

-
(42) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا علي ذهاب به لقادرون*
بقلم : د. زغـلول النجـار
هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية السدس الأول من سورة( المؤمنون), وهي سورة مكية, وآياتها مائة وثماني عشرة آية, ويدور محورها الرئيسي حول قضية الإيمان, وصفات المؤمنين, ودلالات ومؤشرات ذلك, ومقارنته باضداده من الكفر بالله أو الشرك به( تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا).
وقد استهلت السورة الكريمة بإثبات الفلاح للمؤمنين, واستعراض جانب من صفاتهم, وإثبات ميراث جنات الفردوس لهم خالدين فيها أبدا, وتابعت بالإشارة إلي عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق, تشهد له( سبحانه وتعالي) بكمال الألوهية, والربوبية, والوحدانية, وبطلاقة القدرة المبدعة في الخلق مما يثبت له( سبحانه) القدرة علي الافناء والبعث, وقد كانا دوما من حجج الكافرين والمتشككين والمعاندين.
واستمرت سورة( المؤمنون) بعد ذلك في تأكيد حقيقة الإيمان كما دعا إليها رسل الله أجمعين ومنهم الصفوة من لدن سيدنا نوح( عليه السلام) إلي خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله( صلي الله وسلم عليه وعليهم أجمعين), وعرضت السورة لشئ من قصص هؤلاء الأنبياء والمرسلين( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعون) الذين حملوا لأممهم الأمر الإلهي بالإيمان بالله( تعالي) ربا, وتوحيده, وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله, والخضوع له بالطاعة والعبادة والحرص علي المطعم الحلال الطيب, والعمل الصالح المفيد, وتأكيد وحدة الإنسانية, ووحدة الدين, هذه الإنسانية التي خالقها واحد, وأصلها واحد, ودينها واحد, وإلي هذا الخالق العظيم الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن يرجع الجميع ويعودون ليحاسبوا علي أعمالهم في حياتهم الدنيا بالإحسان إحسانا, وبالإساءة عقابا أو غفرانا حسب مشيئة رب العالمين وأمره.
وتابعت السورة الكريمة باستعراض عدد من شبهات المكذبين لدين الله الحق, الضالين عن هدايته, المحاربين لرسله وأنبيائه وأوليائه إلي الحد الذي يدفع الرسل والأنبياء, والأولياء إلي الاستنصار بربهم فيهلك الله المكذبين( من أمثال الصهاينة المجرمين الذين يعيثون اليوم فسادا في أرض فلسطين, بدعم من الإدارة الأمريكية الفاجرة الكافرة, وصمت من بقية المشركين والكافرين والمتخاذلين), ومن سنن الله التي لا تتوقف, ولا تتخلف أن يهلك المكذبين الكافرين الفجرة, وأن ينجي عباده المؤمنين, كما سيحدث إن شاء الله( تعالي) علي أرض فلسطين, وفي كل أرض محاصرة, وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وتمضي السورة في استعراض اختلاف الناس بعد الرسل, مؤكدة مرة أخري وحدة الرسالة السماوية, ووحدة الجنس البشري, وإن افترقوا إلي مؤمن وكافر, وتكرر ذكر شئ من صفات كل من هاتين المجموعتين من البشر, وتشير إلي مصير كل منهم في الآخرة, وتؤكد أن المدد لنفر من الكافرين والمشركين في هذه الحياة الدنيا هو من قبيل استدراجهم, وليس دليل خير فيهم, فالمدد بالمال والبنين, والعلو الكاذب في الأرض, كما هو الحال مع كل من الأمريكيين والصهاينة الغاصبين لا يمكن أن يكون الا غضبا من الله تعالي عليهم من قبيل استدراجهم حتي إذا أخذهم لم يفلتهم إن شاء الله تعالي....!!!.
وتستنكر سورة( المؤمنون) المواقف المعادية من المشركين لرسول الله( صلي الله عليه وسلم) في القديم كما تستنكره في الحديث دون أدني مبرر واحد, وتشير إلي تعلل المشركين والكافرين بتشككهم في إمكانية البعث بعد الموت لجهلهم بطلاقة القدرة الإلهية, وقياسهم علي الله( تعالي) ظلما بمعايير الناس.
وتسأل سورة( المؤمنون) الناس عددا من الأسئلة المنطقية حتي يجيبوا بفطرتهم, وينطقوا ما يؤكد تفرد الله( تعالي) بالألوهية, والربوبية والوحدانية, وأنه تعالي قيوم السماوات والأرض ومن فيهن, المنزه عن الشريك والصاحبة والولد وأنه( تعالي) بيده ملكوت كل شئ, وهو الذي يجير ولايجار عليه...
ويأمر الله( تعالي) رسوله الكريم في هذه السورة المباركة( والأمر بالتالي لكل المسلمين) أن يدفع بالتي هي أحسن, وأن يستعيذ بالله من همزات الشياطين.
وتختتم السورة بمشهد من مشاهد الآخرة يهان فيه كل كافر ومشرك, ويؤاخذ علي مواقفه الخاطئة في الدنيا, وتنتهي بإقرار التوحيد الخالص لله( تعالي), وبالتوجيه بضرورة طلب الرحمة والمغفرة منه لأنه( تعالي) هو أرحم الراحمين..
والإشارات الكونية التي استشهدت بها سورة( المؤمنون) علي ما ورد فيها من حق إشارات عديدة منها ما يلي:
(1) خلق السماوات والأرض بالحق.
(2) اختلاف الليل والنهار.
(3) إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض.
(4) خلق الحياة بمختلف صورها.
(5) خلق الإنسان بمراحله المختلفة( الجنينية وما بعد الجنين) حتي يكتمل خلقه, ويتم ميلاده, ويستمر في مراحل نموه حتي وفاته, ثم بعثه وحسابه, وخلوده في حياة ابدية مقبلة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا.
(6) خلق السمع والبصر والأفئدة للإنسان, وبث جنسه في مختلف بقاع الأرض.
(7) تبادل الموت والحياة.
أقوال المفسرين
في تفسير قوله( تعالي):
وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض, وإنا علي ذهاب به لقادرون*.
( المؤمنون:18).
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: يذكر الله تعالي نعمه علي عبيده التي لا تعد ولا تحصي في إنزاله القطر من السماء بقدر, أي بحسب الحاجة, لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران, ولا قليلا فلا يكفي الزرع والثمار, بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به,... فسبحان اللطيف الخبير الغفور, وقوله:( فأسكناه في الأرض أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض, وجعلنا في الأرض قابلية إليه, تشربه, ويتغذي به ما فيها من الحب والنوي, وقوله:( وإنا علي ذهاب به لقادرون) أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا, ولو شئنا أذي لصرفناه عنكم إلي السباخ والبراري والقفار لفعلنا, ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقيا لفعلنا, ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلي مدي لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا, ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذبا فراتا زلالا, فيسكنه في الأرض, ويسلكه ينابيع في الأرض, فيفتح العيون والأنهار, ويسقي به الزروع والثمار, تشربون منه ودوابكم وانعامكم, وتغتسلون منه, وتتطهرون منه وتتنظفون, فله الحمد والمنة.
وجاء في باقي التفاسير كلام مشابه تماما لما ذكره ابن كثير, فيما عدا المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزي الله كاتبيه خيرا) والذي أشار في هامشه إلي شئ من ارتباط هذه الآية الكريمة بدورة الماء حول الأرض وأضاف: وتشير هذه الآية إلي الحكمة العالية في توزيع الماء بقدر أي: بتقدير لائق حكيم, لاستجلاب المنافع ودفع المضار.. ثم معني آخر للآية الكريمة يفيد أن مشيئة الخالق ــ جل وعلا ــ اقتضت أن تسكن في الأرض كمية معلومة من المياه في محيطاتها وبحارها تكفي لحدوث التوازن الحراري المناسب في هذا الكوكب, وعدم وجود فروق عظيمة بين درجات حرارة الصيف والشتاء لا تلائم الحياة, كما في بعض الكواكب والتوابع كالقمر... كما أن مياه الأرض أنزلت بقدر معلوم, لا يزيد فيغطي كل سطحها, ولا يقل فيقصر دون ري الجزء البري منها.
وفي الحقيقة أن هذا السبق القرآني بالإشارة إلي أن أصل الماء الذي يمكن أن يستفيد به الإنسان من تحت سطح الأرض هو ماء المطر يعتبر جانبا من جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله, لأن السائد عن ذلك الماء تحت السطحي في كل الحضارات السابقة علي البعثة المحمدية( علي صاحبها أفضل الصلاة وأزكي التسليم) من مثل الحضارة اليونانية القديمة أنه مندفع إلي داخل القارات من ماء البحار والمحيطات عبر هوة سحيقة تخيلوها وأسموها تاتار
(Tatare).
أما أرسطو فقد افترض أن بخار ماء التربة يتكاثف في التجاويف وقد استمرت هذه الافتراضات الخاصة سائدة حتي النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي(1877 م), ولم تتبلور العلاقة بين ماء المطر والماء تحت سطح الأرض إلا أخيرا جدا مع بدايات القرن العشرين, وإن كان برنارد باليسي
BernardPalissy
قد أشار إلي شئ من ذلك في أواخر القرن السادس عشر الميلادي(1580 م) وكذلك ديكارت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
دلالة الآية الكريمة في ضوء المعارف العلمية المكتسبة
الماء سائل شفاف, وهو في نقائه لا لون له ولا طعم ولا رائحة, ويتركب جزيء الماء من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين, وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان زاوية مقدارها105 درجات, مماجعل لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل احدهما شحنة موجبة والآخر شحنة سالبة.
والماء من أهم ضرورات الحياة, فبدونه لا تقوم, ولذلك كان خلق الحياة الباكرة في الماء, وظلت الحياة في الماء منذ3,8 بليون سنة مضت وإلي يومنا الراهن, وحتي يرث الله الأرض ومن عليها, بينما لا يتعدي عمر الحياة الأرضية علي اليابسة أربعمائة مليون سنة. وأجساد الكائنات الحية كلها يغلب علي تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الانسان بين93% بالنسبة للجنين في أشهره الأولي( الثلاثة إلي الأربعة أشهر الأولي من حياة الجنين) إلي71% في الانسان البالغ, هذا بالاضافة إلي أن جميع الأنشطة الحياتية من مثل عمليات تصنيع الغذاء, وهضمه, وتمثيله, وإخراجه, وعمليات الأكسدة والاختزال, والانقسام, والنمو, والتكاثر, وغيرها لا يمكن لها أن تتم في غيبة الماء, فالنبات علي سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق العناصر والمركبات الذائبة في ماء التربة والذي يمتصه ومحاليله بواسطة الشعيرات الجذرية, وترتفع هذه العصارة الغذائية في الأوعية الخشبية للنبات بالقدرة التي أعطاها الله تعالي للماء علي الارتفاع بالخاصية الشعرية, وقدرته علي خاصية التوتر السطحي, كذلك فان عمليات التمثيل الضوئي لا يمكن أن تتم في غيبة
الماء, وبعد الاستفادة بالقدر الكافي من الماء في بناء خلاياه وأزهاره وثماره يطلق النبات الماء الزائد عن حاجته إلي الجو بعمليات عديدة منها النتح والتبخر.
وبالمثل فإن كلا من الانسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب, ويفقد الزائد منه عن حاجته بواسطة العديد من العمليات من مثل التنفس, والعرق, والدموع, والاخراج, وغيرها من الافرازات الجسدية.
من الصفات الطبيعية المميزة للماء
من الصفات الطبيعية التي خص الله( تعالي) بها الماء والتي جعل لها أهمية قصوي للحياة مايلي:
(1) البناء الجزيئي ذو القطبية المزدوجة: يتكون جزيء الماء من ذرتي هيدروجين تحملان شحنة كهربية موجبة وترتبطان بذرة أكسجين تحمل شحنة كهربية سالبة بواسطة رابطتين تساهميتين تشكلان زاوية مقدارها105 درجات وهذا البناء الجزيئي المميز جعل للماء من الصفات الطبيعية والكيميائية مايميزه عن غيره من السوائل والمركبات الهيدروجينية.
(2) درجتا التجمد والغليان: يتجمد الماء عند درجة4 مئوية, ويغلي عند درجة مائة مئوية, ولهاتين الخاصيتين أهمية قصوي لاستمرارية الحياة إذ يبقي الماء سائلا في درجات حرارة أجساد كل الكائنات الحية لتساعد علي إتمام جميع الأنشطة الحيوية ومنها التغذية, وتمثيل الغذاء ونقله الي الخلايا والأنسجة المختلفة وإتمام عملية الأكسدة والاختزال وإخراج الفضلات والنمو والتكاثر وغيرها.
(3) الحرارة النوعية: ويقصد بها كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة جرام واحد من الماء عند درجة4 مئوية بمقدار درجة مئوية واحدة. وهي حرارة نوعية مرتفعة ممايمكن جسم الانسان وأجساد غيره من الكائنات الحية من مقاومة التغيرات الجوية المختلفة بدرجة كبيرة.
(4) الحرارة الكامنة: والحرارة الكامنة لتبخر الماء هي الحرارة اللازمة لتبخير جرام واحد من الماء دون أن تتغير درجة حرارته, وتبلغ540 سعرا حراريا, وكذلك فإن الحرارة الكامنة لانصهار الماء المتجمد( الجليد) أي: كمية الحرارة اللازمة لصهر جرام واحد منه دون أن تتغير درجة حرارته تبلغ80 سعرا حراريا.
وارتفاع قيم الحرارة الكامنة للماء يكسبه مقاومة كبيرة في التحول من الحالة الصلبة إلي السائلة إلي الغازية, وهذه الخاصية تجعل من الماء واحدا من أفضل السوائل المستخدمة في إطفاء الحرائق إذ يستهلك كمية كبيرة من الحرارة. من الوسط الذي يحترق قبل أن ترتفع درجة حرارته, مما يعين علي خفض درجة الحرارة وإلي إطفاء الحرائق.
(5) اللزوجة والتوتر السطحي: وتعرف لزوجة السائل بمقاومته للحركة, أما التوتر السطحي فهو خاصية من خصائص السوائل الساكنة, وفيه يكون السطح الحر للسائل مشدودا ليأخذ أقل مساحة ممكنة, ويتميز الماء بلزوجة عالية نسبيا بسبب انجذاب جزيئاته إلي بعض بفعل الرابطة الهيدروجينية وتزيد هذه اللزوجة بانخفاض درجة حرارة الماء لزيادة قرب جزيئات الماء من بعضها البعض حتي درجة4 مئوية حين تبدأ في التباعد, وتتسبب الرابطة الهيدروجينية في زيادة التوتر السطحي للماء مقارنة بالسوائل الشبيهة.
وهاتان الخاصيتان تساعدان علي مزيد من التماسك بين مواد الخلية الحية, وعلي إكساب الخلايا شكلها الخاص وتساعدان علي امتصاص العصارة الغذائية بواسطة الشعيرات الجذرية وعلي رفعها مقاومة الجاذبية الأرضية إلي الفروع والأوراق وحتي القمم النامية في أعلي النبات بارتفاع يفوق الارتفاع الذي يحدثه الضغط الجوي( حوالي عشرة أمتار), ويعين علي ذلك فقدان الماء من الأوراق بواسطة عمليات النتح والتبخر حيث يصل الضغط المائي أضعاف الضغط الجوي وان كان ذلك يختلف حسب نوع النبات وظروفه البيئية وذلك لكي يستمر ارتفاع العصارة الغذائية من الشعيرات الجذرية عبر السيقان والفروع إلي الأوراق والزهور والثمار.
وتساعد لزوجة الماء وتوتره السطحي أيضا علي إبطاء عملية فقدان الماء من الأوراق عبر ثغورها, ومن أجساد الانسان والحيوان عبر مسام الجلد, وإذا خرج الماء الزائد يبقي علي سطح كل من الأوراق والجلد برهة حيث يتبخر فيبردهما ويكسبهما شيئا من الرطوبة في الجو الحار.
