الفصل السابع:
"إدانة الآخرين"
"لا تَدينوا لِئلاَّ تُدانوا. 2فكما تَدينونَ تُدانونَ، وبِما تكيلونَ يُكالُ لكُم. 3لماذا تَنظُرُ إلى القَشَّةِ في عَينِ أخيكَ، ولا تُبالي بالخَشَبَةِ في عَينِكَ؟ 4بلْ كيفَ تقولُ لأخيكَ: دَعْني أُخرجِ القَشَّةَ مِنْ عَينِكَ، وها هيَ الخَشبَةُ في عينِكَ أنتَ؟ 5يا مُرائيٌّ، أخْرجِ الخشَبَةَ مِنْ عَينِك أوَّلاً، حتى تُبصِرَ جيَّدًا فَتُخرِجَ القَشَّةَ مِنْ عَينِ أخيكَ.
6لا تُعطوا الكِلابَ ما هوَ مُقَدَّسٌ، ولا تَرموا دُرَرَكُم إلى الخنازيرِ، لِئلاَ تَدوسَها بأَرجُلِها وتلتَفِتَ إلَيكُم فتُمزَّقَكُم.
أطلبوا تجدوا.
7"إسألُوا تُعطَوا، إطلُبوا تَجِدوا، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم. 8فمَن يَسألْ يَنَلْ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه. 9مَنْ مِنكُم إذا سألَهُ اَبنُهُ رَغيفًا أعطاهُ حَجَرًا، 10أو سَألَهُ سَمَكةً أعطاهُ حَـيَّةً؟ 11فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ لأَبنائِكُم، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ يَسألونَهُ؟
12عامِلوا الآخَرينَ مِثلَما تُريدونَ أنْ يُعامِلوكُم. هذِهِ هيَ خُلاصةُ الشَّريعةِ وتَعاليمِ الأنبياءِ.
الباب الضيّق.
13"أُدْخُلوا مِنَ البابِ الضيَّقِ. فما أوسَعَ البابَ وأسهلَ الطَّريقَ المؤدَّيةَ إلى الهلاكِ، وما أكثرَ الَّذينَ يسلُكونَها. 14لكِنْ ما أضيقَ البابَ وأصعبَ الطَّريقَ المؤدَّيةَ إلى الحياةِ، وما أقلَ الَّذينَ يَهتدونَ إلَيها.
الشجرة وثمرها.
15"إيَّاكُم والأنبياءَ الكَذَّابينَ، يَجيئونَكُم بثِيابِ الحُملانِ وهُم في باطِنِهِم ذِئابٌ خاطِفةٌ. 16مِنْ ثِمارِهِم تعرِفونَهُم. أيُثمِرُ الشَّوكُ عِنَبًا، أمِ العُلَّيقُ تِينًا؟ 17كُلُّ شَجرَةٍ جيَّدةٍ تحمِلُ ثَمرًا جيَّدًا، وكُلُّ شَجَرةٍ رَديئةٍ تحمِلُ ثَمرًا رَديئًا. 18فما مِنْ شَجرَةٍ جيَّدةٍ تَحمِلُ ثَمرًا رَديئًا، وما من شَجرَةٍ رَديئةٍ تَحمِلُ ثَمرًا جيَّدًا. 19كُلُّ شَجرَةٍ لا تَحمِلُ ثَمرًا جيَّدًا تُقطَعُ وتُرمَى في النَّارِ. 20فمِنْ ثِمارِهِم تَعرِفونَهُم.
القول والعمل.
21"ما كُلُّ مَنْ يقولُ لي: يا ربٌّ، يا ربٌّ! يدخُلُ مَلكوتَ السَّماواتِ، بل مَنْ يَعملُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ. 22سيَقولُ لي كثيرٌ مِنَ النّاسِ في يومِ الحِسابِ: يا ربٌّ، يا ربٌّ، أما باَسمِكَ نَطَقْنا بالنٌّبوءاتِ؟ وباَسمِكَ طَرَدْنا الشَّياطينَ؟ وباَسمِكَ عَمِلنا العجائبَ الكثيرةَ؟ 23فأقولُ لهُم: ما عَرَفتُكُم مرَّةً. اَبتَعِدوا عنَّي يا أشرارُ!
مثل البيتين.
24"فمَنْ سمِعَ كلامي هذا وعمِلَ بِه يكونُ مِثْلَ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بَيتَهُ على الصَّخْرِ. 25فنزَلَ المَطَرُ وفاضتِ السٌّيولُ وهَبَّتِ الرِياحُ على ذلِكَ البَيتِ فما سقَطَ، لأنَّ أساسَهُ على الصَّخرِ 26ومَنْ سَمِعَ كلامي هذا وما عمِلَ بِه يكونُ مِثلَ رَجلٍ غَبـيٍّ بنَى بَيتَهُ على الرَّملِ. 27فنَزَلَ المطَرُ وفاضَتِ السٌّيولُ وهَبَّتِ الرَّياحُ على ذلِكَ البَيتِ فسَقَطَ، وكانَ سُقوطُهُ عَظيمًا".
28ولمّا أتمَّ يَسوعُ هذا الكلامَ، تَعَجَّبتِ الجُموعُ مِنْ تَعليمِه، 29لأنَّهُ كانَ يُعَلَّمُهُم مِثلَ مَنْ لَه سُلطانٌ، لا مِثلَ مُعلَّمي الشَّريعةِ".
هذا كلام نبيل ونفيس فى مجمله، لكنه يحتاج لبعض توضيح: فالحياة لا تستغنى أبدا عن الدينونة، وإلا لم تستقم أمورها ولاستطال البغاة فى غَيّهم وعدوانهم ما داموا لا يجدون من يدينهم، فضلا عمن يردعهم! بيد أن المسيح، فيما أتصور (إذا كان هو قائل هذا الكلام، وهو فى الواقع أشبه بأن يكون صادرا من فم نبى)، لا يقصد هذا، بل مقصده أن يشتغل كل شخص بعيوبه قبل الانتباه لعيوب سواه. فإن كان كذلك فنَعَمْ ونعام عين! أما فى الإسلام فيقول الرسول الكريم: "كما تَدِين تُدَان"، وفرق كبير بين هذا وذاك، فكلام الرسول معناه أن علينا تحرى العدل عند محاسبة الآخرين مثلما نريد منهم مراعاته فى محاسبتنا. أى أنه لا بد من الحساب، لكن بالعدل لا بترك الحساب جملةً، وإنْ حَبَّبَ الإسلام فى العفو والتسامح لكن دون أن يوجبه أو يجعله هو الأصل، وإلا لاستحالت الحياة الاجتماعية وأصبح الأمر فوضى لا تطاق. ولنتصور مجتمعا دون شُرْطة ولا محاكم ولا قضاة، ولنتصور الرزايا التى يمكن أن تنهال على رؤوس الناس حينئذ، ولنتساءل: هل من المستطاع العيش فى مثل ذلك المجتمع؟ يا له من عذاب! ومن الآيات التى تحبب فى العفو قوله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" (الشورى/ 40)، "وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم" (البقرة/ 237)، "وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" (التغابن/ 14)، "خذ العفو، وأْمُرْ بالعُرْف، وأَعْرِضْ عن الجاهلين" (الأعراف/ 199)، "إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًّا قديرا" (النساء/ 149)... إلخ. كذلك يحتاج الباب الضيق (وهو أيضا عنوان رواية لأندريه جيد كتب مقدمة ترجمتها العربية د. طه حسين) إلى شىء من التوضيح، وأغلب الظن أنه هو نفسه ما أراده الرسول حين قال: "حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات". أى أن طريق النار سهل لأن الإنسان لا يبذل فيه جهدا بل يكفى أن يتبع صوت شهواته، أما طريق الجنة فكله مجاهدات وحرمانات. لكن ليس معنى إيثار الباب الضيق أن يترك الإنسان اليسر إلى العسر، فهذه مسألة أخرى، وإلا فالمراد هو أن يختار، من طريق الجنة المحفوف بالمكاره كما رأينا، المسار الأكثر يسرا.
