لماذا الحجاب ؟

ربّما توحي كلمة ( الحجاب) والتي تعني الستر الشرعي بمعنى سلبي، وكأنّ الاسلام يريد للمرأة أن تحتجب عن المجتـمع وتنعزل عنـه فلا تمارس دورها فيه . وهذا ما قد ركّزته بعض الأحاديث الموضوعة التي تتعارض مع صريح القرآن الكريم( من ذلك قوله تعالى : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) التوبة / 71 .) في دفع المرأة إلى ممارسـة دورها الرسالي والسـياسي والاجتماعي ، كالقـول : «النساء عيّ وعورات ، فداووا عيّهنّ بالسكوت وعوراتهنّ بالبيـوت» ، والقول : «فاحبسوا نساءكم يا معشر الرجال» وغيرها ، في حين أنّ الواقع التاريخي لمسيرة المرأة لا يلتقي مع ذلك ، فلقد كانت تخطب وتشارك في المعارك كمداوية للجرحى ، وساقية للعطاشى ، أو مستنهضة للعزائم والهِمَم ، وتساهم في النشاطات العامّة بما لا يخرجها عن حدود الالتزام والعفّة .
ولذلك فإنّ من الأنسـب في التعـبير هو ( الستر الشرعي ) ; لأنّ مصطلح الحجاب لم يرد في أيّ من كتب الشريعة ، وإنّما هو اصطلاح دارِج ، ومع ذلك فإنّنا سنستعمله في الاشارة إلى الستر .
فلماذا أراد الله للفتاة أو المرأة أن تستتر ؟
لقد أجبـنا عن ذلك بعض الإجابة ، وقد تأكّد ـ فيما سبق ـ أنّ الاسلام يريد التركيز على إنسانية المرأة دون أن يلغي خصوصيتها الاُنثوية .
ولم يُحدِّد الاسـلام شكلاً معيّناً للستر ، بل تحدّث عنه في الاطار العام والمواصفات التي يجب أن يتّصف بها لباس المرأة دون الخوض في تفاصيل اللون والشكل وتصميم الأزياء ، وذلك ضمن النقاط التالية :
1 ـ أوجب على المرأة ستر ما زاد عن الوجه والكفّين ـ وعلى بعض الآراء القدمين أيضاً ـ وذلك لغير الزوج والمحارم كالأب والعم والخال والإخوة ، وأجاز النظر إلى تلك المساحة المحدودة على اعتبار أنّ هذه المواضع ( الوجه والكفّين ) هي ممّا تحتاجه المرأة في التعامل الاجتماعي .
2 ـ أوجب عليها أن تستر فتحة الصّدر، لأ نّها من مواضع الإثارة، وذلك هو قوله تعالى: (وليضرِبنَ بخمرهنّ على جيوبهنّ )( النور / 31 .)، والخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس، والجيوب جمع جيب وهو فتحة الصّدر من الثوب . فالواجب على الفتاة أو المرأة المسلمة أن تُغطِّي رأسها بخمارها ، وأن تستر به صدرها ونحرها وعنقها ، حتى لاينكشف شيء من هذه المفاتن لنظرات المتطلِّعين، وحتى لاتكون المرأة المسلمة كالمرأة المتبرِّجة في الجاهلية (ولا تبرّجنَ تبرّجَ الجاهليّة الاُولى ) (الأحزاب / 33 ) ، لأنّ التبرّج لغةً هو إظهار ما يجب إخفاؤه . ولقد كانت المرأة في الجاهلية تخرج وتمشي بين الرجال، لها مشية تكسّر وتغنّج، وتلقي الخمار على رأسها ولاتشدّه، فتبدو في زينتها .