وتساعد خاصيتا اللزوجة والتوتر السطحي المرتفعتان نسبيا للماء في حماية السفن والبواخر المحملة بالأحمال الثقيلة من الغوص في الأعماق وذلك بدفعها إلي أعلي وزيادة قدرتها علي الطفو.
(6) قلة كثافة الماء عند تجمده: من الثابت علميا أن قوة الرابطة الهيدروجينية تتلاشي بين جزيئات الماء بارتفاع درجة حرارته مما يجعل جزيئات الماء منفردة في حالة التبخر, ومزدوجة أو ثلاثية في حالة السيولة حسب درجة الحرارة, وفي حالة رباعية في حالة الجليد الرخو
(Snow)
وفي حالة ثمانية في حالة الجليد الصلب
(Ice)
وفي الحالة الأخيرة يزداد الحيز المكاني الذي تشغله ثماني جزيئات مما يقلل من كثافة الجليد وهي خاصية ينفرد بها الماء لأنها لازمة لحياة الكائنات الحية في المناطق المتجمدة.
من الصفات الكيميائية المميزة للماء
نظرا لتركيبه الجزيئي الفريد فإن الماء يتميز بعدد من الصفات الكيميائية الفريدة, ومن الصفات الكيميائية المميزة التي خص الله تعالي بها الماء مايلي:
(1) مقاومة جزيء الماء للتحلل إلي ذراته: فنظرا للرابطة الهيدروجينية القوية لجزيء الماء, ولوجود الذرات في داخل الجزيء بشكل مائل فإن هذا الجزيء يصعب تحلله إلي ذراته إلا بنسب ضئيلة(11%) وفي درجات حرارة مرتفعة(2700 درجة مئوية), وهذه الخاصية تعين المحاليل الحيوية المختلفة علي البقاء في أجساد الكائنات الحية.
(2) قدرة الماء الفائقة علي إذابة العديد من المواد الصلبة والسائلة والغازية: إن البناء الجزيئي للماء بميل ذراته, وثنائية قطبيته, وروابطه الهيدروجينية جعلت من الماء أعظم مذيب يعرفه الانسان خاصة بالنسبة للمواد المؤينة من مثل الأملاح والقواعد والأحماض ولذلك أطلق عليه اسم المذيب العالمي.
ويذيب الماء ثاني أكسيد الكربون مكونا حمض الكربون بينما يذوب الأكسجين في الماء متخللا جزيئاته, وفي الحالة الأولي تسهل عملية نقل ثاني أكسيد الكربون للاستفادة به في عملية التمثيل الضوئي التي تقوم حياة النباتات عليها, كما تسهل عملية التخلص منه في كل من الانسان والحيوان والنبات, وفي الحالة الثانية يعتبر ذوبان الأكسجين في الماء من ضرورات الحياة للاستفادة به في عمليات التنفس بالنسبة للكائنات التي تعيش في الماء.
(3) قدرة الماء علي الأكسدة والاختزال: يدخل الماء في العديد من عمليات الأكسدة والاختزال, وفي الأولي تفقد العناصر إليكترونا أو أكثر, بينما تكسب ذلك في الثانية, وهي عمليات أساسية في تفتيت الصخور, وتكوين التربة وتركيز الخامات, وإعداد الغذاء لكل من النبات والحيوان والإنسان, وفي أكسدة الدم واختزاله, والدم يتكون أساسا من الماء.
(4) قدرة الماء الفائقة علي التفاعل مع المركبات: يتحد الماء مع أكاسيد الفلزات مكونا إيدروكسيداتها ومطلقا الحرارة, ومع أكاسيد اللافلزات مكونا أحماضا, وهي عمليات مهمة في تفتيت صخور الأرض, وتكوين التربة, وتكوين العديد من الثروات الأرضية وتركيزها.
(5) قدرة الماء المحدودة علي التأين: يتأين الماء بصعوبة إلي أيون الهيدروكسيل السالب, وأيون الهيدروجين الموجب, ويساعد هذا التأين علي إتمام العديد من العمليات الكيمائية اللازمة لاستمرارية الحياة.
(6) قدرة الماء علي تصديع التربة وشقها:
تتكون التربة أساسا من المعادن الصلصالية, وهذه تتكون من صفائح رقيقة جدا أعطاها الله( تعالي) القدرة علي التشبع بالماء( التميؤ) فتتمدد إلي عشرات مرات أطوالها, ويؤدي ذلك إلي تباعد أسطحها عن بعضها البعض, فتهتز وتربو إلي أعلي, وترق رقة شديدة حتي تنشق لتفسح طريقا سهلا للسويقة الطرية المنبثقة من داخل البذرة النابتة, ولولا هذه الخاصية ما أنبتت الأرض, ولا كانت صالحة للعمران وتتمدد صفائح الصلصال بالتميؤ لحملها شحنات كهربية سالبة علي أسطحها, تمكنها من الاتحاد مع الشحنات الموجبة علي جزيء الماء مما يؤدي إلي جذب تلك الصفائح متباعدة عن بعضها البعض. والعكس من ذلك يحدث عند الجفاف حيث تتلاشي الروابط الكهربية بين شحنات صفائح الصلصال وشحنات جزيء الماء عند جفافه فتتشقق الأرض لشقوق سداسية أو قريبة من السداسية مما يعين علي شيء من تهوية التربة
توزيع الماء الأرضي
يعتبر كوكب الأرض أغني كواكب المجموعة الشمسية بالماء ولذا يسميه علماء الأرض باسم الكوكب المائي أو الكوكب الأزرق, وتقدر كمية الماء الأرضي بحوالي1337 مليون كيلو متر مكعب, ويوجد في الحالات السائلة والغازية والصلبة موزعا في البحار والمحيطات, والبحيرات والأنهار والجداول, وغيرها من المجاري المائية, كما يوجد علي هيئة جليد فوق القطبين وعلي قمم الجبال, وعلي هيئة مخزون مائي تحت سطح الأرض, كما يوجد علي هيئة قدر من الرطوبة في كل من التربة والغلاف الغازي للأرض,ويغطي الماء السائل أكثر قليلا من71% من مساحة الأرض, بينما يغطي الجليد نحو9% من مساحتها ويتعذر في الطبيعة وجود ماء نقي تماما, غير أن ماء الأمطار والثلوج المتساقطة تعد من أنقي حالات الماء الطبيعي, ولكنه ما ان يصل الي سطح الأرض حتي يبدأ في إذابة جزء من املاح صخورها ويتوزع الماء الأرضي علي النحو التالي:
دورة الماء حول الأرض
ثبت أخيرا أن كل الماء الموجود علي سطح الأرض قد اندفع إلي سطحها أصلا من داخل الأرض عبر ثورات البراكين, وقد سبق القرآن الكريم بثلاثة عشر قرنا علي الأقل بالإشارة إلي تلك الحقيقة التي يصفها الحق( تبارك وتعالي) في محكم كتابه بقوله( عز من قائل):
والأرض بعد ذلك دحاها* أخرج منها ماءها ومرعاها*( النازعات:30 ـ31)
وعندما بدأ هذا البخار في التصاعد من فوهات البراكين الي الغلاف الغازي للأرض وجد أن الله( تعالي) قد هيأ له سطحا باردا يتكثف عليه في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية( نطاق الرجع)والذي يتميز بتبرده مع الارتفاع حتي تصل درجة حرارته الي ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء, وذلك اساسا نتيجة للبعد عن سطح الأرض الذي يمتص حرارة الشمس ويعيد إشعاعها الي غلافها الغازي.
وعند انخفاض درجة حرارة الهواء المحمل ببخار الماء مع الارتفاع فوق مستوي سطح البحر فان رطوبته النسبية ترتفع نظرا لانخفاض كثافته وبالتالي انخفاض ضغطه, وعندما تبلغ رطوبته النسبية100% فإن ضغطه يساوي ضغط بخار الماء, وتسمي درجة الحرارة تلك باسم نقطة الندي
(DewPoint)
أو درجة حرارة التشبع ببخار الماء.
وانخفاض درجة حرارة الهواء المشبع ببخار الماء بارتفاعه في نطاق التغيرات الجوية الي مادون نقطة الندي يؤدي مباشرة إلي تكثف قطرات الماء منه وانفصالها عنه فتتكون السحب وهي مجموعة من قطيرات الماء المتناهية الضآلة في الحجم( نحو عشرة ميكرون في القطر), وتبدأ في التكون ابتداء من2 كيلو متر فوق مستوي سطح البحر الي نحو8 كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر او أكثر من ذلك.
والهواء المحمل ببخار الماء يتبرد بارتفاعه الي المستويات العليا من نطاق التغيرات الجوية(7 الي16 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر) او باصطدامه بقمم الجبال الشاهقة, أو بالتقائه مع موجة هوائية باردة.
والهواء الجاف يتبرد بمعدل عشر درجات مئوية لكل كيلو متر ارتفاعا فوق مستوي سطح البحر, ويتناقص هذا المعدل الي ست درجات مئوية مع كل كيلو متر ارتفاع في حالة الهواء الرطب, نظرا لتأثير الحرارة الكافية علي تبخر جزء من الماء المحمول مع الهواء الرطب هذا بالاضافة الي ان ارتفاع الهواء الي اعلي يؤدي الي تمدده لوجوده تحت ضغط منخفض, ويؤدي هذا التمدد الي مزيد من الانخفاض في درجة الحرارة تبعا لقوانين تمدد الغازات.
بالاضافة الي انخفاض درجة حرارة الهواء المشبع ببخار الماء الي مادون درجة الندي فإن سقوط ماء المطر يتطلب تكون نويات من البرد( الثلج) او وجود بعض هباءات من الغبار او الاملاح القابلة للذوبان في الماء وهذه تسهم في مزيد من تجميع قطيرات الماء الي بعضها البعض وبالتالي تؤدي الي هطول الأمطار لعجز الهواء عن حمل القطيرات الكبيرة الحجم نسبيا من الماء( من عشري ملليمتر الي نصف ملليمتر في القطر) فتبدأ بالتساقط علي الأرض بفعل الجاذبية
وبسقوط الماء علي سطح الأرض, وعودته إليها ليجري علي سطحها سيولا جارفة, تفتت الصخور, وتشق الفجاج والسبل, وتكون الأودية ومجاري الأنهار والجداول, وتكون التربة, وتركز عددا من ثروات الأرض, ثم تفيض إلي المنخفضات مكونة البحيرات, والبحار والمحيطات, كما يتجمد جزء من هذا الماء علي هيئة طبقات الجليد فوق قطبي الأرض, وفي قمم الجبال العالية, ويتسرب بعض هذا الماء كذلك غير ظاهر( منكشف) الطبقات المسامية والمنفذة الي تحت سطح الأرض, علي هيئة عدد من التجمعات المائية المختزنة في صخور القشرة الأرضية, ويبقي بعضه عالقا بالتربة علي هيئة رطوبة أو بالغلاف الغازي للأرض علي هيئة بخار الماء.
ومن هنا بدأت دورة الماء حول الأرض في ثبات واستقرار يشهدان لله الخالق بطلاقة القدرة, وعظيم الصنعة, وإتقان الخلق, فبفعل حرارة الشمس يتبخر سنويا380.000 كيلو متر مكعب من الماء من الأرض إلي الجزء السفلي من غلافها الغازي, منها320.000 كيلو متر مكعب يتبخر من أسطح البحار والمحيطات, ويتبخر الباقي(60.000 كيلو متر مكعب) من أسطح اليابسة( من الأنهار وغيرها من المجاري المائية, ومن البحيرات, ومن النتح والبخر من أسطح النباتات, وتنفس كل من الانسان والحيوان, والبخر من الخزانات المائية تحت سطح الأرض, ومن رطوبة التربة, وهذا البخار المائي تحمله الرياح وترفعه إلي الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية(7 ـ16 كم فوق مستوي سطح البحر) حيث يتكثف مابه من بخار الماء ويعود مرة أخري إلي الأرض مطرا, أو ثلجا, أو بردا, أو ضبابا أو ندي, ليعاود الكرة مرة أخري ليتم دورة الماء حول الأرض.
ومن سمات أحكام تلك الدورة أن مجموع كمية المطر النازلة علي أسطح البحار والمحيطات سنويا(284.000 كيلو متر مكعب) يقل عما يتبخر منها بحوالي36.000 كم3, ومجموع كمية المطر الساقطة علي اليابسة سنويا(96.000 كم3) تزيد بنفس الكمية(36.000 كم3), عن مجموع كمية البخر من سطح اليابسة(60.000 كم3) وهذه الزيادة تفيض إلي البحار والمحيطات حتي يبقي سطح الماء بها ثابتا في الفترة الزمنية الواحدة, ولولا دورة الماء حول الأرض لفسد كل ماء الأرض, ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار, ولبرودة مجمدة بالليل.
خزانات الماء تحت سطح الأرض.
تنقسم خزانات الماء تحت سطح الأرض إلي نوعين رئيسيين كما يلي:
(1) خزانات ماء مالح أو شديد الملوحة: وهذا الماء محتبس بين مسام الصخور الرسوبية المتجمعة في البحار القديمة التي كانت تغمر مساحات كبيرة من يابسة اليوم وانحسرت عنها, وبقي هذا الماء المالح بل الشديد الملوحة في بعض الأحيان محصورا بين حبيبات تلك الصخور الترسيبية القديمة لملايين السنين حيث تزداد ملوحته باستمرار تعرضه لشيء من التفاعلات الكيميائية( من مثل إذابة المزيد من الأملاح) والفيزيائية( من مثل البخر).
وهذاالماء المالح عادة ما يوجد علي أعماق بعيدة نسبيا من سطح الأرض, ومن أمثلته الماء المصاحب للنفط في مكامنه.
(2) خزانات ماء قليل الملوحة إلي متوسط الملوحة.
وهو ماء متجمع من ماء المطر النازل من السماء( بمتوسط ملوحة دون20 جزءا في المليون) علي طبقات من الصخور المسامية والمنفذة فيتحرك ماء المطر فيها بفعل الجاذبية الأرضية أولا متجها إلي الأسفل أي: الي مستويات أدني من سطح الأرض حيث تزداد ملوحته بالتدريج, وتستمر هذه الحركة الرأسية للماء حتي تتضاءل المسامية والنفاذية, وهنا يبدأ ماء المطر في التحرك جانبيا فوق طبقات قليلة المسامية والنفاذية( أو عديمتهما) لتكون خزانا مائيا تحت سطح الأرض, وإن كانت الطبقات مائلة فإن الماء يتحرك في اتجاه ميل الطبقات حتي يصل الي الماء المالح المحصور بين حبيبات الرسوبيات التي تجمعت في البحار القديمة السابقة التي انحسرت عن الأرض منذ ملايين السنين, فيتجمع الماء القليل الملوحة طافيا فوق الماء المالح والشديد الملوحة للفرق بين كثافة الماءين.
ولولا مسامية ونفاذية بعض صخور الأرض, ما تجمع ماء المطر, ولا أسكن في الأرض, ولولا التغيرات الرأسية والجانبية في كل من المسامية والنفاذية ما أمكن خزن أي من ماء المطر, ولا أمكن اسكانه في صخور الأرض علي هيئة مكامن مائية لآلاف بل لعشرات الآلاف من السنين إن لم يكن لملايين السنين في بعض الأحوال, حتي يستفيد به أجيال من الخلق خزنه الله( تعالي) لهم بعلمه وقدرته وحكمته...!!!
ولولا حفظ هذه المكامن المائية من أخطار الحركات الأرضية من مثل الخسوف والتصدعات الأرضية, والثورات البركانية, والمتداخلات النارية ما بقيت تلك المكامن المائية بل دمرت بالكامل, ولذلك قال ربنا( تبارك وتعالي):
... وإنا علي ذهاب به لقادرون( المؤمنون:18)
وقال( عز من قائل): قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين( الملك:30)
وقد يغور الماء المخزون في صخور القشرة الأرضية بتكون الصدوع والخسوف الأرضية, كما قد يغور بالضخ المفرط الزائد عن معدل تدفق الماء إلي البئر, وفي الحالتين لا يحفظ الماء في صخور الأرض أو يعوضه إذا غار الا رب العالمين. ويخرج الماء من تحت سطح الأرض بقوة وعنف اذا كان واقعا تحت ضغوط عالية, وقد يخرج بطريقة طبيعية علي هيئة العيون والينابيع الطبيعية, التي قد تشارك في تغذية بعض الأنهار أو البحيرات ولكن اذا كان الماء تحت سطح الأرض تحت ضغوط منخفضة فإنه لا يمكن الوصول اليه الا بتشقق الأرض عنه أو بالحفر عليه.
