):‏
    وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا‏[‏ الفرقان‏:60].‏
    وفي المقابل تنتقل السورة الكريمة إلي استعراض عدد من صفات عباد الرحمن‏,‏ في مقارنة رائعة بين صفات أهل الحق وصفات أهل الباطل‏,‏ مؤكدة جزاء الصالحين بالخلود في جنات النعيم‏,‏ في حفاوة وتكريم من الله وملائكته‏,‏ وتنتهي بتأكيد هوان البشرية كلها علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ لولا تلك الطائفة القليلة من عباده الصالحين الذين يعرفون معني الألوهية والربوبية الحقة لجلال الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ فيجأرون بالدعاء له طلبا لرحمته ورضوانه‏,‏ أما الغالبية الساحقة من البشر الذين كفروا بالله‏,‏ أو أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا‏,‏ واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا‏,‏ لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد تعهد أن يجزيهم بسوء أعمالهم جزاء ملزما‏..‏

    وفي معرض الاستشهاد علي صدق ما جاء بهذه السورة المباركة وردت الإشارة إلي العديد من الآيات الكونية التي منها‏:‏
    ‏(1)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو خالق كل شيء ومقدره تقديرا وفق علمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض‏.‏

    ‏(2)‏ أن تشقق السماء بالغمام من بدايات انهيار النظام الكوني‏.‏

    ‏(3)‏ الإشارة إلي دوران الأرض حول محورها بمد الظل وقبضه‏.‏

    ‏(4)‏ تخصيص الليل للنوم والراحة‏,‏ وتخصيص النهار لليقظة والجري وراء المعايش‏.‏

    ‏(5)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هو الذي ينزل من السماء ماء طهورا ليحيي به أرضا ميتة‏,‏ ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا‏.‏

    ‏(6)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو‏...‏ الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏.‏

    ‏(7)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو‏...‏ الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا‏....‏

    ‏(8)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏(‏ أي ست مراحل متتالية‏).‏

    ‏(9)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو‏...‏ الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا‏.‏

    ‏(10)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو‏...‏ الذي جعل الليل والنهار خلفة‏...‏ وهي إشارة ضمنية رقيقة إلي حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏.‏
    وكل آية من هذه الآيات الكونية العشر تحتاج إلي مناقشة موضوعية خاصة بها‏,‏ ولما كان المقام لا يتسع لذلك أجدني مضطرا لقصر الحديث هنا علي آية واحدة منها ألا وهي الآية الثالثة والخمسون المشار إليها هنا في النقطة السادسة أعلاه‏,‏ التي تصف التقاء ماء النهر العذب الفرات بماء البحر الملح الأجاج‏,‏ وقبل الولوج في ذلك أري لزاما علي أن أعرض لعدد من أقوال المفسرين السابقين في شرح هذه الآية الكريمة‏,‏ ولشرح دلالات الغريب من ألفاظها علي مسامع أهل عصرنا الذي نسي كثير من العرب فيه لغتهم الأم ولغة كتاب دينهم العظيم‏.‏

    من أقوال المفسرين
    في تفسير الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏(‏ الفرقان‏:53)..‏
    ذكرابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:...‏ وقوله تعالي‏:(‏ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج‏)‏ أي خلق الماءين الحلو والمالح‏,‏ فالحلو كالأنهار والعيون والآبار‏.‏ قاله ابن جريج واختاره‏,‏ وهذا المعني لا شك فيه‏,‏ فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات‏,‏ والله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ إنما أخبر بالواقع لينبه العباد إلي نعمه عليهم ليشكروه‏,‏ فالبحر العذب فرقه الله تعالي بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا أو عيونا في كل أرض‏,‏ بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم‏,‏ وقوله تعالي‏:(‏ وهذا ملح أجاج‏)‏ أي مالح‏,‏ مر‏,‏ زعاف لا يستساغ‏,‏ وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب‏,‏ البحر المحيط وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر‏,‏ وما شاكلها وشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري‏,‏ ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح‏,‏ ومنها ما فيه مد وجزر‏,‏ ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض‏,‏ فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتي ترجع إلي غايتها الأولي‏,‏ فأجري الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ـوهو ذو القدرة التامةـ العادة بذلك‏;‏ فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء‏,‏ فيفسد الوجود بذلك‏,‏ ولئلا تجوي الأرض بما يموت فيها من الحيوان‏,‏ ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة‏,‏ ولهذا قال رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وقد سئل عن ماء البحر‏:‏ أنتوضأ به؟ فقال‏:(‏ هو الطهور ماؤه‏,‏ الحل ميتته‏).‏ وقوله تعالي‏:(‏ وجعل بينهما برزخا وحجرا‏)‏ أي بين العذب والمالح‏,‏ وبرزخا أي حاجزا وهو اليبس من الأرض‏(‏ وحجرا محجورا‏)‏ أي مانعا من أن يصل أحدهما إلي الآخر كقوله تعالي‏:(‏ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان‏),‏ وقوله تعالي‏:(‏ وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون‏).....‏