أما قوله عليه السلام: "إسألُوا تُعطَوا، إطلُبوا تَجِدوا، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم. 8فمَن يَسألْ يَنَلْ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه. 9مَنْ مِنكُم إذا سألَهُ اَبنُهُ رَغيفًا أعطاهُ حَجَرًا، 10أو سَألَهُ سَمَكةً أعطاهُ حَـيَّةً؟ 11فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ لأَبنائِكُم، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ يَسألونَهُ؟12عامِلوا الآخَرينَ مِثلَما تُريدونَ أنْ يُعامِلوكُم. هذِهِ هيَ خُلاصةُ الشَّريعةِ وتَعاليمِ الأنبياء" فإن كثيرا من الناس سوف يخطئون فهمه، إذ يظنون أن المقصود الدعاء، على حين أنه، صلى الله عليه وسلم، لم يحدد طبيعة الطلب المذكور هنا، ولا شك أن الكلام أبعد مرمى من الإشارة إلى الدعاء، وأن المقصود هو أن الإنسان إذا ما أراد الحصول على خير من خيرات الدنيا فعليه أن يبذل جهده فى سبيل الوصول إلى ما يريد ولا يكتفى بالدعاء، وإلا فلن يطول شيئا بالمرة، فالسماء لا تمطر من تلقاء نفسها ذهبا ولا فضة، وإنما تمطر ذهبا وفضة وياقوتا ولؤلؤا ومرجانا وألماسا وكل ما تشتهيه الأنفس إذا ما عمل الإنسان واجتهد كما يحدث فى كل الأمم المتقدمة، أما الأمم المتخلفة مثلنا فتظن أنه يكفى أن يرفع الواحد أكف الضراعة والنهنهة نحو السماء فيسقط الحمام فى فمه مشويا وينهضم حتى دون أن يبذل جهدا فى المضغ والبلع والهضم. ولم لا، وهو تنبل من تنابلة السلطان يظن نفسه فى تكية قد ورثها عن أبيه وأمه؟ لا بد إذن، كما قال السيد المسيح وكما كرر رسولنا الكريم، من العمل بأسناننا وأظافرنا كى ننجح ونتفوق ونستمتع بالحياة ويقلّ ألمنا فيها إلى أدنى درجة ممكنة. أما ما نراه حولنا فى كل مكان من الكسل والتنبلة حتى فى الدعاء، أو أسلوب سلق البيض إذا تخلينا عن تنبلتنا، فنتيجته هى ضيق المساكن وطفح المجارى وزحام المواصلات وقذارة الشوارع والتشويه الذى يحاصر العين أينما اتجهتْ والضجيج الذى يُصِمّ الآذان ويَفْرِى الأعصاب والشتائم المقذعة التى تنم عن قلة أدب متأصلة والإنتاج القليل الهزيل الذى لا يستطيع الصمود ولا المنافسة مع الإنتاج المستورد والجهل المطبق والوسواس القهرى عند الطلاب والطالبات الذى لا يعطى الأستاذَ فرصة للراحة أبدا من الأسئلة السخيفة التى تنهال عليه منذ أول الدراسة وقبل أن يقول أحد من الأساتذة فى أى مقرر: "يا فتاح يا عليم! يا رزاق يا كريم!" مِنْ مثل: ما الذى ستحذفه من المقرر؟ كيف سيأتى الامتحان؟ كم سؤالا إجباريا؟ وكم سؤالا اختياريا؟ ما الذى ينبغى أن نركز عليه من أبواب المقرر؟ كيف نستذكر الكتاب: نحفظه أم نفهمه؟ ودَعُونا من البراشيم وأدعية الصباح يوم الامتحان أن يكرمهم الله فيوقف لهم فى اللجنة ابن الحلال الذى يساعدهم على الغش، أو على الأقل يتركهم يغشون حتى يكرم الله أولاده ويوقف لهم بدورهم ملاحظًا نصّابًا مثله، لا بارك الله له فيما يأخذه من أجر على المراقبة الكاذبة الخاطئة! ونادرا ما يخطئ طالب فيسأل أستاذه فى شىء من العلم! والنتيجة هى هذا التخلف العقلى الذى نعانى كلنا منه رغم المليارات التى تُنْفَق عبثا على ما يسمى: "العملية التعليمية"، والذى يجعلنا نردد فى حسرة نرجو من الله ألا تجلب لنا الضغط والسكر: "أمة "اقرأ" لا تقرأ"! أما الطلاب فلا أسعد ولا أرضى عن حياتهم وأنفسهم! وليخبط أجعص أستاذ رأسه فى أصلب حائط! يا خلق هوووووووووووه: "إسألُوا تُعطَوا، إطلُبوا تَجِدوا، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم. 8فمَن يَسألْ يَنَلْ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه".
لكن الكلمة التالية: "لا تُعطوا الكِلابَ ما هوَ مُقَدَّسٌ، ولا تَرموا دُرَرَكُم إلى الخنازيرِ، لِئلاَ تَدوسَها بأَرجُلِها وتلتَفِتَ إلَيكُم فتُمزَّقَكُم"، التى تُنْسَب للسيد المسيح، صلى الله عليه وسلم، وإن بدت سهلة التنفيذ، فإنها عند التطبيق تسبب مشكلة كبيرة، إذ كيف نميز بين الكلاب والخنازير من جهة، وبين البشر الذين يعرفون قيمة ما نلقيه أمامهم من درر ويستطيعون الاستفادة منه من جهة أخرى، قبل أن نجرب الناس جميعا؟ بل كيف يمكننا الاطمئنان إلى أن من هم كلابٌ وخنازيرُ الآن لن ينقلبوا مع الأيام ويصبحوا بشرا عاقلين راقين يمكنهم تقدير تلك الجواهر والانتفاع بها؟ ثم هل من صلاحيتنا القيام بفرز الطيبين من الخبيثين وإهمال الأخيرين والتركيز على الأولين وحدهم؟ الذى أعرفه أن دعوة الله ينبغى أن تُبْذَل للجميع دون تفرقة أو تمييز كما هو الحال مع ضياء الشمس وذرات الهواء، ثم إن لكل إنسان بعد هذا عقله وتقديره، وهو المسؤول عن مصيره وخلاصه. من هنا فإن الفقرة المذكورة تربك عقلى قليلا ولا أدرى كيف ينبغى التصرف إزاءها.
كذلك هناك الكلمة التى تتوعد بالنار والعذاب من يبدّلون بعد رحيل السيد عنهم: "21"ما كُلُّ مَنْ يقولُ لي: يا ربٌّ، يا ربٌّ! يدخُلُ مَلكوتَ السَّماواتِ، بل مَنْ يَعملُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ. 22سيَقولُ لي كثيرٌ مِنَ النّاسِ في يومِ الحِسابِ: يا ربٌّ، يا ربٌّ، أما باَسمِكَ نَطَقْنا بالنٌّبوءاتِ؟ وباَسمِكَ طَرَدْنا الشَّياطينَ؟ وباَسمِكَ عَمِلنا العجائبَ الكثيرةَ؟ 23فأقولُ لهُم: ما عَرَفتُكُم مرَّةً. اَبتَعِدوا عنَّي يا أشرارُ!". وأنا لا أستطيع إلا أن أرى فيها إشارة إلى تلاميذه، إذ هم الوحيدون الذين أعطاهم مقدرة على صنع المعجزات الشفائية، وسلطانا على الشياطين يخرجونهم به من أجساد الممسوسين. وهذا الكلام لا أقوله من لدنّى، بل الذى قاله كاتب الإنجيل: "ودَعا يَسوعُ تلاميذَهُ الاثنيَ عشَرَ وأعْطاهُم سُلطانًا يَطرُدونَ بِه الأرواحَ النَّجسَةَ ويَشْفونَ النّاسَ مِنْ كُلٌ داءٍ ومرَضٍ" (متى/ 10/ 1).
الفصل الثامن:
"شفاء الأبرص.
ولمّا نزَلَ يَسوعُ مِنَ الجبَلِ، تَبِعَتْهُ جُموعٌ كبـيرةٌ. 2ودَنا مِنهُ أبرَصُ، فسجَدَ لَه وقالَ: "يا سيَّدي، إنْ أرَدْتَ فأنْتَ قادِرٌ أنْ تُطَهَّرَني". 3فمَدَّ يَسوعُ يدَه ولَمَسهُ وقالَ: "أُريدُ، فاَطهُرْ!" فطَهُرَ مِنْ بَرَصِهِ في الحالِ. 4فقالَ لَه يَسوعُ: "إيّاكَ أن تُخبِرَ أحدًا. ولكن اَذهَبْ إلى الكاهنِ وأرِهِ نَفسَكَ. ثُمَّ قَدَّمِ القُربانَ الَّذي أمرَ بِه موسى، شَهادةً عِندَهُم".
شفاء خادم الضابط.
5ودخَلَ يَسوعُ كَفْرَناحومَ، فجاءَهُ ضابِطٌ رومانِـيٌّ وتَوَسَّلَ إلَيهِ بِقولِهِ: 6"يا سيَّدُ، خادِمي طَريحُ الفِراشِ في البَيتِ يَتوَجَّعُ كثيرًا ولا يَقدِرُ أنْ يَتحرَّكَ". 7فقالَ لَه يَسوعُ: "أنا ذاهبٌ لأشفِـيَهُ". 8فأجابَ الضّابِطُ: "أنا لا أستحِقٌّ، يا سيَّدي، أنْ تَدخُلَ تَحتَ سقفِ بَيتي. ولكِنْ يكفي أنْ تَقولَ كَلِمَةً فيُشفى خادِمي. 9فأنا مَرؤوسٌ ولي جُنودٌ تَحتَ أمري، أقولُ لِهذا: إذهَبْ! فيذهَبُ، ولِلآخَرِ: تَعالَ! فيجيءُ، ولِخادِمي: إعمَلْ هذا، فيَعْمَلُ". 10فتعجَّبَ يَسوعُ مِنْ كلامِهِ وقالَ لِلَّذينَ يَتبَعونَهُ: "الحقَّ أقولُ لكُم: ما وجَدتُ مِثلَ هذا الإيمانِ عِندَ أحَدٍ في إِسْرائيلَ. 11أقولُ لكُم: كثيرونَ مِنَ النَّاسِ سيَجيئونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ ويَجلِسونَ إلى المائدةِ معَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ في مَلكوتِ السَّماواتِ. 12وأمّا مَنْ كانَ لَهُمُ المَلكوتُ، فيُطْرَحونَ خارِجًا في الظٌّلمَةِ، وهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ".
13وقالَ يَسوعُ للضّابِطِ: "إذهَبْ، وليَكُنْ لكَ على قَدْرِ إيمانِكَ". فشُفِـيَ الخادِمُ في تِلكَ السّاعةِ.
شفاء حماة بطرس.
14ودَخَلَ يَسوعُ إلى بَيتِ بُطرُسَ، فوَجَدَ حَماةَ بُطرُسَ طَريحَةَ الفِراشِ بالحُمَّى. 15فلَمَسَ يدَها، فتَركَتْها الحُمَّى. فقامَت وأخَذَتْ تَخدُمُه.
16وعِندَ المساءِ، جاءَهُ النَّاسُ بِكثيرٍ مِنَ الَّذينَ فيهِم شَياطينُ، فأخرَجَها بِكَلِمةٍ مِنهُ، وشفَى جميعَ المَرضى. 17فتَمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ إشَعْيا: "أخذَ أوجاعَنا وحمَلَ أمراضَنا.
يسوع أم العالم.
18ورأى يَسوعُ جُمهورًا حَولَهُ، فأمَرَ تلاميذَهُ بالعُبورِ إلى الشّاطِـئِ المُقابِلِ. 19فدَنا مِنهُ أحَدُ مُعلَّمي الشَّريعةِ وقالَ لَه: "يا مُعلَّمُ، أتبَعُكَ أيْنَما تَذهَبُ". 20فأجابَهُ يَسوعُ: "للثَّعالِبِ أوكارٌ، ولِطُيورِ السَّماءِ أعشاشٌ، وأمّا اَبنُ الإنسانِ، فلا يَجِدُ أينَ يُسنِدُ رأسَهُ".
21وقالَ لَه واحدٌ مِنْ تلاميذِهِ: "يا سيَّدُ، دَعْني أذهَبُ أوّلاً وأدفِنُ أبـي". 22فقالَ لَه يَسوعُ: "إتبَعْني واَترُكِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهُم!"
يسوع يهدئ العاصفة.
23ورَكِبَ يَسوعُ القارِبَ، فتَبِعَهُ تلاميذُهُ. 24وهَبَّتْ عاصِفةٌ شديدةٌ في البَحرِ حتى غَمَرتِ الأمواجُ القارِبَ. وكانَ يَسوعُ نائمًا. 25فدَنا مِنهُ تلاميذُهُ وأيقَظوهُ وقالوا لَه: "نَجَّنا يا سيَّدُ، فنَحنُ نَهلِكُ!" 26فأجابَهُم يَسوعُ: "ما لكُمْ خائِفينَ، يا قليلي الإيمانِ؟" وقامَ واَنتَهرَ الرَّياحَ والبحرَ، فحَدَثَ هُدوءٌ تامٌّ. 27فتعَجَّبَ النّاسُ وقالوا: "مَنْ هذا حتى تُطيعَهُ الرَّياحُ والبحرُ؟"
طرد الشياطين وغرق الخنازير.
28ولمّا وصَلَ يَسوعُ إلى الشّاطئِ المُقابِلِ في ناحيةِ الجدريـّينَ اَستقْبَلَهُ رَجُلانِ خَرَجا مِنَ المَقابِرِ، وفيهما شياطينُ. وكانا شَرِسَيْنِ جدُا، حتى لا يَقدِرَ أحدٌ أن يمُرَّ مِنْ تِلكَ الطَّريقِ. 29فأخذا يَصيحانِ: "ما لنا ولكَ، يا اَبنَ الله؟ أجِئتَ إلى هُنا لِتُعذَّبَنا قَبلَ الأوانِ؟"
30وكانَ يَرعَى بَعيدًا مِنْ هُناكَ قطيعٌ كبـيرٌ مِنَ الخنازيرِ، 31فتوَسَّلَ الشَّياطينُ إلى يَسوعَ بقولِهِم: "إنْ طرَدْتَنا، فأرْسِلنا إلى قطيعِ الخنازيرِ". 32فقالَ لهُم: "اَذهَبوا!" فخَرجوا ودَخَلوا في الخنازيرِ، فاَندفَعَ القطيعُ كُلٌّهُ مِنَ المُنحَدَرِ إلى البحرِ وهَلَكَ في الماءِ. 33فهرَبَ الرٌّعاةُ إلى المدينةِ وأخبَروا بِما حدَثَ وبِما جرَى للرجُلَينِ اللَّذَينِ كانَ فيهـِما شياطينُ. 34فخَرَجَ أهلُ المدينةِ كُلٌّهُم إلى يَسوعَ. ولمّا رأوْهُ طلَبوا إلَيهِ أنْ يَرحَلَ عَنْ دِيارِهِم".
الملاحظ أن الجموع التى كانت تنصت عادة للسيد المسيح عليه السلام وتتبعه من مكان إلى آخر إنما كانت تبحث عن شفاء لعاهاتها من بَرَصٍ أو كَمَهٍ أو عَرَجٍ أو مسٍّ، وقلما يقابلنا بينهم من يسعى إلى خلاص روحه. وعادة ما تنتهى واقعة الآية التى تحققت على يد السيد المسيح بقوله للشخص الذى استفاد منها: "إيّاكَ أن تُخبِرَ أحدًا"، إلا أنه يقوم برغم ذلك بإخبار الناس جميعا، وإلا فمن الذى عرّفهم بما حدث وجعلهم بدورهم يخبروننا به. كما نلاحظ أيضا أنه، عليه السلام، دائم الحركة والتنقل دون سبب على الأقل ظاهر: فهو يصعد الجبل لينزل منه بعد قليل، ويركب السفينة ليعود بها بعد قليل، ويذهب لبيت فلان ليخرج منه بعد قليل، وفى كل ذلك فلا كاتب الإنجيل يذكر ولا نحن من تلقاء أنفسنا نستطيع أن نخمن السبب وراء كل هذه التحركات والتنقلات، وكأنما كان عليه الصلاة والسلام قَلِقًا لسبب لا نعرفه! هكذا يفهم القارئ مما يقرؤه فى الإنجيل، لكننا بطبيعة الحال لا نطمئن لهذا، وإن كنا لا ندرى ماذا نفعل. ومع هذا يظل القوم يُطْنِبون فى الحديث عن السيد المسيح بوصفه كائنا خارقا: إلها أو ابن إله رغم أن هذه هى كل بضاعته تقريبا، وهى إذا ما قورنت بما عند الرسول الكريم من كنوز عبقرية فى مجال العقيدة والعبادة والتعاملات المالية والاجتماعية والسياسية والمبادئ الخلقية والتوجيهات السلوكية والإرشادات العلمية والمنهجية والتحليلات الحضارية... إلخ راعنا أنها لا تمثل سوى زاوية ضيقة جدا من هذا العالم المحمدى الرحيب هى الزاوية الأخلاقية التى هى مع ذلك عند رسولنا أرحب وأعمق وأجدى، إذ إن فى وصايا المسيح مغالاة ومجاوزة للقدرة البشرية وتطرفا فى المثالية بحيث لا يستطاع تطبيقها وتحويلها إلى واقعٍ مَعِيشٍ رغم دغدغتها المشاعر واستفزازها عاطفة الزهو عند بعض الناس المغرمين بالشقشقة المحبين للفرقعة والدَّوِىّ لمجرد الفرقعة والدَّوِىّ!
إننا نحن المسلمين نُسْكِن السيد المسيح فى أعيننا وسويداء قلوبنا ولا نرضى فيه بكلمة سوء لأن تبجيله وحبه والاعتقاد فى نبوته وطهارته وسمو خلقه هو جزء لا يتجزأ من الإيمان فى ديننا لا يُقْبَل من دونه، بيد أن هذا لا يمنعنا من كشف وجه الغُلُوّ فيه صلى الله عليه وسلم، ذلك الغُلُوّ الذى حذرنا منه سيد النبيين والمرسلين فقال: "لا تُطْرُونى كما أَطْرَت النصارى ابن مريم"! ولَعَمْرِى إننى لأتألم الآن بعد مرور ألفى عام لحال أولئك المساكين من مصروعين ومجذومين ومبروصين وعُرْج وعُمْى ألمًا شديدًا، وأستطيع أن أدرك، رغم البعد الزمنى الشاسع، مدى العذاب البدنى والنفسى الرهيب الذى كان عليهم أن يصطلوه إلى أن ظهر فى أفق حياتهم سيدنا عيسى فمثَّل لهم نقطة الضوء والأمل الوحيدة فى حياتهم. رحمنا الله جميعا ورحم كل ضعيف مسكين يقاسى متاعب الحياة، وما أكثر متاعبها ومصاعبها وأثقل عبئها وأفدحه! إن اللوحة التى تعرضها علينا الأناجيل لتدعو إلى الرثاء وتوجع القلب وتُفْعِمه بالوحشة لما تمتلئ به من البشاعة والآلام! والغريب، وجميع أمور الحياة تدعو للعجب، أن قُوَى الشر لم تكن مرتاحة لما يفعله ويدعو إليه السيد المسيح وظلت تتربص به الفرص كى تتخلص منه وتقتله. وهنا نفترق عن النصارى: فنحن نقول، حسبما يخبرنا القرآن، أن الله سبحانه قد نجّاه من هذا المصير التعيس، أما هم فيقولون إنه إنما جاء خِصِّيصًا لهذه الغاية، وإنه قد صُلِب ومات على الصليب تكفيرا عن خطيئة آدم وحواء وأبنائهما الذين يستأهلون ضرب الحذاء! ترى ما ذنبه حتى لو قلنا إنه الله أو ابن الله كما يقولون، تعالى الله عن ذلك الغشم عُلُوًّا كبيرًا؟ ألم يكن الله قادرا على الغفران دون أن يتجسد سبحانه وتعالى بشرًا ويندسّ بين البشر ويتعرض لتلك الإهانات والعذابات التى تعرض لها ويجأر ويصرخ على الصليب دون جدوى، وكأنه حين جد الجِدّ وحانت ساعة التنفيذ قد نسى تماما كل ما جاء خصوصا من أجله، وأخذ يتألم كما أتألم أنا أو أى واحد فيكم أيها القراء إذا كتبت عليه الأقدار أن يتجرع تلك الكأس العلقم، لا كتب الله علينا شيئا من هذا الظلم الجِلْف الغبى والألم الغليظ المرعب الذى لا معنى له!
وفى هذا الفصل أيضا موقف للسيد المسيح يتناقض مع موقف آخر له أيضا سوف نمر به بعد قليل، إذ عندما طلب منه الضابط الرومانى أن يشفى له خادمه رحب به وامتدح قوة إيمانه وبشره وأمثاله بأنهم سيربحون ملكوت السماوات، فى الوقت الذى سوف يخسره ويُطْرَد منه بعض المنتسبين إلى إسرائيل: "5ودخَلَ يَسوعُ كَفْرَناحومَ، فجاءَهُ ضابِطٌ رومانِـيٌّ وتَوَسَّلَ إلَيهِ بِقولِهِ: 6"يا سيَّدُ، خادِمي طَريحُ الفِراشِ في البَيتِ يَتوَجَّعُ كثيرًا ولا يَقدِرُ أنْ يَتحرَّكَ". 7فقالَ لَه يَسوعُ: "أنا ذاهبٌ لأشفِـيَهُ". 8فأجابَ الضّابِطُ: "أنا لا أستحِقٌّ، يا سيَّدي، أنْ تَدخُلَ تَحتَ سقفِ بَيتي. ولكِنْ يكفي أنْ تَقولَ كَلِمَةً فيُشفى خادِمي. 9فأنا مَرؤوسٌ ولي جُنودٌ تَحتَ أمري، أقولُ لِهذا: إذهَبْ! فيذهَبُ، ولِلآخَرِ: تَعالَ! فيجيءُ، ولِخادِمي: إعمَلْ هذا، فيَعْمَلُ". 10فتعجَّبَ يَسوعُ مِنْ كلامِهِ وقالَ لِلَّذينَ يَتبَعونَهُ: "الحقَّ أقولُ لكُم: ما وجَدتُ مِثلَ هذا الإيمانِ عِندَ أحَدٍ في إِسْرائيلَ. 11أقولُ لكُم: كثيرونَ مِنَ النَّاسِ سيَجيئونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ ويَجلِسونَ إلى المائدةِ معَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ في مَلكوتِ السَّماواتِ. 12وأمّا مَنْ كانَ لَهُمُ المَلكوتُ، فيُطْرَحونَ خارِجًا في الظٌّلمَةِ، وهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ"، وهو ما يتناقض مع ما رد به على المرأة الكنعانية التى أتته تطلب منه ذات الطلب، ولكن بالنسبة لابنتها لا لخادمها أو خادمتها، إذ أجابها فى البداية بالرفض، والرفض العنيف المؤذى للنفس أذى شديدا، إذ شبهها هى وأمثالها ممن لا ينتسبون إلى يعقوب بالكلاب: "21 وخرَجَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ وجاءَ إلى نواحي صورَ وصيدا. 22فأَقبلَتْ إلَيهِ اَمرأةٌ كَنْعانِـيّةٌ مِنْ تِلكَ البلادِ وصاحَتِ: "اَرْحَمني، يا سيَّدي، يا اَبن داودَ! اَبنتي فيها شَيطانٌ، ويُعذَّبُها كثيرًا". 23فما أجابَها يَسوعُ بكَلِمَةٍ. فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ بقولِهِم: "اَصرِفْها عنّا، لأنَّها تَتبَعُنا بِصياحِها!" 24فأجابَهُم يَسوعُ: "ما أرسلَني الله إلاّ إلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ". 25ولكنَّ المرأةَ جاءَتْ فسَجَدَتْ لَه وقالَت: "ساعِدْني، يا سيَّدي!" 26فأجابَها: "لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ". 27فقالَت لَه المَرأةُ: "نَعم، يا سيَّدي! حتَّى الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يَتَساقَطُ عَنْ موائدِ أصحابِها". 28فأجابَها يَسوعُ: "ما أعظَمَ إيمانَكِ، يا اَمرأةُ! فلْيكُنْ لَكِ ما تُريدينَ". فشُفِيَت اَبنَتُها مِنْ تِلكَ السّاعةِ" (متى/ 15).
والسؤال هو: لماذا هذا التناقض الغريب المعيب يا ترى؟ وكيف نَحُلّه؟ لو أن المرأة هى التى سألته قبل الضابط لقلنا إن الرفض كان هو الموقف الأصلى الذى غيَّره من أجل خاطرها، ثم لم يعد إليه بعد ذلك. لكن المشكلة أنه لم يرفض مساعدة الضابط الرومانى الذى أتاه قبلها، وكان المظنون أن يستمر على هذا النهج، إلا أنه أخلف ظننا. ترى أيرجع ذلك إلى أنه كان ضابطا كبيرا، على حين كانت هى امرأة عادية ليست لها المكانة الاجتماعية العالية التى يتمتع بها الضباط الكبار؟ لا أقصد أن المسيح هو الذى نظر لها بهذه العين، بل الكاتب هو الذى عكس موقفه ورأيه هو فى تصرف السيد المسيح عليه السلام! ولعل هذا هو الحل الذى يخرجنا من تلك الورطة. وأيا ما يكن الأمر فلا شك أن هذا الانقلاب فى موقف عيسى بن مريم عليهما السلام يمثل حالة أخرى من حالات النسخ فى الأناجيل. ثم يعيبنا الأغبياء بأن ديننا يقوم على النسخ، مع أنه لا شىء يعاب على النسخ عندنا كما وضحنا قبلا.
وعلى كل حال فالمفروض ألا يَنْكِل الداعية (فما بالنا بالنبى والرسول؟) عن الاستجابة إلى أى نداء يأتيه مهما تكن الجهة التى أتى منها. وفى القرآن الكريم: "وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه. ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" (التوبة/ 6)، وفى الحديث الشريف: "لأن يَهْدِىَ الله بك رجلا خير لك مما طلعتْ عليه الشمس"، أما تشبيه الراغبين فى الهداية أو المادّين يد الحاجة نحونا بالكلاب والذئاب فليس من المروءة فى شىء، ولذلك يرانى القارئ قد استبعدت أن يكون هذا موقف المسيح عليه السلام، مرجحا أن يكون بالأحرى كلاما وضعه مؤلف الإنجيل من لدنه ونسبه له عليه السلام. فانظر الفرق بين الموقفين تر الفرق الشاسع بين دين محمد ودين القوم بعد أن حرّفوه وابتعدوا به عما جاء به نبى الله عيسى بن مريم! إن الإسلام يحرص على كل شخص ولا يرمى طوبته إلا بعد أن يعطيه كل الفرص الممكنة فيُصِرّ على العناد والكفر رغم تبين الرشد له من الغى، ويتنكر لإنسانيته ويلغى عقله هابطا بنفسه بذلك من المكانة التى كرمه الله فرفعه إليها، مكانة المخلوق الذى أنعم الله عليه بنعمة العقل والتفكير والمقدرة على المقارنة والاختيار الحر!
ونتريث قليلا أمام قول المؤلف: "وعِندَ المساءِ، جاءَهُ النَّاسُ بِكثيرٍ مِنَ الَّذينَ فيهِم شَياطينُ، فأخرَجَها بِكَلِمةٍ مِنهُ، وشفَى جميعَ المَرضى. فتَمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ إشَعْيا: "أخذَ أوجاعَنا وحمَلَ أمراضَنا" لنفكر فيما بين السطور حيث نرى عجبا من العجب. ذلك أن المؤلف يزعم أن الكلام هنا عن المسيح، الذى شفى الممسوسين. وهو بطبيعة الحال يقصد أن عيسى عليه السلام هو الله أو ابن اله الشافى، وفاته أنه فد تكررت الإشارة هنا فى "إشعيا" إلى أن الكلام عن "عبد" لله لا عن ابن لله ولا عن الله نفسه: " 13 هو ذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا . 14 كما اندهش منك كثيرون . كان منظره كذا مفسدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني آدم . 15 هكذا ينضح امما كثيرين . من اجله يسد ملوك افواههم لانهم قد ابصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه. من صدق خبرنا1 ولمن استعلنت ذراع الرب . 2 نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه . 3 محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به 4 لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا . 5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل آثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا . 6 كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا . 7 ظلم اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه . 8 من الضغطة ومن الدينونة أخذ . وفي جيله من كان يظن انه قطع من ارض الاحياء انه ضرب من اجل ذنب شعبي . 9 وجعل مع الاشرار قبره ومع غني عند موته . على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش 10 اما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن. ان جعل نفسه ذبيحة اثم يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح . 11 من تعب نفسه يرى ويشبع . وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين" (إشعيا/ 52/ 13- 15، و53/ 1- 11). فإن أصر القوم على أن يَرَوْا هنا المسيح عليه السلام فها هو ذا مؤلف سفر إشعيا يصفه على لسان المولى سبحانه بأنه عبد لله لا ابن له، فليكونوا متسقين مع أنفسهم ومع المنطق مرة وليؤمنوا بما يجب على كل عاقل أن يؤمن به، ألا وهو أن السيد المسيح، عليه السلام، إنما كان عبد الله ورسوله لا الرب يسوع! وعلى الوجه الآخر من الورقة يروعنا أنه لم يحدث مرة أن قال المسيح لأحد ممن تعامل معهم: "يا عبدى، أو يا عبادى"، بل العكس هو الصحيح، بل إنه لم يسمهم حتى "عَبِيدًا" (التى تُسْتَخْدَم عادة لعبد الإنسان لا لعبد الله، الذى يجمع عادة على "عِبَاد") بل سماهم: "أحبّاء": "لا اعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده . لكني قد سميتكم احباء لاني أعلمتكم بكل ما سمعته من ابي" (يوحنا/ 15/ 15).
أى أن المسيح، عليه السلام، من الناحية الإيجابية والسلبية هو عبد الله كسائر عباد الله، وإنْ زاد عنهم بأنه كان رسولا نبيا. لكن قول المؤلف عن ذلك العبد: "ظُلِمَ اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه"، وكذلك قوله: "وجعل مع الاشرار قبره ومع غني عند موته"، لا ينطبق على السيد المسيح صلى الله عليه وسلم، إذ إنه لم يكن صامتا بل كان يتكلم طوال الوقت مع تلامذته أو أعدائه أو المرضى المتعبين، وهذا الكلام هو الذى ألَّب عليه المجرمين الفَسَقَة. حتى عندما وُضِع على الصليب حَسْب روايات بعض مؤلفى الأناجيل لم يكفّ عن الكلام، بل كان يجيب على ما يوجَّه له من أسئلة وتهكمات، كما أخذ يصيح ويتألم وهو فى نزعه الأخير حسبما يزعمون. ثم إنه لم يُدْفَنْ مع أشرار، ولا مات مع أغنياء، ورواية الصَّلْب موجودة لكل من يريد، فليدلّنا القوم على خلاف ما نقول!
وفوق ذلك كيف يقال إنه قد ظُلِم، وهو ابن الله أو الله ذاته؟ هل الآلهة يمكن أن تُظْلَم؟ أوليس أبوه هو الذى أرسله بنفسه لكى يموت هذه الميتة فداء للبشرية؟ فكيف يسمَّى هذا ظلما؟ الواقع أنه إذا قلنا إنه كان هناك ظلم فليس أمامنا إلا القول بأن هذا الظلم هو مِنَ الذى اختاره وأرسله، أستغفر الله، لا مِنَ الذين أسلموه لقتلته ولا من الذين صلبوه لأن هؤلاء جميعا إنما كانوا الأدوات المنفذة للمشيئة الإلهية التى إنما عملت ما عملت رحمة بالبشرية وتكفيرا لها عن ذنوبها كما يقول القوم! كذلك فالسيد المسيح لم يكن محتقَرا، معاذ الله! وإذا كان فمِنْ قِبَل المجرمين المنافقين من بنى إسرائيل فقط، وهؤلاء لا قيمة لهم عند الله، أما الذين آمنوا به فقد أحبوه واحترموه. والأناجيل مملوءة بالكلام الطيب الذى كانوا يغدقونه عليه. وفوق ذلك فإن قول إشعيا: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها" لا ينطبق على السيد المسيح بحال لأنه لم يحدث أنْ حمل أحزان أحد ولا تحمّل أوجاعه، بل كل ما هنالك أنه أذهب عن بعض المرضى (وليس عنا كلنا نحن البشر) الأحزان والأوجاع التى كانوا يقاسونها ولم يتحمل هو نفسه شيئا منها، وإلا فهل كان فى كل مرة يشفى فيها أحدا من مرضه كان يصاب هو بدلا منه بذلك المرض؟ هذا هو معنى العبارة، وهو ما لا ينطبق على المسيح بتاتا، بيد أن القوم فى تفكيرهم وتفسيرهم لكتابهم المقدس لا يجرون على أى منهج أو منطق، بل يقولون كل ما يعنّ لهم بغض النظر عما فيه من شطط فى الخروج على كل منطق وعقل! كذلك فإن الكلام يخلو تماما مما يعتقده النصارى فى السيد المسيح من أنه قام من الأموات وصعد إلى السماء! ثم إن نهاية النص تتحدث عن نسل له تطول أيامه، وليس للمسيح أى نسل، لسبب بسيط هو أنه لم يتزوج كما يعلم جميع الناس: "اما الرب فسرّ بان يسحقه بالحزن. ان جعل نفسه ذبيحة اثم يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح".
ولا بد من التنبيه إلى أن كثيرا من المفسرين اليهود يؤكدون أن المقصود فى هذه النبوءة هو النبى إرميا وليس عيسى عليه السلام، أما الفريق الآخر منهم الذى يرى أن الكلام عن المسيح فإن المسيح عندهم ليس هو ابن مريم بل شخصا آخر لا يزالون فى انتظار مجيئه كما هو معروف (Matthew Henry Complete Commentary on the Whole Bible فى التعليق على الفقرات 13- 15 من الفصل رقم 52 من سفر إشعيا)، وهذا الشخص لن يكون واحدا من الأقانيم المعروفة لأنهم لا يعرفون التثليث النصرانى الذى هو، فى الواقع، نتاج الفكر المتأخر عن المسيح. وعلاوة على هذا نجد ألفرد جيوم فى "A New Commentary on Holy ******ure" (لندن/ 1929م/ 459) يؤكد أن هناك خلافا حادا حول حقيقة الشخص المومإ إليه هنا لم يهدأ أُوَارُه، وأن التفسير القديم الذى كان يرى أن المراد فى نبوءتنا هو السيد المسيح قد أخلى مكانه لحساب القول بأن المقصود هو بنو إسرائيل كلهم، وبخاصة أنه قد سبق فى سفر "إشعيا" استعمال لفظ "العبد" مرادا به يعقوب أو إسرائيل: الأمة لا الفرد، كما أنه من غير المعقول أن يكون الكلام بهذا التفصيل عن شخص لن يظهر إلا بعد 500 عام تقريبا.
هذا، ولا شك أنه من الغرابة بمكان مكين أن يكون رد المسيح عليه السلام على من استسمحه من تلاميذه الذهاب لدفن والده هو: "إتبَعْني واَترُكِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهُم!". إن هذه شدة بل قسوة فى واقع الأمر، وهى قسوة غير مبررة، إذ من يا ترى سوف يعنى بدفن والد الشخص إذا كان هو لا يهتم بذلك؟ وليتصور القارئ معى ما الذى ستكون عليه الأرض لو تركنا الموتى دون أن ندفنهم! وليس من المعقول أن يلقى كل إنسان بهذه المهمة الثقيلة على عاتق الآخرين، فى الوقت الذى يرونه يؤدى عملا آخر! كذلك فقول المسيح: "دع الموتى يدفنون موتاهم" هو قول لا معنى له فى هذا السياق، إذ إننا كلنا موتى بما فينا ذلك الابن، بل بما فينا المسيح نفسه. وعلى هذا فإن ما قاله عليه السلام هنا ليس بعذر على الإطلاق، لأنه ما دام الابن من الموتى أيضا فعليه، طبقا للمبدإ الذى أرساه المسيح، أن يذهب لدفن والده! فكما يرى القارئ فإن الطريق دائما مسدودة، ذلك أن الكلام لا منطق فيه رغم ما قد يبدو لبعض الأعين من أن له بريقًا، إذ "ليس كل ما يلمع ذهبا" كما يقول المثل الإنجليزى والفرنسى!
وفى الإسلام تشديد على طاعة الوالدين وإحسان مصاحبتهما فى الدنيا لما لهما على أبنائهما من الفضل العميم حتى لو كانا كافرين، اللهم إلا إن جاهدا أبناءهم على الشرك بالله، فعندئذ لا طاعة، لكن يبقى وجوب الاحترام والإحسان لا هوادة فيه. لا بل إن الابن الوحيد لوالديه يُعْفَى من الجهاد فى سبيل الله مراعاةً لعاطفة الأبوة والأمومة! وعلى هذا فحتى لو كان الوالد المتوفَّى فى قصة المسيح كافرا، لقد كان ينبغى أن يسمح عليه السلام لابنه بالذهاب لدفنه، بل أن يحثه على ذلك حَثًّا! وهناك حكاية عن الرسول عليه السلام أنه كان جالسا ذات مرة، فمرت عليه جنازة يهودى فقام لها، فسُئِل عن ذلك باستغراب، فكان جوابه: "أليست نفسا؟"! وكان عليه السلام يتألم إذا مات أحد من الفقراء دون أن يخبره أصحابه، إذ كان يحب ألا يفوته أداء واجب العزاء، بل لقد كان ينزل فى بعض الأحيان القبر بنفسه ليدفن الميت الفقير بيده الشريفة حنانا منه وتواضعا ونبل نفس! كما لم يمنعه نفاق ابن أُبَىّ وانحيازه لأعداء الملة والأمة فى كل المواقف وإثارته المستمرة للمشاكل داخل الجماعة المسلمة، من إعطائه عباءته ليكفَّن فيها بناء على طلبه، ولا من الوقوف للصلاة عليه حين مات رغم اعتراض عمر على ذلك لولا أن القرآن الكريم نزل حاسما فى هذا الشأن على نحو لم يترك له بابا للاجتهاد فى هذه القضية! ومن جهة أخرى فإن الإسلام لا ينهى المسلم عن البر بالكافرين والإقساط إليهم ما داموا لم يقاتلوهم فى الدين ولم يخرجوهم من ديارهم، فما بالنا بابن يريد أن يدفن أباه؟ ألا إن ذلك لغريب بل قاس شديد القسوة، ودون أى مسوّغ! قال سبحانه وتعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبَرّوهم وتُقْسِطوا إليهم. إن الله يحب المُقْسِطين" (الممتحنة/ 8). والسؤال الآن: أترى المسيح لم يقل هذا للابن المذكور، وإنما هو من تلفيق مؤلف الإنجيل، أم إن المسألة هى التطبيق العملى لما أُثِر عنه من أنه إنما جاء ليفرق بين الأب وابنه والأخ وأخيه والحماة وكنتها وتمزيق البيت الواحد، وأنه ما جاء لينشر السلام بل السيف؟ لكنه مع ذلك قد أهاب بالأبناء أن يكرموا آباءهم وأمهاتهم: "16 وأقبَلَ إليهِ شابٌ وقالَ لَه: "أيٌّها المُعَلَّمُ، ماذا أعمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لأنالَ الحَياةَ الأبدِيَّةَ؟" فأجابَهُ يَسوعُ: "17 لِماذا تَسألُني عمّا هوَ صالِـحٌ؟ لا صالِـحَ إلاّ واحدٌ. إذا أَرَدْتَ أنْ تَدخُلَ الحياةَ فاَعمَلْ بالوصايا". 18فقالَ لَه: "أيَّ وصايا؟" فقالَ يَسوعُ: "لا تَقتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بالزٌّورِ، 19أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ، أحِبَّ قريبَكَ مِثلما تُحبٌّ نَفسَكَ". الحق أنها مسألة محيرة!
وفى ضوء دعوى القوم بألوهيته عليه السلام أو بنوّته لله نحب أن ننظر فى السطور التالية: "23ورَكِبَ يَسوعُ القارِبَ، فتَبِعَهُ تلاميذُهُ. 24وهَبَّتْ عاصِفةٌ شديدةٌ في البَحرِ حتى غَمَرتِ الأمواجُ القارِبَ. وكانَ يَسوعُ نائمًا. 25فدَنا مِنهُ تلاميذُهُ وأيقَظوهُ وقالوا لَه: "نَجَّنا يا سيَّدُ، فنَحنُ نَهلِكُ!" 26فأجابَهُم يَسوعُ: "ما لكُمْ خائِفينَ، يا قليلي الإيمانِ؟" وقامَ واَنتَهرَ الرَّياحَ والبحرَ، فحَدَثَ هُدوءٌ تامٌّ. 27فتعَجَّبَ النّاسُ وقالوا: "مَنْ هذا حتى تُطيعَهُ الرَّياحُ والبحرُ؟"، إذ السؤال الختامى فيها يدل على أن تلاميذه الأقربين لم يكونوا، حتى تلك اللحظة على الأقل، يعرفون أنه هو الله أو ابن الله حسبما يزعم النصارى معاكسين تمام المعاكسة ما أتى هو وجميع الأنبياء به من دعوة التوحيد والتنزيه عن التشبيه والتجسيد. ولهذا يرانى القارئ قد توقفت أمام حكاية الحمامة التى انفتحت السماء فنزلت منها وحطت على المسيح عليه السلام وسُمِع فى ذات الوقت صوت من الأعالى يقول: أنت ابنى الحبيب، وتساءلتُ: فمن يا ترى أخبر الكاتبَ بوقوع تلك الحادثة؟ واضح أن التلاميذ، حسبما نقرأ هنا، لم يكن عندهم حتى ذلك الوقت أية فكرة عن التمر هندى! وبالمناسبة فليس كل ما تذكره الأناجيل للسيد المسيح من الآيات قد عرض له القرآن. فهل قام عليه السلام فعلا بصنع هذه المعجزات؟ أم هل هو تَزَيُّدٌ من مؤلفى الأناجيل على اعتبار أن الكلام ليس عليه جُمْرُك كما تقول العامة؟ ويزداد الأمر تلبيسا إذا عرفنا أن اثنين من المجانين كانا يدركان أنه "ابن الله"، إذ من الغريب الشاذ أن يجهل ذلك تلاميذه المقرَّبون ويعرفه المجانين فيقولوا له: "ما لنا ولكَ، يا اَبنَ الله؟ بل إن أُمّه (أُمّه التى حملته وولدته وأرضعته وتجلى لها الروح القدس ونفخ فى جيبها حتى تحمل به) كانت تقول له عن يوسف إنه أبوه! يا لطيف اللطف يا رب: "وكان ابواه يذهبان كل سنة الى اورشليم في عيد الفصح . 42 ولما كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا الى اورشليم كعادة العيد . 43 وبعدما اكملوا الايام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في اورشليم ويوسف وامه لم يعلما . 44 واذ ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه بين الاقرباء والمعارف . 45 ولما لم يجداه رجعا الى اورشليم يطلبانه . 46 وبعد ثلاثة ايام وجداه في الهيكل جالسا في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم . 47 وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه واجوبته . 48 فلما ابصراه اندهشا . وقالت له امه يا بنيّ لماذا فعلت بنا هكذا. هوذا ابوك وانا كنا نطلبك معذبين"!
على أن موضوع المجنونَيْن لم تنته فصوله، إذ ما ذنب الخنازير حتى يرسل السيد المسيح الشياطين التى كانت تسكن جَسَدَىِ الممسوسَيْن إليها؟ وهذا على فرض أن الشياطين كائنات مادية تنتقل من جسد إلى جسد، وأن الشياطين التى تصيب الإنس هى من نفس الطينة التى جُبِلَت منها تلك الشياطين المتخصصة فى التلبس بالحيوانات. كما أنه من الغريب جدا أن يستمع المسيح لتوسل الشياطين ويريحها وينفذ ما تريد فيظلم الحيوان الأعجم المسكين العاجز الذى لا يملك من أمره شيئا، رغم أن الشياطين هى التى تمثل الشر فى العالم وأراد واحد منها أن يغويه قبل ذلك بالكفر والسجود له بدلا من السجود للواحد الأحد! ليس ذلك فحسب، فمن الواضح أن الشياطين هنا أيضا قد أبدت عن غباء غريب لا يليق بنسل إبليس، وهو الذى يُضْرَب به المثل فى المكر والدهاء والتَّحَيُّل، إذ كيف لم تعرف أنها حين تنتقل لأجساد الحلاليف سوف ينتهى بها الأمر سريعا إلى السقوط من فوق حافة الجبل إلى البحر فالغرق والهلاك من ثم فيه؟ وهذا لو صدقنا أن عملها فى الحيوانات يختلف عن عملها فى البشر، إذ عندما كانت تسكن أجساد البشر كان سهلا عليها أن تتعايش هى ومن تسكنه، أما حين انتقلت إلى أجساد الحلاليف فإنها اندفعت للتو إلى حافة الجبل وسقطت من حالق!
28ولمّا وصَلَ يَسوعُ إلى الشّاطئِ المُقابِلِ في ناحيةِ الجدريـّينَ اَستقْبَلَهُ رَجُلانِ خَرَجا مِنَ المَقابِرِ، وفيهما شياطينُ. وكانا شَرِسَيْنِ جدُا، حتى لا يَقدِرَ أحدٌ أن يمُرَّ مِنْ تِلكَ الطَّريقِ. 29فأخذا يَصيحانِ: "ما لنا ولكَ، يا اَبنَ الله؟ أجِئتَ إلى هُنا لِتُعذَّبَنا قَبلَ الأوانِ؟"
30وكانَ يَرعَى بَعيدًا مِنْ هُناكَ قطيعٌ كبـيرٌ مِنَ الخنازيرِ، 31فتوَسَّلَ الشَّياطينُ إلى يَسوعَ بقولِهِم: "إنْ طرَدْتَنا، فأرْسِلنا إلى قطيعِ الخنازيرِ". 32فقالَ لهُم: "اَذهَبوا!" فخَرجوا ودَخَلوا في الخنازيرِ، فاَندفَعَ القطيعُ كُلٌّهُ مِنَ المُنحَدَرِ إلى البحرِ وهَلَكَ في الماءِ. 33فهرَبَ الرٌّعاةُ إلى المدينةِ وأخبَروا بِما حدَثَ وبِما جرَى للرجُلَينِ اللَّذَينِ كانَ فيهـِما شياطينُ. 34فخَرَجَ أهلُ المدينةِ كُلٌّهُم إلى يَسوعَ. ولمّا رأوْهُ طلَبوا إلَيهِ أنْ يَرحَلَ عَنْ دِيارِهِم".










رد مع اقتباس


المفضلات