ويصف القرآن الكريم هاتين الحالتين بقول الحق( تبارك وتعالي):... وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار, وإ ن منها لما يشقق فيخرج منه الماء...( البقرة:74)
وتتراوح مسامية الصخور الخازنة للماء تحت سطح الأرض بين20% و30% وإن تدنت في بعض الحالات إلي5% أو زادت الي60%, وتختلف درجة اتصال هذه الفراغات مع بعضها البعض باختلاف الصخور, وتعرف هذه الخاصية باسم النفاذية, ويستدل بها علي قدرة الصخور في إنفاذ السوائل من خلالها, علما بأن حركة السوائل في الصخور بطيئة بصفة عامة, وإن كانت في حركة دائبة. ولولا هذا الاعداد المتقن لصخور الأرض, وتمايزها في مساميتها ونفاذيتها, وظهور تلك الطبقات المنفذة علي سطح الأرض, وتبادلها مع طبقات مصمتة أو غير منفذة, ولولا الأحكام الشديد في دورة الماء حول الأرض, ولولا اخراج هذا الماء أصلا من داخل الأرض ما أمكن لهذا الكوكب أن يكون صالحا للحياة من أي شكل ولون, ولذلك يمن علينا ربنا( تبارك وتعالي) بقوله( عز من قائل):
وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا علي ذهاب به لقادرون.( المؤمنون:18)
وهي حقائق تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق, كما تشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة, لأنه لم يكن لأحد في زمن البعثة المحمدية الشريفة ولا لقرون متطاولة من بعدها إلمام بأي من تلك الحقائق, فسبحان منزل القرآن بعلمه, والصلاة والسلام علي خاتم أنبيائه ورسله, وعلي كل من تبع هداه ودعا بدعوته, واستن بسنته, والحمد لله رب العالمين
-
(43) أفرأيتم الماء الذي تشربون*
أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون*
لونشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون*
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هذه الآيات الكريمة جاءت قبل بداية الربع الأخير من سورة الواقعة مباشرة, وهي سورة مكية, وعدد آياتها ست وتسعون, ويدور محورها الرئيسي حول قضية البعث والرد علي منكريه, وسميت باسم الواقعة لاستهلالها بذكر وقوع القيامة بما فيها من أهوال, والتأكيد علي حتمية وقوعها والإشارة إلي عدد من الأحداث الجسام المصاحبة لها, ومنها تبديل أقدار الناس برفع أفراد منهم, وخفض آخرين, ومنها زلزلة الأرض زلزلة شديدة, وبس الجبال وتفتيتها, وذرو فتاتها, وغير ذلك من أحداث جسام...!!!
وعقبت الآيات بأن الخلق في ذلك اليوم الرهيب منقسمون إلي سابقين وهم ندرة نادرة, وأهل يمين وهم قلة قليلة, وأهل شمال وهم كثرة كاثرة, واصفة جزاء كل صنف منهم هذا الجزاء المتباين بين التكريم لكل من السابقين وأهل اليمين تكريما يتناسب وماقدموه في الحياة الدنيا من إيمان وأعمال صالحة, وجزاؤهم الخلود في جنات النعيم بمنازلها المتعددة, وبين إهانة وتحقير يتناسبان مع أعمال أهل الشمال وكفرهم, وعصيانهم, وإنكارهم للبعث, وتجبرهم علي الخلق مما أوجب لهم العذاب الشديد الذي سيخلدون به في جهنم أبدا...!!
وهذا الاستعراض القرآني بوصف كل من أهل الجنة وأهل النار يؤكد حتمية مصائر الموصوفين كما وصفهم بأسلوب يجعل الآخرة هي الواقع القائم, ويجعل الدنيا كأنها الماضي الفائت...احتقارا لشأنها, وتهوينا من أمرها, وتأكيدا أن الزمن من خلق الله, والمخلوق لايحد الخالق أبدا, هذا الخالق العظيم الذي يقع كل من الماضي والحاضر والمستقبل منه( سبحانه وتعالي) موقف الحاضر القائم, فلا يغيب شيء عن علمه....!!
وأشارت السورة الكريمة إلي عدد من آيات الله في السموات والأرض, وفي خلق الإنسان وإماتته, وذلك في مقام إقناعه بحتمية البعث, والشهادة لله الخالق, المحيي المميت, الباعث, الشهيد بطلاقة القدرة, وبالألوهية,والربوبية, والوحدانية,وبعبودية خلقه له( سبحانه وتعالي), وخضوعهم لأوامره, والمداومة علي عبادته, وطاعته, وتسبيحه, وتمجيده, وتقديسه, وتنزيهه( جل وعلا) عن كل وصف لايليق بجلاله( من قبيل ما وقع فيه الخاطئون من نسبة الولد أو الزوجة, أو الشريك أو الشبيه أو المنازع له في سلطانه, وكلها صفات بشرية تتنافي مع جلال الربوبية وعظمة الألوهية).
وعلي ذلك تقسم الآيات الكريمة بمواقع النجوم ـــ وهو قسم بالقطع عظيم, وإن كان أغلب الناس لايدركون قدره ـــ علي أن القرآن كتاب كريم, مصون بأمر الله تعالي لايمسه إلا المطهرون, أنزله الله بعلمه, وحفظه بقدرته هداية للعالمين...!!
وتنعي سورة الواقعة علي كل من الكافرين والمشركين تكذيبهم لوحي القرآن الكريم, ورفضهم التسليم بأنه كلام رب العالمين, مما دفع بهم إلي الإعراض عنه, وعن هدايته الربانية, وفي مقام التحذير من ذلك, تذكر السورة بمصائر الخلق يوم القيامة,والذي استهلت به مطلعها... فتعاود تذكير الناس بمشهد الاحتضار, وحشرجة الصدر, وبلوغ الروح الحلقوم, والأهل والأصدقاء حول المحتضر, لايملكون له شيئا, ولايستطيعون لكربه كشفا,ولا لموته دفعا.. والله( تعالي) مطلع علي المحتضر وعليهم, عالم بأحواله وأحوالهم, وهو أقرب إليه منهم, ولكنهم لايدركون ذلك ولايحسونه..!!
وفي مشهد الاحتضار هذا يبشر الصالحون, ويتوعد الكفار والمشركون كل بمصيره في الآخرة.. فأما إن كان من السابقين المقربين فله من الله( تعالي) كل راحة هنيئة, ورحمة واسعة, وبشري بالخلود في جنات النعيم التي يطلعه الله تعالي علي منزلته فيها لحظة نزعه, وأما إن كان من أصحاب اليمين فتسلم عليه الملائكة وتبشره بأنه من أهل اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين.. فله الوعيد الحق بالخلود في نار جهنم, في نزل من حميم, وتصلية جحيم إلي أبد الآبدين...!!
وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد أن كل ما ورد فيها من أمور هو حق مطلق, ويقين ثابت, لايداخله أدني شك, لأنه كلام رب العالمين الذي أنزله بعلمه, وحفظه بحفظه, والذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وتقفل السورة الكريمة بأمر من الله( تعالي) إلي خاتم أنبيائه ورسله( وهو أمر للخلق كافة) أن يداوم علي تسبيح الله, وذكر اسمه العظيم بالتمجيد والتقديس مع التنزيه عن كل نقص, وكل وصف لايليق بجلال ربوبيته, وألوهيته, ووحدانيته, وتفرده بالسلطان في ملكه, بغير شريك, ولاشبيه, ولامنازع, وهذا هو معني التسبيح وهو الذكر الدائم لجلال الله بكل اسم, ووصف, وفعل نسبه(تعالي) لذاته العليه, وهو من صور الشكر لله علي عظيم نعمائه.
والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الواقعة آيات عديدة نختار منها:
(1) إيجاد الإنسان من العدم, وخلقه من مني يمني في مراحل متتابعة أثناء نشأته الجنينية, حتي ميلاده, ونموه, ووفاته ثم بعثه للخلود في حياة أبدية قادمة.
(2) حتمية الموت علي جميع المخلوقين, وتسلسل الخلق من بعدهم إلي يوم الدين مما يؤكد حتمية البعث.
(3) إنبات الأرض بمختلف الزروع, وهو صورة من صور إنشاء الحياة بيد القدرة الإلهية المبدعة, وإنبات الأرض أمر معجز, ولو شاء الله( تعالي) ألا تنبت ما أنبتت, ولو شاء أن تنبت ولاتثمر ما أثمرت, ولو شاء أن تنبت وتثمر وألا يمكن الخلق من ثمارها لفعل بتهشيم النبات وإفنائه قبل نضج الثمار.
(4) إنزال الماء من السحاب المشبع ببخار الماء.. عذبا, زلالا, طيبا, ولو شاء لأنزله مالحا أجاجا, لايستساغ له طعم, ولاتصلح به حياة.
(5) إعطاء الشجر الأخضر إمكانية خزن جزء من طاقة الشمس علي هيئة عدد من الروابط الكيميائية التي تشكل كل صور الوقود للإنسان علي سطح الأرض وفي داخلها, والوقود هو مصدر النار, والنار مصدر من مصادر الطاقة.
(6) الإشارة إلي المسافات الشاسعة التي تفصل النجوم عنا وعن بعضها البعض تعبيرا عن عظمة الكون, وتأكيدا للحقيقة القاطعة التي لم تدرك إلا في القرن العشرين, والتي مؤداها ان الإنسان لايمكن له ان يري النجوم من مكانه علي الأرض أبدا نظرا لضخامة أبعادها عنا, وسرعة تحركها في أفلاكها, ولكنه يري مواقع مرت بها تلك النجوم.
(7) عجز الخلق أجمعين عن إنقاذ محتضر يعاني سكرات الموت.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها, وسوف أناقش هنا النقطة الرابعة فقط ألا وهي إنزال الماء من السحاب المشبع ببخار الماء عذبا, زلالا, طيبا...!!( الآيات:68 ـ70 من سورة الواقعة) وقبل الخوض في ذلك أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة تلك الآيات الكريمة.
أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالي:
أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون* الواقعة:68 ـ70
ذكر ابن كثير رحمه الله مانصه:( أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن, يعني السحاب,( أم نحن المنزلون), يقول بل نحن المنزلون,( لو نشاء جعلناه أجاجا) أي زعافا مرا لايصلح لشرب ولا لزرع,( فلولا تشكرون) أي فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا,( لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) روي ابن أبي حاتم, عن جابر, عن أبي جعفر, عن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته, ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا
وذكر باقي المفسرين كلاما مشابها لا أري داعيا لتكراره.
الماء في القرآن الكريم
وردت كلمة ماء في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة, وهي لفظة تدل علي المفرد والجمع معا, هذا عدا خمس مرات وردت فيها لفظة ماء بمعني النطفة. أو ماء التناسل.وتشير الآيات(68 ـ70) من سورة الواقعة إلي حقيقتين مائيتين مهمتين: أولاهما إنزال ماء المطر من المزن[ جمع مزنة وهي السحابة البيضاء أي المشبعة بقطيرات الماء أو المضيئة أي المليئة بالبرق أو الممطرة].
وثانيتهما: إنزال ماء المطر عذبا زلالا, ولو شاء الله تعالي لجعله ملحا أجاجا أي مالحا مرا, والعباد لا يشكرون الله علي نعمائه...!!
والماء هو سر من أسرار الحياة, وأصل من أصولها التي لايمكن لها أن توجد بدونه, وهكذا قدر الخالق العظيم, فجعل الأرض أغني الكواكب المعروفة لنا ثراء بالماء, فأنشأه من عناصره وأخرجه من داخلها, ليتكثف ويعود إليها مطرا, وبردا, وثلجا, يفتت صخورها, ويشق الفجاج والسبل فيها, ويكون تربتها, وصخورها الرسوبية, ويركز أعدادا من الثروات المعدنية فيها, ويجري علي سطحها سيولا جارفة, وأنهارا متدفقة, وجداول جارية لينتهي به المطاف إلي منخفضات الأرض مكونا البحيرات والبحار والمحيطات, كما يتسرب إلي ما دون قشرة الأرض ليكون عددا من الخزانات المائية تحت سطح الأرض, أو يرطب كلا من تربتها والأجزاء الدنيا من غلافها الغازي, أو يتجمع علي هيئة سمك متفاوت من الجليد علي قطبي الأرض وفوق قمم الجبال الشاهقة.
وقد اقتضت مشيئة الخالق( سبحانه وتعالي) أن يسكن في الأرض كمية محدودة من الماء في محيطاتها, وبحارها, وبحيراتها, وأن يجري هذا الماء في أنهارها وجداولها, وأن يختزن بعضه في الطبقات المسامية والمنفذة من قشرتها, وفي بعض الصخور المتشققة من صخور تلك القشرة الأرضية, ليخرجه علي هيئة العيون والينابيع, وأن يحتبس جزءا آخر علي هيئة الجليد فوق القطبين وفي قمم الجبال وهذا كله بالقدر المناسب بغير زيادة ولا نقصان, والكافي لمتطلبات الحياة علي الأرض بالضبط, وهذا التوازن الحراري المناسب في غلافها الغازي القريب من سطحها, وعدم وجود فروق كبيرة بين درجات حرارة كل من الشتاء والصيف بما يلائم مختلف صور الحياة الأرضية, وهذا القدر الموزون من الماء لا يزيد عن حجم معين(1337 مليون كيلومتر مكعب) فيغطي كل سطح الأرض, ولا ينقص عن ذلك فيقصر دون متطلبات الحياة علي سطحها.
كذلك اقتضت إرادة الخالق( تبارك اسمه) أن يحرك هذا الماء كله في دورة معجزة كي لا يفسد, فتبخر حرارة الشمس منه في كل عام380,000 كيلومتر مكعب منها320,000 كم3 من أسطح البحار والمحيطات,60,000 كم3 من الكتل المائية علي اليابسة ومن تنفس وعرق وإخراج كل من الإنسان والحيوان, ونتح النباتات.
وهذا البخار يتصاعد في نطاق التغيرات الجوية المحيط بالأرض والذي جعل له الخالق( سبحانه وتعالي) خاصية التبرد بالارتفاع حتي تصل درجة حرارته إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء, فيتكثف بخار الماء فيه, ويعود للأرض مطرا, وهكذا دواليك...!!
وينزل علي الأرض في كل سنة380,000 كم3 من ماء المطر,284,000 كم3 علي البحار والمحيطات, و96,000كم3 علي اليابسة والفارق بين كمية المطر وكمية البخر علي اليابسة يفيض إلي البحار والمحيطات للمحافظة علي منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية محددة, ونزول المطر من السحب لايزال أمرا غيبيا, يصعب تفسيره من الناحية العلمية, وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأنه يتم بواسطة عدد من التفاعلات الطبيعية غير المعروفة بالتحديد, من بينها حركات الرياح الأرضية, وإمكانية إثارتها لقدر من الغبار الدقيق من سطح الأرض, والذي يبقي( لدقته المتناهية) عالقا في نطاق التغيرات المناخية المحيط بالأرض لفترات طويلة, ومن بينها الشحنات الكهربية في السحابة الواحدة أو في السحب المتصادمة, ومنها اختلاف درجات الحرارة ونسب الرطوبة في تلك السحب المتصادمة, ومن بينها أثر الرياح الشمسية علي أجواء الأرض, وغير ذلك من التفاعلات. وتحتوي السحب علي حوالي2% فقط من الماء الموجود في الغلاف الجوي للأرض( والذي يقدر بحوالي15,000 كم3) ويوجد علي هيئة قطيرات متناهية الضآلة في أحجامها( في حدود المايكرون الواحد في أقطارها), وتلتصق هذه القطيرات الدقيقة بالهواء للزوجتها, وذلك في السحب غير الممطرة أي السحب العادية التي تحملها الرياح ولا تسقط مطرا علي الأرض إلا إذا تم تلقيحها بامتزاجها بسحابة تختلف عنها في درجة حرارتها( إحداهما ساخنة والأخري باردة), أو بواسطة عدد من الجسيمات الدقيقة بهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض وتلقح بها السحب فتعين بإذن الله علي إنزال الماء منها...!! وعلي ذلك فإن إنزال المطر يبقي ـ في الحقيقة ـ سرا من أسرار الكون لايعلمه, ولا يرتبه إلا الله, وإن جاهد العلماء في محاولة فهم كيفية إنزال المطر من السحب المحملة بقطيرات الماء... ولفهم ذلك لابد أولا من فهم كيفية إنشاء السحب بصفة عامة, والسحب الممطرة بصفة خاصة, وهي عملية خارجة تماما عن طاقة القدرة الإنسانية مهما تطورت معارف الإنسان وارتقت تقنياته.