    وجاء في تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏:(‏ وهو الذي مرج البحرين‏)‏ أرسلهما متجاورين‏(‏ هذا عذب فرات‏)‏ شديد العذوبة‏(‏ وهذا ملح أجاج‏)‏ شديد الملوحة‏(‏ وجعل بينهما برزخا‏)‏ حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر‏(‏ وحجرا محجورا‏)‏ سترا ممنوعا به اختلاطهما‏.....‏
    وجاء في تفسير الظلال‏(‏ رحم الله كاتبه‏)‏ ما نصه‏:...‏ وهو الذي ترك البحرين‏,‏ الفرات العذب والملح المر‏,‏ يجريان ويلتقيان‏,‏ فلا يختلطان ولا يمتزجان‏,‏ إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله‏.‏ فمجاري الأنهار غالبا أعلي من سطح البحر‏,‏ ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح‏,‏ ولا يقع العكس إلا شذوذا‏,‏ وبهذا التقدير الدقيق لا يطغي البحر ـوهو أضخم وأغزرـ علي النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات‏,‏ ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد‏.‏ إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام‏..‏

    وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغي مياه المحيطات الملحة لا علي الأنهار ولا علي اليابسة حتي في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي علي سطح الأرض‏,‏ ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما‏..‏
    وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ رحم الله كاتبه‏)‏ ما نصه‏:(‏ مرج البحرين‏...)‏ أرسل البحرين‏:‏ العذب والملح في مجاريهما متجاورين‏;‏ كما ترسل الخيل في المرج‏.‏ يقال‏:‏ مرج الدابة يمرجها‏,‏ أرسلها ترعي‏.‏ أو خلطهما فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه‏;‏ من المرج وأصله الخلط‏.‏ يقال‏:‏ مرج أمرهم يمرج‏,‏ اختلط‏;‏ ومنه قيل للمرعي‏:‏ مرج‏;‏ لاجتماع أخلاط من الدواب فيه‏.‏

    ‏(‏ عذب فرات‏)‏ شديد العذوبة‏,‏ مائل إلي الحلاوة وهو ماء الأنهار‏.‏ وسمي فراتا لأنه يفرت العطش‏,‏ أي يقطعه ويكسره‏.(‏ ملح أجاج‏)‏ شديد الملوحة والمرارة‏,‏ وهو ماء البحار‏.‏ سمي أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار‏,‏ لأن شربه بزيد العطش‏.(‏ وبرزخا‏)‏ حاجزا عظيما من الأرض‏,‏ يمنع بغي أحدهما علي الآخر‏;‏ لحفظ حياة الإنسان والنبات‏;‏ كما قال تعالي‏:(‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏).(‏ وحجرا محجورا‏)‏ أي وجعل كل واحد منهما حراما محرما علي الآخر أن يفسده‏.‏ والمراد‏:‏ لزوم كل منهما صفته‏;‏ فلا ينقلب العذب في مكانه ملحا ولا الملح في مكانه عذبا‏..‏
    وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ والله هو الذي أجري البحرين‏:‏ البحر العذب والبحر الملح‏,‏ وجعل المجري لكل واحد يجاور المجري الآخر‏,‏ ومع ذلك لا يختلطان‏,‏ نعمة ورحمة بالناس‏..‏