3 ـ أوجبَ عليها أن لا تُبدي زينتها إلاّ ما ظهر منها ، ويُقال إنّ المراد من الزينة هي الزينة الطبيعية كالشعر والمحاسن الجسمية ، فيجوز إظهار ما بدا منها ، وهما الوجـه واليدان . وأمّا الزينة الاصطناعية ، كالأصباغ والمسـاحيق ، فلا يجـوز إظهارها (وإن يستعففنَ خير لهنّ ) (النور / 60 . ) .
ولقد صدق مَن قال : «لقد تساهل الاسلام مع المسنّات وشدّد على الشابّات ـ في مسألة الحجاب ـ ولكن جاء العمل على عكس ما أمر القرآن الكريم، حيث نرى التبرّجوالتهتّك في الشابّات والتستّر والتحفّظ من المسنّات ، فتساهلنَ فيما شددّ الله ، وتشدّدن فيما تساهل» ( محمدجواد مغنية : الفقه على المذاهب الخمسة ، ص 91 ) .
4 ـ في الستر الشرعي، أراد الاسلام لملابس المرأة أن تكون موافقة لشروطه ، وهي :
أ ـ أن تغطِّي جميع الجسم عدا المستثنى منه (ما ظهر منها ) .
ب ـ أن لا يشفّ ولا يصف ما تحته ، أي أن لا يكون رقيقاً يحكي البشرة ويبرزها .
ج ـ أن لا يحدِّد أجزاء الجسم أو يبرز مفاتنه ، أي أن لا يكون مثيراً للشهوات ، وذلك قوله تعالى : (يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ )(الأحزاب / 95 . )، وأن لايكون مصداقاً للتبرّج بأن ترتدي الفتاة أو المرأة لباساً يستر جسدها ، لكن موضته ـ أي طريقة صناعته أو خياطته ـ تخلق حالة من الإثارة ربّما تفوق إظهار المفاتن .

الحجاب والحرِّية :
والآن نحاول أن نجيب على الأسئلة التالية ، لنرى هل أنّ الاسلام أراد أن يضيِّق حرِّية المرأة بتكليفها بارتداء السّتر ؟
أ ـ ما هو مفهوم الحرِّية في الاسلام ؟
ب ـ ما هي ضوابط ممارسة الحرِّيات ؟
ج ـ هل الحجاب يناقض الحرِّية ؟

أ ـ فالحرِّية في معناها العام هي : «نفي سيطرة الغير .. والقاعدة الأساسية للحرِّية في الاسلام هي : التوحيد والايمان بالعبودية المخلصة لله الذي تتحطّم بين يديه كلّ القوى الوثنية التي هدّدت كرامة الانسان على مرّ التاريخ» .
فعملية التحرير تنطلق من داخل الانسان نفسه بتحكّمه بإرادته ومسيرته وشهواته ، ولذلك فإنّنا : «إذا جمّدنا في الانسان القدرة التي تمكِّنه من السيطرة على شهواته ، واكتفينا بمنحه الحرِّية الظاهرة في سلوكه العملي ، ووفّرنا له بذلك كلّ إمكانات ومغريات الاستجابة لشهواته ، كما صنعت الحضارات الغربية الحديثة ، فقد قضينا بالتدريج على حرِّيتـه الانسانية في مقابل شهوات الحيوان الكامن في أعماقه ، حتى إذا التفت إلى نفسه في أثناء الطريق ، وجد نفسه محكوماً لا حاكماً ، ومغلوباً على أمره وإرادته» ( ) .
فالحرِّية بهذا المعنى الاسلامي حرِّيتان :
حرِّية داخليـة ، تنبع من مقـدار التحكّم والسيطرة على شهوات الانسان .
وحرِّية خارجية ، وهي التحرّر من سيطرة الآخرين وظلمهم وضغوطاتهم .
وهما حرِّيـتان متكاملتان ، فلا يمكن أن نجمِّـد إحداهما ونطلق الاُخرى ، وإذا تزاحمتا ، أي لم يكن لنا خيار سوى حرِّية واحدة ، فإنّنا نفسح المجال للحرِّية الاُولى لأ نّها الحرِّية الحقيقية التي يشعر معها الانسان بحرِّيته وعزّته حتى ولو كان يقبع في داخل زنزانة .