تفسير العلوم المكتسبة لكيفية إنشاء السحب الممطرة( المزن)
المزن( أو السحب المزينة) جمع مزنة وهي السحابة البيضاء أي المشبعة بقطيرات الماء, ويطلق التعبير كذلك علي السحابة المضيئة أي المصاحبة بالبرق, وكلاهما من السحب الممطرة مما جعل ذلك وصفا للمزن, وذلك لأنه ليست كل السحب ممطرة. وتري العلوم المكتسبة أن إنشاء السحب يتم بإذن الله كنتيجة لتكثيف بخارالماء المتصاعد من الأرض إلي مختلف مستويات نطاق الرجع( نطاق التغيرات الجوية الذي يرتفع لمسافة فوق مستوي سطح البحر تتراوح بين7 كم, و16 كم) خاصة في الأجزاء العليا منه, وذلك علي هيئة قطيرات دقيقة جدا من الماء يتمكن الغلاف الغاري للأرض في هذا النطاق من حملها لضآلة كتلتها. وتلعب الرياح دورا مهما في تكوين السحب, والرياح ظاهرة جوية مرتبطة بالتفاعل بين الكتل الهوائية المختلفة, وهي دافئة ورطبة فوق المحيطات المدارية, وحارة جافة فوق الصحاري, وباردة جافة فوق المناطق القطبية, وتتداخل هذه الكتل الهوائية مع بعضها البعض بفعل حركة الرياح, وبذلك تتكون السحب والأعاصير وغير ذلك من المظاهر الجوية.
هذا علي المستوي الشمولي لكوكب الأرض, الا أن التضاريس المحلية تعقد من تلك الصورة بعض الشيء.
وعندما يسخن الهواء في منطقة ما بملامسته لسطح الأرض بحيث يصبح أدفأ من كتل الهواء المحيطة به, فإنه يتمدد وبتمدده تقل كثافته ويتناقص ضغطه فيرتفع إلي أعلي, ومع الارتفاع يتناقص ضغطه أكثر, وتنخفض درجة حرارته( لبعده عن مصدر الدفء وهو سطح الأرض الذي يمتص حرارة الشمس ويعاود إشعاعها), ويزداد تبرد كتلة الهواء بازدياد ارتفاعها في نطاق التغيرات الجوية( الرجع) مما يصل برطوبتها الي درجة التشبع فتتكثف وبتكثفها تتكون السحب, وقد تسقط الأمطار والثلوج.
كذلك فإن الفرق في درجات الحرارة بين اليابسة والماء يؤدي إلي تسخين كتل الهواء فوق اليابسة في فصل الصيف, وبالتالي يعينها علي الارتفاع إلي أعلي كي تحل محلها كتل باردة من فوق ماء البحر( نسيم البر والبحر) لتكون دورة أفقية للهواء تنتج عنها السحب علي طول السهل الساحلي للبحر وكذلك الحال في اختلافات درجة الحرارة بين التضاريس الأرضية المتعددة( كدورة الرياح بين الجبال والأودية والأغوار) وهذه الرياح الأفقية قد تعترضها دفقات رأسية بفعل تيارات الحمل مما قد يؤدي إلي حدوث دوامات اضطراب تكون سحبا موجية غير منتظمة قد تصحبها رياح عاصفة ومدمرة في بعض الأحيان.
والمكونات الأساسية للسحب هي الهواء الرطب, والتبرد, والرياح التي تحمل مزيدا من الهواء الرطب للسحب المكونة, وتوفر عددا من نويات التكثف, وهي هباءات دقيقة من الغبار أو من بعض المركبات الكيمائية التي لها جاذبية لبخار الماء من نقل كبريتات النوشادر, أو بعض دقائق الأملاح المتصاعدة مع بخار الماء, وبغياب أي من هذه الشروط لا تتكون السحب, وتبقي الرياح عقيمة, أو تتكون السحب ولكنها تكون سحبا غير ممطرة, وبذلك يتضح أن تكون السحب وهطول الأمطار من الأمور الخارجة عن نطاق القدرة الإنسانية, وللسحب أنواع عديدة, ولكن القليل منها هو الممطر( المزن) ومن هذه الأنواع مايلي:
(1) السحب الركامية وهي سحب رأسية ذات قمم سامقة علي هيئة السلاسل الجبلية وتتميز بسمك كبير قد يصل الي أكثر من15 كم, وتشبه في هيئتها جبال الأرض, وقد تتطور الي مايعرف بالسحب الركامية المزنية( أي الممطرة) وهي النوع الوحيد المعروف بين السحب بمصاحبة ظواهر حدوث كل من الرعد والبرق وتكون البرد, وذلك بسبب سمكها الكبير, وبرودتها الشديدة.
والسحاب الركامي( المركوم) هو السحاب المتراكم بعضه علي بعض, ويتكون بفعل الرياح التي تسوق قطعا من السحب الصغيرة الي مناطق محددة تلتقي وتتجمع فيها مما يؤدي إلي زيادة ركمها أفقيا ورأسيا وبالتالي تؤدي إلي زيادة سمكها وإلي تكديس كميات كبيرة من بخار الماء فيها, وزيادة قدرتها علي إنزال المطر, بإذن الله ومن المشاهد أنه عندما تلتحم سحابتان أو أكثر فإن تيار الهواء الصاعد داخل السحابة يزداد بصفة عامة, مما يساعد علي جذب مزيد من بخار الماء إلي قلب السحابة من قاعدتها, وهذا بدوره يزيد من الطاقة الكامنة لتكثف بخار الماء والتي تساعد هي الأخري علي زيادة سرعة التيار الهوائي الصاعد دافعا بهذا التجمع المركوم الي ارتفاعات أعلي, خاصة وسط التجمع حيث تكون التيارات الصاعدة أقوي ماتكون فتظهر كالنافورة المتدفقة الي أعلي بالماء, أو كالبركان الثائر الذي يدفع بزخات الحمم والدخان الي مئات الأمتار فوق فوهته.
وفي السحب الركامية الشاهقة الارتفاع تتساقط حبات المطر من قاعدة السحابة, بينما ـ يتجمع في وسطها خليط من الماء شديد البرودة وحبات البرد المتفاوتة الجرم, وفي قمتها تغلب بللورات الثلج والبرد.
وهذا هو السحاب الركامي المزني الذي يصاحب عادة بحدوث كل من الرعد والبرق, وتنزل زخات مطر من الماء أو البرد أو كليهما معا, عندما تصبح كتل تلك القطيرات فوق حدود احتمال السحابة, وتصبح الرياح الرأسية غير قادرة علي الاستمرار في دفعها الي اعلي خاصة ان بعض حبات البرد قد تصل الي حجم البرتقالة المتوسطة الحجم.
(2) السحب الطباقية: وهي سحب أفقية منبسطة تمتد علي هيئة طبقة أو عدد من الطبقات القليلة السمك نسبيا, وقد تمتد أفقيا إلي مئات الكيلومترات, ورأسيا إلي عدة مئات الأمتار, وهي غير مصاحبة بمظاهر الرعد والبرق, ولا يتكون فيها البرد نظرا لانتشارها الافقي الكبير, وقلة سمكها, وضعف التيارات الرافعة فيها.
وهذا النوع من السحب غالبا مايتكون بفعل التقاء جبهات الكتل الهوائية, أو بارتطامها بكتل السلاسل الجبلية حيث تقوم الجبال برفع تلك الرياح الأفقية المحملة ببخار الماء إلي أعلي بمعدلات خفيفة ولكنها واسعة الانتشار, حيث تتبرد, ويبدأ بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات دقيقة حول نوي التكثف, وقد يحدث شيء من الركم في أثناء هذه العمليات ولكنه لايصل في السمك او الارتفاع الي مستوي السحب الركامية.
وإذا نمت قطيرات الماء الي الحجم الذي يسمح لها بالهطول مطرا من هذا النوع من السحب سمي باسم المزن الطباقية وسميت أمطارها باسم الأمطار التضاريسية إذا كانت ناتجة عن الاصطدام بالسلاسل الجبلية, أو باسم الأمطار الجبهية إذا كانت ناتجة عن اختلاط جبهات الكتل الهوائية وكلاهما من أغزر الأمطار هطولا وأطولها مدة.
وبتكون قطرات الماء في داخل السحابة الطباقية تبدو رمادية اللون معتمة, واذا بدأ المطر في الهطول منها تتعرج قاعدة تلك المزن الطباقية وتبدو اسفنجية المظهر لتفرق أماكن نزول المطر منها, وقد يؤدي ذلك الي تفرق السحابة ذاتها الي كتل تتباعد عن بعضها البعض علي هيئة سحاب طبقي متوسط أو إلي أجزاء متناثرة من ذلك حتي تتلاشي السحابة بالكامل.
وكما تقسم المزن( السحب الممطرة) علي أساس من شكلها( أو هيئتها) الي مزن ركامية ومزن طباقية فإنه يمكن أن تقسم علي أساس من العوامل الفاعلة في إنشائها وتكوينها إلي: مزن جبهية, ومزن تضاريسية ومزن حملية, كما يمكن تصنيف تلك الأنواع علي أساس من ارتفاعها فوق مستوي سطح البحر إلي مزن منخفضة, مزن متوسطة الارتفاع ومزن عالية ويمكن دمج كل هذه التقسيمات معا, كما يمكن تقسيم السحب غير الممطرة علي نفس المنوال, وإن كانت السحب العالية يطلق عليها أحيانا اسم سمحاق وهناك السمحاق الركامي والسمحاق الطبقي وأي من هذه الأنواع إذا كان كثيف المطر سمي معصرا
وهذه المعصرات وصفها القرآن الكريم بقول الحق( تبارك وتعالي):
وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا( النبأ:14)
وكل من السحب الركامية الممطرة, والطباقية الممطرة والمعصرات يجمع تحت مسمي المزن أو السحب الممطرة, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون
(الواقعة:69)
إنزال ماء المطر من المزن
تتكون المزن أو السحب الممطرة بارتفاع الهواء المحمل ببخار الماء إلي الأجزاء العليا من نطاق الرجع( نطاق التغيرات الجوية), وهذا النطاق تثرية دورة الماء حول الأرض باستمرار ببخار الماء المتصاعد من فوهات البراكين, ومن تبخر الماء بواسطة أشعة الشمس من أسطح البحار, والمحيطات, والبحيرات, والأنهار, وغير ذلك من التجمعات والمجاري المائية الأخري, ومن نتح النباتات وتنفس كل من الإنسان والحيوان وإفرازاتهما:
وبصعود هذا البخار إلي الطبقات العليا من نطاق الرجع حيث تتناقص درجة الحرارة باستمرار, وبتناقص الضغط يتكثف هذا البخار علي هيئة قطيرات دقيقة جدا من الماء وتتكون السحب, وتتابع هذه العملية بتكثيف مزيد من بخار الماء علي القطيرات التي سبق تكونها مما يؤدي إلي زيادتها حجما وكتلة حتي تسقط علي هيئة زخات من المطر.
وتلعب الرياح دورا مهما في عملية تجميع قطيرات الماء في السحب وذلك حسب درجة رطوبتها, ودرجة حرارتها, وقوة اندفاعها, وكم نوي التكثف فيها من هباءات الغبار, ودقائق الأملاح, وبلورات الثلج الدقيقة.
ومن العوامل المساعدة علي إنزال الأمطار من المزن ما يلي:
أولا: درجة الرطوبة في الجو: ويعبر عنها بأي من التعبيرات التالية:
1ـ الرطوبة المطلقة: وهي كتلة بخار الماء في وحدة حجم من الهواء.
2ـ الرطوبة النوعية: وهي كتلة بخار الماء في كتلة من الهواء.
3ـ الرطوبة النسبية: وهي النسبة المئوية بين كمية بخار الماء الموجودة في حيز معين من الهواء وبين الكمية اللازمة لتشبعه ببخار الماء عند نفس درجة الحرارة والضغط في هذا الحيز.
وعند تشبع الهواء ببخار الماء عند درجة حرارة وضغط معينين فإنه لا يستطيع حمل مزيد من هذا البخار عند نفس درجة الحرارة والضغط.
ولكن كلما زاد ارتفاع درجة الحرارة زادت قدرة الهواء علي مزيد من التشبع ببخار الماء, وكلما انخفضت درجة الحرارة قلت قدرة الهواء علي التشبع ببخار الماء.
ثانيا: إنشاء السحب: يعرف السحاب بأنه كتلة من الهواء المشبع ببخار الماء إلي حد تكثيف بعض هذا البخار علي هيئة تجمعات دقيقة لقطيرات الماء أو بلورت الثلج أو منهما معا, وإذا تجمع ذلك بالقرب من سطح الأرض سمي ضبابا عند ارتفاع الهواء المحمل ببخار الماء إلي المستويات العليا من نطاق الرجع(7 ـ16كم فوق مستوي سطح البحر) تنخفض درجة حرارته, ويزداد تخلخله, فيقل ضغطه, وبالتالي تقل قدرته علي التشبع ببخار الماء, فينفصل البخار الزائد عن درجة التشبع علي هيئة قطيرات من الماء تظل تنمو حجما وكتلة بتكثف مزيد من البخار عليها بالتدريج حتي تسقط مطرا. وذلك لأن كلا من الانخفاض في درجة الحرارة والضغط يرفع من الرطوبة النسبية للهواء, وعندما تصل تلك الرطوبة النسبية إلي100% فإن ضغط هذا الهواء المشبع ببخار الماء يساوي ضغط بخار الماء عند نفس درجة الحرارة والضغط, وتسمي درجة الحرارة في هذه الحالة باسم نقطة الندي
(DewPoint)
أو باسم درجة حرارة التشبع
(SaturationPointtemperature)
وأي انخفاض في درجة الحرارة الجوية إلي ما دون تلك النقطة يؤدي إلي تكثف قطيرات الماء من جسم السحابة وانفصالها عما بالسحابة من هواء.
وكما سبق وأن أشرنا فإن للسحب بناء دقيقا, جعل منها نسقا يمكن التعرف عليها, وأنواعا محددة منها, فالسحب الطباقية
(Stratiformorlayeredclouds)
التي تتكون من راقات تمتد لمئات من الكيلومترات المربعة تعكس الارتفاع المنتظم للهواء المشبع ببخار الماء عبر مساحات كبيرة, بينما السحب الركامية
(cumuliformorheapclouds)
المتجمعة علي هيئة أكوام مكدسة فوق بعضها البعض بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بالأودية والأخاديد تعكس الارتفاعات المتعددة للهواء المشبع ببخار الماء من أماكن متفرقة, واستمرار تدفق الهواء المشبع ببخار الماء إلي أعلي يؤدي إلي زيادة إرتفاع منسوب تجمع السحب, وإلي زيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها, ومن ثم زيادة إمكانية هطول المطر منها, وعلي ذلك فإن من الملاحظ أن أغزر الأمطار, وأوسعها انتشارا( وكذلك الحال مع نزول الجليد) يكون عادة من السحب الطباقية, وأن الزخات الخفيفة من أي من المطر أو البرد تكون عادة من السحب الركامية, وباستثناء السحب الليلية
(Nacreousandnoctilucentlouds)
وهي حالات نادرة ـ فإن تكون الغالبية الساحقة من السحب يقتصر علي نطاق الرجع( نطاق التغيرات الجوية), ويندر تكون السحب في الأجزاء السفلي من نطاق التطبق
(stratosphere)
الذي يعلوه نظرا لجفافه الشديد.