    وجاء في تعليق الخبراء العلميين بالهامش ما يلي‏:..‏ قد تشير هذه الآية إلي نعمة الله علي عباده بعدم اختلاط الماء الملح المتسرب من البحار في الصخور القريبة من الشاطئ بالماء العذب المتسرب إليها من البر اختلاطا تاما بل إنهما يلتقيان مجرد تلاق يطفو العذب منها فوق الملح كأن بينهما برزخا يمنع بغي أحدهما علي الآخر‏,‏ وحجرا محجورا‏,‏ أي حاجزا خفيا مستورا لا نراه‏..‏
    وليس هذا فقط بل إن هناك قانونا ثابتا يحكم هذه العلاقة ويتحكم فيها لمصلحة البشر ممن يسكنون في تلك المناطق وتتوقف حياتهم علي توافر الماء العذب‏,‏ فقد ثبت أن طبقة الماء العذب العليا يزداد سمكها مع زيادة الارتفاع عن منسوب البحر بعلاقة منتظمة حتي إنه يمكن حساب العمق الأقصي للماء العذب الذي يمكن الوصول إليه‏.‏ فهو يساوي قدر الفرق بين منسوب الأرض ومنسوب البحر أربعين مرة‏..‏

    وجاء في صفوة التفاسير‏(‏ جزي الله كاتبه خير الجزاء‏)‏ ما نصه‏:(‏ وهو الذي مرج البحرين‏)‏ أي هو تعالي بقدرته خلي وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان‏(‏ هذا عذب فرات‏)‏ أي شديد العذوبة قاطع للعطش من فرط عذوبته‏(‏ وهذا ملح أجاج‏)‏ أي بليغ الملوحة‏,‏ مر شديد المرارة‏(‏ وجعل بينهما برزخا‏)‏ أي جعل بينهما حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما علي الآخر‏(‏ وحجرا محجورا‏)‏ أي ومنعا من وصول أثر أحدهما إلي الآخر وامتزاجه به‏.....‏

    الدلالات اللفظية لبعض كلمات الآية الكريمة
    ‏(1)(‏ مرج‏):‏ ذكرت معاجم اللغة‏(‏ كمعجم ابن فارس‏)‏ أن الميم‏,‏ والراء‏,‏ والجيم أصل صحيح يدل علي المجيء والذهاب والاضطراب‏,‏ وقالوا‏:(‏ مرج‏)‏ الخاتم في الإصبع أي قلق واضطرب لاتساعه عن حجم الإصبع‏;‏ ومنه قيل‏:(‏ مرجت‏)‏ أمانات القوم وعهودهم أي اضطربت واختلطت‏;‏ و‏(‏مرج‏)‏ الأمر اختلط‏,‏ ومنه الهرج والمرج‏,‏ وأمر‏(‏ مريج‏)‏ أي مختلط‏,‏ و‏(‏المرج‏)‏ في اللغة هو مرعي الدواب‏,‏ أي الأرض التي يكثر فيها النبات فتمرج فيه الدواب وتختلط‏;‏ ولذلك قيل‏:(‏ مرج‏)‏ الدابة و‏(‏أمرجها‏)‏ أي أرسلها ترعي وتختلط بغيرها من الحيوانات في المرعي فـ‏(‏مرجت‏),‏ لأن أصل‏(‏ المرج‏)‏ هو الخلط‏,‏ و‏(‏المروج‏)‏ هو الاختلاط‏,‏ وقوله‏(‏ تعالي‏):(‏ مرج البحرين‏)‏ أي أفاض أحدهما بالآخر‏,‏ وجعلهما يختلطان دون امتزاج كامل أي دون أن يلتبس أحدهما بالآخر التباسا كاملا‏..‏
    و‏(‏مارج‏)‏ من نار أي‏:‏ لهب من نيران مختلطة لا دخان لها‏..‏