ويمكن أن نلخِّص أهم معالم الحرِّية الاسلامية من خلال تعريفها في النقاط التالية :
1 ـ الحرِّية تستبطن المسـؤولية ، فأنتَ حرّ يعني أنتَ مسؤول ، ولا بدّ أن تقدِّم تفسيراً معقولاً لكلّ ما تقوم به .
2 ـ والحرِّية نظام ، فهي تنظِّم الحركة وتضع لها ضوابطها وتفسح لها المجال حيثما كان في ذلك الخير والصلاح ، وتمنعها حيث تصبح تعدِّياً على حرِّيات الآخرين ، فهي قانون وليست ضدّ القانون .
3 ـ والحرِّية اختيار ، لأ نّها تقوم على أساس أنّ الأصل في طبيعة الانسان الخير .
4 ـ والحرِّية علم وثقافة ، لأ نّها تقوم على تشخيص الحقائق ومعرفة الأشياء الضارّة والنافعة .
5 ـ والحرِّية تشريع يتـحرّك في دائرة المـباحات ، ولا حرِّية مع الواجب والمحرّم .
6 ـ والحرِّية تجربـة ومنهج اسـلامي شـامل ، ينضـج بالوعـي والممارسة الصحيحة .
هذه هي أهم معالم الحرِّيـة في الاسـلام ، وما عداها فـ ( حرِّية ) مزيّفة أو لنَقُل ناقصة ، فلقد ركّزت وسائل الاعلام على تحرير الشكل الخارجي للمرأة ، والذي يعتبر شكلاً آخر للعبودية يهدف إلى إضفاء مسحة من الجمال الظاهري على الأَمَة القديمة ليس إلاّ .
فلقد كان عربُ الجاهلية يعتبرون (ذات النقاب) حرّة و(المتجرِّدة) أمَة ، أي أ نّهم أعطوا صفة الحرِّية للمرأة المستترة ، وكان يمكن أن تعتبر سجينة النقاب أو مُضيّقاً عليها ، وأعطوا صفة العبودية للمتبرِّجة .
فالحرِّية المزعومة هي شعار للاستغلال وليس دعوة مخلصة لانقاذ المرأة أو تحريرها ، والحقيقة هي كما عبّرت عنها إحدى الكاتبات «قال لها الرجل : إنّها حرّة في تصرّفاتها وفي كلّ شيء ، وهي في الواقع مُقيّدة بإرضاء الرجل ، أي رجل كان ، وإشباع رغباته» ( بنت الهدى : المرأة مع النبيّ ، ص 88 .) .
ويمكن لنا أن نتمثّل حرِّية الغرب الداعيـة إلى الخلاعة والمجون ، من خـلال الاحصاءات المريعـة ، التي تتحدّث عن الحمل والولادة والاجهاض قبل الزواج ، وأثر الأفلام الخليعة . كما يمكن أن نتعرّف على زيف شعار الحرِّية في بلد كفرنسا من خلال طرد بعض الفتيات المحجّبات من مدارسهنّ ، حيث اعتبر حجابهنّ رمزاً دينياً تبشيرياً يثير الخلافات بين الطالبات !!
يُضاف إلى ذلك أنّ بعض أسباب الطلاق وانتشار الفحشاء هو من بعض الثمار الفجّة للتبرّج ، وسنضرب لذلك بعض الأمثلة والشهادات الميدانية .
ب ـ وحتى لا يُساء اسـتعمال الحرِّية في الاسلام ، وضع المشرِّع تنظيمات وضوابط ، فالحرِّية في الاسلام ليست مُطلقة بل قُيِّدت داخلياً بالخضـوع لحكم الارادة والعقل والضمـير ، وخارجياً بالاجـراءات القانونية التي يُطلق عليها ( الآداب العامّة ) ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتشريعات الاسلامية الاُخرى .