ثالثا: توفير نوي التكثف في داخل السحابة: يحمل الهواء في نطاق الرجع عددا من الجسيمات الصلبة التي يتراوح تركيزها بين أقل من مائة وأكثر من مليون جسيم في السنتيمتر المكعب, وبعض هذه الدقائق الصلبة له قابلية عالية لامتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها, وهذه الهباءات تعين علي تكثف بخار الماء من السحب حتي قبل أن تصل رطوبتها النسبية إلي نقطة تكون الندي.
ومن نوي التكثف في السحب جسيمات دقيقة من الملح المتصاعد مع بخار البحار والمحيطات( تتراوح كتلها بين واحد من الألف مليون مليون من الجرام واحد من البليون من الجرام),
ومنها هباءات دقيقة من الغبار أو الرماد, ومنها بلورات دقيقة جدا من الثلج, وبتكثف بخار الماء علي هذه النوي كلما برد, ويؤدي هذا التكثف إلي تكون قطيرات من الماء أقطارها في حدود واحد من مائة من الملليمتر(10 ميكرون), وتركيزها في حدود بضع مئات في السنتيمتر المكعب من مادة السحاب.
ويعتقد بأن نوي التكثف الكبيرة نسبيا ينتج عنها قطيرات قليلة من الماء يعاد تدويرها لانتاج القطرات المائية الكبيرة التي قد تتراوح أقطارها بين4 و8 من الملليمترات في بعض الحالات النادرة وهذه تتكون عادة في السحب المتوسطة البرودة حيث لا يتكون الثلج, وإن كانت أقطار حبيبات المطر تتراوح عادة بين الملليمتر والملليمترين والنصف(1 ـ2.5 مم) والإنسان لا يستطيع ان ينشيء سحابا ولا أن يكثف هذا السحاب, وإذا تم له ذلك بواسطة الاستمطار الاصطناعي فإنه لا يستطيع التحكم في مكان ولا زمان إنزال المطر ولا كميته, ومع توفر كل هذه العوامل قد لا ينزل المطر علي الاطلاق, وذلك علي الرغم من أن معدلات المطر المقاسة علي نطاقات واسعة وعلي فترات سنوية عديدة يعتبر دقيقا, وكذلك الحال في تقسيم الأرض إلي مناطق مناخية كبيرة خاصة تلك التي تقع تحت تأثير العوامل الموسمية وكذلك الحال مع.. حدوث العواصف الرعدية والأعاصير المدمرة فلا يمكن التنبؤ بحدوثها في بقعة محددة من الأرض وفي وقت محدد من المستقبل ولن يتمكن الإنسان من توقع نزول المطر حيث أن هناك عوامل عديدة لا يمكنه التنبؤ بها, وفي ذلك يروي عن المصطفي( صلي الله عليه وسلم) قوله:.
.. ولا يعلم متي يأتي المطر أحد إلا الله..( فتح الباري375/8 حديث رقم4697), وفي الحديث القدسي:... فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب, وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب.( البخاري: حديث رقم801, أبو داود: حديث رقم3906)
لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون
يقدر متوسط تركيز الأملاح في ماء البحار والمحيطات بحوالي(34.481) جزءا في المليون, تضم أربعين نوعا من ذرات العناصر المتأينة( الأيونات) التي يزيد تركيز كل منها عن جزء واحد في المليون بالإضافة إلي آثار طفيفة جدا من أيونات العناصر الأخري التي يقل تركيزها عن ذلك.
ويتراوح تركيز تلك الأملاح السائدة في ماء البحار والمحيطات بين(32.000) جزء في المليون,(42.000) جزء في المليون, وقد يزيد عن ذلك في البحار المغلقة خاصة في المناطق الجافة من مثل البحر الميت الذي تصل الملوحة فيه إلي(285.000) جزء في المليون.
وملوحة ماء البحار والمحيطات تختلف باختلاف الظروف المناخية المحيطة بها, خاصة درجة الحرارة, وقدر الانغلاق, ومعدل سقوط الأمطار, وكمية الماء العذب المتدفق إلي هذا الوسط المائي, وحركة الماء فيه.
ويعتبر ماء المطر والثلوج المتساقطة من السماء أنقي أنواع الماء الطبيعي قاطبة, وعلي الرغم من ذلك فإن به قدرا من الأملاح الذائبة لا يتجاوز العشرين جزءا في المليون مما يجعله عذبا زلالا, وما أن يصل إلي الأرض, ويجري علي سطحها حتي يبدأ في إذابة بعض من الأملاح القابلة للذوبان في الماء والمنتشرة في صخور قشرة الأرض والتربة التي تغطيها فتزداد ملوحته بالتدريج حتي تصل إلي الألف في المليون فيما يعرف بالماء العذب, وعشرة آلاف في المليون فيما يعرف بالماء المويلح( أو قليل الملوحة) وإلي مائة ألف في المليون أو أكثر من ذلك في الماء الأجاج( أو عالي الملوحة).
ولو كان في مقدور أملاح الماء البحري أن تتصعد مع بخار الماء بنسب أعلي من المقدر لها حاليا, أو لو تغير تركيب الغلاف الغازي للأرض قليلا عن تركيبه الحالي لنزل ماء المطر أجاجا أي مالحا مرا زعافا, لا يحيي به زرع, ولا يروي به عطش, والماء العذب هو صنو الحياة, ونهرها الدافق في جسد كل كائن حي, والإنسان علي سبيل المثال إذا فقد أكثر من10% من الماء الموجود في جسمه أشرف علي الهلاك المحقق, ولذلك روي عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) أنه كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته, ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا رواه ابن أبي حاتم, عن جابر, عن أبي جعفر.
هذا السبق القرآني بالإشارة إلي عجز الإنسان عن إنزال المطر من المزن والتحكم في مكان وكميات ووقت نزوله, وإلي إمكانية نزول هذا الماء مالحا مرا زعافا لولا رحمة الله بعباده وبلاده وبهائمه... وبكافة صور الحياة علي الأرض لهو من السبق العلمي في كتاب الله الذي أنزله بعلمه, والذي يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق, ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
-
(44)... وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هذا النص القرآني اللافت للنظر جاء في مقدمات سورة الجاثية, وهي سورة مكية, وعدد آياتها سبع وثلاثون, وقد سميت بهذا الاسم لورود حقيقة من حقائق الآخرة في الآية الثامنة والعشرين منها, تقرر بأن الخلائق سوف تجثو علي ركبها في انتظار الحساب يوم القيامة من هول الفزع والهلع الذي يجتاحهم في هذا اليوم العصيب الذي نسأل الله( تعالي) ان ينجينا من أهواله..!!( آمين).
ويدور محور السورة أساسا حول القرآن الكريم وما يدعو إليه من ركائز الإيمان, ويحذر من الإصرار علي مختلف صور الضلال مثل الكفر والشرك وإنكار البعث, واتباع الهوي, والمكابرة في الحق ومن عواقب ذلك كله يوم القيامة.
وقد استهلت سورة الجاثية بحرفين من الحروف المقطعة( حم) وهذان الحرفان قد وردا في مطلع سبع من سور القرآن الكريم المتتابعة( من غافر إلي الأحقاف), إلا أنه في سورة الشوري قد استفتحت بهما السورة ثم لحقت بهما ثلاثة حروف اخري في الآية التالية فيقول ربنا( تبارك وتعالي): حم* عسق
وهذه الفواتح الهجائية التي جاءت في مستهل عدد من سور القرآن الكريم هي من اسراره, التي حاول عدد من الكتاب استجلاء كنهها, ووضع عدد من التفسيرات لها, دون ان يجزم احد بالوصول الي جواب نهائي لذلك.
وتتابع سورة الجاثية بتقرير أن القرآن الكريم هو كتاب منزل من الله العزيز الحكيم, شامل لكل الرسالات السماوية التي انزلت من قبل, فكلها كتاب واحد متكامل في القرآن الكريم, واستدلت السورة بعدد من آيات الله في الأنفس وفي الآفاق علي صحة الوحي الإلهي الحق الذي أنزل به هذا الكتاب الكريم.
وتتساءل السورة: إذا لم تكن آيات الله في الأنفس والآفاق, ولا آياته المنزلة علي خاتم أنبيائه ورسله كافية لإقناع المكابرين من الخلق فأي حديث آخر يمكن أن يقنعهم بأن للكون الها, خالقا مبدعا, عظيما, خلق الكون بكل من فيه وما فيه, وخلق الانسان لعبادة الله( تعالي) بما امر ولحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض, وإقامة عدل الله فيها, والإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار, والاستعداد للقاء الله لكي تجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون.
وتنعي سورة الجاثية علي المكذبين بكتاب الله, الجاحدين لنعمه, وتؤكد ان الويل لكل كذاب أثيم يسمع آيات الله تتلي عليه ثم يصر علي انكارها من قبيل الاستكبار والعناد كأن لم يسمعها, وإذا علم منها شيئا تطاول علي خالقه بالسخرية منها, والاستهزاء بها, وتطلب السورة الكريمة من رسول الله صلي الله عليه وسلم( ومن ثم من كل مؤمن برسالته) ان يبشر هذا المنكر وامثاله بعذاب اليم لأن جزاء كل من يفعل ذلك عذاب مهين في الآخرة, وخلود في جهنم التي تنتظرهم في لهفة, وفيها لن يغني عنهم شيء مما كسبوا في الحياة الدنيا, ولا مما اتخذوا من دون الله من أولياء فجميعهم ينتظرهم عذاب عظيم...!!.
والواقعة لها سبب محدد ولكن حكمها عام مطلق الي يوم الدين, لأن العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم تعاود سورة الجاثية مرة أخري التأكيد أن القرآن الكريم هو هدي من الله, وان الذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من أشد صور العذاب إيلاما.
وذكرت السورة عددا من نعم الله وأفضاله علي عباده, وأشارت الي ان تلك النعم والأفضال تستدعي التفكير فيها والوصول الي عدد من الاستنتاجات والقناعات من خلال تدبرها, فهي من دلائل الربوبية, والألوهية, والوحدانية..
ويأمر ربنا( تبارك وتعالي) خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) في هذه السورة الكريمة أن يطالب المؤمنين بالتجاوز عما يصدر من الكفار والمشركين من بذاءات مؤذية في حق الله ورسوله,( من مثل ما يملأ صفحات شبكة المعلومات الدولية اليوم) لأن الله تعالي سوف يعاقبهم في الآخرة بما كانوا يكسبون في الدنيا, وسوف يجزي الصالحين بأعمالهم الصالحة في الدنيا ومنها الصبر علي ايذاء كل من المشركين والكافرين.
وتؤكد الآيات الكريمة ان الله( تعالي) هو الذي يجزي كل نفس بما كسبت فمن عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها, والي الله سوف ترجع الخلائق.
وتنعي سورة الجاثية علي بني اسرائيل تزويرهم للتوراة, واختلافهم في الدين من بعد ما جاءهم من العلم بغيا بينهم, ومن بعد ما بين الله لهم شرائع الفصل بين الناس, وبعد إنعام الله تعالي علي اسلافهم بعدد من الطيبات, وإكرامهم بالنعم الكثيرة التي لم يشكروها; وتؤكد الآيات أن الله( تعالي) يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
وتخاطب السورة الكريمة رسول الله( صلي الله عليه وسلم) بأن الله( تعالي) قد جعله علي النهج الصحيح للدين الذي أنزله( تبارك وتعالي) علي فترة من الرسل, وأكمله وأتمه في الوحي الذي آتاه إياه, وأمره باتباعه, والانصراف عن اهواء الذين لا يعلمون لأن الظالمين بعضهم أولياء بعض, وان الله( تعالي) ولي المتقين.
وتعاود سورة الجاثية للمرة الثالثة التأكيد أن القرآن الكريم هو بينات من الله للناس وهدي ورحمة للذين يؤمنون به ويوقنون بثوابه وعقابه.
وتستنكر السورة الكريمة أن يظن الذين اكتسبوا السيئات واقترفوا المعاصي من الكفار والمشركين, أن يساويهم الله( تعالي) في كل من الحياة والممات بالذين آمنوا وعملوا الصالحات; وتؤكد ان الله( تعالي) خلق السموات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون.
وتسأل السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) عن أنموذج من البشر يتخذ هواه معبودا, يخضع له, ويستجيب لشهواته بغير تعقل ولا بصيرة, فيضله الله( تعالي) علي علم, ويختم علي سمعه وقلبه, ويجعل علي بصره غشاوة, فلا يهزه الوعظ, ولا تحركه الآيات, ولا يستطيع أن يري الهدي أو أن يميزه من الضلال, فهل يمكن لأحد أن يهدي مثل هذا الضال من بعد الله؟ وهذا الضال وامثاله ممن انكروا البعث بالظن الخاطيء دون ادني قدر من العلم او المعرفة فكانت دعواهم في انكار البعث كلما تلي علي مسامعهم القرآن الكريم وجاء ذكره إلا ان قالوا: ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين( الجاثية25) ثم يأتي الجواب القاطع من الله( تعالي) بأنه هو الذي يحيي الخلق في الدنيا من العدم, ثم يميتهم فيها عند انقضاء الأجل ثم يبعثهم من مراقدهم ويجمعهم جميعا الي يوم القيامة لا ريب فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون وان لله ملك السموات والارض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون( الجاثية27) ومن مظاهر الهول والهلع, والترقب والفزع في هذا اليوم, ان جميع الخلائق سوف تجثو علي ركبها وهم يدعون الي كتبهم وسجلات اعمالهم ويقال لهم: اليوم تجزون ما كنتم تعملون( الجاثية28) ويقال لهم كذلك: هذا كتابنا الذي سجلنا فيه تاريخ حياة كل منكم من لحظة ميلاده الي لحظة وفاته ينطق عليكم بالحق.. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين( الجاثية29 و30).
وأما الذين كفروا بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وكذبوا بالبعث بعد أن اخبروا بحتميته, واستمعوا الأدلة العديدة لإثبات امكانيته فيقال لهم توبيخا وتحقيرا:.. أفلم تكن آياتي تتلي عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين
(الجاثية31).
وحينئذ يتبين لهؤلاء المكذبين مدي سوء جرمهم أن كذبوا بآيات ربهم, فينالهم من العقاب ما يستحقون, وحينئذ يقال لهم كذلك:
... اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين( الجاثية34).
أي اليوم تنسون في العذاب كما نسيتم أنكم ملاقوا ربكم يوم الحساب, ومقركم النار, وليس لكم من ناصرين يغيثونكم من عذابها, أو يمكن لهم ان يخرجوكم منها, وذلك جزاء تكذيبكم لآيات الله, واستهزائكم بها, واغتراركم بالدنيا وزخرفها وبهرجاتها ولا عتبي لكم اليوم عندنا.
وتختتم السورة الكريمة بإقرار الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين, الذي له وحده الكبرياء في السماوات والارض, بغير ولد ولا صاحبة, ولا منازع, ولا شبيه, ولا شريك وهو العزيز الحكيم.
والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الجاثية علي صدق ما جاء فيها من حقائق ايمانية آيات عديدة منها ما يلي:
1 ـ ما في السماوات والارض من آيات.
2 ـ تسخير ما في السماوات والارض جميعا لخدمة الانسان, ورعايته وحمايته.
3 ـ الآيات الكثيرة في خلق كل من الانسان والحيوان.
4 ـ الآيات في اختلاف الليل والنهار.