    ‏(2)(‏ عذب فرات‏):‏ الماء‏(‏ العذب‏)‏ هو الماء الطيب المذاق‏,‏ و‏(‏الفرات‏)‏ هو الشديد العذوبة‏;‏ والبحر العذب الفرات هو النهر لشدة عذوبة مائه‏.‏

    ‏(3)(‏ ملح أجاج‏):‏ الماء‏(‏ الملح الأجاج‏)‏ هو‏,‏ الماء شديد الملوحة والمرارة‏;‏ وما كان من الماء‏(‏ ملحا أجاجا‏)‏ هو ماء البحر علي اختلاف درجات ملوحته‏.‏
    يقال‏:(‏ ملح‏)‏ القدر أي‏:‏ طرح فيها الملح بقدر‏,‏ و‏(‏أملحها‏)‏ أي‏:‏ أفسدها بالملح‏,‏ و‏(‏ملحها تمليحا‏)‏ مثله‏..‏

    ويقال‏:(‏ ملح‏)‏ الماء‏(‏ بالفتح والضم‏)‏ فهو ماء‏(‏ ملح‏);‏ وقليب‏(‏ مليح‏)‏ أي‏:‏ ماؤه قليل الملوحة‏;‏ و‏(‏الملاحة‏)‏ منبت الملح‏;‏ و‏(‏المملحة‏)(‏ بكسر الميم‏)‏ ما يجعل فيه‏(‏ الملح‏);‏ و‏(‏الملاح‏)‏ صاحب السفينة‏..‏
    ويقال‏:(‏ أجج‏)‏ النار أي‏:‏ زادها اشتعالا وتلهبا‏,‏ لأن‏(‏ الأجج‏)‏ هو تلهب النيران‏,‏ من‏(‏ أجت‏)‏ النار‏(‏ تؤج‏)(‏ أجيجا‏)‏ و‏(‏أجوجا‏),‏ و‏(‏أججها‏)‏ غيرها‏(‏ فاتجت‏)‏ و‏(‏تأججت‏),‏ وسمي الماء الشديد الملوحة‏(‏ بالأجاج‏)‏ لأنه يحرق معي الإنسان إذا شربه من شدة ملوحته‏.‏

    ‏(4)(‏ برزخ‏):(‏ البرزخ‏)‏ هو الحاجز والحد بين الشيئين‏;‏ وهو أيضا ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلي البعث‏,‏ فمن مات فقد دخل البرزخ‏;‏ وفي تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):(‏ وجعل بينهما برزخا‏...)‏ قال عدد من المفسرين هو حاجز من الأرض‏,‏ وقال البعض الآخر هو حاجز أو حائل أو مانع من قدرة الله‏(‏ تعالي‏)‏ لا يراه أحد من الناس‏.‏

    ‏(5)(‏ الحجر المحجور‏):‏ هو الحرام المحرم‏,‏ و‏(‏الحجر‏)(‏ بكسر الحاء وضمها وفتحها‏)‏ هو المنع والتضييق‏.‏ يقال‏:(‏ حجر‏)‏ القاضي عليه أي‏:‏ منعه عن التصرف في ماله‏;‏ و‏(‏حجر‏)‏ الإنسان‏(‏ بكسر الحاء وفتحها‏)‏ واحد‏(‏ الحجور‏),‏ ويقال‏:(‏ احتجر حجرة‏)‏ أي‏:‏ اتخذها مسكنا‏,‏ والجمع‏(‏ حجر‏),‏ و‏(‏حجرات‏)..‏
    و‏(‏الحجر‏)‏ أيضا هو العقل لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من الجري وراء شهواته والتهافت علي ما لا ينبغي له‏,‏ ويضبطه ويقهره علي ذلك‏.‏

    الدلالة العلمية للآية الكريمة
    تطلق لفظة‏(‏ البحر‏)‏ في اللغة العربية علي كل من النهر ذي الماء العذب‏,‏ والبحر ذي الماء المالح‏;‏ ولولا أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد صمم الأنهار لتفيض من تضاريس القارات المرتفعة فوق مستوي سطح البحر فتلقي بمائها العذب وبماتحمله من رسوبيات في هذا الخضم المالح‏,‏ ولولا هذا النظام المحكم والمبهر في ترتيب مستويات كل من اليابسة وقيعان البحار والمحيطات لطغي ماء البحر المالح علي اليابسة بما فيها من ماء عذب‏,‏ وأفسدها إفسادا كاملا‏,‏ ودمر كل صور الحياة فيها‏;‏ وليس هذا من قبيل الخيال العلمي‏,‏ فقد مرت علي الأرض فترات عديدة طغت البحار فيها علي اليابسة إلي مسافات تزيد علي حدودها الحالية بمئات من الكيلو مترات‏,‏ وذلك بارتفاع منسوب الماء في البحار والمحيطات‏,‏ بل إن الأرض قد بدأت بمحيط غامر غمرا كاملا لسطحها‏,‏ ثم بدأت اليابسة في التكون بفعل الأنشطة البركانية المندفعة من قاع ذلك المحيط الغامر علي هيئة جزيرة بركانية ظلت تنمو حتي كونت القارة الأم‏,‏ التي بدأت في التفتت إلي مكوناتها الحالية من القارات السبع منذ نحو مائتي مليون سنة مضت‏..‏
    ومع استمرار نشاط الحركات الداخلية للأرض‏,‏ وانعكاس ذلك علي تحرك ألواح غلافها الصخري‏,‏ وما صاحبه من هزات أرضية‏,‏ وثورات بركانية ومتداخلات نارية‏,‏ تكونت السلاسل الجبلية التي أعطت سطح الأرض تضاريسه الشامخة‏,‏ ولولا تلك التضاريس ما كان من الممكن فصل الماء العذب عن الماء المالح أبدا‏..‏

    ومع دورة الماء حول الأرض ـالتي تحركها بتدبير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ كل من حرارة الشمس‏,‏ وتصريف الرياح‏,‏ وإزجاء السحب‏,‏ والتأليف بينها‏,‏ وبسطها أو ركمها‏,‏ وتكثف قطرات الماء فيها‏,‏ وإنزال المطر أو البرد أو الثلج منها بإذن الله‏,‏ وحيثما شاء وبالقدر المقسومـ تشكل سطح الأرض‏,‏ وشقت الفجاج والسبل‏,‏ وسالت الأنهار والجداول‏,‏ وتدفق الماء في الأودية‏,‏ ودارت دورات عديدة علي سطح الأرض‏,‏ ولولا ذلك لفسد ماء الأرض منذ اللحظة الأولي لخروجه من داخلها‏..‏

    دورة الماء حول الأرض
    تبخر أشعة الشمس سنويا بتقدير من الله‏(‏ تعالي‏)‏ ما مجموعه‏(380.000)‏ كيلو متر مكعب من الماء من أسطح كل من البحار والمحيطات‏(320.000‏ كيلو متر مكعب‏),‏ ومن اليابسة بما عليها من مسطحات مائية وجليد‏,‏ وكائنات‏(60.000‏ كيلو متر مكعب‏),‏ وهذا القدر من بخار الماء يتكثف في نطاق التغيرات المناخية‏(‏ نطاق الرجع‏)‏ الذي يشكل الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض فيعود إليها مطرا أو ثلجا أو بردا‏(284.000‏ كم‏3‏ منها تنزل علي البحار والمحيطات‏,‏ و‏96.000‏كم‏3‏ تنزل علي اليابسة‏)‏ والفارق وقدره‏(36.000‏ كم‏3)‏ من الماء يفيض من اليابسة إلي البحار والمحيطات سنويا حاملا معه ملايين الأطنان من الأملاح وفتات الصخور‏,‏ وبذلك تكون الأنهار من وسائط النقل الرئيسية التي تنقل نواتج كل من عمليات التجوية والتحات والتعرية من اليابسة إلي أحواض البحار والمحيطات حيث تترسب الرواسب بتتابعات سميكة تتجمع فوق كل من الرصيف القاري وقيعان المحيطات العميقة‏,‏ كما قد تتجمع فوق قيعان البحيرات‏..‏
    وجزء من هذه الرواسب يترسب علي طول مجري النهر بفعل عدد من العمليات النهرية‏..‏

    تكون دالات الأنهار
    تتكون دالات الأنهار‏,‏ والرواسب الدلتاوية نتيجة التفاعل بين كل من العمليات النهرية والعمليات الساحلية‏..‏
    ولكل نهر حوض لتصريف مائه يعرف باسم حوض المصرف‏
    (DrainageBasin)
    أو منطقة اصطياد المطر
    ‏(CatchmentArea)
    أو منطقة المجري ويمر النظام النهري بمراحل من الشباب‏,‏ والنضج‏,‏ والشيخوخة‏,‏ ويرسب قدرا من حمولته في مجراه بما يعرف باسم مجموعة رواسب القناة
    ‏(ChannelDeposits)
    ورواسب الشرف النهرية
    ‏(LeveeDeposits)
    ورواسب سهل الفيضان أو الرقة
    ‏(FloodPlainDeposits)
    ورواسب المستنقعات
    ‏(SwampDeposits)
    وتجمع كلها تحت مسمي رواسب فوق الضفة
    ‏(OverbankDeposits)..‏

    وعموما تتجمع رسوبيات الدلتا فوق الأرصفة القارية الضحلة الواسعة عند التقاء ماء النهر بماء البحر‏,‏ وتنتج عن ذلك التجمع رواسب علي هيئة مخروطية تتكون أساسا مما يحمله النهر ويلقي به عند مصبه في البحر فيترسب جزء منه فوق اليابسة ويتجمع الباقي تحت سطح الماء‏..‏
    وتعتبر دلتا النهر وسطا انتقاليا بين ماء النهر العذب‏,‏ وماء البحر المالح‏,‏ وتحتوي عددا كبيرا من بيئات الترسيب المتباينة التي يتجاوز عددها الإثنتي عشرة بيئة‏..‏

    وكلما كانت كمية الرسوبيات التي يلقيها النهر عند مصبه أكبر من قدرة كل من تيارات المد والجزر‏,‏ والأمواج والتيارات البحرية الموازية للشاطئ علي إزالته‏;‏ وتلعب التراكيب الجيولوجية الكبيرة‏(‏ من مثل حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض‏)‏ دورا بارزا في ذلك‏..‏

    عوامل تحكم نشاط النهر علي منطقة مصبه
    عند مصبات الأنهار عادة ما يضعف أثر كل من ظاهرتي المد والجزر‏,‏ وشدة الأمواج والتيارات البحرية فتسود قوي ثلاث أخري هي‏:‏ القصور الذاتي‏(‏ أو قوة واستمرارية تدفق تيار الماء في النهر‏),‏ وقدر الاحتكاك بالرسوبيات في قاع مجري النهر‏,‏ وطفو الماء العذب فوق سطح الماء المالح‏..‏

    وتبقي عوامل أخري مساعدة من مثل معدلات تدفق الماء وسرعة تياره‏,‏ وعمق الماء في مجري النهر‏,‏ وكتلة الرسوبيات التي يحملها ماء النهر‏.‏ ففي ظل زيادة سرعة تدفق تيار الماء في مجري النهر‏,‏ وعمق الحوض البحري الذي يصب فيه‏,‏ وتدني الفارق في كثافة الماءين الملتقيين يسود القصور الذاتي فيندفع ماء النهر إلي البحر بشدة علي هيئة نفاثات دوارة تعزل ماء النهر عن ماء البحر وتؤخر اختلاطهما وامتزاجهما حتي تضعف معدلات تدفق الماء فيبدأ الامتزاج علي حواف كتلة الماء العذب مكونا ماء قليل الملوحة يفصل ماء النهر عن ماء البحر باستمرار‏..‏
    وفي كثير من الأنهار يؤدي نقل كميات كبيرة من نواتج عمليات التعرية علي هيئة الرسوبيات المحمولة مع ماء النهر إلي ترسيبها في منطقة مصبه مما يرفع منسوب قاع منطقة المصب ويجعل سمك الماء فيها قليلا خاصة في المنطقة بعد المصب مباشرة مما يؤدي إلي جعلها أعلي من منسوب قاع مجري النهر‏,‏ وتظل هذه المنطقة تنمو باستمرار نتيجة لاندفاع الماء من النهر علي هيئة تيار نفاث يحتك بالرسوبيات المتجمعة فوق قاعه‏.‏ وفي منطقة مصبه حتي يبني برزخا من تلك الرسوبيات عموديا علي اتجاه تدفق النهر فيحول دون امتزاج مائه مع ماء البحر امتزاجا كاملا لوجود هذا البرزخ من الرسوبيات ولتكون ماء قليل الملوحة علي حواف طبقة الماء العذب الرقيقة الطافية فوق الماء المالح‏..‏

    ويؤدي بناء هذا البرزخ الرسوبي إلي تفرع مجري النهر إلي فرعين‏(‏ أو أكثر‏)‏ كل واحد منهما علي جانبي البرزخ نظرا لتباطؤ تدفق الماء نتيجة لضحالة المجري وشدة احتكاك الماء بقاعه في أثناء جريانه‏;‏ وقد يؤدي ذلك إلي زيادة نمو البرزخ علي هيئة حاجزوسطي كبير أو تكرار ترسب أعداد من تلك البرازخ‏..‏
    ولما كانت كثافة الماء العذب‏(‏ في حدود جرام واحد‏/‏ سم‏3)‏ أقل من كثافة الماء المالح‏(‏ في حدود‏1.026‏ إلي‏1.028‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏ فإن الماء العذب يطفو فوق سطح الماء المالح علي الرغم مما يحمله من رسوبيات‏,‏ ويسمي هذا التدفق المائي باسم التدفق المتباين الكثافة‏..‏

    ويظل الماء العذب طافيا فوق الماء المالح حتي تتمكن كل من تيارات المد والجزر‏,‏ والأمواج والتيارات البحرية من المزج بين حواف هذه الطبقة الرقيقة من الماء العذب والماء المالح مكونة ماء قليل الملوحة يفصل بينهما‏,‏ وهنا يتأثر تدفق الماء العذب بكل من قوة الاستمرار في الاندفاع‏(‏ القصور الذاتي‏),‏ وشدة الاحتكاك بقاع المجري‏,‏ وفرق الكثافة بين الماءين العذب والمالح‏..‏
    وفي حالة الأنهار ذات التدفق العالي للماء‏,‏ أو عند فيضاناتها يكون التدفق الطافي للماء العذب فوق سطح الماء المالح هو السمة الغالبة لتدفق ماء تلك الأنهار‏;‏ ويزداد الاحتكاك برسوبيات القاع مما يؤدي إلي تجمع كم هائل من الرسوبيات أمام مصب النهر علي هيئة سدود نهرية مستقيمة وموازية لمجري النهر تحت الماء في منطقة المصب‏,‏ تحيط بالماء العذب من الجهتين فاصلة إياه عن الماء المالح فتعينه بذلك علي مزيد من الاندفاع في داخل البحر‏..‏

    كذلك تبني الرسوبيات سدا هائلا في مواجهة مجري النهر يعرف باسم حاجز توزيع الماء في مصب النهر‏
    (Distributary-MouthBar)‏
    يتراوح عرضه بين أربعة وستة أضعاف عرض مجري النهر‏;‏ وهذا الحاجز يفصل الماء قليل الملوحة‏(‏ المتكون نتيجة لمزج جزء من ماء النهر العذب مع ماء البحر الملح‏)‏ عن الماء العذب‏.‏ ويتكرر تكون أمثال هذا الحاجز عدة مرات علي مسافات متباعدة من مصب النهر حتي تتكون منطقة تعرف باسم منطقة توزيع ماء النهر تعمل علي مزيد من الفصل بين الأنواع الثلاثة من الماء الموجود في مصبات الأنهار وهي‏:‏ الماء العذب‏,‏ والماء قليل الملوحة‏,‏ والماء الملح‏..‏
    وعلي ذلك فإن جميع النظم النهرية التي تصب في بحار تتميز بتداخلات معقدة بين كل من العمليات النهرية والبحرية‏,‏ منها عمليات المد والجزر‏,‏ التي تعمل علي اختلاط الماءين مكونة ماء متوسط الملوحة يفصل بين هذين الماءين خاصة في حالة التدفقات النهرية الضعيفة‏,‏ وتزداد عمليات الخلط بين ماء النهر وماء البحر كلما توغلنا في داخل البحر حتي يتحول الماء إلي الطبيعة البحرية الكاملة تاركا وراءه مراحل من الماء القليل الملوحة تعمل كفاصل بين الماءين‏.‏

    كذلك تساعد عمليات المد والجزر علي تجميع الرسوبيات التي يلقي بها النهر علي هيئة حواجز رسوبية علي مسافات من مصب النهر‏,‏ ومتصلة بفم النهر بواسطة حواجز طولية موازية لاتجاه تدفق النهر تحول دون امتزاج مائه بماء البحر‏..‏
    وفي الحالات التي يسود فيها دور عمليات المد والجزر سيادة واضحة يلاحظ أن مجري النهر يتسع عند مصبه اتساعا كبيرا علي هيئة الدلتا التي تعترضها تلال من رسوبيات النهر تعمل كذلك علي عزل مائه عن ماء البحر‏..‏

    وهذه الحواجز الرسوبية الطولية والهلالية الشكل المعترضة لمجري النهر‏,‏ وكذلك الشرف النهرية الموازية لمجراه والمندفعة من فم النهر إلي داخل البحر تساعد كلها علي عزل ماء النهر العذب عن ماء البحر المحيط لأطول فترة ممكنة‏,‏ ثم يتكون بينهما نطاق من الماء قليل الملوحة يزيد من عملية الفصل تلك‏.‏ وكل من الماء العذب والماء المالح له من صفاته الطبيعية والكيميائية ما يمكنه من البقاء منفصلا انفصالا كاملا عن الآخر علي الرغم من التقاء حدودهما عند مصب النهر‏,‏ وذلك بتكوين برزخ من الرسوبيات أمام فوهة النهر ومن حوله‏,‏ ويؤدي ذلك إلي تفرع الماء العذب إلي فرعين أو فروع من حوله‏,‏ يتدفق منهما أو منها الماء العذب مكونا طبقة رقيقة طافية فوق الماء الملح‏,‏ وتختلط به عند حوافها مكونة حزاما من الماء قليل الملوحة وذلك بفعل تيارات المد والجزر‏,‏ والتيارات والأمواج البحرية المختلفة‏,‏ ويعمل هذا الحزام من الماء القليل الملوحة علي مزيد من الفصل بين المائين العذب والملح‏,‏ ولكل بيئة من هذه البيئات الثلاث‏(‏ الماء العذب‏,‏ والماء قليل الملوحة والماء الملح‏)‏ أنواع خاصة من أنواع الأحياء المائية المحدودة بحدود بيئتها‏,‏ وأنواع خاصة من الرسوبيات التي تترسب منها‏,‏ وبذلك تكون أنواع الحياة في الماء القليل الملوحة مقصورة علي تلك البيئة‏,‏ ومحجورة فيها‏,‏ أي لا تستطيع الخروج منها وإلا هلكت‏,‏ كما أن كل مجموعة من أنواع الحياة في البيئتين الأخريين لاتستطيع دخول الماء القليل الملوحة وإلا هلكت‏,‏ فيما عدا أعداد قليلة جدا منها تستطيع العبور فيها دون بقاء طويل‏,‏ ومن هنا كان هذا الماء القليل الملوحة حجرا علي الحياة الخاصة به‏,‏ ومحجورا علي الحياة في البيئتين الأخريين من حوله‏.‏

    وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقـود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويجزم بنبوة هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)..‏ فسبحان الذي أنزل قوله الحق‏:‏
    وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏[‏ الفرقان‏:53]..‏

    وقال‏:‏ وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها‏.....‏
    وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا‏.
    صفحة الأحاديث النبوية

    http://www.facebook.com/pages/الاحاد...01747446575326

من اسرار القران

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. اسرار القران (138)
    بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
  2. اسرار القران(137)
    بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
  3. اسرار القران (136)
    بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
  4. اسرار القران (135)
    بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
  5. اسرار القران (119)
    بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

من اسرار القران

من اسرار القران