ولمّا كانت الارادة تضعف أحياناً أمام الضـغوطات ، كان لا بدّ من ضوابط تحفظها من ذلك الضعف ، وأهمّها ( الثواب ) و ( العقاب ) ، إلى جانب إجراءات القانون الاسلامي ، وهو نظام تشريعي غير خاضع للأهواء والأمزجة .
ولعلّنا نجد في مثال يوسـف (عليه السلام) اختيار السجن أو تفضيله على الحرِّية المنحرفة ، مثلاً اسلامياً بليغاً ـ للمرأة وللرجل ـ في الحفاظ على روحية الحرِّية التي يتحرّك بها الانسان المؤمن ، ويحاذر أشدّ المحاذرة من السقوط تحت أقدام المعصية ، فلقد قيّد حرِّيتـه الجسدية من أجل أن يطلق حرِّيته الايمانية والروحـية : (قال ربِّ السِّجن أحبّ إليَّ ممّا يدعـونني إليه وإلاّ تَصرِف عـنِّي كيدهـنّ أصبُ إليهـنّ وأكن من الجاهلين ) ( يوسف / 33 ) .
ج ـ وأمّا الإجابـة عن السـؤال الأهم : هل الحـجاب و ( السـتر الشرعي) يناقض الحرِّية ؟
فلنستمع إلى آراء بعض علماء الاسلام وأصحاب الرأي في ذلك :
ـ «إنّ ستر البدن باستثناء الوجه والكفّين لا يحول دون أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي ، وإنّ الذي يؤدِّي إلى تعطيل الطاقة العملية للمجتمع هو تلويث محيط العمل بالممارسات الشهوانية» ( مرتضى المطهّري : مسألة الحجاب ، ص 64 .) .
ـ «رأي الاسلام الصريح أنّ الحجاب إنّما هو ضمان قانوني للعفّة ، يصونها عن الانزلاقات العاطفية التي توجبها فتنة العري ، وعن الاعتداء الأثيم الذي تمكّن له مظاهر التبرّج والخلاعة» ( محمد أمين زين الدين : العفاف بين السّلب والايجاب ، ص 13 ) .
ـ ( إنّ الاسـلام لم يفرض على المرأة ـ كما يُقال ـ أن تظلّ حبيسـة البيت لا تخرج منه إلاّ إلى القبر ، بل أباح لها الخروج إلى الصلاة وطلب العلم وقضاء الحاجات وكلّ غرض ديني أو دنيوي مشروع ، كما كان يفعل ذلك نساء الصحابة ومن بعدهم من خير القرون ، وكان منهنّ مَن يخرج للمشاركة في القتال والغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده من الخلفاء والقوّاد . وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجه سودة : «قد أذن الله لكنّ أن تخرجن لحوائجكنّ» ، وقال : «إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها» ، وفي حديث آخر : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ) (يوسف القرضاوي : الحلال والحرام في الاسلام ، ص 258 . ) .
ـ وتقول إحدى الكاتبات : «إنّ فلسفة الحجاب أ نّه يجعل النساء أكثر تحرّراً ، فهو يجنِّبهنّ أن يكنّ مجرّد رموز جنسية أمام الناظرين ، وأن يقعنَ في فخِّ الثوب الغربيّ وتعاليم الأزياء الغربية» (رنا قبّاني : رسالة إلى الغرب ، ص 60 ) .
من هذه الآراء ، وغيرها كثير ، التي تلتـقي على فهم واحد لمعنى الحجاب في الاسـلام ، نخلص إلى أنّ الحرِّية تتسع في أجواء العفّة والاحتشام ، وتضـيق فتنحـصر في النزوات والشهوات إذا كانت تتحرّك في إطار جنسي بحت