5 ـ الآيات في إنزال الرزق من السماء فتحيا به الارض بعد موتها.
6 ـ الآيات البينات في تصريف الرياح.
7 ـ الآيات الواضحات في تسخير البحر لتجري الفلك فيه بأمر الله وليبتغي الخلق مما فيه من خيرات الله وفضله لعلهم يشكرون.
وسوف اختار هنا النقطة السادسة فقط وهي آيات الله البينات في تصريف الرياح, وأبدأ بذكر الرياح في القرآن الكريم.
الرياح في القرآن الكريم
المناطق المناخية على سطح الأرض ودورها فى تصريف الرياح
يعرف( الريح) بأنه الهواء المتحرك, وجاء ذكر الريح في تسعة وعشرين(29) موضعا من القرآن الكريم منها(14) مرة بالمفرد( ريح). وأربع(4) مرات بالصياغة( ريحا), ومرة واحدة بالصياغة( ريحكم), وعشر(10) مرات بصفة الجمع المعرف( الرياح).
كما جاءت الاشارة الي الرياح بعدد من صفاتها مثل( الذاريات) وهي الرياح التي تذرو التراب وغيره لقوتها, و(العاصفات) وهي الرياح الشديدة المدمرة لمن ترسل عليهم, و(المرسلات) وهي الرياح المرسلة لعذاب الكافرين, والمشركين والمكذبين.
ومعظم الآيات القرآنية التي ذكر فيها ارسال( الريح) بالإفراد( أي بلفظ الواحد) جاءت في مقام العذاب ومعظم المواضع التي ذكرت فيها( الرياح) بلفظ الجمع جاءت في مقامات الرحمة والثواب.
ومن آيات ذكر الريح بالإفراد قول الله( تعالي):
(1) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون( آل عمران:117).
(2) هو الذي يسيركم في البر والبحر حتي إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين( يونس:22).
(3) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا علي شيء ذلك هو الضلال البعيد
( إبراهيم:18)
(4) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخري فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا( الإسراء:69).
(5) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلي الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين
(الأنبياء:81).
(6) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق( الحج:31)
(7) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر..( سبأ:12)
(8) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب.( ص:36).
(9) ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد علي ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور( الشوري:33,32).
(10) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.( الأحقاف:34).
(11) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم
( الذاريات:41).
(12) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية
( الحاقة:6).
(13) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون( الروم:51).
(14).. إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها( الأحزاب:9).
(15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزي وهم لا ينصرون
(فصلت:16).
(16) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر.( القمر:19).
ومن آيات ذكر( الرياح) بالجمع قول الله( تعالي):
(1)... وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.
( البقرة:164).
(2) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون.
(الأعراف:57).
(3) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
(الحجر:22).
(4).. فأصبح هشيما تذروه الرياح...
( الكهف:45).
(5) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا
(الفرقان:48).
(6)... ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته..( النمل:63).
(7) ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات...
( الروم:46).
(8) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا...
( الروم:48).
(9) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا...
( فاطر:9).
(10)... وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون
( الجاثية:5).
أقوال المفسرين
تصريف الرياح حول الأرض
في تفسير قوله( تعالي):
إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين, وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون( الجاثية:3 ـ5).
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: يرشد الله تعالي خلقه إلي التفكير في آلائه ونعمه, وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع, من الملائكة والجن والإنس والدواب, والطيور والوحوش والسباع والحشرات, وما في البحر من الأصناف المتنوعة, واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران, هذا بظلامه, وهذا بضيائه, وما أنزل الله تبارك وتعالي من السحاب, من المطر في وقت الحاجة اليه, وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق( فأحيا به الأرض بعد موتها) أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء, وقوله عز وجل( وتصريف الرياح) أي جنوبا وشمالا برية وبحرية, ليلية ونهارية, ومنها ما هو للمطر, ومنها ما هو للقاح, ومنها ما هو غذاء للأرواح, ومنها ما هو عقيم لا ينتج...
وذكر صاحبا تفسير الجلالين رحمهما الله رحمة واسعة ما نصه:( إن في السماوات والأرض) أي: في خلقهما( لآيات) دالة علي قدرة الله ووحدانيته تعالي( للمؤمنين);( وفي خلقكم) أي: في خلق كل منكم من نطفة, ثم علقة, ثم مضغة, إلي أن صار إنسانا( و) خلق( ما يبث) يفرق في الأرض( من دابة) هي: ما يدب علي الأرض من الناس وغيرهم( آيات لقوم يوقنون) بالبعث;( و) في( اختلاف الليل والنهار) ذهابهما ومجيئهما( متعاقبين, أو زيادة أحدهما ونقصان الآخر)( وما أنزل الله من السماء) أي: السحاب( من رزق) مطر, لأنه سبب الرزق( فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح) تقليبها, مرة جنوبا ومرة شمالا, وباردة وحارة,( وشديدة ولينة)( آيات لقوم يعقلون) الدليل فيؤمنون.
وذكر صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة) ما نصه: وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب, يشير الي آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم, وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلي الإيمان, ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها, وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب, وخالق هذا الكون العظيم:....( وتصريف الرياح).. وهي تمضي شمالا وجنوبا, وشرقا وغربا, منحرفة ومستقيمة, دافئة وباردة, وفق النظام الدقيق المنسوق المقصود في تصميم هذا الكون العجيب; وحساب كل شيء فيه حسابا دقيقا لا يترك شيئا للمصادفة العمياء.. ولتصريف الرياح علاقة معروفة بدورة الأرض, وبظاهرتي الليل والنهار, وبالرزق الذي ينزل من السماء, وكلها تتعاون في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون, وتصريفه كما أراد; وفيها( آيات) معروضة في الكون, ولكن لمن؟( لقوم يعقلون).. فللعقل هنا عمل, وله في هذا الميدان مجال.
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه: اشتملت هذه الآيات الثلاث علي ستة أدلة كونية: خلق السموات والأرض, والمتأمل فيهما يعلم أنه لابد لهما من صانع حكيم, فيؤمن به, وخلق الإنسان وانتقاله في أطواره, وخلق ما علي الأرض من صنوف الحيوان; والمتأمل فيهما وفي ارتباط تكونهما بالعالم العلوي يصل بالتأمل الي مرتبة اليقين, والحوادث المتجددة في كل وقت من اختلاف الليل والنهار, ونزول المطر الذي به حياة الأرض بالنبات; وتقلب الرياح وآثارها في البر والبحر; والتأمل فيها يؤدي الي استحكام العلم وقوة اليقين, وذلك لا يكون إلا بالعقل الكامل; ولذا اختتمت كل آية بما يناسب ما سبق فيها من الدليل...
و(يبث) أي ينشر ويفرق...( وتصريف الرياح) تقلبها من جهة الي اخري, ومن حالة الي حالة. وهنا أشار الي الآية(164) من سورة البقرة حيث ذكر في تفسير قوله تعالي:( وتصريف الرياح) ما نصه: تقليبها جنوبا وشمالا ودبورا, حارة وباردة, عاصفة ولينة, عقيما ولواقح, بالرحمة تارة وبالعذاب أخري, وتصريف مصدر مضاف للمفعول, والفاعل هو الله, أي وتصريف الله الرياح أو مضاف للفاعل, والمفعول السحاب, أي: وتصريف الرياح السحاب.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه:... وفي اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر, والنور والظلام مع تعاقبهما علي نظام ثابت, وفيما أنزل الله من السماء من مطر فأحيا به الأرض بالإنبات بعد موتها بالجدب; وبتصريف الرياح( في جهات متعددة مع اختلافها برودة وحرارة, وقوة وضعفا علامات واضحة علي كمال قدرة الله لقوم فكروا بعقولهم فخلص يقينهم.
وجاء في صفوة التفاسير( جزي الله كاتبه خير الجزاء) ما نصه:.....( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) أي إن في خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات العجيبة, والأحوال الغريبة, والأمور البديعة, لعلامات باهرة علي كمال قدرة الله وحكمته, لقوم يصدقون بوجود الله ووحدانيته( وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون) أي وفي خلقكم أيها الناس من نطفة ثم من علقة, متقلبة في أطوار مختلفة إلي تمام الخلق; وفيما ينشره تعالي ويفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب علي وجه الأرض; آيات باهرة أيضا لقوم يصدقون عن إذعان ويقين بقدرة رب العالمين( واختلاف الليل والنهار) أي وفي تعاقب الليل والنهار, دائبين لا يفتران, هذا بظلامه وذاك بضيائه, بنظام محكم دقيق( وما أنزل الله من السماء من رزق) أي وفيما أنزله الله تبارك وتعالي من السحاب, من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم وأرزاقهم...( فأحيا به الأرض بعد موتها) أي فأحيا بالمطر الأرض بعد ما كانت هامدة يابسة لا نبات فيها ولا زرع,...( وتصريف الرياح) أي وفي تقليب الرياح جنوبا وشمالا, باردة وحارة( آيات لقوم يعقلون) أي علامات ساطعة واضحة علي وجود الله ووحدانيته, لقوم لهم عقول نيرة وبصائر مشرقة....
تصريف الرياح في منظور العلوم المكتسبة
يعرف الريح بأنه الهواء المتحرك بالنسبة للأرض, والذي يمكن إدراكه إلي ارتفاع يصل إلي65 كم تقريبا فوق مستوي سطح البحر, وإلي هذا الارتفاع تحكم حركة الرياح نفس العوامل التي تحكمها فوق سطح البحر وهي: الجاذبية الأرضية, قدر الاحتكاك بسطح الأرض, وتدرج معدلات الضغط الجوي, أما في المستويات الأعلي من ذلك فإن عوامل أخري تسود من مثل الكهربية الجوية, المغناطيسية, وعمليات المد والجزر الهوائيين.
وبما أن99% من كتلة الغلاف الغازي للأرض تقع دون ارتفاع50 كم فوق مستوي سطح البحر أي دون مستوي الركود الطبقي
(TheStratopause),
فإن دراسة حركة الرياح تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض.
وتقسم الرياح بالنسبة إلي ارتفاعها عن سطح الأرض إلي ما يلي:
(1) رياح سطحية وتمتد من مستوي سطح البحر إلي بضعة كيلو مترات قليلة فوقه.
(2) رياح متوسطة وتمتد فوق الرياح السطحية إلي ارتفاع35 كم فوق مستوي سطح البحر.
(3) ورياح مرتفعة وتمتد في المستوي من35 إلي65 كم فوق مستوي سطح البحر.
وتقسم الرياح السطحية حسب شدتها علي النحو التالي:
ويصف القرآن الكريم الصنفين الأول والثاني من هذا التصنيف باسم الريح الساكن, والأصناف من الثالث إلي السادس باسم الريح الطيبة, والأصناف من السابع إلي التاسع باسم الريح العاصف, والأصناف من التاسع إلي الثالث عشر باسم الريح القاصف, وهذا سبق قرآني بأكثر من عشرة قرون للمعرفة العلمية المكتسبة في هذا المجال.
ويمكن تصنيف الرياح بحسب القوي المحركة لها وأهمها التأثير المشترك للعوامل التالية: التوازن الإشعاعي للشمس, وتوزيع درجات الحرارة عبر خطوط العرض المختلفة, ودوران الأرض حول محورها أمام الشمس, بالإضافة إلي التضاريس الأرضية المختلفة.
ويقدم كم الطاقة الشمسية التي تصل إلي الأرض الطاقة اللازمة لحركة الرياح, وذلك لأن أشعة الشمس التي تتعامد علي خط الاستواء وتميل ميلا كبيرا فوق القطبين تؤدي إلي التباين في توزيع درجات الحرارة علي سطح الأرض, هذا التباين الذي ينتج عنه حركة صاعدة للهواء الساخن حول خط الاستواء, وحركة هابطة للهواء البارد فوق القطبين.
كذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يؤدي إلي دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب, والحقيقة أن الدورة الفعلية للرياح لها عدد من الخلايا بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض, وعند تحرك كتلة من الهواء من فوق خط الاستواء باتجاه أحد القطبين فإنه نتيجة لحفظ العزم الزاوي للهواء المتحرك فوق أرض تدور فإن الهواء المتحرك في اتجاه القطب لابد أن ينحرف شرقا, والهواء المتحرك فوق خط الاستواء لابد أن ينحرف في اتجاه الغرب, وبالمثل الرياح السطحية تتجه إلي الشرق, بينما تتجه الرياح الوسطي إلي الغرب.
والنتيجة هي دورة عامة للرياح شديدة الانتظام حول الأرض, وذات عدة دوائر كبيرة بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض منها دوائر حارة فوق المناطق الاستوائية, ودوائر باردة فوق القطبين, ودوائر معتدلة الحرارة بينهما, مع وجود عدد من الجبهات الهوائية بين تلك الدوائر, وبالإضافة إلي ذلك تتدخل الظروف الجغرافية المحلية فيكون الهواء دافئا ورطبا فوق المحيطات المدارية, وحارا جافا فوق الصحاري, وباردا جافا فوق المناطق المكسوة بالجليد, وتتداخل هذه الكتل الهوائية, وتتكون بذلك السحب ومنها الممطر والعقيم وتحدث الاعاصير بمراحلها المختلفة وتتحرك كتل الهواء الساخن من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين, كما تتحرك كتل الهواء البارد من القطبين في اتجاه خطوط العرض العالية, في تموجات واضحة تظهر آثارها علي كل من أسطح البحار, وفي شواطئها( نيم البحر), وفي تموجات أسطح الكثبان الرملية( علامات النيم) وغير ذلك من آثار حركات كل من الرياح وأمواج البحار.
ومن الظروف الجغرافية المحلية التي تؤثر في حركة الرياح تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل الجبلية, والتلال, والهضاب, والسهول والمنخفضات, والكتل المائية المختلفة, ففي الصيف تسخن اليابسة بسرعة أكبر من المحيطات, وفي الشتاء يحتفظ ماء المحيطات بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة, وينشأ عن تلك الفروق نسيم البر والبحر, كما ينشأ عن فروق التضاريس دورة الرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات, وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية تصاحبها حركات رأسية, فإذا ارتفعت درجة حرارة كتلة من الهواء بحيث تصبح أدفأ من الهواء المحيط بها, فإن الهواء الساخن يصعد إلي أعلي, فيتناقص ضغطه وتنخفض درجة حرارته, وتبدأ ما فيه من رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة إلي نقطة التشبع( نقطة تكون الندي), وبذلك تتكون السحب وتتهيأ الفرص لهطول المطر بإذن الله.
من هذا العرض يتضح أن الرياح التي تبدو للمراقب من الناس هوجاء عاصفة لها في الحقيقة توزيع دقيق علي سطح الأرض, تحكمه قوانين شديدة الانضباط, وقد وصف القرآن الكريم هذه الدقة في التوزيع والانضباط في الحركة بوصف معجز هو تصريف الرياح, بمعني أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة بذاتيتها, ولكن بقدرة الله الذي يصرفها بعلمه وبحكمته كيفما يشاء, والرياح تقوم بدور رئيسي( بإذن الله) في تكوين السحب, وإنزال المطر, وإتمام دورة الماء حول الأرض وإلا فسد, وفي تفتيت الصخور وتعريتها, وتكوين التربة والرمال السافية وتحريكها, وفي تلطيف الجو وتكييفه, وتطهيره من الملوثات التي تحملها حركة الرياح جنوبا وشمالا في اتجاه قطبي الأرض وغير ذلك من المهام الرئيسية في جعل الأرض صالحة للعمران. فسبحان مصرف الرياح, ومجري السحاب, ومنزل القطر الذي أنزل في محكم كتابه, وعلي خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا الوصف المعجز( تصريف الرياح), وهو وصف لم يدرك العلم الكسبي دلالته إلا في القرن العشرين وبعد مجاهدة استغرقت جهود آلاف من المتخصصين, وهو مع دقته يؤكد أن حركة الرياح وإن فهمنا بعض القوي الدافعة لها تبقي من جند الله, يجريها وفق مشيئته بالخير لمن يشاء من عباده, كما يجريها وفق إرادته لإبادة العاصين من الكفار والمشركين المتجبرين في الأرض والمحاربين لعباد الله فيها, ففهمنا لميكانيكية الحدث لا يخرجه عن إطار كونه من جند الله, خاضعا لإرادته ومشيئته, فالحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه, وعلمه خاتم أنبيائه ورسله, وأبقاه شاهدا علي حقيقة نبوته ورسالته, وحفظه بلغة وحيه حفظا كاملا علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلي يوم الدين, هاديا لطلاب الحق في كل مكان وزمان.
وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد.
-
(45) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته..*
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هذا النص القرآني القاطع جاء في مطلع الربع الثاني من سورة الأعراف, وهي سورة مكية, وعدد آياتها206, وقد سميت بهذا الإسم لورود ذكر الاعراف فيها, وهي أسوار مضروبة بين الجنة والنار تحول بين كل من أهليهما, تكريما لأهل الجنة, وإذلالا لأهل النار...!!
ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة علي التوحيد الخالص لله وحده( بغير شريك ولا شبيه ولا منازع), والعبودية الكاملة من كافة الخلق لله( سبحانه وتعالي), وهي العقيدة التي علمها ربنا( تبارك اسمه) لأبينا آدم( عليه السلام) منذ اللحظة الأولي لخلقه, وأنزلها علي سلسلة من أنبيائه ورسله, وأتمها وأكملها وحفظها في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين).
وتبدأ سورة الأعراف بأربعة حروف من الفواتح الهجائية( المص), وهذه الحروف المقطعة من أسرار القرآن الكريم التي حاول عدد من العلماء الاجتهاد في فهم دلالاتها, وتوقف العدد الأكبر منهم عن الخوض في تفسيرها, واكتفوا بتفويض الأمر فيها إلي الله( تعالي).
بعد ذلك مباشرة خاطبت السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بألا يضيق صدرا بتكذيب قومه له وللقرآن الكريم الذي أنزله الله( تعالي) إليه, ونادت علي الناس جميعا بضرورة اتباع هذه الرسالة الخاتمة التي أنزلت إليهم من ربهم, وحذرتهم من الشرك بالله, ومن أنهم قليلا ما يتعظون, وأردفت بذكر مصارع المكذبين من الأمم السابقة, الذين رفضوا هدي ربهم, وحاربوا أنبياءه ورسله, كما ذكرت الآيات بعد ذلك بموقف الحساب يوم القيامة وبمصائر كل من المفلحين والظالمين فيه, وأشارت إلي فضل الله( تعالي) علي العباد بتمكينهم في الأرض تمكينا يستوجب الشكر والحمد....!!
ثم أخذت السورة الكريمة في استعراض قصة البشرية ممثلة في خلق الأسرة الأولي من آدم( عليه السلام) وزوجته حواء( رضي الله عنها وأرضاها) وتكريمهما وصراعهما مع الشيطان الرجيم منذ اللحظة الأولي لوجودهما في الجنة, وقد ابتليا وذراريهما بقدر من الاختبار والابتلاء بمحاولة الشيطان وذراريه غوايتهم عن منهج الله, تلك الغواية التي أخرجت آدم وزوجه من الجنة, وأدت إلي الهبوط بهما إلي الأرض لتبدأ رحلة الحياة والموت, ومن بعدها البعث والنشور, ويحذر الله( تعالي) عباده من فتنة الشيطان وجنوده وأعوانه, ويوصيهم بعدد من الوصايا, ويحل لهم الطيبات, ويحرم عليهم الفواحش ما ظهر منها, وما بطن, والإثم والبغي بغير الحق, ومن أخطرها: الشرك بالله, والتقول عليه( سبحانه) بغير علم, وافتراء الكذب عليه, والتكذيب بآياته, والكفر به( تبارك وتعالي) وغير ذلك من الاعتقادات الفاسدة, والسلوكيات الهابطة التي تودي بصاحبها إلي جهنم وبئس المصير...!!
وتعرض الآيات في هذه السورة الكريمة لشيء من أحوال كل من أهل الجنة وأهل النار, وأهل الأعراف بينهما, كما تعرض لشيء من أفضال الله علي عباده وما أكثرها, وتأمر الناس بالاتجاه إلي الله( تعالي) دوما بالدعاء وبالضراعة سرا بخشوع وخضوع تامين خوفا من عذابه وطمعا في رحمته, لأنه لا يحب المعتدين المتشدقين برفع الصوت في الدعاء تظاهرا ورياء, وتأمرهم بألا يفسدوا في الأرض بالكفر والشرك والمعاصي والإفساد بعد إصلاحها ببعثة الانبياء والمرسلين, ودعوتهم الناس إلي عبادة الله علي التوحيد الخالص, وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها, وإقامة عدل الله فيها...!!
ومن قبيل التثبيت لرسول الله( صلي الله عليه وسلم) عرضت السورة الكريمة لقصص عدد من المرسلين, ولتفاعل أقوامهم معهم, ولشيء من جزائهم بدءا بنوح, ثم هود, وصالح, ولوط, وشعيب, وموسي(علي نبينا وعليهم أجمعين من الله تعالي أفضل الصلاة وأزكي التسليم), وتعرض الآيات لمصارع المكذبين في كل قصة من قصص تلك الأمم, مؤكدة علي وحدة الرسالة السماوية, ومفصلة قصة موسي( عليه السلام) مع فرعون وملئه, وعارضة أخذ الله لآل فرعون بالسنين والآفات, ثم إغراق فرعون ونفر من ملئه, وأشارت السورة الكريمة إلي انحراف بني إسرائيل وعبادتهم العجل في غيبة من موسي( عليه السلام) في أثناء ميقاته مع ربه كما أشارت إلي طلب رؤية الله, ودك الجبل وصعق موسي, وتنزيل الألواح عليه, وأشارت إلي الميقات الثاني مع سبعين من قوم موسي, وصعقهم حين قالوا: لن نؤمن لك حتي نري الله جهرة, ثم عصيانهم في دخول القرية, وإصرارهم علي الصيد في يوم السبت, وهو محرم عليهم, ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة, ومسخ الظالمين منهم قردة وخنازير, وبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلي يوم القيامة, وتشريدهم في الأرض عقابا لهم علي تحريفهم كلام الله..!!
وتتابع سورة الأعراف في سياقها الإشارة إلي الرسالة الخاتمة, وذلك بقول الحق( تبارك وتعالي) رادا علي موسي في ضراعته إلي الله ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم فقال( عز من قائل):
... قال عذابي أصيب به من أشاء, ورحمتي وسعت كل شيء, فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون* الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم, فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه اولئك هم المفلحون*
( الأعراف:157,56)
وفي نور هذه البشري الإلهية بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) والتي سبقت مجيئه بمئات السنين, تأمره الآيات في سورة الأعراف بالإعلان عن حقيقة رسالته, وذلك بقول الحق( تبارك وتعالي):
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون*
(الأعراف:158).
وتذكر السورة الكريمة العهد الذي أخذه ربنا( تبارك وتعالي) علي الخلق اجمعين وهم في عالم الذر في أصلاب آبائهم وأشهدهم أنه لا إله إلا الله, وأنه لا رب ولا معبود سواه, ثم تعرض للذين آتاهم الله آياته ثم انسلخوا منها, فأصبحوا من الغاوين, واصبحوا نهبا للشياطين, وأخلدوا إلي الأرض اتباعا للهوي, وأصبح الفرد منهم كالكلب.. إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون*.
(الأعراف:176)
وتأمر السورة الكريمة المؤمنين بالمداومة علي ذكر الله بأسمائه الحسني وصفاته العليا, وتؤكد دور الرسول الخاتم والنبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) بأنه نذير مبين وبشير للمؤمنين, وتشير إلي ملكوت السماوات والأرض, وإلي خلق الله بصفة عامة, وتحذر من اقتراب الأجل ودنو الآخرة, التي لا يعلم وقتها إلا الله, لأنها لا تأتيهم إلا بغتة كما قرر ربنا( تبارك وتعالي), ولكن أكثر الناس لا يعلمون, وتحدد السورة الكريمة دور الرسول الخاتم بالإنذار والبشارة, والتحذير من مخاطر الشرك بالله وعواقبه.
وكما بدأت السورة بخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) تختتم بالخطاب إليه, وإلي أمته المؤمنة إلي يوم الدين بالحض علي مكارم الأخلاق, والأخذ بضوابط السلوك, والاستماع بإنصات إلي القرآن الكريم حين يقرأ طلبا لعفو الله ورحمته, والأمر بذكر الله في النفس تضرعا وخيفة, ودون الجهر من القول بالغدو والآصال, والتحذير من الغفلة عن ذلك, والتذكير بأن الملائكة تسبح بحمد الله وتسجد له( تعالي) دون توقف ودون فتور...!!
ومن الحقائق الكونية والتاريخية التي استشهدت بها سورة الأعراف للدلالة علي صدق ما جاء بها ما يلي:
(1) خلق السماوات والأرض في ست مراحل متتالية.
(2) إغشاء الليل بالنهار في سرعة عالية عند بدء الخلق بمعني سرعة دوران الأرض حول محورها عند أول خلقها, وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.
(3) تسخير كل من الشمس والقمر والنجوم بأمر الله لحفظ السماء الدنيا, ولمصلحة الأرض ومن عليها.
(4) إرسال الرياح بشرا بين يدي رحمة الله لتقل السحاب الثقال بقطيرات الماء, وتسوقه بإرادة الله( تعالي) إلي بلد ميت, فينزل الله به الماء ثم يخرج بهذا الماء من كل الثمرات, ويضرب الله تعالي المثل بإخراج النبات من الأرض بعد إنزال ماء المطر, بإخراج الموتي بعد إنزال مطر خاص فينبت كل كائن حي من عجب ذنبه مثلما تنبت البقلة من حبتها, كما جاء في وصف رسول الله( صلي الله عليه وسلم) في عدد من أحاديثه الشريفة.
(5) انفجار اثنتي عشرة عينا من الماء إلي الشرق من خليج السويس بضرب موسي الحجر بعصاه كما أخبر القرآن الكريم, والمنطقة تعرف اليوم باسم عيون موسي.
(6) إخبار القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة بأن الله( تعالي) سوف يسلط علي اليهود من يسومهم سوء العذاب إلي يوم القيامة, وقد تحقق ذلك بالفعل وندعو الله تعالي لهم بالمزيد من العذاب في الدنيا قبل الآخرة( اللهم آمين آمين آمين) فقد فجروا في الزمن الحاضر وبالغوا في فجورهم إلي الحد الذي يفوق كل تصور بدعم من الأمريكان المتجبرين,والذين سيقلبهم الله عليهم ثم يعاقبهم أجمعين عقابا يفوق كل وصف, وكل خيال إن شاء الله رب العالمين.
(7) التنبؤ بأن اليهود الكافرين سوف يحرفون دينهم, ويتقولون علي الله( تعالي) بغير الحق, وسوف يسعون في الأرض فسادا( والله لا يحب المفسدين), وأن الله تعالي سوف يشردهم ويقطعهم في الأرض أمما, وقد تحقق ذلك, وندعوه تعالي بالمزيد من تشريدهم وتقطيعهم جزاء إفسادهم في الأرض, واستعلائهم الكاذب علي الخلق في أيامنا الراهنة.
(8) إثبات حقيقة وجود للإنسان في عالم الذر, وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا بعد اكتشاف قوانين الوراثة.
(9) عظمة ملكوت السماوات والأرض.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي مجلدات في شرحها ولذلك سوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الرابعة وهي إرسال الرياح, وقبل الخوض في ذلك أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح الآية التي نحن بصددها, وهي الآية رقم(57) من سورة الأعراف.
من أقوال المفسرين
في تفسير قوله( تعالي):
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون*.
(الأعراف:57)
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: لما ذكر تعالي أنه خالق السماوات والأرض, وأنه المتصرف الحاكم, المدبر المسخر, وأرشد إلي دعائه لأنه علي ما يشاء قدير, نبه تعالي علي أنه الرزاق, وأنه يعيد الموتي يوم القيامة فقال:( وهو الذي يرسل الرياح بشرا) أي مبشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر, ومنهم من قرأ بشرا, لقوله:( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات), وقوله:( بين يدي رحمته) أي بين يدي المطر, كما قال:( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد), وقال: فانظر إلي آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتي, وهو علي كل شئ قدير, وقوله:( حتي إذا أقلت سحابا ثقالا) أي حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة...., وقوله تعالي:( سقناه لبلد ميت) أي إلي أرض ميتة مجدبة لانبات فيها, كقوله:( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها) الآية, ولهذا قال:( فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي) أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها, كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة..., وهذا المعني كثير في القرآن, يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها, ولهذا قال:( لعلكم تذكرون).
وجاء في الظلال( رحم الله كاتبها رحمة واسعة) ما نصه:
إنها آثار الربوبية في الكون, آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير, وكلها من صنع الله, الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه, وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد.
وفي كل لحظة تهب ريح, وفي كل وقت تحمل الريح سحابا, وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء, ولكن ربط هذا كله بفعل الله ــ كما هو في الحقيقة ــ هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة كأن العين تراه.
انه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته, والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون.. وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس الله في الكون أيضا, ولكنه يقع بقدر خاص, ثم يسوق الله السحاب ــ بقدر خاص منه ــ إلي( بلد ميت).. صحراء أو جدبا.. فينزل منه الماء ــ بقدر كذلك خاص ــ فيخرج من كل الثمرات ــ بقدر منه خاص ــ يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة.
إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون.. كما ينفي الجبرية الآلية, التي تتصور الكون كأنه آلة, فرغ صانعها منها, وأودعها القوانين التي تتحرك بها, ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين...!
إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر, ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية, ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس, ولكل مرة تتحقق فيها السنة, القدر الذي ينشئ الحركة ويحقق السنة, وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة. إنه تصور حي, ينفي عن القلب البلادة, بلادة الآلية والجبرية, ويدعها ابدا في يقظة وفي رقابة.. كلما حدث حدث وفق سنة الله, وكلما تمت حركة وفق ناموس الله, انتفض هذا القلب, يري قدر الله المنفذ, ويري يد الله الفاعلة, فيسبح الله ويذكره ويراقبه, ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه!.
هذا تصور يستحيي القلوب, ويستجيش العقول, ويعلقها جميعا بفاعلية الخالق المتجددة, وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة, وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار.
كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة الله وقدره في هذه الأرض, وبين النشأة الآخرة, التي تتحقق كذلك بمشيئة الله وقدره, علي المنهج الذي يراه الاحياء في نشأة هذه الحياة:( كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون)....
إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة, من وراء أشكالها وصورها وملابساتها.. هذا ما يوحي به هذا التعقيب... وكما يخرج الله الحياة من الموت في هذه الأرض, فكذلك يخرج الحياة من الموتي في نهاية المطاف... إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة, وأشكالها في هذه الأرض, هي المشيئة التي ترد الحياة في الاموات, وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا, لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتي مرة أخري....( لعلكم تذكرون) فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة, ويغرقون في الضلالات والأوهام!.
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( علي كاتبه من الله الرضوان) ما نصه:( بشرا) بضم فسكون الشين, مخفف( بشرا) بضمتين جمع بشير, كنذر ونذر, أي مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق,( أقلت سحابا ثقالا) بما فيه من الماء, وحقيقة اقله: وجده قليلا ثم استعمل بمعني حمله, لأن الحامل يستقل ما يحمله بزعم أن ما يرفعه قليل, و(سحابا) اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء, روعي معناه في قوله:( ثقالا) ولفظه في قوله:( سقناه) و(ثقالا) جمع ثقيلة من الثقل ــ كعنب ــ ضد الخفة ــ قال: ثقل ــ ككرم ــ ثقلا وثقالة, فهو ثقيل وهي ثقيلة,( لبلد ميت) مجدب لا ماء فيه ولا نبات,( كذلك نخرج الموتي) أي كما احيينا الأرض بعد موتها بإحداث القوي النامية فيها, وإنزال الماء عليها, وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتي من الأرض ونبعثهم أحياء في اليوم الآخر.
وذكر بقية المفسرين كلاما مشابها لا أري ضرورة لإعادته هنا.
إرسال الرياح في القرآن الكريم
جاء ذكر الريح بالإفراد والجمع في29 موضعا من القرآن الكريم, منها19 مرة بالإفراد وعشر مرات بالجمع, والريح هو الهواء المتحرك, واغلب المواضع التي ذكر الله تعالي فيها ارسال الريح بلفظ الواحد كانت متعلقة بالعذاب, واغلب المواضع التي جاء فيها ذكر الرياح بصيغة الجمع هي متعلقة بالرحمة, وإن كانت هناك بعض الاستثناءات, وذلك من مثل قوله تعالي:
1 ــ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتي إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان...
(يونس:22).
2 ــ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلي الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين*
(الأنبياء:81)
3 ــ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر...*( سبأ:12)
4 ــ فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب*( ص:36).
5 ــ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام* إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد علي ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور*( الشوري:32:33).
6 ــ... وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات لقوم يعقلون( البقرة:164).
7 ــ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته..*( الأعراف:57)
8 ــ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين*.
(الحجر:22).
9 ــ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله...*( الروم:48)
وتصف الآيات القرآنية حركة الرياح دوما بالتصريف والارسال, وذلك لأنها حركة منتظمة السلوك, ومحكمة التوزيع بدقة فائقة حول الكرة الأرضية علي الرغم من ظاهرها الذي يصفها بالهياج, وعلي الرغم من تعدد وتشابك القوي المحركة, لها, فذلك كله لا يخرجها عن كونها جندا من جند الله يرسلها بالرحمة والعذاب كيفما يشاء.
إرسال الرياح في منظور العلوم المكتسبة
تعرف الرياح بأنها أجزاء من الغلاف الغازي للأرض تتحرك حركة مستقلة عن الأرض ــ علي الرغم من ارتباطها بها ــ في عدد من الاتجاهات المختلفة, التي يمكن إدراكها إلي أرتفاع يصل إلي65 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر.
والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات, وتقدر كتلته بنحو الستة آلاف مليون مليون طن(6120*1210 طن), ويقع اغلب هذه الكتلة(99% من كتلة الغلاف الغازي للأرض) دون ارتفاع50 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر أي دون مستوي نطاق الركود الطبقي
The Stratopause
وعلي ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز اساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض, وأعلي سرعة للرياح تقع فوق نطاق الرجع مباشرة, والذي يتراوح سمكه بين ستة عشر(16) كيلو مترا فوق خط الاستواء, وعشرة كيلو مترات فوق القطبين, وبين سبعة(7) وثمانية(8) كيلو مترات فوق خطوط العرض الوسطي, ولذلك فإن الرياح حينما تتحرك من خط الاستواء في اتجاه القطبين فإنها تهبط فوق هذا المنحني الوسطي, فتزداد سرعتها, هذا بالإضافة إلي أن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يجبر كتل الهواء علي التحرك في اتجاه الشرق بسرعات فائقة تعرف باسم التيارات النفاثة
The Jet Streams
وتنخفض درجة الحرارة في نطاق التغيرات الجوية( نطاق الرجع) باستمرار مع الارتفاع حتي تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته فوق خط الاستواء, وذلك للتباعد عن مصدر الدفء, وهو سطح الأرض الذي يمتص47% من أشعة الشمس أثناء شروقها فترتفع درجة حرارته, ويعيد إشعاع تلك الحرارة علي هيئة أشعة تحت حمراء إلي الغلاف الغازي للأرض بمجرد غياب الشمس فيدفئه.
كذلك ينتاقص الضغط كلما ارتفعنا في الغلاف الغازي للأرض لتناقص كثافة الهواء حتي يصل إلي واحد من ألف من الضغط الجوي فوق مستوي سطح البحر بالارتفاع إلي48 كيلو مترا فوق هذا المستوي.
ويقدر ما يقع من وزن كتلة الغلاف الغازي المحيط بالأرض علي كل فرد من بني الإنسان بنحو الطن, ومن رحمة الله بنا أننا لا نشعر بثقله لأن الضغط الداخلي في جسد كل منا يقاوم هذا الوزن الذي يعرف باسم الضغط الجوي, فنحن نعيش ومعنا بقية الكائنات الأرضية الحية وسط الغلاف الغازي للأرض, كما تعيش الأحياء المائية في داخل وسطها المائي, ويوثر في هذا الضغط الجوي كل من الجاذبية الأرضية, ودرجة حرارة الجو, وتضاريس سطح الأرض, بين عدد من العوامل الأخري.
التغيير في الضغط الجوي أحد عوامل حركة الرياح
تنجم التغيرات في الضغط الجوي اساسا عن التغيرات في كم الحرارة الذي يصل إلي الأجزاء المختلفة من سطح الأرض في أثناء دورانها حول محورها المائل علي دائرة البروج بزاوية مقدارها ست وستون درجة ونصف تقريبا امام الشمس, وفي مدار حولها.
ويؤدي الاختلاف في درجات حرارة الغلاف الغازي للأرض إلي تكون مناطق ذات ضغط مرتفع, وأخري ذات ضغط منخفض, وترسل الرياح بإرادة الله تعالي, وحسب قوانينه وسننه في حركة رأسية وأفقية متصلة من مناطق الضغط المرتفع إلي منطاق الضغط المنخفض حسب شدة انحدار أو ارتفاع خطوط تساوي الضغط حول كل منطقة من مناطق الضغط الجوي.
ويعين علي ذلك سرعة دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق, والتي تساعد في توجيه حركة الرياح وتؤدي إلي تكسر كل من الرياح الساخنة المتدفقة من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين, والرياح الباردة المتدفقة من القطبين في اتجاه خط الاستواء علي هيئة عدد من الخلايا الهوائية الكبيرة بعضها خلايا دافئة ورطبة ترتفع الي اعلي لتكون السحب الممطرة بإذن الله, وبعضها خلايا باردة وجافة تهبط الي اسفل, وبعضها خلايا متوسطة البرودة والجفاف, وهي أيضا تمثل رياحا هابطة إلي أسفل.
ويؤثر دوران الأرض حول محورها أمام الشمس تأثيرا عموديا في حركة الرياح سرعة واتجاها, فتحرفها جهة اليمين بصفة عامة في نصف الأرض الشمالي, وجهة اليسار بصفة عامة في نصفها الجنوبي, ويزداد هذا الاثر في طبقات الجو العليا بمعدلات أكبر مما يؤدي إلي تغيير اتجاه الرياح تدريجيا حتي يصبح موازيا لخطوط تساوي الضغط
Geostrophic Wind
أما قريبا من سطح الأرض فإن الرياح لا تهب بموازاة خطوط تساوي الضغط تماما بسبب احتكاكها مع تضاريس سطح الأرض.
كذلك ترسل الرياح بإذن من الله تعالي في حركات رأسية حيث يدفأ الهواء الملامس لسطح الأرض فيرتفع إلي أعلي, ويحل محله تيار من الهواء البارد الهابط إلي أسفل.
تكون الكتل والجبهات الهوائية
بهذه الحركة الدائبة للرياح أفقيا ورأسيا ينقسم الغلاف الغازي المحيط بالأرض( في نطاقي الرجع والتطابق اساسا إلي اعداد من الكتل الهوائية المتجاورة, والكتلة الهوائية تمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما بينه في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية, تمتد أفقيا لعدة كيلو مترات, ورأسيا بين ثلاثمائة وثلاثة الاف متر, ومن هذه الكتل الهوائية ما هو دافئ, وما هو بارد, ومنها ما هو رطب, وما هو جاف, ومنها ما يغير درجة رطوبته النسبية بمروره فوق مساحات مائية كبيرة أو فوق مساحات من الصحاري الجافة القاحلة.
ويتكون بين الكتل الهوائية المتجاورة أفقيا ورأسيا ما يسمي باسم الجبهات الهوائية, والجبهة الهوائية هي الحد الفاصل بين كتلتين متجاورتين من كتل الهواء المتباينة في درجات حرارتها ورطوبتها النسبية, ولذلك تكون منطقة تفاعل جوي نشط.
وإذا التقت كتلتان من الهواء فإن الباردة منها تنزل تحت الدافئة, ويتكون بينهما منطقة انتقالية هي منطقة الجبهة الهوائية التي تحول دون اختلاطهما, وتفصل بين صفاتهما الفيزيائية والكيميائية, وسرعة الرياح واتجاهاتها في كل منهما.
وعبور الجبهة الهوائية لمنطقة ما يؤثر في ظروفها المناخية تأثيرا بالغا, فإذا كانت الجبهة باردة أدت إلي انخفاض درجات الحرارة, وإلي تكون السحب الطباقية ونزول المطر بإذن الله, وإذا كانت الجبهة دافئة أدت إلي ارتفاع درجة الحرارة, وإلي تكون السحب الركامية
Cumuliformorheapclouds
المتجمعة علي هيئة أكوام مكدسة من السحاب فوق بعضها البعض بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بالأودية والأخاديد, مما يعكس الارتفاعات المتعددة للهواء المشبع ببخار الماء من أماكن متفرقة, واستمرار تدفق الهواء المشبع ببخار الماء إلي أعلي يؤدي إلي زيادة إمكانية تكثف بخار الماء فيها, وبالتالي إلي إمكانية هطول المطر منها بإذن الله.
وتؤدي الكتل الهوائية الدافئة الرطبة إلي تكون كل من السحاب والضباب والندي, ومع إرسال الرياح تتشكل السحب الطباقية بإذن الله
Stratiformorlayeredclouds
وهي تتكون من طبقات تمتد افقيا لمئات من الكيلومترات المربعة تعكس الارتفاع المنتظم للهواء المشبع ببخار الماء عبر مساحات كبيرة, ولذلك فهي عادة ما تكون اغزر انواع السحب إمطارا وأوسعها انتشارا بإذن الله( تعالي).
اما إذا كانت الكتل الهوائية دافئة وجافة, فينتج عنها تكون الصقيع في الصباح الباكر أيام فصل الشتاء, وإثارة الغبار والاتربة والزوابع الشديدة في فصل الصيف خاصة إذا رافقتها رياح شديدة السرعة نسبيا.
المرتفعات الجوية
يعرف المرتفع الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض يتميز بضغط اعلي من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به, ومنها:
(1) المرتفعات الجوية الدافئة التي تتشكل في المناطق شبه المدارية, وتتكون بسبب هبوط, الهواء البارد من اعلي وانضغاطه, وبالتالي ارتفاع درجة حرارته مع زيادة ضغطه.
(2) المرتفعات الجوية الباردة: وتتشكل فوق مناطق الجليد الواسعة بفعل التبريد المستمر للهواء الساكن فوق تلك المناطق مما يؤدي إلي تقلص الهواء وزيادة كثافته وارتفاع ضغطه.
وتعد المناطق الهوائية ذات الضغط المرتفع مصدرا من مصادر إرسال الرياح بإذن الله( تعالي) لأنها تدفع بالهواء الداخل فيها من قمتها إلي أسفل هابطا ليخرج من قاعدتها في اتجاه عقارب الساعة كما تدفع الهواء من حولها بعيدا عن مركزها مما يؤدي إلي حركة الكتل الهوائية, وانتقالها تدريجيا من اماكنها بحركات دورانية رأسية وأفقية واسعة, وهبوط الهواء من الاجواء العليا في المرتفع وانتشاره أفقيا فوق سطح الأرض من عوامل تكون كتلة هوائية مستقرة نسبيا ومتجانسة التركيب.
ويصاحب المرتفع الجوي عادة بشيء من صفاء الجو, مع قلة الرطوبة النسبية, وإن كان خروج تيار الرياح من قاعدة المرتفع قد يثير شيئا من غبار الأرض, ويؤدي إلي تكون عدد من الزوبعات الترابية.
المنخفضات الجوية
يعرف المنخفض الجوي بأنه جزء من الهواء فوق منطقة معينة من الأرض يتميز بضغط أخفض من ضغط الهواء في المناطق المحيطة به, ومنها:
(1) المنخفض الجوي الحراري: وينشأ بسبب تسخين الهواء بملامسته لسطح الأرض مما يؤدي إلي تمدده, وتناقص كثافته وارتفاعه إلي أعلي كما يحدث في المناطق الحارة.
(2) المنخفض الجوي الجبهي: وينشأ عند التقاء جبهتين هوائيتين إحداهما دافئة والاخري باردة, فيصعد الهواء الدافئ إلي أعلي, ويدخل الهواء البارد تحته فتتشكل كتلتان هوائيتان دافئة وباردة.
وتدور الرياح حول المنخفض الجوي في عكس اتجاه عقارب الساعة نحو الداخل وعلي ذلك فإن نمو المنخفض الجوي أو اضمحلاله يعتمد علي معدل دخول الهواء فيه عند سطح الأرض ومعدل خروجه منه إلي أعلي.
وتتحرك الرياح من المرتفع الجوي إلي المنخفض الجوي قرب سطح الأرض, وفي الأجواء العليا تتحرك بشكل افقي معاكس بالنسبة للمرتفع الجوي أي يخرج من قمة المنخفض الجوي بحركة دورانية ليتجه مع الاتجاه السائد للرياح العليا, بينما يدخل في قمة المرتفع الجوي هابطا إلي اسفل ليخرج من قاعدته.
ونظرا لقدوم الكتل الباردة من المناطق القطبية, والكتل الدافئة من المناطق المدارية فإن التقاءهما يكون غالبا فوق مناطق العروض المتوسطة, ونظرا لانحراف الكتل الهوائية في اثناء سيرها نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي, ونحو اليسار في نصفها الجنوبي, فإن الجبهتين عند التقائهما تدور الرياح حول مركز المنخفض في اتجاه معاكس لاتجاه عقارب الساعة. وصعود الهواء الرطب إلي اعلي في منطقة الضغط المنخفض يساعد علي تكثيف مابه من بخار الماء, وعلي تكوين السحب الركامية, وحدوث ظواهر الرعد والبرق فيها وربما إلي نزول المطر بإذن الله.
حركة المنخفضات الجوية والجبهات الهوائية
تتحرك المنخفضات الجوية في غالبيتها من الغرب إلي الشرق مع اتجاه دوران الأرض حول محورها بسرعات تتراوح بين30,20 كم/ ساعة, ويرافقها في حركتها وتدور حولها جبهاتها الهوائية, ويلاحظ تباطؤ سرعة المنخفض الجوي عند مروره فوق اليابسة, وإنحراف اتجاهه نحو القطب الشمالي أو الجنوبي للأرض( حسب وضعه في أي من نصفي الأرض) خاصة إذا صادف تضاريسا معترضة كالسلاسل الجبلية التي يصطدم بها, فتزيد من إمكانية صعوده إلي اعلي, وتكون السحب الركامية, وزيادة امكانية تكثف بخار الماء فيها, وبالتالي إمكانية هطول المطر منها بإذن الله.
ولذلك يمن علينا ربنا( تبارك وتعالي) بقوله( عز من قائل):
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون*( الاعرف:57)
وتشير الآية الكريمة إلي حركات الرياح, الافقية والرأسية, ودورها في تكوين وحمل السحاب الثقال( المزن المثقلة بما فيها من قطرات الماء), وسوقه أفقيا إلي حيث يشاء الله( تعالي), وإنزال ما به من ماء( حين تصل كتلة قطرة الماء حدا لا يقوي السحاب علي حمله), فيحيي به الله( تعالي) الأرض بعد موتها ويخرج به من كل الثمرات, ويضرب ذلك مثلا لإخراج الموتي, فسبحان الذي أنزل القرآن بهذه الدقة العلمية الفائقة حتي في مقام ضرب المثل, وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الأمي الذي تلقاه وعلي آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلي يوم الدين.
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات