

-
25 او لم يروا انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها
والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب
الرعد 41
جاءت هذه الايه الكريمه في خواتيم سوره الرعد, وهي السوره الوحيده من سور القران التي تحمل اسم ظاهره من الظواهر الجويه, وسوره الرعد توصف بانها سوره مدنيه. وان كان الخطاب فيها خطابا مكيا, يدور حول اسس العقيده الاسلاميه ومن اولها قضيه الايمان بالوحي المنزل من رب العالمين الي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي اله وصحبه اجمعين), والايمان بالحق الذي اشتمل عليه هذا الوحي الرباني, ومن ركائزه الايمان بالله, وبوحدانيته المطلقه فوق كافه خلقه, والايمان بملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الاخر, وما يستتبعه من بعث ونشور, وعرض اكبر امام الله, وحساب وجزاء, وما يستوجبه هذا الايمان من خشيه لله وتقواه, وحرص علي طلب رضاه بالعمل الصالح لان ذلك كله نابع من الايمان بالوحي, وبان الله( تعالي) هو منزل القران الداعي الي عباده الله بما امر( سبحانه وتعالي), وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الارض بحسن عمارتها, واقامه عدل الله فيها.
وتعجب الايات من منكري البعث والحساب والجزاء, الدين كفروا بربهم, وكذبوا رسله, وجحدوا اياته, وتعرض لشيء من عذابهم في الاخره, وخلودهم في النار.
وتستشهد السوره في مواضع كثيره منها بالعديد من الايات والظواهر الكونيه الداله علي طلاقه القدره الالهيه المبدعه في الخلق والافناء, وفي الاماته والاحياء, وفي النفع والضر, والشاهده علي ان كل ما جاء به القران الكريم حق مطلق, وان كان اكثر الناس لا يومنون.
ثم تقارن الايات بين اهل النار واهل الجنه, وبين اوصاف كل فريق منهم وخصاله واعماله, وضربت لهما مثلا بالاعمي والبصير, وبينت مصير كل من الفريقين, مع تصوير رائع لكل من الجنه والنار.
وتستطرد ايات سوره الرعد في الحديث عن عدد من الظواهر الكونيه من مثل حدوث الرعد, والبرق, والصواعق, وتكوين السحاب الثقال, وانزال المطر, وتدفق الاوديه بمائه حامله من الزبد والخبث الذي لايلبث ان يذهب جفاء, وبما ينفع الناس من نفائس المعادن التي لا تلبث ان تمكث في الارض, وتشبه الايات الكريمه ذلك بكل من الباطل والحق, ولله المثل الاعلي.
ثم تعرض السوره لحقيقه غيبيه تتمثل في تسبيح الرعد بحمد الله, وتسبيح الملائكه خشيه لجلاله, وخيفه من سلطانه, وجميع من في السماوات والارض يسجد لله طوعا وكرها, حتي ظلالهم فانها تسجد لله بالغدو والاصال, اي مع دوران الارض حول محورها امام الشمس, فيمد الظل ويقبض في حركه كانها الركوع والسجود.
وتنعي الايات علي الكفار استهزاءهم بالرسل السابقين علي بعثه المصطفي( صلي الله عليه وسلم), وفي الاشاره الي ذلك ضرب من التثبيت لرسول الله, والتاكيد له علي ان الابتلاء هو طريق النبوات, وطريق اصحاب الرسالات من بدء الخلق الي قيام الدعوه المحمديه والي ان يرث الله( تعالي) الارض ومن عليها...!!! وتشير السوره بالقرب من نهايتها الي فرح الصالحين من اهل الكتاب بمقدم الرسول الخاتم, في الوقت الذي حاول فيه الكفار والمشركون التشكيك في حقيقه رسالته وتوكد انزال القران حكما عربيا مبينا, وتدعو المصطفي( صلي الله عليه وسلم) الي الحذر من ضغوط الكافرين من اجل اتباع اهوائهم. وتوكد انه ما كان لرسول من الرسل ان ياتي بايه الا بااذن الله.
ثم تاتي الايه الكريمه التي نحن بصددها ناطقه بحقيقه كونيه يقول عنها ربنا( تبارك وتعالي):
او لم يروا انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب( الرعد:41)
ويتكرر معني هذه الايه الكريمه مره اخري في سوره الانبياء والتي يقول فيها ربنا( تبارك وتعالي): بل متعنا هولاء واباءهم حتي طال عليهم العمر افلا يرون انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها افهم الغالبون.
(الانبياء:44)
ثم تختتم سوره الرعد بالحديث عن مكر الامم السابقه الذي لم يضر المومنين شيئا لان لله( تعالي) المكر جميعا, وان له( سبحانه وتعالي) عقبي الدار, كما تتحدث عن انكار الكافرين لبعثه المصطفي( صلي الله عليه وسلم), وتاتي الايات, موكده ان الله تعالي يشهد له بالنبوه والرساله وكذلك كل من عنده علم من رسالات الله السابقه لوجود ذكره( صلي الله عليه وسلم) في الايات التي لم تحرف من بقايا كتبهم.
وهنا يبرز التساول المنطقي: ما هو معني انقاص الارض من اطرافها في هاتين الايتين الكريمتين؟ وما هو مغزي دلالتها العلميه والمعنويه؟ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لشروح المفسرين.
شروح المفسرين لمعني انقاص الارض من اطرافها
في تفسير قول الحق( تبارك وتعالي): او لم يروا انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها ذكر ابن كثير قول ابن عباس( رضي الله عنهما): او لم يروا انا نفتح لمحمد صلي الله عليه وسلم الارض بعد الارض, وقوله في مقام اخر: انقاصها من اطرافها هو خرابها بموت علمائها, وفقهائها, واهل الخير منها وقال ابن كثير: والقول الاول اولي, وهو ظهور الاسلام علي الشرك قريه بعد قريه, كقوله تعالي:( ولقد اهلكنا ما حولكم من القري) الايه, واشار الي ان هذا هو اختيار ابن جرير.
كذلك ذكر ابن كثير قول كل من مجاهد وعكرمه: انقاص الارض من اطرافها معناه خرابها, او هو موت علمائها, وقول كل من الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين علي المشركين, كما قالا: هو نقصان الانفس والثمرات, وخراب الارض, وقول الشعبي: لو كانت الارض تنقص لضاق عليك حشك( اي بستانك), ولكن تنقص الانفس والثمرات.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين:( او لم يروا) اي: اهل مكه وغيرها( انا ناتي الارض) نقصد ارضهم,( ننقصها من اطرافها) بالفتح علي النبي صلي الله عليه وسلم.
اما صاحب الظلال فذكر: ان يد الله القويه تاتي الامم الغنيه حين تبطر وتكفر وتفسد فتنقص من قوتها وقدرها وثرائها وتحصرها في رقعه ضيقه من الارض بعد ان كانت ذات امتداد وسلطان.
وجاء في( صفوه البيان لمعاني القران) ما نصه:( او لم يروا انا ناتي الارض..) اي اانكروا نزول ما وعدناهم, او شكوا ولم يروا اننا نفتح ارضهم من جوانبها ونلحقها بدار الاسلام!! اولم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم كقوم عاد وثمود! فكيف يامنون حلول ذلك بهم!....
وجاء في صفوه التفاسير ما نصه: اي او لم ير هولاء المشركون انا نمكن للمومنين من ديارهم ونفتح للرسول الارض بعد الارض حتي تنقص دار الكفر وتزيد دار الاسلام؟ وذلك من اقوي الادله علي ان الله منجز وعده لرسوله عليه السلام.
وجاء في المنتخب في تفسير القران الكريم ما نصه: وان امارات العذاب والهزيمه قائمه! الم ينظروا الي انا ناتي الارض التي قد استولوا عليها, ياخذها منهم المومنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الارض من حولهم, والله وحده هو الذي يحكم بالنصر او الهزيمه, والثواب او العقاب, ولا راد لحكمه, وحسابه سريع في وقته, فلا يحتاج الفصل الي وقت طويل, لان عنده علم كل شيء, فالبينات قائمه. وفي الهامش جاء ذكر ما يلي: تتضمن هذه الايه حقائق وصلت اليها البحوث العلميه الاخيره اذ ثبت ان سرعه دوران الارض حول محورها, وقوه طردها المركزي يوديان الي تفلطح في القطبين وهو نقص في طرفي الارض, وكذلك عرف ان سرعه انطلاق جزيئات الغازات المغلفه للكره الارضيه, اذا ما جاوزت قوه جاذبيه الارض لها فانها تنطلق الي خارج الكره الارضيه, وهذا يحدث بصفه مستمره فتكون الارض في نقص مستمر لاطرافها, لا ارض اعداء المومنين, وهذا احتمال في التفسير تقبله الايه الكريمه.
من الدلالات العلميه لانقاص الارض من اطرافها
ترد لفظه الارض في القران الكريم بمعني الكوكب ككل, كما ترد بمعني اليابسه التي نحيا عليها من كتل القارات والجزر البحريه والمحيطيه, وان كانت ترد ايضا بمعني التربه التي تغطي صخور اليابسه. ولانقاص الارض من اطرافها في اطار كل معني من تلك المعاني عدد من الدلالات العلميه التي نحصي منها ما يلي:
اولا: في اطار دلاله لفظه الارض علي الكوكب ككل:
في هذا الاطار نجد ثلاثه معان علميه بارزه يمكن ايجازها فيما يلي:
(ا) انقاص الارض من اطرافها بمعني انكماشها علي ذاتها وتناقص حجمها باستمرار:
يقدر متوسط قطر الارض الحاليه بحوالي12742 كم, ويقدر متوسط محيطها بنحو40042 كم, ويقدر حجمها باكثر من مليون مليون كم3. وتفيد الدراسات ان ارضنا مرت بمراحل متعدده من التشكيل منذ انفصال مادتها عن سحابه الدخان الكوني التي نتجت عن عمليه الانفجار العظيم اما مباشره او بطريقه غير مباشره عبر سديم الدخان الذي تولدت عنه مجموعتنا الشمسيه, وبذلك خلقت الارض الابتدائيه التي لم تكن سوي كومه ضخمه من الرماد ذات حجم هائل يقدر بمائه ضعف حجمها الحالي علي الاقل, ومكونه من عدد من العناصر الخفيفه. ثم ما لبثت تلك الكومه الابتدائيه ان رجمت بوابل من النيازك الحديديه, والحديديه الصخريه, والصخريه, كتلك التي تصل الارض في زماننا( والتي تتراوح كمياتها بين الالف والعشره الاف طن سنويا من ماده الشهب والنيازك).
وبحكم كثافتها العاليه نسبيا اندفعت النيازك الحديديه الي مركز تلك الكومه الابتدائيه حيث استقرت, مولده حراره عاليه ادت الي صهر كومه الرماد التي شكلت الارض الابتدائيه والي تمايزها الي سبع ارضين علي النحو التالي:
1 لب صلب داخلي: عباره عن نواه صلبه من الحديد(90%) وبعض النيكل(9%) مع قليل من العناصر الخفيفه مثل الكربون والفوسفور, والكبريت والسيليكون والاوكسجين(1%) وهو قريب من تركيب النيازك الحديديه مع زياده واضحه في نسبه الحديد, ويبلغ قطر هذه النواه حاليا ما يقدر بحوالي2402 كم, وتقدر كثافتها بحوالي10 الي13.5 جرام/سم3.
2 نطاق لب الارض السائل( الخارجي): وهو نطاق سائل يحيط باللب الصلب, وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبا ولكنه في حاله انصهار, ويقدر سمكه بحوالي2275 كم, ويفصله عن اللب الصلب منطقه انتقاليه شبه منصهره يبلغ سمكها450 كم تعتبر الجزء الاسفل من هذا النطاق, ويكون كل من لب الارض الصلب والسائل حوالي31% من كتلتها.
3 النطاق الاسفل من وشاح الارض( الوشاح السفلي): وهو نطاق صلب يحيط بلب الارض السائل, ويبلغ سمكه نحو2215 كم( من عمق670 كم الي عمق2885 كم) ويفصله عن الوشاح الاوسط( الذي يعلوه) مستوي انقطاع للموجات الاهتزازيه الناتجه عن الزلازل.
4 النطاق الاوسط من وشاح الارض( الوشاح الاوسط): وهو نطاق صلب يبلغ سمكه نحو270 كم, ويحده مستويات من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازيه يقع احدهما علي عمق670 كم ويفصله عن الوشاح الاسفل, ويقع الاخر علي عمق400 كم ويفصله عن الوشاح الاعلي.
5 النطاق الاعلي من وشاح الارض( الوشاح العلوي): وهو نطاق لدن, شبه منصهر, عالي الكثافه واللزوجه( نسبه الانصهار فيه في حدود1%) يعرف باسم نطاق الضعف الارضي ويمتد بين عمق65 120 كم وعمق400 كم ويتراوح سمكه بين335 كم و380 كم, ويعتقد بان وشاح الارض كان كله منصهرا في بدء خلق الارض ثم اخذ في التصلب بالتدريج نتيجه لفقد جزء هائل من حراره الارض.
6 النطاق السفلي من الغلاف الصخري للارض: ويتراوح سمكه بين40 60 كم( بين اعماق60 80 كم)120 كم ويحده من اسفل الحد العلوي لنطاق الضعف الارضي, ومن اعلي خط انقطاع الموجات الاهتزازيه المعروف باسم الموهو.
7 النطاق العلوي من الغلاف الصخري للارض( قشره الارض):
ويتراوح سمكه بين(5 8) كم تحت قيعان البحار والمحيطات وبين(60 80) كم تحت القارات, ويتكون اساسا من العناصر الخفيفه مثل السيليكون, والصوديوم, والبوتاسيوم, والكالسيوم, والالومنيوم, والاوكسجين مع قليل من الحديد(5.6%) وبعض العناصر الاخري وهو التركيب الغالب للقشره القاريه التي يغلب عليها الجرانيت والصخور الجرانيتيه, اما قشره قيعان البحار والمحيطات فتميل الي تركيب الصخور البازلتيه.
وادي هذا التمايز في التركيب الداخلي للارض الي نشوء دورات من تيارات الحمل, تندفع من نطاق الضعف الارضي( الوشاح الاعلي) غالبا, ومن وشاح الارض الاوسط احيانا, لتمزق الغلاف الصخري للارض الي عدد من الالواح التي شرعت في حركه دائبه حول نطاق الضعف الارضي نشا عنها الثورات البركانيه, والهزات الارضيه, والحركات البانيه للجبال, كما نشا عنها دحو الارض بمعني اخراج كل من غلافيها المائي والغازي من جوفها وتكون كتل القارات.
هذا التاريخ يشير الي ان حجم الارض الابتدائيه كان علي الاقل يصل الي مائه ضعف حجم الارض الحاليه والمقدر باكثر قليلا من مليون مليون وثلاثمائه وخمسين كيلومترا مكعبا وان هذا الكوكب قد اخذ منذ اللحظه الاولي لخلقه في الانكماش علي ذاته من كافه اطرافه. وكان انكماش الارض علي ذاتها سنه كونيه لازمه للمحافظه علي العلاقه النسبيه بين كتلتي الارض والشمس, هذه العلاقه التي تضبط بعد الارض عن الشمس, ذلك البعد الذي يحكم كميه الطاقه الواصله الينا. ويقدر متوسط المسافه بين الارض والشمس بنحو مائه وخمسين مليونا من الكيلومترات, ولما كانت كميه الطاقه التي تصل من الشمس الي كل كوكب من كواكب مجموعتها تتناسب تناسبا عكسيا مع بعد الكوكب عن الشمس, وكذلك تتناسب سرعه جريه في مداره حولها, بينما يتناسب طول سنه الكوكب تناسبا طرديا مع بعده عنها( وسنه الكوكب هي المده التي يستغرقها في اتمام دوره كامله حول الشمس), اتضحت لنا الحكمه من استمراريه تناقص الارض وانكماشها علي ذاتها اي تناقصها من اطرافها. ولو زادت الطاقه التي تصلنا من الشمس عن القدر الذي يصلنا اليوم قليلا لاحرقتنا, واحرقت كل حي علي الارض, ولبخرت الماء, وخلخلت الهواء,
ولو قلت قليلا لتجمد كل حي علي الارض ولقضي علي الحياه الارضيه بالكامل.
ومن الثابت علميا ان الشمس تفقد من كتلتها في كل ثانيه نحو خمسه ملايين من الاطنان علي هيئه طاقه ناتجه من تحول غاز الايدروجين بالاندماج النووي الي غاز الهيليوم. وللمحافظه علي المسافه الفاصله بين الارض والشمس لابد وان تفقد الارض من كتلتها وزنا متناسبا تماما مع ما تفقده الشمس من كتلتها, ويخرج ذلك عن طريق كل من فوهات البراكين وصدوع الارض علي هيئه الغازات والابخره وهباءات متناهيه الضاله من المواد الصلبه التي يعود بعضها الي الارض, ويتمكن البعض الاخر من الافلات من جاذبيه الارض والانطلاق الي صفحه السماء الدنيا, وبذلك الفقدان المستمر من كتله الارض فانها تنكمش علي ذاتها, وتنقص من كافه اطرافها, وتحتفظ بالمسافه الفاصله بينها وبين الشمس. ولولا ذلك لانطلقت الارض من عقال جاذبيه الشمس لتضيع في صفحه الكون وتهلك ويهلك كل من عليها, او لانجذبت الي قلب الشمس حيث الحراره في حدود15 مليون درجه مئويه فتنصهر وينصهر كل ما بها ومن عليها.
ومن حكمه الله البالغه ان كميه الشهب والنيازك التي تصل الارض يوميا تلعب دورا هاما في ضبط العلاقه بين كتلتي الارض والشمس اذا زادت كميه الماده المنفلته من عقال جاذبيه الارض.
(ب) انقاص الارض من اطرافها بمعني تفلطحها قليلا عند القطبين, وانبعاجها قليلا عند خط الاستواء:
في زمن الخليفه المامون قيست المسافه المقابله لكل درجه من درجات خطوط الطول في كل من تهامه والعراق, واستنتج من ذلك حقيقه ان الارض ليست كامله الاستداره, وقد سبق العلماء المسلمون الغرب في ذلك بثمانيه قرون علي الاقل لان الغربيين لم يشرعوا في قياس ابعاد الارض الا في القرن السابع عشر الميلادي, حين اثبت نيوتن نقص تكور الارض وعلله بان ماده الارض لاتتاثر بالجاذبيه نحو مركزها فحسب, ولكنها تتاثر كذلك بالقوه الطارده( النابذه) المركزيه الناشئه عن دوران الارض حول محورها, وقد نتج عن ذلك انبعاج بطئ في الارض ولكنه مستمر عند خط الاستواء حيث تزداد القوه الطارده المركزيه الي ذروتها, وتقل قوه الجاذبيه الي المركز الي ادني قدر لها, ويقابل ذلك الانبعاج الاستوائي تفلطح( انبساط) قطبي غير متكافئ عند قطبي الارض حيث تزداد قوتها الجاذبه, وتتناقص قيمه القوه الطارده المركزيه, والمنطقه القطبيه الشماليه اكثر تفلطحا من المنطقه القطبيه الجنوبيه. ويقدر متوسط قطر الارض الاستوائي بنحو12756.3 كم, ونصف قطرها القطبي بنحو12713.6 كم وبذلك يصبح الفارق بين القطرين نحو42.7 كم, ويمثل هذا التفلطح نحو33.% من نصف قطر الارض, مما يدل علي انها عمليه بطيئه جدا تقدر بنحو1 سم تقريبا كل الف سنه, ولكنها عمليه مستمره منذ بدء خلق الارض, وهي احدي عمليات انقاص الارض من اطرافها.
(ج) انقاص الارض من اطرافها بمعني اندفاع قيعان المحيطات تحت القارات وانصهارها وذلك بفعل تحرك الواح الغلاف الصخري للارض:
يمزق الغلاف الصخري للارض بواسطه شبكه هائله من الصدوع العميقه التي تحيط بالارض احاطه كامله, وتمتد لعشرات الالاف من الكيلومترات في الطول, وتتراوح اعماقها بين65 كم و120كم, وتفصل هذه الشبكه من الصدوع الغلاف الصخري للارض الي12 لوحا رئيسيا وعدد من الالواح الصغيره نسبيا, ومع دوران الارض حول محورها تنزلق الواح الغلاف الصخري للارض فوق نطاق الضعف الارضي متباعده عن بعضها البعض, او مصطدمه مع بعضها البعض, ويعين علي هذه الحركه اندفاع الصهاره الصخريه عبر مستويات الصدوع خاصه عبر تلك المستويات التصدعيه التي تشكل محاور حواف اواسط المحيطات فتودي الي اتساع قيعان البحار والمحيطات وتجدد صخورها, وذلك لان الصهاره الصخريه المتدفقه بملايين الاطنان عبر مستويات صدوع اواسط المحيطات تودي الي دفع جانبي قاع المحيط يمنه ويسره لعده سنتيمترات في السنه الواحده, وتودي الي ملء المسافات الناتجه بالطفوحات البركانيه المتدفقه والتي تبرد وتتطلب علي هيئه اشرطه متوازيه تتقادم في العمر. في اتجاه حركه التوسع, وينتج عن هذا التوسع اندفاع صخور قاع المحيط يمنه ويسره, في اتجاهي التوسع ليهبط تحت كتل القارات المحيطه في الجانبين بنفس معدل التوسع( اي بنصفه في كل اتجاه), وتستهلك صخور قاع المحيط الهابطه تحت القارتين المحيطتين بالانصهار في نطاق الضعف الارضي.
وكما يصطدم قاع المحيط بكتل القارتين او القارات المحيطه بحوض المحيط او البحر, فان العمليه التصادميه قد تتكرر بين كتل قاع المحيط الواحد فتكون الجزر البركانيه وينقص قاع المحيط, وكما تحدث عمليه التباعد في اواسط القاره فتودي الي فصلها الي كتلتين قاريتين مفصولتين ببحر طولي مثل البحر الاحمر يظل يتسع حتي يتحول الي محيط في المستقبل البعيد وفي كل الحالات تستهلك صخور الغلاف الصخري للارض عند خطوط التصادم, وتتجدد عند خطوط التباعد, وهي صوره من صور انقاص الارض من اطرافها. وتتخذ الواح الغلاف الصخري للارض في العاده اشكالا رباعيه يحدها من جهه خطوط انفصام وتباعد, يقابلها في الجهه الاخري خطوط تصادم, وفي الجانبين الاخرين حدود انزلاق, تتحرك عبرها الواح الغلاف الصخري منزلقه بحريه عن بعضها البعض.
وتحرك الواح الغلاف الصخري للارض يودي باستمرار الي استهلاك صخور قيعان كل محيطات الارض, واحلالها بصخور جديده, وعلي ذلك فان محاور المحيطات تشغلها صخور بركانيه ورسوبيه جديده قد لا يتجاوز عمرها اللحظه الواحده, بينما تندفع الصخور القديمه( التي قد يتجاوز عمرها المائتي مليون سنه) عند حدود تصادم قاع المحيط مع القارات المحيطه به, والصخور الاقدم عمرا من ذلك تكون هبطت تحت كتل القارات وهضمت في نطاق الضعف الارضي وتحولت الي صهاره, وهي صوره رائعه من صور انقاص الارض من اطرافها.
ويبدو ان هذه العمليات الارضيه المتعدده كانت في بدء خلق الارض اشد عنفا من معدلاتها الحاليه لشده حراره جوف الارض بدرجات تفوق درجاتها الحاليه وذلك بسبب الكم الهائل من الحراره المتبقيه عن الاصل الذي انفصلت منه الارض, والكم الهائل من العناصر المشعه الاخذه في التناقص باستمرار بتحللها الذاتي منذ بدء تجمد ماده الارض.
ثانيا: في اطار دلاله لفظ الارض علي اليابسه التي نحيا عليها:
في هذا الاطار نجد معنيين علميين واضحين نوجزهما فيما يلي:
(ا) انقاص الارض من اطرافها بمعني اخذ عوامل التعريه المختلفه من المرتفعات والقاء نواتج التعريه في المنخفضات من سطح الارض حتي تتم تسويه سطحها:
فسطح الارض ليس تام الاستواء وذلك بسبب اختلاف كثافه الصخور المكونه للغلاف الصخري للارض, وكما حدث انبعاج في سطح الارض عند خط الاستواء, فان هناك نتوءات عديده في سطح الارض حيث تتكون قشره الارض من صخور خفيفه, وذلك من مثل كتل القارات والمرتفعات البارزه علي سطحها, وهناك ايضا انخفاضات مقابله لتلك النتوءات حيث تتكون قشره الارض من صخور عاليه الكثافه نسبيا وذلك من مثل قيعان المحيطات والاحواض المنخفضه علي سطح الارض.
ويبلغ ارتفاع اعلي قمه علي سطح الارض وهي قمه جبل افريست في سلسله جبال الهيمالايا8840 مترا فوق مستوي سطح البحر, ويقدر منسوب الخفض نقطه علي اليابسه وهي حوض البحر الميت395 مترا تحت مستوي سطح البحر, ويبلغ منسوب اكثر اغوار الارض عمقا حوالي10,800 مترا وهو غور ماريانوس في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين, والفارق بينهما اقل من عشرين كيلو مترا(1960 مترا), وهو فارق ضئيل اذا قورن بنصف قطر الارض.
ويبلغ متوسط ارتفاع سطح الارض حوالي840 مترا فوق مستوي سطح البحر ومتوسط اعماق المحيطات حوالي اربعه كيلو مترات تحت مستوي سطح البحر(3729 مترا الي4500 متر تحت مستوي سطح البحر)
وهذا الفارق البسيط هو الذي اعان عوامل التعريه المختلفه علي بري صخور المرتفعات والقائها في منخفضات الارض في محاوله متكرره لتسويه سطحها, وهي سنه دائبه من سنن الله في الارض, فاذا بدانا بمنطقه مرتفعه ولكنها مستويه يغشاها مناخ رطب, فان مياه الامطار سوف تتجمع في منخفضات المنطقه علي هيئه عدد من البحيرات والبرك.حتي يتكون نظام صرف مائي جيد, وعندما تجري الانهار فانها تنحر مجاريها في صخور المنطقه حتي تقترب من المستوي الادني للتحات فتسحب كل مياه البحيرات والبرك التي تمر بها, وكلما زاد النحر الي اسفل نزايدات التضاريس تشكلا وبروزا, وعندما تصل بعض المجاري المائيه الي المستوي الادني للتحات فانها تبدا في النحر الجانبي لمجاريها بدلا من النحر الراسي فيتم بذلك التسويه الكامله لتضاريس المنطقه علي هيئه سهول مستويه( او سهوب) تتعرج فيها الانهار, وتتسع مجاريها, وتضعف سرعات جريها. وقدراتها علي النحر, وبعد الوصول الي هذا المستوي او الاقتراب منه يتكرر رفع المنطقه وتعود الدوره الي صورتها الاولي, وتعتبر هذه الدوره( التي تعرف باسم دوره التسهيب) صوره من صور انقاص الارض من اطرافها, وينخفض منسوب قاره امريكا الشماليه بهذه العمليه بمعدل يصل الي0,03 مم في السنه حتي يغمرها البحر ان شاء الله.
(ب) انقاص الارض من اطرافها بمعني طغيان مياه البحار والمحيطات علي اليابسه وانقاصها من اطرافها:
من الثابت علميا ان الارض قد بدات منذ القدم بمحيط غامر, ثم بتحرك الواح الغلاف الصخري الابتدائي للارض وبدات جزر بركانيه عديده في التكون في قلب هذا المحيط الغامر, وبتصادم تلك الجزر تكونت القاره الام التي تفتت بعد ذلك الي العدد الراهن من القارات, وتبادل الادوار بين اليابسه والماء هو سنه ارضيه تعرف باسم دوره التبادل بين المحيطات والقارات
وتحول اجزاء من اليابسه الي بحار والتي من نماذجها المعاصره كل من البحر الاحمر, وخليج كاليفورنيا, هو صوره من صور انقاص الارض من اطرافها, ليس هذا فقط بل ان من الثابت علميا ان غالبيه الماء العذب علي اليابسه محجوز علي هيئه تتابعات هائله من الجليد فوق قطبي الارض, وفي قمم الجبال, يصل سمكها في القطب الجنوبي الي اربعه كيلو مترات, ويقترب من هذا السمك قليلا في القطب الشمالي(3800 متر), وانصهار هذا السمك الهائل من الجليد سوف يودي الي رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات لاكثر من مائه متر, وقد بدات بوادر هذا الانصهار, واذا تم ذلك فانه سوف يغرق اغلب مساحات اليابسه ذات التضاريس المنبسطه حول البحار والمحيطات وهي صوره من صور انقاص الارض من اطرافها, وفي ظل التلوث البيئي الذي يعم الارض اليوم, والذي يودي الي رفع درجه حراره نطاق المناخ المحيط بالارض باستمرار بات انصهار هذا السمك الهائل من الجليد امرا محتملا, وقد حدث ذلك مرات عديده في تاريخ الارض الطويل الذي تردد بين دورات يزحف فيها الجليد من احد قطبي الارض او منهما معا في اتجاه خط الاستواء, وفترات ينصهر فيها الجليد فيودي الي رفع منسوب المياه في البحار
والمحيطات وفي كلتا الحالتين تتعرض حواف القارات للتعريه بواسطه مياه البحار والمحيطات فتودي الي انقاص الارض( اي اليابسه) من اطرافها, وذلك لان مياه كل من البحار والمحيطات دائمه الحركه بفعل دوران الارض حول محورها, وباختلاف كل من درجات الحراره والضغط الجوي, ونسب الملوحه من منطقه الي اخري, وتودي حركه المياه في البحار والمحيطات( من مثل التيارات االمائيه, وعمليات المد والجزر, والامواج السطحيه والعميقه) الي ظاهره التاكل( التحات) البحري وهو الفعل الهدمي لصخور الشواطيء وهو من عوامل انقاص الارض( اليابسه) من اطرافها.
ثالثا: في اطار دلاله لفظ الارض علي التربه التي تغطي صخور اليابسه:
(ا) انقاص الارض من اطرافها بمعني التصحر:
اي زحف الصحراء علي المناطق الخضراء وانحسار التربه الصالحه للزراعه في ظل افساد الانسان للبيئه علي سطح الارض بدا زحف الصحاري علي مساحات كبيره من الارض الخضراء, وذلك بالرعي الجائر, واقتلاع الاشجار, وتحويل الاراضي الزراعيه الي اراض للبناء, وندره المياه نتيجه لموجات الجفاف والجور علي مخزون المياه تحت سطح الارض, وتملح التربه, وتعريتها بمعدلات سريعه تفوق بكثير محاولات استصلاح بعض الاراضي الصحراويه, اضف الي ذلك التلوث البيئي, والخلل الاقتصادي في الاسواق المحليه والعالميه, وتذبذب اسعار كل من الطاقه والالات والمحاصيل الزراعيه مما يجعل العالم يواجه ازمه حقيقيه تتمثل في انكماش المساحات المزروعه سنويا بمعدلات كبيره خاصه في المناطق القاريه وشبه القاريه نتيجه لزحف الصحاري عليها, ويمثل ذلك صوره من صور خراب الارض بانقاصها من اطرافها.
هذه المعاني السته( منفرده او مجتمعه) تعطي بعدا علميا رائعا لمعني انقاص الارض من اطرافها, ولا يتعارض ذلك ابدا مع الدلاله المعنويه للتعبير, بمعني خراب الارض الذي استنتجه المفسرون, بل يكمله ويجليه. وعلي عاده القران الكريم تاتي الاشاره الكونيه بمضمون معنوي محدد, ولكن بصياغه علميه معجزه, تبلغ من الشمول والكمال والدقه ما لم يبلغه علم الانسان, فسبحان الذي انزل من قبل الف واربعمائه سنه هذه الاشاره العلميه الدقيقه الي حقيقه انقاص الارض من اطرافها, وهي حقيقه لم يدرك الانسان شيئا من دلالاتها العلميه الا منذ عقود قليله, وقد يري فيها القادمون فوق ما نراه نحن اليوم, ليظل القران الكريم مهيمنا علي المعرفه الانسانيه مهما اتسعت دوائرها, وتظل اياته الكونيه شاهده باستمرار علي انه كلام الله الخالق, وشاهده للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بانه( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والارض.
-
(27) والبحـــر المســـــجور
ضمن قسم بخمس من آيات الله في الخلق علي حتمية وقوع العذاب بالمكذبين بالدين الخاتم, وعلي أنه لا دافع أبدا لهذا العذاب عنهم. جاء هذا القسم القرآني العجيب في مطلع سورة الطور, وسورة الطور مكية, شأنها شأن كل السور التي أنزلت بمكة المكرمة, تدور محاورها الأساسية حول قضية العقيدة بأبعادها المختلفة من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد, وبملائكته, وكتبه, ورسله, وبالبعث والجزاء, وبالخلود في الآخرة, إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا.
وتبدأ السورة بعد هذا القسم بمشهد من مشاهد الآخرة فيه استعراض لحال المكذبين برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وهم يدفعون من ظهورهم إلي نار جهنم دفعا, وقد كانوا من المكذبين بها!!
ثم تنتقل الآيات إلي استعراض حال المتقين وهم يرفلون في جنات النعيم ثوابا لهم علي الإيمان بالله, والخوف من عذابه!!
وتنتهي السورة بخطاب إلي النبي الخاتم, والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) يحثه علي المضي في دعوته إلي عبادة الله الخالق وحده( بغير شريك ولا شبيه ولا منازع) مهما صادفه في ذلك من مصاعب في مواجهة الكم الهائل من مؤامرات المتآمرين, وكيد المكذبين وعنتهم, الذين يتهددهم الله( تعالي) بما سوف يلقونه من صنوف العذاب يوم القيامة, بل بعذاب قبل ذلك في الحياة الدنيا, ويأتي مسك الختام بمواساة وتعضيد لرسول الله( صلي الله عليه وسلم) في صورة تكريم لم يسبق لنبي من الأنبياء, ولا لرسول من الرسل أن نال من الله( تعالي) تكريما مثله, وذلك بقول الحق( تبارك وتعالي) موجها الخطاب إليه( صلي الله عليه وسلم):
واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم* ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم*( الطور:49,48).
والآيات الست التي سبق بها القسم في مطلع سورة الطور هي علي التوالي: الطور وهو الجبل المكسو بالأشجار, والجبل غير المكسو بالخضرة لا يقال له طور, إنما يقال له جبل إذا كان شاهق الارتفاع بالنسبة للتضاريس حوله, ويسمي تلا إذا كان دون ذلك, وتليه الأكمة أو الربوة أو النتوء الأرضي, ويليه النجد أو الهضبة, ويليه السهل, من تضاريس الأرض, والمقصود في القسم القرآني هنا ـ علي الأرجح ـ طور سيناء, الذي كلم الله( تعالي) عنده موسي( عليه السلام), والذي نزلت عليه الألواح, وأقسم الله( سبحانه وتعالي) بطور سيناء هذا تكريما له, وتذكيرا للناس بما فيه من الآيات, والأنوار, والتجليات, والفيوضات الإلهية, مما جعله بقعة مشرفة من بقاع الأرض لاختياره بإرادة الله( تعالي), وتجليه له.
والآية الثانية التي جاء بها القسم هي وكتاب مسطور, وقيل فيه إنه اللوح المحفوظ, وقيل إنه القرآن الكريم الذي ختم الله( سبحانه) به وحي السماء, وقيل هو التوراة التي تلقاها نبي الله موسي( عليه السلام) في الألواح التي أنزلت علي جبل الطور, وقيل هو إشارة إلي جميع الكتب التي أنزلها ربنا( تبارك وتعالي) علي فترة من الرسل بلغ عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر كما أخبرنا المصطفي( صلي الله عليه وسلم), لأن أصلها واحد, ورسالتها واحدة, كما قيل إنها صحائف أعمال العباد.
والقسم الثالث جاء بـ الرق المنشور والرق هو جلد رقيق يكتب فيه, وقد يشير إلي الورق الذي يكتب عليه وإلي الألواح التي ينقش فيها, لأن الرق هو كل ما يكتب فيه, والمنشور أي المبسوط غير المطوي, وغير المختوم عليه, بمعني أنه مفتوح أمام الجميع, يستطيعون قراءته أو الاستماع إليه بغير حجر أو منع, فالقرآن الكريم يقرأه الخلق جميعهم, ويستمعون إليه بغير قيود أو حدود من أي نوع, وهكذا كانت الكتب السماوية التي سبقته بالنزول قبل ضياعها أو تحريفها,وفي النشر إشارة إلي سلامة الكتب السماوية من كل نقص وعيب.
وجاء القسم الرابع بصياغة والبيت المعمور وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة( أي مقابلتها إلي أعلي علي استقامتها), وهو أيضا حيال العرش إلي أسفل منه وعلي استقامته, تعمره الملائكة, يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا منهم ثم لا يعودون إليه كما روي ابن عباس( رضي الله عنهما), عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم), وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض, ويروي عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) أنه قال يوما لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال( صلي الله عليه وسلم): فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها, يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم.
ويروي عنه( صلي الله عليه وسلم) وصفا مشابها للبيت المعمور في حديث الإسراء والمعراج, كما جاء في الصحيحين.
وجاء القسم الخامس بصياغة والسقف المرفوع وفيه قيل هو السماء القائمة بغير عمد مرئية, كما جاء علي لسان الإمام علي( كرم الله تعالي وجهه) ووافقه علي ذلك كثير من المفسرين, وإن قال الربيع بن أنس إنه العرش الذي هو سقف لجميع المخلوقات.
أما البحر المسجور فقد تعددت آراء المفسرين فيه, كما سنري في الأسطر القليلة التالية, ولكن قبل التعرض لذلك لابد لنا من استعراض الدلالة اللغوية للفظي البحر والمسجور.
المدلول اللغوي للبحر المسجور
(البحر) في اللغة ضد البر, وقيل إنه سمي بهذا الاسم لعمقه واتساعه, والجمع( أبحر) و(بحار) و(بحور), وكل نهر عظيم يسمي بحرا, لأن أصل البحر هو كل مكان واسع جامع للماء الكثير, وإن كانت لفظة( البحر) تطلق في الأصل علي الماء المالح دون العذب, كذلك سمت العرب كل متوسع في شيء( بحرا) حتي قالوا: للمتوسع في علمه( بحرا), وللتوسع في العلم( تبحر), وقالوا: فرس( بحر) أي واسع الخطي, سريع الجري, وقيل: ماء بحر, أي ملح( مالح), و(أبحر) الماء أي ملح, و(أبحر) الرجل أي ركب البحر, و(بحر) أذن الناقة أي شقها شقا واسعا فشبهها بسعة البحر علي وجه المجاز والمبالغة, ومنها سميت البحيرة وهي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها, وتطلق, فلا تركب ولا يحمل عليها, والبحيرة ابنة السائبة وحكمها حكم أمها عند العرب في الجاهلية.
أما وصف البحر بصفة( المسجور) فالصفة مستمدة من الفعل( سجر) و(السجر) تهييج النار, يقال( سجر) التنور أي أوقد عليه حتي أحماه, و(السجور) هو ما يسجر به التنور من أنواع الوقود, كما يقال( سجر) الماء النهر أي ملأه, ومنه( البحر المسجور) أي المملوء بالماء, المكفوف عن اليابسة, و(الساجور) خشبة تجعل في عنق الكلب فيقال له كلب( مسوجر) أي محكوم, والمسوجر المغلق المحكم الإغلاق من كل شيء.
شروح المفسرين
في تفسير القسم القرآني بالبحر المسجور أشار ابن كثير( يرحمه الله) إلي قول الربيع بن أنس أنه: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها, أي أنه بحر من ماء خاص محبوس عند رب العالمين, ينزله( سبحانه وتعالي) يوم البعث فينبت كل مخلوق بواسطة هذا الماء من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من حبتها علي ما روي عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) من قول.
وأضاف بن كثير و[قال الجمهور هو هذا البحر, واختلف في معني المسجور فقال بعضهم المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله تعالي: وإذا البحار سجرت أي أضرمت فتصير نارا تتأجج محيطة بأهل الموقف كما روي عن علي وابن عباس, وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء, ولا يسقي به زرع, وكذلك البحار يوم القيامة].
[وعن سعيد بن جبير: والبحر المسجور يعني المرسل, وقال قتادة: المسجور المملوء, واختاره ابن جرير, وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها, قاله ابن عباس وبه يقول السدي وغيره, وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب, عن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) قال: ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم فيكفه الله عز وجل].
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( رحمهما الله) في شرح دلالة القسم القرآني( والبحر المسجور) أي المملوء وذكرا أنه قول قتادة. وقالا قال مجاهد الموقد أي الذي سيسجر يوم القيامة لقوله تعالي: وإذا البحار سجرت.
وقال صاحب الظلال( يرحمه الله) كلاما مشابها يشير إلي أن البحر المسجور هو المملوء بالماء في الدنيا, أو المتقد بالنار في الآخرة, أو أن هذا التعبير يسير إلي خلق آخر كالبيت المعمور يعلمه الله.
وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن( غفر الله له) في تفسير قول الحق( تبارك وتعالي)( والبحر المسجور) ما نصه:
أي المملوء ماء يقال: سجر النهر, ملأه, وهو البحر المحيط, والمراد الجنس, وقيل الموقد نارا عند قيام الساعة, كما قال تعالي: وإذا البحار سجرت, أي أوقدت نارا, من سجر التنور يسجره سجرا, أحماه, وصف البحر بذلك إعلاما بأن البحار عند فناء الدنيا تحمي بنار من تحتها فتتبخر مياهها, وتندلع النار في تجاويفها وتصير كلها حمما.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم: إن البحر المسجور هو المملوء, وذكر صاحب صفوة التفاسير( بارك الله في عمره) أنه الموقد نارا يوم القيامة لقوله وإذا البحار سجرت أي أضرمت حتي تصير نارا ملتهبة تتأجج وتحيط بأهل الموقف.
البحر المسجور
في منظور العلوم الحديثة
من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء, والمكفوف عن اليابسة, وهو معني صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين, ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المبهر أيضا أن البحر قد أوقد عليه حتي حمي قاعه فأصبح مسجورا, وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المتأخرة من القرن العشرين, والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدا, وهذا ما نفصله في الأسطر التالية:
أولا:( البحر المسجور) بمعني المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة:
الأرض هي أغني كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته بحوالي1360 إلي1385 مليون مليون كيلو متر مكعب, وهذا الماء قد أخرجه ربنا( تبارك وتعالي) كله من داخل الأرض علي هيئة بخار ماء اندفع من فوهات البراكين, وعبر صدوع الأرض العميقة ليصادف الطبقات العليا الباردة من نطاق التغيرات الجوية والذي يمتد من سطح البحر إلي ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو مترا فوق خط الأستواء, وحوالي العشرة كيلو مترات فوق قطبي الأرض, وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الإرتفاع حتي تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته. وهذا النطاق يحوي حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض(66%) والمقدرة بأكثر قليلا من خمسة آلاف مليون مليون طن, وهو النطاق الذي يتكثف فيه بخار الماء الصاعد من الأرض, والذي تتكون فيه السحب, وينزل منه كل من المطر, والبرد, والثلج, وتتم فيه ظواهر الرعد والبرق, وتتكون العواصف والدوامات الهوائية وغير ذلك من الظواهر الجوية, ولولا تبرد هذا النطاق مع الارتفاع ما عاد إلينا بخار الماء الصاعد من الأرض أبدا. وحينما عاد إلينا بخار الماء مطرا, وثلجا, وبردا, انحدر علي سطح الأرض ليشق له عددا من المجاري المائية, ثم فاض إلي منخفضات الأرض الواسعة ليكون البحار والمحيطات, وبتكرار عملية البخر من أسطح تلك البحار والمحيطات, ومن أسطح اليابسة بما عليها من مختلف صور التجمعات المائية والكائنات الحية. بدأت دورة المياه حول الأرض, من أجل التنقية المستمرة. لهذا الماء وتلطيف الجو, وتفتيت الصخور, وتسوية سطح الأرض, وتكوين التربة, وتركيز عدد من الثروات المعدنية, وغير ذلك من المهام التي أوكلها الخالق لتلك الدورة المعجزة التي تحمل380,000 كيلو متر مكعب من ماء الأرض إلي غلافها الجوي سنويا, لتردها إلي الأرض ماء طهورا, منها320,000 كيلو متر مكعب تتبخر من أسطح البحار والمحيطات,60,000 كيلو متر مكعب من أسطح اليابسة, يعود منها284,000 كيلو متر مكعب إلي البحار والمحيطات,96,000 كيلو متر مكعب إلي اليابسة التي يفيض منها36,000 كيلو متر مكعب من الماء إلي البحار والمحيطات, وهو نفس مقدار الفارق بين البخر والمطر من وإلي البحار والمحيطات.
هذه الدورة المحكمة للمياه حول الأرض أدت إلي خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها حوالي(97,2%), وإبقاء أقله علي اليابسة( حوالي2,8%), وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات, وبقيت نسبة ضئيلة علي هيئة ماء عذب علي اليابسة(2,8% من مجموع كم الماء علي الأرض), وحتي هذه النسبة الضئيلة من ماء الأرض العذب قد حبس أغلبها( من2,052% إلي2,15%) علي هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض, وفي قمم الجبال, والباقي مختزن في الطبقات المسامية والمنفذة من صخور القشرة الأرضية علي هيئة ماء تحت سطحي( حوالي0,27% إلي0,5%) وفي بحيرات الماء العذب( حوالي0,33%), وعلي هيئة رطوبة في تربة الأرض( من0,01% إلي0,18%) ورطوبة في الغلاف الغازي للأرض تتراوح بين(0,0001% إلي0,036%), وما يجري في الأنهار والجداول( حوالي0,0047%).
وتوزيع ماء الأرض بهذه النسب التي اقتضتها حكمة الله الخالق قد تم بدقة بالغة بين البيئات المختلفة بالقدر الكافي لمتطلبات الحياة في كل بيئة من تلك البيئات, وبالأقدار الموزونة التي لو اختلت قليلا بزيادة أو نقص لغمرت الأرض وغطت سطحها بالكامل, أو انحسرت تاركة مساحات هائلة من اليابسة, ولقصرت دون متطلبات الحياة عليها.
ومن هذا القبيل يحسب العلماء أن الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المرتفعة فوق سطحها إذا انصهر( وهذا لا يحتاج إلا إلي مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية) وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلي رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات الي أكثر من مائة متر فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان والممتدة حول شواطيء تلك البحار والمحيطات. وليس هذا من قبيل الخيال العلمي, فقد مرت بالأرض فترات كانت مياه البحار فيها أكثر غمرا لليابسة من حدود شواطئها الحالية, كما مرت فترات أخري كان منسوب الماء في البحار والمحيطات أكثر انخفاضا من منسوبها الحالي مما أدي إلي انحسار مساحة البحار والمحيطات وزيادة مساحة اليابسة, والضابط في الحالين كان كم الجليد المتجمع فوق اليابسة, فكلما زاد كم الجليد انخفض منسوب الماء في البحار والمحيطات فانحسرت عن اليابسة التي تزيد مساحتها زيادة ملحوظة, وكلما قل كم الجليد ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات وطغت علي اليابسة التي تتضاءل مساحتها تضاءلا ملحوظا.
من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ( البحر المسجور) بأن الله تعالي يمن علينا( وهو صاحب الفضل والمنة) بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات, وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان علي اليابسة منذ خلق الإنسان, وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات متعددة أهمها ذلك السمك الهائل من الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض وعلي قمم الجبال, والذي يصل إلي أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي, وإلي ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي, ولولا ذلك لغطي ماء الأرض أغلب سطحها, ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية, والحيوانية, والنباتية, وهي احدي آيات الله البالغة في الأرض, وفي اعدادها لكي تكون صالحة للعمران.
من هنا كان تفسير القسم بـ( البحر المسجور) بمعني المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق, وتشهد لسيدنا محمد بن عبد الله( صلي الله عليه وسلم) بالنبوة وبالرسالة.
ثانيا:( البحر المسجور) بمعني القائم علي قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض فجعلته شديد الحرارة.
في العقود المتأخرة من القرن العشرين تم اكتشاف حقيقة تمزق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة والتي تكون فيما بينها ما يعرف باسم أودية الخسف أو الأغوار, وأن هذه الأغوار العميقة تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة, ويشبهها العلماء باللحام علي كرة التنس( مع فارق التشبيه), وتمتد هذه الأغوار في كافة الاتجاهات لعشرات الآلاف من الكيلو مترات, ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض, وفي قيعان عدد من بحارها, ويتراوح عمق الصدوع المشكلة لتلك الأغوار بين65 كيلو مترا, و70 كيلو مترا تحت قيعان البحار والمحيطات, وبين100 و150 كيلو مترا علي اليابسة( أي في صخور القارات), وتعمل علي تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل, وتقطيعه إلي عدد من الألواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة يسميه العلماء باسم نطاق الضعف الأرضي, وهو نطاق لدن, عالي الكثافة واللزوجة, تتحرك بداخله تيارات الحمل من أسفل إلي أعلي حيث تتبرد وتعاود النزول إلي أسفل, وهي بتلك الحركة الدائبة تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف الصخري للأرض إلي التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه( في ظاهرة تسمي ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات), ومصطدما في الجانب المقابل باللوح الصخري المجاور ليكون سلسلة من السلاسل الجبلية, ومنزلقا عن الألواح المجاورة في الجانبين الآخرين.
وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها, وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدي الألف درجة مئوية لتساعد علي دفع جانبي المحيط يمنة ويسرة, وتملأ المسافات الناتجة بالصهارة الصخرية المندفعة من باطن الأرض علي هيئة ثورات بركانية عارمة, تحت الماء, تسجر قيعان جميع محيطات الأرض, وقيعان أعداد من بحارها, وتجدد مادتها الصخرية بإستمرار.
وقد أدي هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات, وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلي تكون سلاسل من الجبال في أواسط المحيطات تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية, وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن علي هيئة أعداد من الجزر البركانية من مثل جزر كل من اندونيسيا, ماليزيا, الفلبين, اليابان, هاواي, وغيرها, وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المقابلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات, ويؤدي هذا التصادم الي اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج مما يؤدي إلي تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة التي تطوي وتتكسر لترتفع علي هيئة السلاسل الجبلية علي حواف القارات من مثل سلسلة جبال الإنديز في غربي أمريكا الجنوبية, وهنا يستهلك قاع المحيط بالتدريج تحت الكتلة القارية, وإذا توقفت عملية توسع قاع المحيط فإن هذا القاع قد يستهلك بأكمله تحت القارة مما يؤدي إلي تصادم قارتين ببعضهما, وينشأ عن هذا التصادم أعلي السلاسل الجبلية من مثل جبال الهيمالايا التي نتجت عن اصطدام الهند بالقارة الأسيوية بعد استهلاك قاع المحيط الذي كان يفصل بينهما بالكامل في أزمنة أرضية سحيقة.
ويصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطي, واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية, والثورات والطفوح البركانية.
ويبلغ طول جبال أواسط المحيطات أكثر من أربعة وستين ألفا من الكيلو مترات في الطول, بينما يبلغ طول الصدوع العميقة التي اندفعت منها الطفوح البركانية لتكون تلك السلاسل الجبلية في أواسط المحيطات أضعاف هذا الرقم. وتتكون هذه السلاسل أساسا من الصخور البركانية المختلطة بالقليل من الرسوبيات البحرية, وتحيط كل سلسلة من هذه السلاسل المندفعة من قاع المحيط بواد خسيف( غور) مكون بفعل الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين خمسة وستين كيلو مترا وسبعين كيلو مترا ليخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل ويصل إلي نطاق الضعف الأرضي الذي تندفع منه الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجة حرارة تزيد عن الألف درجة مئوية لتسجر قيعان كل محيطات الأرض, وقيعان عدد من بحارها النشطة باستمرار, ومع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار, وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطيء المحيط يمنة ويسرة, ليحل محلها أحزمة أحدث عمرا تتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة, وتترتب بصورة متوازية علي جانبي أغوار المحيطات والبحار, ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه, وبذلك يمتليء محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره, بينما تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع, والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة.
وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الأرض, وقيعان عدد من بحارها( مثل البحر الأحمر) توجد أيضا علي اليابسة ولكن بنسب أقل منها فوق قيعان البحار والمحيطات وتعمل علي تكوين عدد من الاغوار( الأودية الخسيفة) والبحار الطولية( من مثل اغوار شرقي افريقيا والبحر الأحمر) التي تعمل علي تفتيت الكتل القارية باتساعها التدريجي لتتحول تلك البحار الطولية مثل البحر الأحمر الي بحار أكبر ثم إلي محيطات تفصل بين الكتلة القارية التي كانت متصلة علي هيئة قارة واحدة, وتحاط تلك الخسوف القارية العملاقة بعدد من القمم البركانية السامقة من مثل جبل أرارات في شرقي تركيا(5100 متر فوق مستوي سطح البحر), ومخروط بركان( إتنا) في شمال شرقي صقلية(3300 متر), ومخروط بركان( فيزوف) في خليج نابولي بايطاليا(1300 متر), وجبل( كيليمنجارو) في تنجانيقا(5900 متر), وجبل كينيا في جمهورية كينيا(5100 مترا فوق مستوي سطح البحر).
بذلك ثبت لكل من علماء الأرض والبحار ـ بالأدلة المادية الملموسة ـ أن كل محيطات الأرض( بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي), وأن أعدادا من بحارها( من مثل البحر الأحمر), قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتصل إلي نطاق الضعف الأرضي, وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساسا في قيعان البحار والمحيطات, وأن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة ـ علي ضخامته ـ لا يستطيع أن يطفيء جذوة الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض اطفاء كاملا, وأن هذه الجذوة علي شدة حرارتها( أكثر من ألف درجة مئوية) لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل, وأن هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية هو من أكثر ظواهر الأرض إبهارا للعلماء في زماننا, وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين.
ومن الغريب أن رسول الله( صلي الله عليه وسلم) ـ هذا النبي الأمي الذي لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة, فضلا عن الغوص إلي أعماق البحار ـ قال في حديث شريف أخرجه كل من الأئمة أبو داود في سننه, والبيهقي في سننه, وابن شيبة في مصنفه عن عبد الله بن عمرو بن العاص( رضي الله عنهما) ما نصه: لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله, فإن تحت البحر نارا, وتحت النار بحرا( أبو داود البيهقي)
وجاء الحديث في مصنف ابن شيبة بالنص التالي: إن تحت البحر نارا, ثم ماء, ثم نارا
ويعجب الإنسان المتبصر لهذا السبق في كل من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بالإشارة إلي حقيقة من حقائق الأرض التي لم يتوصل الإنسان إلي ادراكها إلا في نهايات القرن العشرين, هذا السبق الذي لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرا غير الله الخالق, الذي أنزل هذا القرآن الكريم بعلمه, علي خاتم أنبيائه ورسله, وعلم هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به قبل العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين, لكي تبقي هذه الومضات النورانية في كتاب الله, وفي سنة رسوله( صلي الله عليه وسلم) شهادات مادية ملموسة علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي حفظه( تعالي) علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد, وإلي قيام الساعة بنفس لغة الوحي( اللغة العربية) كلمة كلمة, وحرفا حرفا في صفائه الرباني, واشراقاته النورانية, دون أدني تغيير أو تبديل أو تحريف, وأن هذا النبي الخاتم, والرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض. فسبحان الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا القسم القرآني بالبحر المسجور, وسبحان الذي علم خاتم أنبيائه ورسله بهذه الحقيقة فقال قولته الصادقة إن تحت البحر نارا, وتحت النار بحرا وسبحان الذي أكد علي صدق القرآن الكريم, وعلي صدق هذا النبي الخاتم في كل ما رواه عن ربه. فأنزل في محكم كتابه قوله الحق:
لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفي بالله شهيدا*( النساء:166)
وقوله( سبحانه) مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم):
قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض انه كان غفورا رحيما*( الفرقان:6)
وقوله( عز من قائل):
وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون*
(النمل:93)
وقوله( تعالي):
ويري الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلي صراط العزيز الحميد*( سبأ:6)
وقوله( سبحانه وتعالي):
إن هو إلا ذكر للعالمين* ولتعلمن نبأه بعد حين*( ص:88,87)
وقوله( تبارك وتعالي):
...وانه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد*
(فصلت:41 و42)
وقوله( تبارك اسمه):
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه علي كل شيء شهيد*
(فصلت:53)
-
28 - ألم نجعل الأرض مهادا* والجبال أوتادا
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مقدمات سورة النبأ, وهي سورة مكية, شأنها شأن كافة السور المكية يدور محورها حول قضية العقيدة, تلك القضية الغيبية التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلي تصور صحيح أبدا بغير هداية ربانية, ومن هنا كانت من قواعد الدين الذي من لوازم صحته أن يكون وحيا ربانيا خالصا لا يداخله أدني قدر من الصياغة أو التصورات البشرية.
ومن أصول العقيدة الإسلامية الإيمان بالبعث وبالحساب والجزاء, وبالخلود في حياة قادمة إما في الجنة أبدا, أو في النار أبدا, والإيمان بالبعث هو موضوع سورة النبأ ومحورها الأساسي, وذلك لأن إنكار البعث كان حجة كفار قريش, كما كان حجة الكفار والمتشككين عبر التاريخ في نبذهم للدين, كفرا برب العالمين, وجهلا بطلاقة قدرته التي لا تحدها حدود, أو قياسا للقدرة الالهية بقدرات البشر المحدودة ظلما وعدوانا وجهلا بمدلول الألوهية الحقة, ومن ثم عجز الكافرون عن تصور إمكانية البعث, أو تعاجزوا عنه انصياعا لشهواتهم التي يرون ممارستها دون أدني مسئولية أو مساءلة فانطلقوا في انكار البعث, وما يستتبعه من الحساب والجزاء, وفي التشكيك في كل ذلك وهو من صلب الدين الذي جاء به آلاف من الانبياء, ومئات من المرسلين, وتكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين).
ومن أجل التأكيد علي حقيقة البعث بعد الموت وما يستتبعه من حساب وجزاء ابتدأت سورة النبأ باستنكار تساؤل الكافرين عنه تساؤل المنكر له أو المتشكك في امكانية وقوعه, وألمحت بالتهديد القاطع لكل منكر أو متشكك في تلك الحقيقة الربانية الحاسمة, ثم أوردت عددا من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الالهية في إبداع الخلق لكي تكون شاهدة علي أن الخالق المبدع قادر علي افناء خلقه وعلي إعادة بعثه...!!!, ولذلك أكدت السورة علي حقيقة يوم البعث وأهواله, وسمته باسم يوم الفصل لأنه يوم قد وقته ربنا( تبارك وتعالي) للفصل بين العباد, سيجمع له كافة الخلق من الأولين والآخرين بعد فنائهم أجمعين وفناء الكون كله من حولهم, وذلك لحسابهم علي ما قد قدموا في حياتهم الدنيا, ولجزائهم الجزاء الأوفي علي ذلك..!!!
ثم تعرج بنا السورة علي بعض صور العقاب الذي أعده ربنا( تبارك وتعالي) للطاغين من الكفار والمشركين والمتجبرين في الأرض من المنكرين لدين الله, والمكذبين بآياته, والغافلين عن حسابه, وذلك بإدخالهم إلي جهنم ـ وبئس المصير ـ التي تترصد بهم, وتستعد لاستقبالهم وفيها من صور العذاب المهين ما نسأل الله تعالي أن يجيرنا منه..!!!
وللمقارنة بين مصير هؤلاء الطاغين المكذبين ومصير عباد الله المتقين, تحدثت السورة عن شيء من جزاء المتقين من جنات ونعيم مقيم فضلا ورحمة من رب العالمين.
وختمت السورة الكريمة بتصوير شيء من أهوال يوم القيامة, وبدعوة الناس كافة إلي الاستعداد لهذا اليوم الذي سوف يعود الخلق فيه إلي الله, ليقفوا جميعا بين يديه للحساب, وأن يأخذوا حذرهم حتي تحسن عودتهم, ويهون حسابهم فينجوا من العذاب المهين, ويرفلوا في جنات النعيم المقيم...!!!
وتضمن ختام سورة النبأ التحذير من عذاب يوم القيامة, حيث ينظر كل إنسان صحيفة أعماله في هذه الحياة, وفيها كل ما قد قدمت يداه, فيحمد المتقون الله علي حسن هدايته وتوفيقه ويتمني كل كافر لو يستحيل ترابا أملا في تحاشي هول هذا اليوم وهول المصير الأسود من بعده ولكن هيهات هيهات أن يفر أحد من حساب الله وجزائه العادل...!!!
ومن الآيات الكونية التي قدمها ربنا( تبارك وتعالي) بين يدي سورة النبأ شاهدة له( سبحانه) بطلاقة القدرة في إبداعه لخلقه, ومؤكدة إمكانية البعث بل حتميته وحقيقته جاء قوله( تعالي):
ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا
وهاتان الآيتان يمر عليهما الانسان دون ادراك حقيقي لفضل الله تعالي في الانعام بهما ولا بعمق الدلالة العلمية في كل منهما, لأن حقيقة ذلك لم يدركها العلماء المتخصصون الا في العقود المتأخرة من القرن العشرين, وهذا السبق القرآني صورة من صور الاعجاز العلمي في كتاب الله سنعرض لها إن شاء الله( تعالي) في الأسطر التالية بعد شرح الدلالة اللغوية لألفاظ الآيتين الكريمتين واستعراض لأقوال المفسرين فيهما.
الدلالة اللغوية

صورة لاحدى السلاسل الجبلية التى طالما وصفت بأنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض
من الألفاظ المهمة لفهم دلالة الايتين الكريمتين ما يلي:
أولا:( الأرض): وهي لفظة في اللغة العربية تدل علي اسم الكوكب الذي نحيا عليه, في مقابلة بقية الكون الذي يجمع تحت اسم السماء أو السماوات. ولفظة( الأرض) مؤنثة, وأصلها( أرضة) وجمعها( أرضات) و( أرضون) بفتح الراء أو بتسكينها وقد تجمع علي( أروض) و( أراض), ولفظة( الأراضي) تستخدم علي غير قياس.
ولما كانت( الأرض) دون السماء فإن العرب قد عبروا بلفظة( الأرض) عن أسفل الشيء, كما عبروا بالسماء عن أعلاه, وقالوا:( أرض أريضة) أي حسنة النبت أو حسنة( الأرضة) كما يقال:( تأرض) النبت بمعني تمكن علي( الأرض) فكثر, و(تأرض) الجدي اذا أكل نبت( الأرض), ويقال كذلك( أرض نفضة) و(أرض رعدة) أي تنتفض وترتعد أثناء حدوث كل من الهزات الأرضية والثورات البركانية.
و(الأرضة) حشرة تأكل الخشب, يقال:( أرضت) الأخشاب( تؤرض)( أرضا) فهي( مأروضة) اذا أكلتها( الأرضة).
ثانيا:( المهاد):( المهاد) والمهد في اللغة العربية الممهد الموطأ من كل شيء, ويطلق علي الفراش لبسطه وسهولة وطئه, يقال:( مهد) الفراش أي بسطه ووطأه, و(المهد) ما يهيأ للصبي من فراش وثير و(تمهيد) الأمور اصلاحها وتسويتها, يقال:( مهدت) لك كذا أي هيأته وسويته, و(تمهيد) العذر هو بسطه وقبوله.
قال( تعالي):ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين( آل عمران:46)
وقال سبحانه وتعالي:
الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا..( طه:53)
وقال تبارك وتعالي:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
(الروم:44)
وقال( عز من قائل):
ومهدت له تمهيدا( المدثر:14)
وقال( سبحانه):
والأرض فرشناها فنعم الماهدون
( الذاريات:48)
ثالثا:( والجبال) والأجبال: جمع( جبل) وهو المرتفع عما حوله من الارض ارتفاعا ملحوظا يجعله يعظم ويطول, ودونه( التل) ودون التل( الربوة) أو( الأكمة), ودون الأكمة( النجد) أو( الهضبة), ودون الهضبة( السهل).
ويقال:( أجبل) القوم أي صاروا إلي( الجبال) بمعني وصلوا إليها, أو دخلوها وسكنوا فيها, ويقال للحية:( ابنة الجبل) لأن الجبل مأواها, كما يقال لصدي الصوت( ابن الجبل) لأن( الجبل) يردده, ويقال للداهية( ابنة الجبل) لأنها تثقل علي النفس كأنها( الجبل)
و( الجبلة) و( الجبلة) و( الجبلة) و( الجبلة) القوة البدنية أو صلابة الأرض و( الجبال): البدن, يقال: فلان( مجبول) أو( خطير الجبال) أي عظيم البدن تشبيها بالجبل, و( تجبل) ما عنده أي استنظفه, و(الجبل) أيضا ساحة البيت, أو الكثير من كل شيء, يقال:( مال جبل) و( حي جبل) أي كثير, و( الجبل) و( الجبلة) الجماعة من الناس( وفيها قراءات قريء بها قوله( تعالي): ولقد أضل منكم جبلا كثيرا بكسر الجيم والباء وتشديد اللام, كما قريء بضم أو فتح الجيم وتسكين الباء. وبضم كل من الجيم والباء وتشديد اللام أو تخفيفها)
و(الجبلة) الخلقة أو الفطرة وأصله الوجه وما استقبلك منه, ومنه قوله( تعالي) والجبلة الأولين بكسر الجيم أو ضمها وكسر الباء او تسكينها والجمع( الجبلات). ومنها أخذت تسمية السائل الذي يملأ جدار الخلية الحية باسم الجبلة( البروتوبلازم أو السيتوبلازم).
يقال:( جبله) الله( جبلا) أي خلقه وفطره, اشارة إلي ما ركب فيه من طباع, و( الجبلي) الفطري, و( الجبلة) الأصل, و(الجبل) الغليظ, يقال: فلان ذو( جبلة) أي غليظ الجسم, و( جبل) أي صار كالجبل في الغلظ, ويقال:( جبل) التراب( جبلا) أي صب عليه الماء ودعكه حتي صار طينا, ويقال:( جبله)( أي قطعه قطعا شتي, كما يقال فلان( جبل) لا يتزحزح تصورا لمعني الثبات فيه.
رابعا:( أوتادا) و( الأوتاد) جمع( وتد) بكسر التاء وبفتحها, والكسر أولي, وفعله( وتد), والأمر منه( تد) بالكسر, و(الأوتاد) قطع من خشب أو حديد غليظة الرأس, مدببة النهاية, تثبت بها أركان الخيمة في الأرض بدكها حتي يدفن أغلبها في الأرض, ويبقي أقلها ظاهرا فوق السطح, فتشد بذلك العمق أركان الخيمة إلي الأرض فتثبتها وتجعلها قادرة علي مقاومة فعل الرياح, والعواصف الهوجاء.
ويأتي التعبير بـ( ذي الأوتاد) في استعارة مجازية بمعني كثير الجنود والعساكر الذين يشدون الملك ويثبتونه كما تشد الأوتاد أركان الخيام إلي الأرض فتثبتها نظرا لكثرة خيامهم التي يضربون أوتادها في أرض معسكراتهم, كما قد تأتي في معني صاحب الأبنية العظيمة الشاهقة التي تشبه في عمق أساساتها أوتاد الجبال, وفي ارتفاعها علو الجبال وذلك من مثل قول الحق تبارك وتعالي:
[وفرعون ذي الأوتاد*]( الفجر:10)
شروح المفسرين
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) في تفسير قول الحق تبارك وتعالي( ألم نجعل الأرض مهادا): أي ممهدة للخلائق, ذلولا لهم, قارة, ساكنة, ثابتة, وفي قوله تعالي( والجبال أوتادا): أي جعل لها أوتادا, أرساها بها, وثبتها, وقررها حتي سكنت, ولم تضطرب بمن عليها..
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( غفر الله لهما) كلاما مشابها إذ قالا:( ألم نجعل الأرض مهادا) أي فراشا كالمهد صالحة للحياة عليها؟( والجبال أوتادا) أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد لئلا تميد بكم, والاستفهام للتقرير
وقال صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة: والمهاد: الممهد للسير, والمهاد اللين كالمهد.. وكلاهما متقارب, وهي حقيقة محسوسة للإنسان في أي طور من أطوار حضارته ومعرفته, فلا تحتاج إلي علم غزير لإدراكها في صورتها الواقعية, وكون الجبال أوتادا ظاهرة تراها العين كذلك حتي من الإنسان البدائي, وهذه وتلك ذات وقع في الحس حين توجه إليها النفس, غير أن هذه الحقيقة أكبر وأوسع مدي مما يحسه الإنسان البدائي لأول وهلة بالحس المجرد, وكلما ارتقت معارف الإنسان, وازدادت معرفته بطبيعة هذا الكون وأطواره, كبرت هذه الحقيقة في نفسه, وأدرك من ورائها التقدير الإلهي العظيم والتدبير الدقيق الحكيم, والتنسيق بين أفراد هذا الوجود وحاجاتهم, واعداد هذه الأرض لتلقي الحياة الإنسانية وحضانتها, واعداد هذا الإنسان للملاءمة مع البيئة والتفاهم معها
وجعل الأرض مهادا للحياة ـ وللحياة الإنسانية بوجه خاص ـ شاهد لا يماري في شهادته بوجود العقل المدبر من وراء هذا الوجود الظاهر, فاختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الأرض هكذا بجميع ظروفها, أو اختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الحياة لتعيش في الأرض.. الاختلال هنا أو هناك لا يجعل الأرض مهادا, ولا يبقي هذه الحقيقة. التي يشير إليها القرآن الكريم هذه الاشارة المجملة, ليدركها كل إنسان وفق درجة معرفته ومداركه..
وجعل الجبال أوتادا.. يدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد, فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها. أما حقيقتها فنتلقاها من القرآن, وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها..
وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال.. وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية, وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية.. وقد يكون لسبب آخر لم يكشف عنه بعد.. وكم من قوانين وحقائق مجهولة أشار إليها القرآن الكريم, ثم عرف البشر طرفا منها بعد مئات السنين!
وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن( رحمه الله) ما نصه:( مهادا) فراشا موطأ كالمهد, لتمكينكم من الاستقرار عليها والتقلب في أنحائها, والانتفاع بما أودعناه لكم فيها.
والمهاد: مصدر بمعني ما يمهد, وجعلت به الأرض مهادا مبالغة في جعلها موطئا للناس والدواب يقيمون عليها. أو بتقدير مضاف, أي ذات مهاد,( والجبال أوتادا) كالأوتاد للأرض, أي أرسيناها بالجبال لئلا تميد وتضطرب, كما يرسي البيت بالأوتاد لئلا تعصف به الرياح. جمع وتد بفتح التاء وكسرها ـ وفعله كوعد
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه: ألم يروا من آيات قدرتنا أنا جعلنا الأرض ممهدة للاستقرار عليها والتقلب في أنحائها!! وجعلنا الجبال أوتادا للأرض تثبتها وفي تعليق هامشي أضافوا ما نصه: يبلغ سمك الجزء الصلب من القشرة الأرضية نحو60 كيلو مترا, وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث الجبال وينخفض ليكون بطون البحار وقيعان المحيطات, وهو في حالة من التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال, ولا يختل هذا التوازن إلا بعوامل التعرية, فقشرة الأرض اليابسة ترسيها الجبال كما ترسي الأوتاد الخيمة.
وذكر صاحب صفوة التفاسير( بارك الله فيه) ما نصه:
(ألم نجعل الأرض مهادا) أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها, والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا علي ظهرها, وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات؟( والجبال أوتادا) أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد, قال في التسهيل, شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد.
ألم نجعل الأرض مهادا؟ في منظور العلوم الحديثة
استضاءة بمفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض وصلت الدراسات الحديثة في هذا المجال إلي أن الأرض بدأت بمحيط غامر, ثم بتصدع قاع ذلك المحيط وبدء تحرك الألواح الصخرية المكونة لذلك القاع متباعدة عن بعضها البعض في أحد أطرافها, ومصطدمة في الاطراف المقابلة, ومنزلقة عبر بقية الأطراف, نتج عند الاطراف المتصادمة أعداد من اقواس الجزر البركانية التي نمت بالتدريج الي عدد من القارات بمزيد من تصادمها, فتمايزت ألواح الغلاف الصخري للأرض إلي الألواح المحيطية, وتلك القارية, وبتصادم الواح قيعان المحيطات بكتل القارات تكونت سلاسل الجبال الشبيهة بجبال الإنديز علي الحافة الغربية لأمريكا الجنوبية, وبتصادم ألواح القارات مع بعضها تكونت أعلي السلاسل الجبلية علي سطح الأرض من مثل سلاسل جبال الهيمالايا التي نتجت عن اصطدام كتلة الهند بكتلة قارتي آسيا وأوروبا.
ومع تكون الأطواف, والمنظومات والسلاسل والأحزمة الجبلية ومجموعاتها المعقدة أصبح سطح الأرض علي درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها, ثم بدأت عمليات التجوية والتحات والتعرية في بري تلك المجموعات الجبلية والأخذ من ارتفاعاتها باستمرار, وبنقل الفتات الصخري الناتج عن تلك العمليات الي أحواض المحيطات والبحار بدأت دورة الصخور التي لا تزال تتكرر ملايين المرات إلي يومنا الراهن لتكسو منخفضات الأرض بالتربة اللازمة للانبات والزراعة, ولتركز العديد من الثروات المعدنية, ولتزيد من ملوحة البحار والمحيطات حتي تجعلها صالحة لحياة البلايين من الكائنات الحية, ولتحفظ هذا الماء من الفساد, ولتركز معادن المتبخرات في صخور الأرض.
ولما كانت عمليات التجوية والتحات والتعرية تزيل كميات كبيرة من الصخور المكونة لمرتفعات سطح الأرض كان من ضرورات الاتزان الأرضي أن تتحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض لتعوض فقدان الكتل التي تمت تعريتها, ولتحقق الاتزان الأرضي بتعديل الضغوط في داخل الأرض, ويؤدي ذلك إلي رفع الجبال بطريقة تدريجية.
وباستمرار تفاعل تلك القوي المتصارعة من عمليات التجوية والتعرية المقترنة بعمليات تحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض وفي داخله, وعمليات رفع الجبال لتحقيق التوازن الأرضي لفترات زمنية طويلة فإنها تنتهي بإنقاص سمك سلسلة الجبال إلي متوسط سمك لوح الغلاف الصخري الذي تتواجد عليه, وذلك بسحب جذور الجبال( الامتدادات الداخلية للجبال) من نطاق الضعف الأرضي ورفعها حتي تظهر علي سطح الارض, وبخروج جذور الجبال من نطاق الضعف الارضي الذي كانت طافية فيه كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات, فإن الجبال تفقد القدرة علي الارتفاع إلي أعلي, وتظل عوامل التعرية في بريها حتي تسويها بسطح الأرض تقريبا وحينئذ تنكشف جذور الجبال, وبها من الثروات المعدنية ما لا يمكن أن يتواجد الا تحت مثل ظروف اوتاد الجبال التي تتميز بقدر هائل من الضغط والحرارة.
وعلي هذا النحو فإن الجبال قد لعبت ــ ولا تزال تلعب ــ دورا مهما في بناء قارات الأرض وفي الزيادة المستمرة لمساحة تلك القارات بإضافة الكتل الجبلية إلي حواف تلك القارات بطريقة مستمرة.
ومعني ذلك أن كل قارات الأرض بدأت بسلاسل من أقواس الجزر البركانية في وسط المحيط الغامر, وأن باصطدام تلك الجزر تكونت القارات علي هيئة أطواف ومنظومات و سلاسل وأحزمة جبلية معقدة, وأن تلك المرتفعات جعلت سطح الأرض علي درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها, ثم بدأت سلسلة من الصراع بين العمليات الأرضية الداخلية البانية للجبال والرافعة لها, والعمليات الهدمية الخارجية التي تبريها وتعريها, وفي نهاية هذا الصراع تنتصر العوامل الهدمية الخارجية فتسوي الجبال, وتخفض من ارتفاعاتها بالتدريج في محاولة للوصول بها إلي مستوي سطح البحر, ولذلك فإن كل سهول ومنخفضات اليابسة الحالية كانت في يوم من الايام جبالا شاهقة, ثم برتها عوالم التجوية والتحات والتعرية حتي أوصلتها إلي مستوياتها الحالية, وأن الكتل الصخرية القديمة التي تعرف باسم الرواسخ( أو المجن) وهي كتل مستقرة نسبيا موجودة في أواسط القارات ما هي في الحقيقة إلا جذور السلاسل الجبلية القديمة التي تم بريها.
هذه العمليات المعقدة من الصراع بين القوي البانية في داخل الأرض والقوي الهدمية من خارجها هي التي أدت( بتخطيط من الخالق سبحانه وتعالي) إلي بناء القارات, ورفعها فوق مستوي البحار والمحيطات علي هيئة مجموعات من أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية شاهقة ظلت تضاف إلي بعضها البعض بانتظام وبطء لتزيد من مساحة القارات, التي كانت في بادئ الامر جبلية وعرة, لا تسمح وعورتها بعمرانها, ثم بدأت عوامل التعرية في الأخذ من تلك الجبال الشاهقة بالتدريج حتي حولتها إلي السهول الواسعة, والهضاب والنجود المنخفضة والأودية المحفورة والرواسخ الثابتة التي تشكل اواسط القارات اليوم حتي وصلت الأرض إلي صورتها المناسبة للعمران بواسطة الإنسان, ولذلك يمن علينا ربنا( تبارك وتعالي) بتمهيد الأرض, ويلوم المنكرين للبعث بتوجيه هذا اللون من الاستفهام التقريري, التوبيخي, التقريعي الذي يقول فيه الحق( تبارك وتعالي).
ألم نجعل الأرض مهادا؟ أي ألم نجعل لكم الأرض فراشا موطأ كالمهد لتمكينكم من الاستقرار عليها, والتقلب في أنحائها, والانتفاع بما اودعناه لكم فيها كما اشار صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن( رحمه الله) لأن الأرض لو بقيت جبالا شاهقة الارتفاع, متشابكة التضاريس, معدومة الممرات والمسالك, لما أمكن العيش علي سطحها فسبحان الذي أنزل هذه اللفتة القرآنية المبهرة في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين, وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين!!
والجبال أوتادا في منظور العلوم الحديثة
من الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء, وذلك بسبب اختلاف التركيب الكيميائي والمعدني, وبالتالي اختلاف كثافة الصخور المكونة لمختلف أجزاء الغلاف الصخري للأرض, فهناك قمم عالية للسلاسل الجبلية, وتنخفض تلك القمم السامقة إلي التلال, ثم الروابي أو الربي( جمع ربوة أو رابية) أو الآكام( جمع أكمة) أو النتوءات الأرضية, ثم الهضاب أو النجود( جمع نجد) ثم السهول, ثم المنخفضات الأرضية والبحرية.
ويبلغ ارتفاع أعلي قمة علي سطح الأرض( وهي قمة جبل إفرست) في سلسلة جبال الهيمالايا8840 مترا تقريبا فوق مستوي سطح البحر بينما يقدر منسوب اخفض نقطة علي سطح اليابسة( وهي حوض البحر الميت) بحوالي395 مترا تحت مستوي سطح البحر, ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بنحو840 مترا فوق مستوي سطح البحر, ويبلغ منسوب اكثر اغوار المحيطات عمقا10800 متر( وهو غور ماريا نوس في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين) بينما يبلغ متوسط اعماق المحيطات نحو اربعة كيلو مترات(3729 ــ4500 متر) تحت مستوي سطح البحر.
ويبلغ الفارق بين أعلي قمة علي اليابسة وأخفض نقطة في قيعان المحيطات8840+10,800=19640 مترا( أي أقل قليلا من عشرين كيلو مترا)
وهذا الفارق بين أعلي قمة علي سطح اليابسة وأخفض نقطة في أغوار قيعان البحار العميقة والمحيطات إذا قورن بمتوسط نصف قطر الأرض والمقدر بنحو6371 كيلو مترا فإن النسبة لا تكاد تتعدي0,003 ـ%, وهذه النسبة الضئيلة تلعب دورا مهما في معاونة عوامل التعرية المختلفة علي بري صخور مرتفعات الأرض, وإلقاء الفتات الناتج عنها في المنخفضات في دورات متعاقبة تعمل علي تسوية سطح الأرض, وتكوين التربة, وتركيز الخامات المعدنية, وجعل الأرض صالحة للعمران كما سبق أن اسلفنا.
كذلك فإن الأدلة العلمية التي تراكمت علي مدي القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلي أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام, وإذا تعرض هذا التوازن إلي الاختلال في أية نقطة علي سطح الأرض فإن تعديله يتم مباشرة.
ومن هذه الادلة أن القشرة الأرضية تنخفض إلي أسفل علي هيئة منخفضات أرضية عند تعرضها لأحمال زائدة, وترتفع إلي أعلي علي هيئة نتوءات أرضية عند إزالة تلك الأحمال عنها, ويتم ذلك بما يسمي باسم التضاغط والارتداد التضاغطي. الذي يتم من اجل المحافظة علي الاتزان الارضي, ومن أمثلة ذلك ما ينتج عن تجمع الجليد بسمك كبير علي اليابسة ثم انصهاره, أو عند تخزين الماء بملايين الامتار المكعبة امام السدود ثم تصريفه, أو بتراكم ملايين الاطنان من الترسبات امام السدود, ثم ازالتها, أو بتساقط نواتج الثورات البركانية العنيفة حول عدد من فوهات البراكين ثم تعريتها.
ففي العهد الحديث بدأت في الانصهار تراكمات الجليد السميكة التي كانت قد تجمعت علي بعض اجزاء اليابسة من نصف الكرة الشمالي منذ نحو المليوني سنة( خلال واحد من اكبر العصور الجليدية التي مرت بها الأرض), ونتيجة لذلك بدأت الأرض بالارتفاع التدريجي في مناطق الانصهار التدريجي للجليد لتحقيق التوازن التضاغطي للارض, وهو من سنن الله فيها, وقد بلغ ارتفاع الارض بذلك330 مترا في منطقة خليج هدسون في شمال أمريكا الشمالية, ونحو المائة متر حول بحر البلطيق حيث لايزال ارتفاع الارض مستمرا.
وأمام كثير من السدود التي أقيمت علي مجاري الانهار تسببت بلايين الامتار المكعبة من المياه وملايين الاطنان من الرسوبيات التي تجمعت امام تلك السدود في حدوث انخفاضات عامة في مناسيب المنطقة, وزيادة ملحوظة في نشاطها الزلزالي, يفسر ذلك بأن ألواح الغلاف الصخري المكونة للقارات( والتي يتراوح سمك كل منها بين المائة والمائة وخمسين كيلو مترا) يغلب علي تركيبها صخور ذات كثافة منخفضة نسبيا, بينما يغلب علي تركيب ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان البحار والمحيطات صخور ذات كثافة عالية نسبيا( ولذلك لا يتجاوز سمك الواحد منها سبعين كيلو مترا فقط).
وكل من ألواح الغلاف الصخري القارية والمحيطية يطفو فوق نطاق الضعف الأرضي الأعلي كثافة وهو نطاق لدن( مرن), شبه منصهر, عالي اللزوجة ولذلك فهو يتأثر بالضغوط فوقه ويتحرك استجابة لها.
وبالمثل فإن قشرة الأرض المكونة لكتل القارات يتراوح سمكها بين30 و40 كيلو مترا تقريبا ويغلب علي تركيبها الصخور الجرانيتية والتي تغطي أحيانا بتتابعات رقيقة ومتفاوتة السمك من الصخور الرسوبية( ومتوسط كثافة الصخور الجرانيتية يبلغ2,7 جرام للسنتيمتر المكعب) بينما يتراوح سمك قشرة الارض المكونة لقيعان البحار والمحيطات بين5 و8 كيلو مترات فقط, ويغلب علي تركيبها الصخور البازلتية التي قد تتبادل مع الصخور الرسوبية أو تتغطي بطبقات رقيقة منها( ويبلغ متوسط سمك الصخور البازلتية2,9 جرام للسنتيمتر المكعب), لذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات.
وبنفس هذا التصور يمكن تفسير الاختلاف في تضاريس سطح الأرض علي أساس من التباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال تلك التضاريس, فالمرتفعات علي سطح اليابسة لابد وأن يغلب علي تكوينها صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها, ومن ثم فلابد وأن يكون لها امتدادات من صخورها الخفيفة نسبيا في داخل الصخور الاعلي كثافة المحيطة بها, ومن هنا كان الاستنتاج بأن الجبال لابد لها من جذور عميقة تخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الارضي, وهنا تحكمها قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات.
وقد أيدت قياسات عجلة الجاذبية الأرضية هذا الاستنتاج بإشارتها إلي قيم أقل من المفروض نظريا في المناطق الجبلية, وإلي قيم أعلي من المفروض في المنخفضات الارضية وفوق قيعان البحار والمحيطات, ويعتبر انكشاف جذور الجبال القديمة في اواسط القارات مما يثبت حدوث عمليات إعادة التعديل التضاغطي في الغلاف الصخري للأرض.
وبفهم دورة حياة الجبال ثبت أن كل نتوء أرضي فوق مستوي سطح البحر له امتداد في داخل الغلاف الصخري للارض يتراوح طوله بين10 و15 ضعف ارتفاعه, وكلما كان الارتفاع فوق مستوي سطح البحر كبيرا تضاعف طول الجزء الغائر في الأرض امتدادا إلي الداخل, وعلي ذلك فإن قمة مثل افرست لا يكاد ارتفاعها فوق مستوي سطح البحر يصل إلي تسعة كيلو مترات(8848 مترا) لها امتداد في داخل الغلاف الصخري للارض يزيد عن المائة والثلاثين كيلو مترا, يخترق الغلاف الصخري للارض بالكامل ليطفو في نطاق الضعف الارضي, وهو نطاق شبه منصهر, لدن أي مرن, عالي الكثافة واللزوجة, تحكمه في ذلك قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات, فكلما برت عوامل التعرية قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال الي أعلي, وتظل عملية الارتفاع تلك حتي يخرج جذر الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل, وحينئذ يتوقف الجبل عن الحركة, ويتم بريه حتي يصل سمكه إلي متوسط سمك اللوح الارضي الذي يحمله, وبذلك يظهر جذر الجبل علي سطح الارض, وبه من الثروات الارضية ما لا يمكن ان يتكون إلا تحت ظروف استثنائية من الضغط والحرارة لا تتوفر إلي في جذور الجبال.
فسبحان الذي وصف الجبال من قبل ألف وأربعمائة سنة( بالاوتاد) وهي لفظة واحدة تصف كلا من الشكل الخارجي للجبل, وامتداده الداخلي ووظيفته, لأن الوتد اغلبه يدفن في الأرض, وأقله يظهر علي السطح, ووظيفته التثبيت, وقد اثبتت علوم الأرض في العقود المتأخرة من القرن العشرين أن هكذا الجبال, بعد ان ظل وصف الجبال الي مشارف التسعينيات من القرن العشرين قاصرا علي أنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض, واختلفوا في تحديد حد ادني لارتفاع تلك النتوءات الارضية اختلافا كبيرا, وفي السبق القرآني بوصف الجبال بأنها اوتاد تأكيد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض حيث لم يكن لأحد من البشر إلمام بامتدادات الجبال الداخلية الا بعد نزول الوحي بالقرآن بأكثر من إثني عشر قرنا فصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين.
-
29- والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم
هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في مطلع الثلث الأخير من سورة النازعات, وهي سورة مكية, تعني ـ كغيرها من سور القرآن المكي ـ بقضية العقيدة, والعقيدة هي أساس الدين, وهي من القضايا الغيبية غيبة مطلقة, ولذلك فالإنسان محتاج فيها دوما إلي بيان من الله, بيانا ربانيا خالصا لا يداخله أدني قدر من التصورات البشرية..!!
ومن ركائز العقيدة: الإيمان باليوم الآخر وما سوف يحويه من بعث بعد الموت, ومن حساب وجزاء, ثم خلود في حياة أبدية إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا...!!!
وتبدأ سورة النازعات بقسم من الله تعالي( وهو الغني عن القسم) بعدد من طوائف ملائكته الكرام, وبالمهام المكلف بها كل منهم, علي أن الآخرة حق, وأنها واقعة لا محالة, وأن كلا من البعث والحساب والجنة والنار حق, وأن الخلود في أي منهما حتمي الحدوث, لا مفر منه, ولا انفكاك عنه, وتأتي هذه الآيات بصياغة القسم من أجل تنبيه الناس إلي أهمية الأمر المقسم به, وجديته, وخطورته...!!!
ثم تعرض الآيات بعد ذلك لشيء من أهوال الآخرة من مثل رجف الأرض( الراجفة يومئذ), ومور السماء( الرادفة), وكلاهما سوف يدمر في الآخرة, وقد يكون المقصود بالراجفة والرادفة النفختين, اللتين يموت كل حي بعد الأولي منهما وترجف بها الأرض ويبعث كل ميت بعد الثانية وتمور السماء مورا.. وبعد ذلك تنتقل الآيات إلي وصف شيء من أحوال الكافرين في هذا اليوم العصيب الرهيب, حين يبعث الخلق فجأة بعد موتهم, فتخفق قلوب المبعثين وجلا وخاصة الكافرين والعصاة المجرمين منهم, وتخشع أبصارهم ذلا, ويتساءلون في لهفة وذهول: هل نحن عائدون من حيث جئنا إلي الحياة الدنيا مرة ثانية بعد أن كانت الأجساد قد بليت, والعظام قد نخرت؟ أم أن هذا هو البعث الذي سبق وأن أخبرنا به في حياتنا الدنيا فأنكرناه؟ وإن كان ذلك كذلك فقد رجعنا رجعة خاسرة, وقد يكون ذلك تذكيرا لهم بمقولتهم في الدنيا إنكارا للبعث, وهنا يقول الله( تعالي):
فإنما هي زجرة واحدة* فإذا هم بالساهرة*( النازعات:13 و14)
والزجرة هي الصيحة, والساهرة هي سطح الأرض بصفة عامة وأرض المحشر( بصفة خاصة), ويفهم من ذلك أن الأمر بالبعث يأتي بصيحة واحدة, فإذا بكافة الخلائق قيام يبعثون, ثم يساقون إلي أرض المحشر ليواجهوا حسابهم العادل, ويلقوا جزاءهم الأوفي...!!!
وفي إيجاز معجز تلمح الآيات بعد ذلك إلي جانب من قصة كليم الله موسي( عليه السلام) مع فرعون وملئه, مبتدئة باستفهام رقيق موجه إلي خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) ثم عرض للقصة في كلمات محدودة تثبيتا له في مواجهة كفار قريش, وتثبيتا لكل داعية إلي دين الله من بعده في مواجهة أهل الكفر والشرك والضلال والطغيان في كل عصر وفي كل مكان, كما يأتي سرد تلك القصة تحذيرا للناس جميعا من مغبة سوء المصير الذي لقيه هذا الطاغية الملقب بفرعون مصر والعذاب الذي حاق به وبالمكذبين الضالين من قومه في الدنيا, وما توعدهم الله( تعالي) به في الآخرة من عذاب أشد وأنكي...!! وتبقي هذه الآيات المباركات درسا يتلقاه كل كيس عاقل فيخشي الله( تعالي) حبا له( سبحانه), وشكرا علي نعمائه, وخوفا من عذابه, ورجاء لثوابه في الدنيا والآخرة إن شاء الله...!!!
ثم تتوجه الآيات في سورة النازعات بعد سرد قصة موسي( عليه السلام) بالخطاب مباشرة إلي منكري البعث من كفار قريش( وإلي الكفار في كل زمان ومكان) بسؤال تقريعي توبيخي يقول: هل خلق الناس ـ علي ضآلة أحجامهم, ونسبية زمانهم ومكانهم, ومحدودية قدراتهم ـ أشد من خلق السماء؟ وبنائها المذهل في عظمة اتساعه, واحكام ترابطه والتحامه, وتعدد أجرامه وتكامل هيئاتها, واحكام أبعادها وحركاتها وأحجامها, وكتلها, والمسافات الفاصلة بينها, والارتفاعات السامقة الشاهقة التي رفعت إليها بغير عمد مرئية, ولا دعامات مشاهدة, وتعاظم القوي الممسكة بمختلف أجزائها, واتقان تسويتها مع تحرك كل جزئية فيها, واظلام ليلها اظلاما تاما( بمعني أن الأصل في الكون الاظلام), وإخراج ضحاها بهذا النور الأبيض المبهج من بعد الظلام وهي نعمة كبري من نعم الخالق( سبحانه وتعالي)؟
وهل خلق الإنسان أشد إنجازا من دحو الأرض, وإخراج كل من مائها ومرعاها من داخلها؟
وهل هذا المخلوق الضعيف أشد خلقا من إرساء الجبال علي سطح الأرض, وإرساء الأرض بالجبال كي لا تميد ولا تضطرب بسكانها تحقيقا لسلامة العيش عليها؟
وهذه التساؤلات يوردها ربنا( تبارك وتعالي) في محكم كتابه لعل منكري البعث من الطغاة والمتجبرين في الأرض أن يجدوا فيها ما يمكن أن يعينهم علي ادراك شيء من مظاهر القدرة الإلهية المبدعة في الكون والتي تؤكد علي حقيقة الخلق كما تؤكد علي امكانية البعث بل علي ضرورته وحتميته....!!!
ثم عاودت السورة الكريمة الحديث عن القيامة, وسمتها باسم الطامة الكبري تعبيرا عن كونها داهية عظمي, تعم بأهوالها كل شيء, وتغطي علي كل مصيبة مهما عظمت, حيث يعرض الناس لا تخفي منهم خافية, ويتذكر الإنسان أعماله في الحياة الدنيا خيرها وشرها, وتبرز جهنم حتي يراها الخلق جميعا عيانا بيانا, ويقع الحساب العادل, وبعد الحساب ينقسم الناس إلي شقي وسعيد, فالشقي هو كل ما قد جاوز الحد في الكفر والعصيان, والتجبر والطغيان, والجري وراء الشهوات, مفضلا الدنيا الفانية علي الآخرة الباقية, وهذا مأواه جهنم وبئس المصير, والسعيد هو الذي خاف عظمة الله وجلاله فآمن به, وخضع لأوامره, ونهي نفسه عن اتباع هواها, وحسب حساب مقامه بين يدي الله يوم العرض الأكبر, وهذا مأواه جنات النعيم..!!!
وتختتم سورة النازعات بخطاب موجه إلي رسول الله( صلي الله عليه وسلم) ردا علي سؤال الكفار له عن الساعة متي قيامها؟ ويأتي جواب الحق( تبارك وتعالي) بأن علمها, ومردها, ومرجعها إلي الله( تعالي) وحده الذي استأثر به دون كافة خلقه, وعلي ذلك فإن دور النبي الخاتم والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) هو إنذار من يخشاها, وهي لهولها سوف تجعل الكفار والمشركين يرون حياتهم علي الأرض ـ مهما طالت ـ كأنها بضع ساعات من يوم واحد تقدر بمقدار عشية أو ضحاها, وذلك احتقارا لها, واستهانة بشأنها...!!!
وهكذا يأتي ختام السورة متوافقا مع مطلعها في التأكيد علي حقيقة البعث وحتميته, والانذار بأهواله وخطورته, حتي يستعد الناس للقاء ربهم بالإيمان الخالص به, والخضوع بالطاعة له, وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض وهي من الركائز الأساسية للدين الذي علمه ربنا( تبارك وتعالي) لأبينا آدم( عليه الصلاة والسلام), وبعث به عددا كبيرا من الأنبياء والمرسلين من بعده, وأكمله وأتمه في رسالته الخاتمة التي وجهها للناس كافة في القرآن الكريم, وفي أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم).
وهنا يبرز التساؤل عن مدلول كل من إرساء الجبال علي سطح الأرض, وإرساء الأرض بالجبال, وهي من الآيات الكونية الناطقة بكمال القدرة الإلهية المبدعة في خلق الأرض, والمؤكدة أن الذي يملك تلك القدرة الخلاقة المبدعة قادر علي إفناء خلقه وعلي إعادة بعثه من جديد...!!!
وقبل الإجابة علي هذا السؤال لابد من استعراض موجز لكل من الدلالة اللغوية للفظي الجبل والإرساء, ولأقوال المفسرين في هاتين الآيتين الكريمتين.
الدلالة اللغوية
(الجبل) في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعا ملحوظا يجعله يعظم ويطول علي ماحوله من الأرض, وجمعه( جبال) و(أجبال), ودونه في الارتفاع( التل), ودون التل( الربوة) أو( الرابية) أو( الأكمة) وجمعها( آكام), ودون الآكمة باتساع( النجد) أو( الهضبة), ودون الهضبة( السهل) ودونه( المنخفض).
وللفظة( الجبل) بمشتقاتها واستعاراتها وتشبيهاتها معان أخري كثيرة سبق التعرض لها في مقال الأثنين الماضي, ولا داعي لتكرار ذلك هنا.
أما الفعل( رسا),( يرسو),( رسوا) و(رسوا) فمعناه ثبت وقر, من مثل قولهم( رست) السفينة, أي وقفت عن الحركة في الماء علي الأنجر( وهو مرساة السفينة), وفي هذا المعني يقول ربنا( تبارك وتعالي) في محكم كتابه:
وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم*( هود:41)
واللفظان( مجراها) و(مرساها) مصدران من جري وأرسي( علي التوالي), بمعني باسم الله جريها وإرساؤها, ويستخدم الفعل( أرسي) مجازا بمعني تهدئة الأمور, فيقال رسوت بين القوم أي أثبت بينهم إيقاع الصلح, ويقال( أرساه) غيره أي ثبته وأقره, من مثل قول الحق( تبارك وتعالي):
والجبال أرساها*.
و(المرسي هو مكان( الرسو) أو زمانه, كما يقال للمصدر وللمفعول به, وفي معني( الزمان جاء قول الحق( سبحانه):
يسألونك عن الساعة أيان مرساها*( الأعراف:187),( النازعات:42) أي قيامها وزمان ثبوتها.
(والمرساة) الآلة التي ترسي بها السفينة, و(الرواسي) هي الجبال الثوابت الراسخة, واحدتها( راسية), وجاءت لفظة( رواسي) بهذا المعني في القرآن الكريم تسع مرات من مثل قوله( تعالي):
وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا*( المرسلات:27)
وجاءت لفظة( راسيات) مرة واحدة في كتاب الله وذلك في قوله( سبحانه):
يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات...*( سبأ:13)
أي قدور ثابتات علي الأثافي( وهي الأحجار يوضع عليها القدر كي يوقد عليه من تحته).
شروح المفسرين
في تفسير قول الحق( تبارك وتعالي):
والجبال أرساها* متاعا لكم ولأنعامكم* ذكر ابن كثير( يرحمه الله):[ أي قرها وأثبتها في أماكنها, وهو الحكيم العليم, الرؤوف بخلقه الرحيم... وثبت جبالها لتستقر بأهلها, ويقر قرارها, كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار, إلي أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل].
وجاء في تفسير الجلالين:( أثبتها علي وجه الأرض لتسكن,( متاعا) مفعول له لمقدر أي: فعل ذلك متعة, أو مصدر, أي تمتيعا( لكم ولأنعامكم) جمع( نعم) وهي( الإبل والبقر والغنم).
وجاء في الظلال:(... وإرساء جبالها متاعا للإنسان وأنعامه, وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع..).
وجاء في صفوة البيان:( والجبال أرساها) أي وأرسي الجبال, أي أثبتها في الأرض كي لا تميد وتضطرب, وقوله( أرساها) تفسير للفعل المضمر قبله.( متاعا لكم ولأنعامكم) أي تمتيعا لكم ولأنعامكم, والآية تقريع لكفار مكة المنكرين للبعث, زاعمين صعوبته, بعد أن بين الله كمال سهولته بالنسبة إلي قدرته...)
وجاء في المنتخب: والجبال ثبتها متاعا لكم ولأنعامكم.
وجاء في صفوة التفاسير:( والجبال أرساها) أي والجبال أثبتها في الأرض, وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها,( متاعا لكم ولأنعامكم) أي فعل ذلك كله... منفعة للعباد وتحقيقا لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم....)
والجبال أرساها في ضوء المعارف الحديثة..
فهم المفسرون السابقون من هذه الآية الكريمة أن الضمير في( أرساها) يعود علي الجبال, ومن هنا قالوا إن عملية الإرساء تتعلق بالجبال, علي أساس من أن الضمير في العربية يعود علي أقرب اسم إليه, وانطلاقا من ذلك فقد فهموا من قول الحق تبارك وتعالي:( والجبال أرساها) معني تثبيت الجبال في الأرض, وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بمن عليها, فلا تميد ولا تضطرب, وهذا الكلام يحمل في طياته أيضا تثبيت الأرض, خاصة أن ضمير الغائب في الآيتين السابقتين( والذي جاء أربع مرات) يعود علي الأرض, ولا يستبعد أن يكون كذلك في آية الجبال حيث يقول ربنا( تبارك اسمه): والأرض بعد ذلك دحاها* أخرج منها ماءها ومرعاها* والجبال أرساها* متاعا لكم ولأنعامكم.
والصياغة هنا تحتمل دلالة وبالجبال ارساها, فيكون المعني إرساء الأرض بواسطة الجبال, بينما المعني الأول يتعلق بإرساء الجبال علي سطح الأرض, والمعنيان صحيحان صحة كاملة حسب معطيات علوم الأرض الحديثة, فالجبال مثبتة في الغلاف الصخري للأرض, وهي أيضا تثبت الأرض, كما سوف نوضح في الفقرات التالية إن شاء الله.
أولا: والجبال أرساها بمفهوم إرساء الجبال علي سطح الأرض
في خلال القرنين الماضيين تراكمت الادلة العلمية التي تشير إلي أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام علي الرغم من التباين الواضح في تضاريس سطحه, ومعني ذلك أن كتلة المادة متساوية عبر كل أنصاف أقطار الأرض الممتدة من مركزها إلي مختلف النقاط علي سطحها مهما تباينت تضاريس السطح( سواء النقطة التي انتهي إليها نصف القطر كانت أعلي قمة جبلية أو أخفض نقطة في أغوار المحيطات), ولا يمكن تفسير ذلك إلا بتباين كثافة الصخور المكونة للأجزاء المختلفة من الغلاف الصخري للأرض, فالسلاسل الجبلية العالية لابد وأن تتكون من صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها, والمناطق المنخفضة لابد أن تتكون من صخور أعلي كثافة من صخور المناطق المرتفعة, وقد أكد ذلك أن الجزء العلوي من الغلاف الصخري للأرض والمعروف باسم قشرة الأرض يتباين كل من سمكه وكثافته في القارات عنهما في قيعان البحار والمحيطات, فيتراوح سمك القشرة القارية بين30 و40 كيلو مترا, ويغلب علي تركيبها الصخور الجرانيتية( بمتوسط كثافة2,7 جم/ سم3) بينما يتراوح سمك قشرة قاع المحيط بين5 و8 كيلو مترات, ويغلب علي تركيبها الصخور البازلتية( بمتوسط كثافة2,9 جم/ سم
3) وبذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات.
وبالمثل فإن ألواح الغلاف الصخري الحاملة للقارات يتراوح سمكها بين100 و150 كيلو مترا, ويغلب علي تكوينها صخور ذات كثافة اقل نسبيا من الصخور المكونة لألواح قيعان البحار والمحيطات, والتي لا يتعدي سمكها سبعين كيلو مترا, وكلا الصنفين من الألواح المكونة لغلاف الأرض الصخري( القارية والمحيطية) يطفو فوق نطاق أعلي كثافة, شبه منصهر, لدن( مرن) يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي, وهذا النطاق يتأثر بالضغوط فوقه نظرا لمرونته, فيتحرك إلي أسفل كلما زادت عليه الضغوط, وإلي أعلي كلما قلت, ويتم ذلك بعمليتين متعاكستين تسمي الأولي منهما باسم التضاغط وتسمي الثانية باسم الارتداد التضاغطي, وتتمان للمحافظة علي الاتزان الارضي, فإذا ارتفع الجبل بصخوره الخفيفة نسبيا إلي قمم سامقة فلابد من إزاحة كم مساو لكتلته من المادة شبه المنصهرة في نطاق الضعف الأرضي الموجودة أسفل الجبل مباشرة مما يساعد الصخور المكونة للجبل علي الاندفاع الي اسفل بامتدادات عميقة تسمي تجاوزا باسم جذور الجبال تخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الارضي, كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات, يحكمهما في الحالين قوانين الطفو, وبناء علي كثافة الصخور المكونة للجبال بالنسبة إلي كثافة صخور نطاق الضعف الارضي, وكتلة الجبل نفسه يكون عمق الامتدادات الداخلية لصخور الجبل( أي جذوره) وقد ثبت أن كل نتوء علي سطح الأرض له امتداد في داخلها يتراوح بين10 و15 ضعف ارتفاع هذا النتوء فوق مستوي سطح البحر, وكلما زاد هذا الارتفاع الخارجي لتضاريس الأرض زادت امتداداته الداخلية أضعافا كثيرة, وهكذا تثبت الجبال علي سطح الأرض بانغراسها في غلافها الصخري, وطفوها في نطاق الضعف الأرضي. كما تعين علي تثبيت الأرض ككوكب, فتقلل من ترنحها في دورانها حول محورها, كما تثبت
ألواح الغلاف الصخري للأرض مع بعضها البعض بأوتاد الجبال, فتربط القارة بقاع المحيط, فإذا استهلك قاع محيط فاصل بين قارتين ارتطمت القارتان ببعضهما, ونتج عن ذلك أعلي السلاسل الجبلية التي تربط بأوتادها القارتين المصطدمتين فتقلل من حركة الألواح الصخرية الحاملة لهما حتي توقفها, وبذلك تصبح الحياة علي سطحي القارتين المرتطمتين اكثر استقرارا.
وكلما برت عوامل التجوية والتحات والتعرية قمة الجبل دفعته قوانين الطفو إلي أعلي حتي يتم خروج جذور( أوتاد) الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل, وحينئذ يتوقف الجبل عن الارتفاع, وتستمر العوامل الخارجية في بريه حتي يصل سمكه إلي متوسط سمك لوح الغلاف الصخري الذي يحمله فيضم إلي باقي صخور القارة الموجود فيها علي هيئة راسخ من رواسخ الأرض.
ثانيا: والجبال أرساها بمفهوم إرساء الأرض بواسطة الجبال
اختلف العلماء في فهم دور الجبال في إرساء الأرض اختلافا كبيرا, وذلك لأن مجموع كتل الجبال علي سطح الأرض ــ علي الرغم من ضخامتها ــ تتضاءل أمام كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن(5876*1810 طنا), وكذلك فإن ارتفاع أعلي قمم الأرض( أقل قليلا من تسعة كيلو مترات) لايكاد يذكر بجوار متوسط نصف قطر الأرض(6371 كيلو مترا), فإذا جمع إرتفاع أعلي قمم الأرض إلي أعمق أغوار المحيطات( أقل قليلا من أحد عشر كيلو مترا) فإنه لايكاد يصل إلي عشرين كيلو مترا ونسبته إلي متوسط قطر الأرض لاتتعدي0,3%.
من هنا يبرز التساؤل كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض بكتلتها وأبعادها الهائلة, في الوقت التي لاتكاد كتلة وأبعاد الجبال أن تبلغ من ذلك شيئا؟
(أ) تثبيت الجبال لألواح الغلاف الصخري للأرض
في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين تمت بلورة مفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض, فقد اتضح أن هذا الغلاف ممزق بشبكة هائلة من الصدوع تمتد لعشرات الآلاف من الكيلو مترات لتحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين65 و150 كيلو مترا, فتقسمه إلي عدد من الالواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق الضعف الأرضي وتتحرك في هذا النطاق من نطق الأرض التيارات الحرارية علي هيئة دوامات عاتية من تيارات الحمل تدفع بألواح الغلاف الصخري للأرض لتباعد بينها عند أحد أطرافها, وتصدمها ببعض عند حوافها المقابلة لحواف التباعد, وتجعلها تنزلق عبر بعضها البعض عند الحافتين الأخريين.
ويعين علي تسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, كما يعين علي ذلك اندفاع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان عبر الصدوع الفاصلة بين حدود الألواح المتباعدة عن بعضها البعض, فيتكون بذلك باستمرار أحزمة متوازية من الصخور البركانية التي تتوزع بانتظام حول مستويات الصدوع الفاصلة بين الألواح المتباعدة في ظاهرة تعرف باسم ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات, وتتكون الصخور الأحدث عمرا حول مستويات التصدع المتباعدة, باستمرار وتدفع الصخور الأقدم عمرا في اتجاه اللوح المقابل عند خط الاصطدام وهنا يهبط قاع المحيط تحت القارة اذا كان اللوح المقابل يحمل قارة بنفس معدل اتساع قاع المحيط في كل جهة من جهتي الاتساع حول مستوي تصدع وسط المحيط الذي تتكون حوله سلاسل من الجروف البركانية تمتد فوق قاع المحيط لعشرات الآلاف من الكيلو مترات وتعرف باسم حواف أواسط المحيطات.
وينتج عن هبوط قاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة تكون أعمق أجزاء هذا المحيط علي هيئة جب عميق يعرف باسم الجب البحري, ونظرا لعمقه يتجمع في هذا الجب كم هائل من الرسوبيات البحرية التي تتضاغط وتتلاحم مكونة تتابعات سميكة جدا من الصخور الرسوبية, ويتبادل مع هذه الصخور الرسوبية ويتداخل فيها كم هائل من الصخور النارية التي تعمل علي تحول أجزاء منها إلي صخور متحولة.
وتنتج الصخور البركانية عن الانصهار الجزئي لقاع المحيط المندفع هابطا تحت القارة, وتنتج الصخور المتداخلة جزئيا عن الصهارة الناتجة عن هذا الهبوط, وعن الإزاحة من نطاق الضعف الأرضي بدخول اللوح الهابط فيه.
هذا الخليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة يكشط باستمرار من فوق قاع المحيط بحركته المستمرة تحت اللوح الصخري الحامل للقارة, فيطوي ويتكسر, ويضاف إلي حافة القارة مكونا سلسلة أو عددا من السلاسل الجبلية ذات الجذور العميقة التي تربط كتلة القارة بقاع المحيط فتهديء من حركة اللوحين وتعين علي استقرار اللوح الصخري الحامل للقارة استقرارا ولو جزئيا يسمح باعمارها.
وتتوقف حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض بالكامل عندما تصل دورة بناء الجبال إلي نهايتها حين تتحرك قارتان مفصولتان بمحيط كبير في اتجاه بعضهما البعض حتي يستهلك قاع المحيط كاملا بدخوله تحت إحدي القارتين حتي تصطدما, فيتكون بذلك أعلي السلاسل الجبلية ارتفاعا كما حدث عند ارتطام اللوح القاري الحامل للهند باللوح الحامل لقارتي آسيا وأوروبا وتكون سلسلة جبال الهيمالايا.
من هنا اتضح دور الجبال في إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض وتثبيتها, ولولا ذلك ما استقامت الحياة علي سطح الأرض أبدا, لأن حركة هذه الألواح كانت في بدء خلق الأرض علي درجة من السرعة والعنف لاتسمح لتربة أن تتجمع, ولا لنبتة أن تنبت, ولا لحيوان أو إنسان أن يعيش, خاصة وأن سرعة دوران الأرض حول محورها كانت في القديم أعلي من معدلاتها الحالية بكثير, لدرجة أن طول الليل والنهار معا عند بدء خلق الأرض يقدر بأربع ساعات فقط, وأن عدد الأيام في السنة كان أكثر من2200 يوم, وهذه السرعة الفائقة لدوران الارض حول محورها كانت بلاشك تزيد من سرعة انزلاق الواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق الضعف الارضي, وهي تدفع اساسا بظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات, وبملايين الاطنان من الصهارة الصخرية والحمم البركانية المندفعة عبر صدوع تلك القيعان.
وبتسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض تسارعت الحركات البانية للجبال, وبتسارع بنائها هدأت حركة هذه الألواح, وهيئت الأرض لاستقبال الحياة, وقبل مقدم الإنسان كانت غالبية ألواح الغلاف الصخري للأرض قد استقرت, بكثرة تكون السلاسل والمنظومات الجبلية, وأخذت الأرض هيأتها لاستقبال هذا المخلوق المكرم الذي حمله الله تعالي مسئولية الاستخلاف في الأرض.
(ب) تثبيت الجبال للأرض كلها ككوكب
تساءل العلماء عن إمكانية وجود دور للجبال في اتزان حركة الأرض ككوكب وجعلها فرارا صالحا للحياة وجاء الرد بالايجاب لأنه نتيجة لدوران الأرض حول محورها فإن القوة الطاردة المركزية الناشئة عن هذا الدوران تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض, ولذلك فإن الأرض انبعجت قليلا عند خط الاستواء حيث تقل قوة الجاذبية, وتطغي القوة الطاردة المركزية, وتفلطحت قليلا عند القطبين حيث تطغي قوة الجاذبية وتتضاءل القوة الطاردة المركزية, وبذلك فإن طول قطر الأرض الاستوائي يزداد باستمرار بينما يقل طول قطرها القطبي, وإن كان ذلك يتم بمعدلات بطيئة جدا, إلا أن ذلك قد اخرج الأرض عن شكلها الكروي إلي شكل شبه كروي, وشبه الكرة لا يمكن لها أن تكون منتظمة في دورانها حول محورها, وذلك لأن الانبعاج الاستوائي للأرض يجعل محور دورانها يغير اتجاهه رويدا رويدا في حركة معقدة مردها إلي تأثير جاذبية أجرام المجموعة الشمسية( خاصة الشمس والقمر) علي الأرض, وتعرف هذه الحركة باسم الحركة البدارية( أو حركة الترنح والبدارية).
وتنشأ هذه الحركة عن ترنح الأرض في حركة بطيئة تتمايل فيها من اليمين إلي اليسار بالنسبة إلي محورها العمودي الذي يدور لولبيا دون أن يشير طرفاه الشمالي والجنوبي إلي نقطة ثابتة في الشمال أو في الجنوب, ونتيجة للتقدم أو التقهقر فإن محور دوران الارض يرسم بنهايته دائرة حول قطب البروج تتم في فترة زمنية قدرها نحو26,000 سنة من سنيننا.
ويتبع ترنح الأرض حول مدارها مسار متعرج بسبب جذب كل من الشمس والقمر للأرض,وتبعا للمتغيرات المستمرة في مقدار واتجاه القوة البدارية لكل منهما ويؤدي ذلك إلي ابتعاد الدائرة الوهمية التي يرسمها محور الأرض أثناء ترنحها وتحولها إلي دائرة مؤلفة من اعداد من الاقواس المتساوية, التي يبلغ عددها في الدورة الكاملة1400 ذبذبة( أو قوس) ويستغرق رسم القوس الواحد18,6 سنة أي أن هذه الدائرة تتم في(26040) سنة, وتسمي باسم حركة الميسان( النودان أو التذبذب) وقد أثبتت الدراسات الفلكية أن لمحور دوران الارض عددا من الحركات الترنحية التي تستغرق أوقاتا مختلفة يبلغ اقصرها عشرة ايام, ويبلغ اطولها18,6 سنة من سنيننا.
ووجود الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض, يقلل من شدة ترنح الأرض في دورانها حول محورها, ويجعل حركتها اكثر استقرارا وانتظاما وسلاسة تماما كما تفعل قطع الرصاص التي توضع حول إطار السيارة لانتظام حركتها, وقلة رجرجتها, وبذلك أصبحت الأرض مؤهلة للعمران.
وهنا يتضح وجه من أوجه الاعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة, وذلك في قول ربنا( تبارك وتعالي): والجبال أرساها* وفي تكرار المعني في تسعة مواضع أخري من كتاب الله وصفت فيها الجبال بأنها رواسي, وهي حقائق لم يتوصل الإنسان إلي إدارك شئ منها إلا في في القرنين الماضيين بصفة عامة, وفي أواخر القرن العشرين بصفة خاصة, ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لهذا السبق العلمي إلا بيان الخالق سبحانه وتعالي...!!
وفي هذا من التأكيد القاطع, والحسم الجازم بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, الذي أنزله بعلمه, وأن خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) تلقي هذا( القرآن) عن ربه بواسطة الوحي الذي بقي موصولا به حتي أتاه اليقين, وأنه( عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم) ما ينطق عن الهوي فصلي اللهم وسلم وبارك علي سيدنا محمد, والحمد لله رب العالمين.
-
30- يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل...
جاءت هذه الآية الكريمة في مقدمات سورة الزمر, والتي سميت بهذا الاسم لحديثها عن زمر المتقين, السعداء, المكرمين من أهل الجنة, وزمر العصاة, الأشقياء المهانين من أهل النار, وحال كل منهم في يوم الحساب.
و سورة الزمر مكية ـ شأنها شأن كل السور المكية التي يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة ـ ولذلك فهي تركز علي عقيدة التوحيد الخالص لله, بغير شريك ولا شبيه ولا منازع.
واستهلت السورة بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله ربنا( تبارك وتعالي) بالحق علي خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) هداية للناس كافة, وإنذارا من رب العالمين, وجعله معجزة خالدة إلي يوم الدين, وملأه بالأنوار الإلهية, والإشراقات النورانية, التي منها الأمر إلي رسول الله( صلي الله عليه وسلم) وإلي الناس كافة( بالتبعية لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم) بإخلاص الدين لله, وتنزيهه( جل في علاه) عن الشبيه والشريك والولد...!!!
وذكرت السورة عددا هائلا من الأدلة المادية الملموسة التي تشهد للخالق سبحانه وتعالي بطلاقة القدرة, وببديع الصنعة, وبإحكام الخلق, وبالتالي تشهد له( سبحانه) بالألوهية, والربوبية, والوحدانية, والتنزيه عن كل وصف لا يليق بجلاله, ومن هذه الأدلة المادية: خلق السماوات والأرض بالحق, وخلق كل شيء حسب مايشاء( سبحانه), تكوير الأرض وتبادل الليل والنهار عليها, وتسخير كل من الشمس والقمر( وتسخير كل أجرام السماء), خلق البشر كلهم من نفس واحدة, وخلق زوجها منها( وكذلك الزوجية في كل خلق), إنزال ثمانية أزواج من الأنعام, مراحل الجنين التي يمر بها الإنسان وخلقه في ظلمات ثلاث, إنزال الماء من السماء وخزن بعضه في صخور الأرض, إخراج الزرع ودورة حياته, حتمية الموت علي كل مخلوق, تكافؤ النوم مع الوفاة, وقبض الأرض, وطي السماوات يوم القيامة...!!!
وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن الإيمان الذي يرتضيه ربنا( تبارك وتعالي) من عباده, والكفر الذي لا يرضاه, وعن علم الله( تعالي) بكل مافي الصدور, وقدرته( جل جلاله) علي محاسبة كل مخلوق بعمله, وتحدثت السورة عن طبائع النفس البشرية في السراء والضراء, وعن الفروق بين كل من الإيمان والكفر, والكافر والمؤمن في مواقفهما في الدنيا والآخرة, وبين الإغراق في المعاصي والإخلاص في العبادة, وبين كل من التوحيد والشرك, وبين الذين يعلمون والذين لا يعلمون, وعن العديد من مشاهد القيامة وأهوالها...!!!
كما تحدثت السورة الكريمة عن نفختي الصعق والبعث, ومايعقبهما من أحداث مروعة, وعن يوم الحشر حين يساق المتقون إلي الجنة زمرا, ويساق المجرمون إلي جهنم زمرا كذلك, ولكن شتان بين سوق التكريم, وسوق الإهانة والإذلال والتجريم, ويتم ذلك كله في حضرة الأنبياء والشهداء, والملائكة حافين من حول العرش, والوجود كله خاضع لربه, متجه إليه بالحمد والثناء, راج رحمته, مشفق من عذابه, راض بحكمه, حامد لقضائه...!!!
ومن الأدلة المادية المطروحة للاستدلال علي طلاقة القدرة الإلهية علي الخلق, وبالتالي علي الشهادة له( سبحانه) بالألوهية والربوبية قوله( تعالي):
خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ألا هو العزيز الغفار.( الزمر:5)
وهي آية جامعة, تحتاج في شرحها إلي مجلدات, ولذا فسوف أقتصر هنا علي الإشارة إلي كروية الأرض وإلي دورانها من قبل ألف وأربعمائة سنة, في زمن ساد فيه الاعتقاد بالاستواء التام للأرض بلا أدني انحناء, وبثباتها, وتمت الإشارة إلي تلك الحقيقة الأرضية بأسلوب لا يفزع العقلية البدوية في زمن تنزل الوحي, فجاء التكوير صفة لكل من الليل والنهار, وكلاهما من الفترات الزمنية التي تعتري الأرض, فإذا تكورا كان في ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلي كروية الأرض, وإذا تكور أحدهما علي الآخر كان في ذلك إشارة إلي تبادلهما, وهي إشارة ضمنية رائعة إلي دوران الأرض حول محورها, دون أن تثير بلبلة في زمن لم تكن للمجتمعات الإنسانية بصفة عامة والمجتمعات في جزيرة العرب بصفة خاصة أي حظ من الثقافة العلمية, وسوف نفصل ذلك في السطور القادمة إن شاء الله( تعالي) بعد شرح دلالة الفعل( كور) في اللغة العربية, واستعراض شروح المفسرين لدلالات تلك الآية الكريمة.
الدلالة اللغوية

صورة للأرض من الفضاء
يقال في اللغة العربية:( كار) الشيء( يكوره)( كورا) و( كرورا), و( يكوره)( تكويرا) أي أداره, وضم بعضه إلي بعض,( ككور) العمامة, أو جعله كالكرة, ويقال:( طمنه فكوره) إذا ألقاه مجتمعا, كما يقال( اكتار) الفرس إذا أدار ذنبه في عدوه, وقيل للإبل الكثيرة( كور), و( كوارة) النحل معروفة, و( الكور) الرحل, وقيل لكل مصر( كورة) وهي البقعة التي يجتمع فيها قري ومحال عديدة, و( الكرة) التي تضرب بالصولجان, وتجمع علي( كرين) بضم الكاف وكسرها, كما تجمع علي كرات.
وجاء الفعل المضارع( يكور) في القرآن الكريم كله مرتين فقط في الآية الكريمة التي نحن بصددها, وجاء بصيغة المبني للمجهول مرة واحدة في قول الحق( تبارك وتعالي):
إذا الشمس كورت( التكوير:1)
أي جعلت كالكرة بانسحاب ألسنة اللهب المندفعة منها إلي آلاف الكيلو مترات خارجها, إلي داخلها كناية عن بدء انطفاء جذوتها.
شروح المفسرين
في تفسير قوله تعالي:
خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ألا هو العزيز الغفار( الزمر:5)
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) مانصه: يخبر تعالي أنه الخالق لما في السماوات والأرض, ومابين ذلك من الأشياء, وبأنه مالك الملك, المتصرف فيه, يقلب ليله ونهاره( يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل) أي سخرهما يجريان متعاقبين, ولا يفترقان, كل منهما يطلب الآخر طلبا....
ويضيف: وقوله عز وجل: وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي أي إلي مدة معلومة عند الله تعالي, ثم ينقضي يوم القيامة,( ألا هو العزيز الغفار) أي مع عزته وعظمته وكبريائه, هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( رحمهما الله) مانصه:( خلق السماوات والأرض بالحق) ولحكمة, لا عبثا باطلا, متعلق بـ خلق.
( يكور) أي يدخل ـ الليل علي النهارـ فيزيد( ويكور النهار) يدخله ـ علي الليل ـ فيزيد.
وجاء في الهامش التعليق التالي من أحد المحققين: قوله تعالي( يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل) ما ذكره المؤلف الجلال المحلي في معني التكوير هو معني الإيلاج الوارد في مثل قوله تعالي( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل), وهذا تفسير غير موافق لمعني اللغة, لأن التكوير والإيلاج ليسا بمعني واحد, وإلا فما معني قوله تعالي( إذا الشمس كورت)؟ قال:في القاموس: التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه علي بعض, ومنه كور العمامة, فيكون معني الآية: ان الله تعالي سخر الليل والنهار يتعاقبان, يذهب أحدهما فيعقبه الآخر الي يوم القيامة, وفي الآية إشارة واضحة إلي أن الأرض لاتخلو من ليل في مكان ونهار في آخر, علي مدار الساعة
وذكر صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة) ما نصه:
(خلق السماوات والأرض).. وأنزل الكتاب بالحق.. فهو الحق الواحد في ذلك الكون وفي هذا الكتاب.. وكلاهما صادر من مصدر واحد, وكلاهما آية علي وحدة المبدع العزيز الحكيم,( يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل).. وهو تعبير عجيب يقسرالناظر فيه قسرا علي الالتفات الي ما كشف حديثا عن كروية الأرض, ومع أنني في هذه الظلال حريص علي ألا أحمل القرآن علي النظريات التي يكشفها الإنسان, لأنها نظريات تخطيء وتصيب, وتثبت اليوم وتبطل غدا, والقرآن حق ثابت يحمل آية صدقه في ذاته, ولا يستمدها من موافقة أو مخالفة لما يكشفه البشر الضعاف المهازيل!
مع هذا الحرص فإن هذا التعبير يقسرني قسرا علي النظر في موضوع كروية الأرض, فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة علي وجه الأرض, فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس, فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا, ولكن هذا الجزء لايثبت لأن الأرض تدور, وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار, وهذا السطح مكور, فالنهار كان عليه مكورا, والليل يتبعه مكورا كذلك, وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخري يتكور علي الليل, وهكذا في حركة دائبة( يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل).. واللفظ يرسم الشكل, ويحدد الوضع, ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها, وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أي تفسير آخر..
وذكر صاحب صفوة البيان( رحمه الله رحمة واسعة) ما نصه:( يكور الليل علي النهار) تكوير الشيء إدارته, وضم بعضه إلي بعض ككور العمامة, أي أن هذا يكر علي هذا, وهذا يكر علي هذا كرورا متتابعا كتتابع أكوار العمامة بعضها علي إثر بعض, إلا أن أكوار العمامة مجتمعة, وفيما نحن فيه متعاورة.. وقيل المعني: يزيد الليل علي النهار ويضمه إليه, بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهارا, فيطول النهار عن الليل, ويزيد النهار عن الليل ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء النهار ليلا فيطول الليل عن النهار, وهو كقوله تعالي:( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) مانصه: خلق السماوات والأرض متلبسا بالحق والصواب علي ناموس ثابت, يلف الليل علي النهار ويلف النهار علي الليل علي صورة الكرة, وذلل الشمس والقمر لإرادته ومصلحة عباده, كل منهما يسير في فلكه إلي وقت محدد عنده.. وهو يوم القيامة, ألا هو ـ دون غيره ـ الغالب علي كل شيء, فلا يخرج شيء عن إرادته, الذي بلغ الغاية في الصفح عن المذنبين من عباده وجاء في الهامش هذا التعليق: تشير هذه الآية الكريمة إلي أن الأرض كروية تدور حول نفسها لأن مادة التكوير معناها لف الشيء علي الشيء علي سبيل التتابع, ولو كانت الأرض غير كروية( مسطحة مثلا) لخيم الليل أو طلع النهار علي جميع أجزائها دفعة واحدة

يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل
وذكر صاحب صفوة التفاسير( بارك الله في جهده):( خلق السماوات والأرض بالحق) أي خلقهما علي أكمل الوجوه وأبدع الصفات, بالحق الواضح والبرهان الساطع( يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل) أي يغشي الليل علي النهار ويغشي النهار علي الليل, وكأنه يلف عليه لف اللباس علي اللابس, قال القرطبي: وتكوير الليل علي النهار تغشيته إياه حتي يذهب ضوءه ويغشي النهار علي الليل فيذهب ظلمته وهذا منقول عن قتاده...
كروية الأرض في المعارف المكتسبة
كان أول من قال بكروية الأرض فلاسفة الحضارة العراقية القديمة المعروفة باسم حضارة مابين النهرين في حدود سنة2000 ق.م وعنهم أخذ فلاسفة اليونان ومنهم فيثاغورس الذي نادي بها في منتصف القرن السادس ق.م مؤكدا أن الشكل الكروي هو أكثر الأشكال الهندسية انتظاما لكمال انتظام جميع أجزاء الكرة, بالنسبة إلي مركزها, وعلي ذلك فإن الأرض وجميع أجرام السماء لابد وأن تكون كروية الشكل.
وبقي هذا الرأي شائعا في الحضارة اليونانية القديمة حتي القرن الرابع ق.م إلي أن عارضه أرسطو فشاع بين الناس الاعتقاد باستواء الارض بلا أدني انحناء.
وفي عهد الخليفتين العباسيين الرشيد والمأمون في القرن الهجري الثاني وأوائل الثالث) نادي عدد من علماء المسلمين ومنهم البيروني وابن سينا والكندي والرازي وغيرهم بكروية الارض التي استدلوا عليها بعدد من الظواهر الطبيعية التي منها مايلي:
(1) استدارة حد ظل الأرض حين يقع علي سطح القمر في أوقات خسوفه
(2) اختلاف ارتفاع النجم القطبي بتغير مكان الراصد له قربا من خط الاستواء او بعدا عنه.
(3) تغير شكل قبة السماء من حيث مواقع النجوم وتوزيعها فيها باقتراب الراصد لها من أحد القطبين.
(4) رؤية الأفق دوما علي هيئة دائرة تامة الاستدارة واتساع دائرته بارتفاع الرائي علي سطح الأرض.
(5) ظهور قمم الجبال البعيدة قبل سفوحها بتحرك الرائي إليها, واختفاء أسافل السفن قبل اعاليها في تحركها بعيدا عن الناظر إليها.
وقام علماء المسلمين في هذا العصر الذهبي بقياس محيط الأرض بدقة فائقة, وبتقدير مسافة درجة الطول في صحراء العراق وعلي طول ساحل البحر الأحمر, وكانوا في ذلك سابقين للحضارة الغربية بتسعة قرون علي الأقل, فقد اعلن الخليفة المأمون لأول مرة في تاريخ العلم أن الأرض كروية ولكنها ليست كاملة الاستدارة.
ثم جاء نيوتن في القرن السابع عشر الميلادي ليتحدث عن نقص تكور الأرض من منطلق آخر إذ ذكر أن مادة الأرض خاضعة لقوتين متعارضتين: قوة الجاذبية التي تشد مادة الأرض الي مركزها, والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها والتي تدفعها إلي الخارج والقوة الأخيرة تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض فتؤدي إلي انبعاجها قليلا بينما تنقص الي أقل قدر لها عند القطبين فيتفلطحان قليلا, ثم جاء تصوير الأرض من الفضاء في أواخر القرن العشرين ليؤكد كلا من كروية الأرض وانبعاجها قليلا عند خط استوائها
كروية الأرض في القرآن الكريم
من الحقائق الثابتة عن الأرض أنها مكورة( كرة أو شبه كرة), ولكن نظرا لضخامة أبعادها فإن الانسان يراها مسطحة بغير أدني انحناء, وهكذا ساد الاعتقاد بين الناس بهذا التصور للأرض إلي زمن الوحي بالقرآن الكريم, وإلي قرون متطاولة من بعد ذلك بل بين العوام إلي يومنا هذا, علي الرغم من وجود عدد من الملاحظات القديمة التي تشير إلي كرويتها.
ولذلك فإن القرآن الكريم يتحدث عن هذه الحقيقة بطريقة غير مباشرة, وبصياغة ضمنية لطيفة, ولكنها في نفس الوقت بالغة الدقة والشمول والأحكام, وجاء ذلك في عدد من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن تكور كل من الليل والنهار علي الآخر, وولوجه فيه وانسلاخه منه, وعن مد الأرض وبسطها, ودحوها وطحوها, وكثرة المشارق والمغارب فيها مع بقاء قمة عظمي ونهايتين لكل منهما, ومن تلك الآيات قوله( تعالي):
(ا) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ألا هو العزيز الغفار.
(الزمر: آية5)
ومعني يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه, وهو وصف واضح الدلالة علي كروية الأرض, وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس, وذلك لأن كلا من الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الأرض في تبادل مستمر, ولو لم تكن الأرض مكورة لما تكور أي منهما, ولو لم تكن الأرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار وكلاهما ظرف زمان وليس جسما ماديا يمكن أن يكور, بل يتشكل بشكل نصف الأرض الذي يعتريه, ولما كان القرآن الكريم يثبت أن الله تعالي يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وهما فترتان زمنيتان تعتريان الأرض, فلابد للأرض من أن تكون مكورة, ولابد لها من الدوران حول محورها أمام الشمس.
ومن هنا كان التعبير القرآني بتكوير كل من الليل والنهار فيه إعلام صادق عن كروية الأرض, وعن دورانها حول محورها أمام الشمس, بأسلوب رقيق لا يفزع العقلية السائدة في ذلك الزمان التي لم تكن مستعدة لقبول تلك الحقيقة, فضلا عن استيعابها, تلك الحقيقة التي أصبحت من البديهيات في زماننا وإن بقي بعض الجهال علي إنكارها إلي يومنا هذا وإلي قيام الساعة, والتكوير يعني جعل الشيء علي هيئة مكورة( هيئة الكرة أو شبه الكرة), إما مباشرة أو عن طريق لف شيء علي شيء آخر في اتجاه دائري شامل( أي في اتجاه كروي), وعلي ذلك فإن من معاني يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل أن الله( تعالي) ينشر بالتدريج ظلمة الليل علي مكان النهار من سطح الأرض المكور فيحوله إلي ليل مكور, كما ينشر نور النهار علي مكان ظلمة الليل من سطح الأرض المكور فيحوله نهارا مكورا, وبذلك يتتابع كل من الليل والنهار علي سطح الأرض الكروي بطريقة دورية, مما يؤكد حقيقتي كروية الأرض, ودورانها حول محورها أمام الشمس بأسلوب لا يفزع الأفراد ولا يصدم المجتمعات التي بدأ القرآن الكريم يتنزل في زمانها والتي لم يكن لها حظ من المعرفة بالكون وحقائقه.
(ب) والاشارات القرآنية الضمنية إلي حقيقة كروية الأرض ليست مقصورة علي آية سورة الزمر( الآية الخامسة) وحدها, وذلك لأن الله( تعالي) يؤكد في عدد من آيات القرآن الكريم علي مد الأرض أي علي بسطها بغير حافة تنتهي إليها. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الأرض كروية الشكل, لأن الشكل الوحيد الذي لا نهاية لبسطه هو الشكل الكروي, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
(1) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا.( الرعد:53)
(2) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون
( الحجر:19)
(3) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج.( ق:7)
( جـ) كذلك يؤكد القرآن الكريم كروية الأرض في آيات التطابق( أي تطابق كل من السماوات والأرضين) ولا يكون التطابق بغير انحناء وتكوير, وفي ذلك يقول( ربنا تبارك وتعالي):
الذي خلق سبع سماوات طباقا..( الملك:3) أي متطابقة, يغلف الخارج منها الداخل فيها, ويشير القرآن الكريم الي اتفاق الأرض في ذلك بقول الحق( تبارك وتعالي): الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن..( الطلاق:12). أي سبع أرضين متطابقة حول مركز واحد يغلف الخارج منها الداخل فيها.
(د) كذلك تشير آيات المشرق والمغرب التي ذكرت بالافراد, والتثنية, والجمع إلي حقيقة كروية الأرض, وإلي دورانها حول محورها أمام الشمس, وإلي اتجاه هذا الدوران, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
(1) قال رب المشرق والمغرب ومابينهما إن كنتم تعقلون( الشعراء:28)
(2) رب المشرقين ورب المغربين
(الرحمن:17)
(3) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون علي أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين( المعارج:41,40)
فالمشرق هو جهة طلوع الشمس, والمغرب جهة غيابها, ووجود كل من المشرق والمغرب يؤكد كروية الأرض, وتبادلهما يؤكد دورانها حول محورها أمام الشمس من الغرب إلي الشرق, ففي الوقت الذي تشرق فيه الشمس علي جهة ما من الأرض تكون قد غربت في نفس اللحظة عن جهة أخري, ولما كانت الأرض منبعجة قليلا عند خط الاستواء كانت هناك قمة عظمي للشروق وأخري للغروب( رب المشرق والمغرب), ولما كانت الشمس تشرق علي الأرض في الفصول المختلفة من نقاط مختلفة, كما تغرب عنها من نقاط مختلفة( وذلك بسبب ميل محور دوران الأرض بزاوية مقدارها23,5 درجة علي مستوي فلك دورانها حول الشمس), كانت هناك مشارق عديدة, ومغارب عديدة( رب المشارق والمغارب), وكانت هناك نهايتان عظميان لكل من الشروق والغروب( رب المشرقين ورب المغربين), وينتشر بين هاتين النهايتين العظميين نقاط متعددة لكل من الشروق والغروب علي كل من خطوط الطول وخطوط العرض, وعلي مدار السنة, لأن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس يجعل النور المنبثق عن ضوء هذا النجم ينتقل علي سطح الأرض الكروي باستمرار من خط طول إلي آخر محدثا عددا لا نهائيا من المشارق والمغارب المتعاقبة في كل يوم.
ووجود كل من جهتي المشرق والمغرب, والنهايات العظمي لكل منهما, وما بينهما من مشارق ومغارب عديدة, وتتابع تلك المشارق والمغارب علي سطح الأرض يؤكد كرويتها, ودورانها حول محورها أمام الشمس, وميل محور دورانها علي مستوي فلك دورانها, وكل ما ينتج عن ذلك من تعاقب الليل والنهار, وتبادل الفصول المناخية, واختلاف مطالع الشمس ومغاربها علي مدار السنة, وكلها من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم, ولا لقرون متطاولة من بعده إلا بصورة بدائية ولنفر محدودين جدا من أبناء الحضارات السابقة التي لم تصل كتاباتهم إلي شبه الجزيرة العربية إلا بعد حركة الترجمة التي بدأت في منتصف القرن الهجري الثاني( أي منتصف القرن الثامن الميلادي) في عهد الدولة العباسية, وورود مثل هذه الحقائق الكونية في ثنايا الآيات القرآنية بهذه الإشارات اللطيفة والدقيقة في نفس الوقت لمما يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, وأن النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض, وهي من الحقائق الاعتقادية التي يحتاجها إنسان اليوم الذي توفر له من أسباب التقدم العلمي والتقني ما لم يتوفر لجيل من البشر من قبل, ولكنه في ظل هذا التقدم فقد الصلة بخالقه, ففقد الكثير من القيم الأخلاقية النبيلة والضوابط السلوكية الصحيحة التي تدعو إلي الارتقاء بالانسان إلي مراتب التكريم التي رفعه إليها رب العالمين وتعينه علي إقامة عدل الله في الأرض, بدلا من المظالم العديدة التي تجتاحها في كثير من أجزائها, والخراب والدمار والدماء التي تغرقها, في ظل غلبة أهل الباطل علي أهل الحق, وفقدان هؤلاء الكفار والمشركين لأدني علم بالدين الذي يرتضيه رب العالمين من عباده, ولعل في الاشارة إلي مثل هذا السبق القرآني بالعديد من حقائق الكون ومظاهره ما يمكن أن يمهد الطريق إلي الدعوة لهذا الدين, وتصحيح فهم الآخرين لحقيقته من أجل تحييد هذا الكم الهائل من الكراهية للاسلام والمسلمين والتي غرسها ولا يزال يغرسها شياطين الإنس والجن في قلوب الأبرياء والمساكين من بني البشر فبدأوا بالصراخ بصراع الحضارات ونهاية العالم, وبضرورة اشعال حرب عالمية ثالثة بين الغرب( وهو في قمة من التوحد, والتقدم العلمي, والتقني, والتفوق الاقتصادي والعسكري), والعالم الاسلامي( وهو في أكثر فترات تاريخه فرقة, وتمزقا, وانحسارا ماديا وعلميا وتقنيا وتخلفا عسكريا), من أجل القضاء علي دين الله الحق.. والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.( يوسف:21).
-
(31)
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الأول من سورة الأنبياء, وهي سورة مكية, يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة ـ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ـ وسميت باسم الأنبياء لورود ذكر عدد كبير من أنبياء الله فيها, وقصصهم مع أممهم, والمعجزات التي أجراها الله( تعالي) علي أيدي كل منهم, وهم حسب تسلسل ورود أسمائهم في السورة الكريمة: إبراهيم, لوط, إسحاق, يعقوب, نوح, داود, سليمان, أيوب, إسماعيل, إدريس, ذا الكفل, ذا النون( يونس), زكريا, يحيي, وعيسي بن مريم( علي نبينا وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكي التسليم).
وتبدأ سورة الأنبياء بتذكير الناس أن وقت الساعة قد اقترب, وهم في غفلة منشغلون عنها بالدنيا, وهي سوف تأتيهم بغتة, وقلوبهم لاهية عما أنزل إليهم ربهم من ذكر في رسالته الخاتمة, لذلك انطلقوا يشككون في بعثة الرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم), واتهموه زورا( شرفه الله عن ذلك) بالكذب, والسحر, والشعر, استهزاء به كما استهزئ برسل من قبل فحاق بهم ما كانوا به يستهزئون, فما من أمة رفضت الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إلا وعاقبها الله عقابا شديدا.
وطالبوه بالآيات المادية الملموسة, وآيات الله وسننه في الكون من المعجزات الدائمة لو تدبروها, فهي ناطقة بالشهادة لخالقها( سبحانه) بطلاقة القدرة, وعظيم الصنعة, وتمام الحكمة, وبالوحدانية المطلقة, والربوبية والألوهية.
ومن رحمته بنا لم يكلنا ربنا( تبارك وتعالي) للتعرف عليه من خلال التأمل في أنفسنا, وفي الخلق من حولنا, وفي الآفاق البعيدة عنا, فأرسل الرسل, وبعث الأنبياء برسالة الهداية لخلقه, واقتضت حكمته( تعالي) أن يكون الأنبياء والمرسلون كلهم من البشر, وعلي ذلك فليس بمستغرب أن يكون الرسول الخاتم بشرا( صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي جميع أنبياء الله ورسله), وليس بمستغرب أيضا أن تنقطع المعجزات والخوارق بعد تمام الرسالة الخاتمة, وتعهد الله بحفظها بنفس لغة الوحي وإلي قيام الساعة.
ومن سنن الله في الكون غلبة الحق علي الباطل, وإن طالت دولته,4 ونجاة المؤمنين وهلاك المسرفين, حتي يرث الأرض عباد الله الصالحون.
وتحدثت السورة عن فضل إنزال القرآن الكريم, وعن عقاب الأمم الظالمة من السابقين, واستبدالهم بآخرين, وعن موقف الذل الذي سوف يقفه الظالمون, وبأس الله محيط بهم من كل جانب.
واستعرضت السورة الكريمة بعض مشاهد القيامة, كما استعرضت لقطات سريعة من سير عدد من الأنبياء, وقصصهم مع أممهم, وبعض المعجزات التي أجراها ربنا( تبارك وتعالي) علي أيديهم.
وأكدت السورة وحدة الأمة المؤمنة عبر التاريخ, وتوحيدها لله( تعالي), كما أكدت وحدة رسالة السماء مع تعدد الرسل, وتباعد أزمانهم, وربطت بين الإيمان بالله الواحد, الأحد, الفرد, الصمد, وبملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الآخر وأحداثه ومشاهده, وبين الآيات الكونية التي استعرضتها, والتي تشهد بوحدانية الخالق( سبحانه), فكما أن الكون قائم علي الحق الذي قامت به السماوات والأرض, فإن الإيمان بالله وتنزيهه عن الشبيه, والشريك, والمنازع, والولد هو حق كذلك, بل هو أحق الاعتقاد وأصدقه في هذا الوجود.
وتختتم سورة الأنبياء ببلاغ للناس كافة أن الرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم), قد بعثه ربنا( تبارك وتعالي) رحمة للعالمين, بالدين الذي يرتضيه من عباده, فمن أطاعه فقد نجا من فتن الدنيا, وعذاب الآخرة, ومن لم يستجب لندائه فقد نفض رسول الله( صلي الله عليه وسلم) يده منه, وهؤلاء لا يعلم مصيرهم إلا الله الذي يعلم العلانية وما تخفي الصدور, وقد يكون في ذلك فتنة لهم ومتاع إلي حين!!
لذلك يتوجه رسول الله( صلي الله عليه وسلم) إلي( ربه) طالبا حكمه ـ العادل الحق ـ بينه وبين المستهزئين به, والغافلين عن دعوته, ومستعينا بالله( تعالي) علي تكذيبهم وكيدهم, والله هو المستعان علي كل ما يصف الكفار وما يقولون.
ومن بديع آيات الله في الخلق التي استشهد بها( سبحانه وتعالي) في سورة الأنبياء: خلق السماوات والأرض بالحق من جرم واحد, فتقه ربنا( تبارك وتعالي) فتحول إلي سحابة من دخان, خلق منه( سبحانه) السماوات والأرض وما بينهما, وما فيهما من مخلوقات من مثل الملائكة الذين يسبحون الله ليلا ونهارا لا يفترون, ومنها خلق كل حي من الماء, والتأكيد علي وحدة الحياة مصدرا, وفناء, ومصيرا, وخلق الجبال رواسي للأرض, وشق السبل والفجاج من بينها, وحفظ السماء سقفا محفوظا, وخلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون, وإنقاص الأرض من أطرافها, وطي السماء يوم القيامة كطي السجل للكتب.
وهذه القضايا تحتاج إلي مجلدات لشرحها, ولذا فإني سوف أقتصر هنا علي آية واحدة منها, والتي اتخذتها عنوانا لهذا المقال, وقبل الدخول في ذلك لابد من استعراض الدلالة اللغوية للألفاظ الأساسية الواردة في الآية الكريمة, واستعراض أقوال المفسرين فيها.
الدلالة اللغوية
(1) يقال في اللغة العربية:( خلق),( يخلق),( خلقا), بمعني قدر, يقدر, تقديرا, و(الخلق) أصله التقدير المستقيم, ويستخدم في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء, أي علي غير مثال سابق, ولفظة( الخلق) تستخدم في معني( المخلوق), و(الخليقة) والفطرة, والجمع( خلائق), و(الخلائق) أيضا هم( خليقة) الله, وهم( خلق) الله, ومضغة( مخلقة) أي تامة( الخلق), و(الخلق) بضم اللام وسكونها: السجية, ويقال: فلان( يتخلق) بغير( خلقه) أي يتكلفه, ويقال: فلان( خليق) بكذا, أي جدير به كأنه مخلوق فيه, و(الخلاق): النصيب, أو ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه. ويقال: ثوب( خلق) أي بال, يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر( الأخلق) وهو الأملس, والجمع( خلقان), ويقال:( خلق) أو( أخلق) الثوب أي بلي, و(أخلقه) صاحبه لأنه يتعدي ويلزم, و(الخلوق) ضرب من الطيب, ويقال:( خلقه)( تخليقا) أي طلاه به( فتخلق).
ويقال( خلق) الإفك,( اختلقه) و(تخلقه)( اختلاقا) أي افتراه افتراء.
(2) والفلك هو مجري أجرام السماء في المدار الذي يجري فيه كل جرم منها, وجمعه( أفلاك) و(فلك).
3 ـ و(السبح) هو المر السريع في الماء أو في الهواء, يقال( سبح)( يسبح)( سبحا) و(سباحة) أي عام عوما, واستعير لحركة النجوم الانتقالية في أفلاكها, ولسرعة الذهاب والمنقلب في العمل, و(السبح) أيضا هو الفراغ, أو التصرف في المعاش.
شروح المفسرين
في تفسير قوله( تعالي):
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون( الأنبياء:33)
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه:( وهو الذي خلق الليل والنهار) أي هذا في ظلامه وسكونه, وهذا بضيائه( نوره) وأنسه, يطول هذا تارة ثم يقصر أخري وعكسه الآخر, و(الشمس والقمر) هذه لها نور( ضياء) يخصها وحركة وسير خاص, وهذا بنور آخر وسير آخر وتقدير آخر,( وكل في فلك يسبحون) أي يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة, قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل, كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن...
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( رحمهما الله رحمة واسعة) ما نصه:
وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل) تنوينه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر وتابعه وهو النجوم,( في فلك) أي: مستدير كالطاحونة في السماء وهو مدار النجوم,( يسبحون) يسيرون بسرعة كالسابح في الماء, وللتشبيه به أتي بضمير جمع من يعقل( أي يسبحون).
وجاء في الظلال( رحم الله كاتبها رحمة واسعة): والليل والنهار ظاهرتان كونيتان, الشمس والقمر جرمان هائلان لهما علاقة وثيقة بحياة الإنسان في الأرض, وبالحياة كلها.. وبالتأمل في توالي الليل والنهار, في حركة الشمس والقمر بهذه الدقة التي لا تختل مرة, وبهذا الاطراد الذي لا يكف لحظة.. جدير بأن يهدي القلب إلي وحدة الناموس, ووحدة الإرادة, ووحدة الخالق المدبر القدير.
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه:( كل في فلك يسبحون) أي كل واحد من الشمس والقمر يسير في فلكه بسرعة( كالسابح في الماء, من السبح وهو المر السريع في الماء أو الهواء...
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه: والله هو الذي خلق الليل والنهار, والشمس والقمر, وكل من هذه يجري في مجاله الذي قدره الله له, ويسبح في فلكه لا يحيد عنه.
وجاء في الهامش التعليق التالي: لكل جرم سماوي مداره الخاص الذي يسبح فيه, وأجرام السماء كلها لا تعرف السكون, كما أنها تتحرك في مسارات خاصة هي الأفلاك, ونحن نري هذه الحقيقة ممثلة واضحة في الشمس والقمر, كما أن دوران الأرض حول محورها يجعل الليل والنهار يتعاقبان عليها كأنهما يسبحان.
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه:... أي وهو تعالي بقدرته نوع الحياة فجعل فيها ليلا ونهارا, هذا في ظلامه وسكونه, وهذا بضيائه( نوره) وأنسه, يطول هذا تارة ثم يقصر أخري وبالعكس, وخلق الشمس والقمر آيتين عظيمتين دالتين علي وحدانيته,( كل في فلك يسبحون أي كل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء.
حركات الأرض في القرآن الكريم
في الوقت الذي ساد فيه اعتقاد الناس بثبات الأرض, وسكونها, تنزل القرآن الكريم بالتأكيد علي حركتها, وعلي حركة باقي أجرام السماء, ولكن لما كانت تلك الحركات خفية علي الإنسان بصفة عامة, جاءت الإشارات القرآنية إليها لطيفة, رقيقة, غير مباشرة, حتي لا تصدم أهل الجزيرة العربية وقت تنزل القرآن فيرفضوه, لأنهم لم يكونوا أهل معرفة علمية, أو اهتمام بتحصيلها, فلو أن الإشارات القرآنية العديدة إلي حركات الأرض جاءت صريحة صادعة بالحقيقة الكونية في زمن ساد فيه الاعتقاد بسكون الأرض وثباتها واستقرارها, لكذب أهل الجزيرة العربية القرآن, والرسول, والوحي, ولحيل بينهم وبين الهداية الربانية, ولحرمت الإنسانية من نور الرسالة الخاتمة, في وقت كانت قد حرمت فيه من أنوار الرسالات السماوية السابقة كلها فشقيت وأشقت!!!
من هنا فإن جميع الإشارات القرآنية إلي حقائق الكون التي كانت غائبة عن علم الناس كافة في عصر تنزل الوحي السماوي ومنها الإشارات المتعددة إلي حركات الأرض وإلي كرويتها, جاءت بأسلوب غير مباشر, ولكن بما أنها بيان من الله الخالق فقد صيغت صياغة محكمة بالغة الدقة في التعبير, والشمول, والإحاطة في الدلالة, حتي تظل مهيمنة علي المعرفة الإنسانية مهما اتسعت دوائرها, لكي تبقي شاهدة علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وعلي أن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض, وأنه لا ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحي.
ومن تلك الإشارات القرآنية ما يتحدث عن جري الأرض في مدارها حول الشمس, ومنها ما يتحدث عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, وقد استعاض القرآن الكريم في الإشارة إلي تلك الحركات الأرضية بالوصف الدقيق لسبح كل من الليل والنهار, واختلافهما وتقلبهما, وإغشاء كل منهما للآخر, وإيلاج كل منهما في الآخر, وسلخ النهار من الليل, ومرور الجبال مر السحاب كما يتضح من الآيات القرآنية التالية:
أولا: سبح كل من الليل والنهار:
يقول ربنا تبارك وتعالي في وصف حركات كل من الأرض والشمس والقمر:
(1) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون( الأنبياء:33)
(2) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
(يس:40).
فالليل والنهار ظرفا زمان لابد لهما من مكان, والمكان الذي يظهران فيه هو الأرض, ولولا كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس لما ظهر ليل ولا نهار, ولا تبادل كل منهما نصفا سطح الأرض, والدليل علي ذلك أن الآيات في هذا المعني تأتي دوما في صيغة الجمع كل في فلك يسبحون, ولو كان المقصود سبح كل من الشمس والقمر فحسب لجاء التعبير بالتثنية يسبحان, كما أن السبح لا يكون إلا للأجسام المادية في وسط أقل كثافة منها, والسبح في اللغة هو الانتقال السريع للجسم بحركة ذاتية فيه من مثل حركات كل من الأرض والشمس والقمر في جري كل منها في مداره المحدد له, فسبح كل من الليل والنهار في هاتين الآيتين الكريمتين إشارة ضمنية رقيقة إلي جري الأرض في مدارها حول الشمس, وإلي تكورها ودورانها حول محورها أمام الشمس.
ثانيا: مرور الجبال مر السحاب:
وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي: وتري الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون*( النمل:88).
ومرور الجبال مر السحاب هو كناية واضحة علي دوران الأرض حول محورها, وعلي جريها حول الشمس ومع الشمس, لأن الغلاف الهوائي للأرض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط بالأرض بواسطة الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة الأرض, وكذلك حركة السحاب فيه, فإذا مرت الجبال مر السحاب كان في ذلك إشارة ضمنية إلي حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب.
ثالثا: إغشاء كل من الليل والنهاربالآخر:
يقول الحق( تبارك وتعالي) في محكم كتابه:
... يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون*( الرعد:3)
ويقول( عز من قائل):
والشمس وضحاها* والقمر إذا تلاها* والنهار إذا جلاها* والليل إذا يغشاها*...( الشمس:1 ـ4).
ويقول( سبحانه وتعالي):
والليل إذا يغشي* والنهار إذا تجلي*( الليل:2,1).
وغشي في اللغة تأتي بمعني غطي وستر, يقال غشيه غشاوة وغشاء بمعني أتاه إتيان ما قد غطاه وستره, لأن الغشاوة ما يغطي به الشيء.
والمقصود من يغشي الليل النهار أن الله تعالي يغطي بظلمة الليل مكان النهار علي الأرض فيصير ليلا, ويغطي مكان الليل علي الأرض بنور النهار فيصير نهارا, وهي إشارة لطيفة لحقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس دورة كاملة كل يوم( أي في كل أربع وعشرين ساعة) يتعاقب فيه الليل والنهار بصورة تدريجية. أي يحل أحدهما محل الآخر في الزمان والمكان مما يجعل زمن كل منهما يتعاقب بسرعة علي الأرض.
والليل والنهار يشار بهما في مواضع كثيرة من القرآن الكريم إلي الزمان والمكان( أي الأرض) وإلي أسباب تبادلهما( أي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس), كما يشار بهما إلي الظلمة والنور, وإلي العديد من لوازمهما!! ويتضح ذلك من قول الحق تبارك وتعالي: والنهار إذا جلاها* والليل إذا يغشاها* أي يقسم ربنا تبارك وتعالي( وهو الغني عن القسم) بالنهار إذا أظهر الشمس واضحة غير محجوبة, وبالليل إذ يغيب فيه ضياء الشمس ويحتجب, وقوله( عز من قائل): والليل إذا يغشي* والنهار إذا تجلي* حيث يقسم ربنا( تبارك وتعالي) بالليل الذي يحجب فيه ضوء الشمس فيعم الأرض الظلام, وبالنهار إذ تشرق فيه الشمس فيعم الأرض النور, ومن هنا كانت منة الله( تعالي) علي عباده أن جعل لهم الليل لباسا وسكنا, وجعل لهم النهار معاشا وحركة ونشاطا حيث يقول ربنا تبارك وتعالي:
هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون*( يونس:67).
ويقول: وجعلنا الليل لباسا* وجعلنا النهار معاشا*( النبأ:11,10).
ويقول( عز من قائل):
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون* قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون* ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون*( القصص:71 ـ73).
رابعا: إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل:
يقول ربنا( تبارك وتعالي) في محكم كتابه:
(1) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل...( آل عمران:27).
(2) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير*
( الحج:61).
(3) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلي أجل مسمي وأن الله بما تعملون خبير*( لقمان:29).
(4) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير*( فاطر:13).
(5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور*( الحديد:6).
والولوج لغة هو الدخول, ولما كان من غير المعقول دخول زمن علي زمن اتضح أن المقصود بكل من الليل والنهار ليس الزمن ولكن المكان الذي يتغشاه كل من الليل والنهار, وهو الأرض. وعلي ذلك فمعني قوله تعالي: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أن الله تعالي يدخل الجزء من الأرض الذي يخيم عليه الليل بالتدريج في مكان الجزء الذي يعمه نور النهار, ويدخل الجزء من الأرض الذي يعمه نور النهار في مكان الجزء الذي يخيم عليه الليل وذلك باستمرار, وبطريقة متدرجة, إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وليس هنالك من إشارة أدق من ذلك في التأكيد علي حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس, وهذه الإشارة القرآنية تلمح أيضا إلي كروية الأرض, لأنه لو لم تكن الأرض كروية الشكل, ولو لم تكن الكرة تدور حول محورها أمام الشمس ما أمكن لليل والنهار أن يتعاقبا بطريقة تدريجية ومطردة.
خامسا: سلخ النهار من الليل:
يقول ربنا تبارك وتعالي:
وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون*( يس:37)
والسلخ لغة هو نزع جلد الحيوان عن لحمه, ولما كان من غير المعقول أن يسلخ زمن النهار من زمن الليل, كان المقصود بكل من الليل والنهار هنا هو مكان كل منهما علي الأرض, الذي يتبادل فيه النور والظلام, وليس زمانه, وعلي ذلك فمعني قوله تعالي: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون أن الله تعالي ينزع طبقة النهار من أماكن الأرض التي يتغشاها الليل كما ينزع جلد الحيوان عن لحمه, ولا يكون ذلك إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس, وفي تشبيه إزالة نور النهار من غلاف الأرض بنزع جلد الحيوان عن لحمه تأكيد علي أن نور النهار إنما ينشأ في طبقة رقيقة من الغلاف الغازي للأرض تحيط بكوكبنا( كما يحيط جلد الحيوان بجسده), وأن هذا النور مكتسب أصلا من ضوء الشمس وليس ذاتيا, وأنه ينعكس من سطح الأرض ويتشتت في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي المحيط بها, والذي يصبح ظلاما ببعده عن أشعة الشمس, كما أن الظلام سائد في الفضاء الكوني بصفة عامة لعدم وجود جسيمات كافية فيه لإحداث التشتت لضوء الشمس ولضوء غيرها من النجوم, وهذا الضوء لا يظهر إلا بالانعكاس علي أسطح الكواكب وأسطح غيرها من الأجرام المعتمة أو بالتشتت في أغلفتها الجوية إن كانت بها جسيمات كافية للقيام بهذا التشتت.
سادسا: اختلاف الليل والنهار:
وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي:
(1) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون*( البقرة:164).
ويقول( عز من قائل):
(2) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب*
( آل عمران:190).
ويقول جل وعلا:
(3) إن في اختلاف الليل والنهار وماخلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون*( يونس:6).
ويقول ربنا تبارك وتعالي:
(4) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون*( المؤمنون:80).
ويقول:
(5) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون*
( الجاثية:5).
ويقول عز من قائل:
(6) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا*( الفرقان:62).
وفي تلك الآيات يؤكد القرآن الكريم كروية الأرض, ودورانها حول محورها أمام الشمس بالوصف الدقيق لتعاقب الليل والنهار, كما سبق أن أكد ذلك في آيات سبح كل من الليل والنهار,, ومرور الجبال مر السحاب, والتكوير والإغشاء, والولوج, والسلخ, وهي تصف حركة تولد الليل من النهار, والنهار من الليل, وصفا غاية في البلاغة و الدقة العلمية.
سابعا: تقليب الليل والنهار:
دوران الأرض حول محورها أمام الشمس
كذلك يشير القرآن الكريم إلي ذلك أيضا بقول الحق( تبارك وتعالي):
يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار*
( النور:44).
حركات الأرض في العلوم الحديثة
الأرض هي أحد كواكب المجموعة الشمسية, وتمثل الكوكب الثالث بعدا عن الشمس, وتبعد عنها بمسافة تقدر بحوالي المائة وخمسين مليون كيلومتر. ولما كانت كل أجرام السماء في حركة دائبة, فإن للأرض عدة حركات منتظمة, منها دورتها حول محورها أمام الشمس والتي يتبادل بواسطتها الليل والنهار, وجريها في مدارها حول الشمس بمحور مائل فيتبادل كل من الفصول والأعوام, وحركتها مع الشمس حول مركز للمجرة, ومع المجرة حول مراكز أكبر إلي نهاية لا يعلمها إلا الله.
وقد عرف من حركات الأرض ما يلي:
أولا: حركات الأرض حول محور دورانها:
(1) الحركة المحورية( الدورانية أو المغزلية) للأرض: وفيها تدور الأرض حول محورها الوهمي من الغرب إلي الشرق أمام الشمس بسرعة(1674) كيلومترا في الساعة لتتم دورة كاملة في يوم مقداره حوالي الأربع وعشرين ساعة(23 ساعة,56 دقيقة,4 ثوان) يتقاسمه ليل ونهار بتفاوت في طول كل منهما نظرا لميل محور دوران الأرض بمقدار23.5 درجة عن العمود النازل علي مستوي مدارها, ويعرف هذا اليوم باسم اليوم النجمي, أما اليوم الشمسي فيبلغ مدي زمنه24 ساعة تماما.
(2) الحركة الترنحية للأرض
(Precession):
وهي حركة بطيئة تتمايل فيها الأرض من اليمين إلي اليسار بالنسبة إلي محورها العمودي, وتؤدي هذه الحركة إلي تأرجح( زحزحة) محور دوران الأرض حول نفسها تدريجيا مما يؤدي إلي تغير موقع كل من قطبي الأرض الشمالي والجنوبي, وهما يمثلان نقطتي تقاطع المحور الوهمي لدوران الأرض مع السطح الخارجي لذلك الكوكب, ويتأرجح محور الأرض المائل بقدر يكفي لرسم دائرة كاملة مرة كل حوالي26.000 سنة(25.800 سنة), وبذلك يرسم المحور مخروطين متعاكسين تلتقي قمتاهما في مركز الأرض.
(3) حركة الميسان( النودان أو التذبذب) للأرض
(Nutation):
وهي حركة تجعل من ترنح الأرض حول محورها مسارا متعرجا بسبب جذب كل من القمر والشمس للأرض, ويؤدي ذلك إلي ابتعاد الدائرة الوهمية التي يرسمها محور الأرض في أثناء ترنحها( كنهاية للمخروطين المتقابلين برأسيهما في مركز الأرض) عن كونها دائرة بسيطة إلي دائرة مؤلفة من أقواس متساوية, ويقدر عدد الذبذبات التي ترسمها الأرض في مدارها بهذه الحركة بدءا من مغادرة محورها لنقطة القطب السماوي وحتي عودته إليها بـ1400 ذبذبة( قوس) نصفها إلي يمين الدائرة الوهمية, والنصف الآخر إلي يسارها, ويستغرق رسم القوس الواحد مدة18.6 سنة, أي أن هذه الحركة تتم دورة كاملة في(26.040 سنة) تقريبا.
(4) حركة التباطؤ في سرعة دوران الأرض حول محورها: ويتم هذا التباطؤ بمقدار جزء من الثانية في كل قرن من الزمان, بينما يسرع القمر في دورته المحورية بنفس المعدل, ويؤدي ذلك إلي تغير تدريجي في حالة التوازن بين الأرض والقمر مما يؤدي في النهاية إلي انفلات القمر من عقال جاذبية الأرض, وارتمائه في أحضان الشمس, وصدق الله العظيم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق:
وجمع الشمس والقمر.( القيامة9)
(5) الحركة الانتقالية المدارية للأرض( سبح الأرض): وفيها تجري الأرض في مدار بيضاني( إهليلجي) حول الشمس بسرعة تقدر بحوالي الثلاثين كيلومترا في الثانية(29.76 كم/ث) لتتم دورة كاملة في مدة سنة شمسية( مقدارها365.24 يوم شمسي) يتقاسمها اثنا عشر شهرا قمريا, وأربعة فصول.
(6) حركة استدارة فلك الأرض: وبها يتم تقريب مدار الأرض الإهليلجي حول الشمس إلي مدار أقرب ما يكون إلي شكل الدائرة, وتستغرق هذه الحركة(92.000) سنة لكي تقترب بؤرتا مدار الأرض من بعضهما البعض حتي تتطابقا, ثم تعاودان التباعد من جديد.
(7) حركة جري الأرض مع المجموعة الشمسية في مسار باتجاه كوكبة الجاثي بسرعة تقدر بحوالي عشرين كيلومترا في الثانية.
(8) حركة جري الأرض مع بقية المجموعة الشمسية حول مركز المجرة التي تتبعها( سكة التبانة) في مدار لولبي بسرعة تقدر بحوالي206 كيلومترات في الثانية(741.600 كيلومتر في الساعة) لتتم دورة كاملة في مدة تقدر بحوالي المائتين وخمسين مليون نسمة.
(9) حركة جري الأرض والمجموعة الشمسية والمجرة بسرعة تقدر بحوالي980 كيلومترا في الثانية(3.528.000 كيلومتر في الساعة) لتؤدي إلي ظاهرة اتساع السماء بتباعد مجرتنا عن بقية المجرات في السماء الدنيا. وقد يكون للأرض حركات أخري لم تكتشف بعد.
من هذا الاستعراض يتضح أن حركات الأرض حول محورها, وجريها في مدارها حول الشمس, ومع الشمس في مدارات متعددة هي من حقائق الكون الثابتة, وإشارة القرآن الكريم إليها في أكثر من عشرين آية من آياته في زمن سيادة الاعتقاد بثبات الأرض وسكونها لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, ويؤكد أن الرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض.
-
(32) ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض
وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين....
بقلم : د. زغـلول النجـار
هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم, وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة, شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي.
ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق( سبحانه وتعالي), وبوحدة الرسالة, ووحدة الخلق, والايمان بالآخرة وأهوالها, ومنها هول البعث, وهول الحساب, وهول الميزان, وهول الصراط, وحتمية الجزاء, وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا...!!
وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات. وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله, وتنزيهه وحمده, وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه, وعدل قضائه...!!
وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف, الذي لايرتضي ربنا( تبارك وتعالي) من عباده دينا سواه, لأنه دين الفطرة التي فطر الله( تعالي) الناس عليها, والتي لاتبديل لها, وإن كان أكثر الناس لايعلمون ذلك, وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه, كما تأمرهم بإقام الصلاة, وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله, لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم, وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم, وكل حزب منهم فرح بما لديه...!!!
وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية, والذي لاتستقيم معه الحياة السوية, مثل اللجوء إلي الله تعالي في الشدة, والإعراض عنه في الرخاء, والإيمان به( تعالي) في لحظات الضيق, والشرك أو الكفر به( تعالي) وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة, وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة.
ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة: الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربي, والمساكين وأبناء السبيل, والنهي عن أكل الربا, علي أن ينطلق ذلك كله من الايمان بأن الله( تعالي) هو الخالق, الرزاق, المحيي, المميت, وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم, وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين,ومصائر الظالمين.
وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) ضرورة الاستقامة علي الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله.
ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية: خلق السماوات والأرض, وخلق الأحياء, وخلق الانسان, كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده( سبحانه) بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم, وإعطاء الانسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار, وعلي ابتغاء فضل الله, ومن آياته الرعد والبرق, وإنزال المطر, وإحياء الأرض بعد موتها, وقيام السماوات والأرض بأمره, وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره, وبعث الموتي بأمره, وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده, وله المثل الأعلي في السماوات والأرض.
ومن آياته ارسال الرياح برحمة منه وفضل, وجري الفلك بأمره, وإثارة السحاب, وما يستتبعه من أحداث بأمره, ومرور كل حي بمراحل من الضعف, ثم القوة, ثم الضعف والوفاة, ومن آياته أنه يحيي الموتي وأنه علي كل شيء قدير...!!
وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين, وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين, ونصر للمؤمنين, كما تذكره( صلوات الله وسلامه عليه) بأن ما عليه إلا البلاغ.
وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله, وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب, ومصير أهل الإيمان والتقوي, وتكرر الاشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية, وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل, ولكن الذين كفروا لايؤمنون, فالله( تعالي) قد طبع علي قلوب الذين لايعلمون.
وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بوصية من الله( تعالي) له بالصبر علي استخفاف الكفار والمشركين بدعوته, والاطمئنان بأن وعد الله حق, وهو واقع لا محالة...!!
والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها, ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها, ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير: أدني الأرض, وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه.
أدني الأرض في اللغة العربية
يقال في اللغة:( دنا)( يدنو)( دنوا) بمعني قرب بالذات أو بالحكم, ويستعمل في المكان, والزمان, والمنزلة, كما يعدي فيقال( أدني)( يدني)( ادناءة), ويقال:( دانيت) أو( أدنيت) بين الأمرين أي قاربت بينهما, حتي صارت بينهما( دناوة) أي: قرب أو قرابة.. و(الدني) القريب, و(الدنئ) بمعني الدون, الخسيس, وقد( دنأ)( يدنأ), وفيهما( دناءة), ويقال:( دنؤ) بمعني انحط, و(الدنيئة) هي النقيصة.
قال( تعالي):.... ومن النخل من طلعها قنوان دانية...[ الأنعام:99].
وقال( سبحانه): ثم دنا فتدلي. فكان قاب قوسين أو أدني.[ النجم:9,8].
وفي الحديث الشريف: إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم. ويعبر بـ( الأدني) تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد( أو الأقصي) من مثل قوله( تعالي): إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوي....[ الأنفال:42].
وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض( أو الأحقر) فيقابل بالأعلي( أو الأعز) وذلك من مثل قوله( تعالي):
..... يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين....( الأحزاب:59).
وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر, من مثل قوله( تعالي):.... ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم...[ المجادلة:7] وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير, وذلك من مثل قوله( تعالي):
.... قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير...( البقرة:61)
وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي( الدنيا) في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله( تعالي):
.... منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة....[ آل عمران:152]
وسميت( الدنيا) بهذا الاسم لدنوها, والجمع( الدنا), وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين, والنسبة إليها( دنياي), وقيل( دنيوي) ودني, ويقال:( تدني) فلان أي( دنا) قليلا قليلا, و(تدني) المستوي بمعني هبط, و(تدانوا) أي( دنا) بعضهم من بعض.
شروح المفسرين

في تفسير قوله تعالي: ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم( الروم:1 ـ5).
ذكر بن كثير( يرحمه الله) قول بن عباس( رضي الله عنهما) حيث قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان, وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس, لأنهم كانوا من أهل الكتاب, فذكر ذلك لأبي بكر( رضي الله عنه), فذكره أبو بكر لرسول الله( صلي الله عليه وسلم), فقال رسول الله( صلي الله عليه وسلم):[ أما إنهم سيغلبون], فذكره أبو بكر للمشركين, فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا, فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا, وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا, فجعل أجل خمس سنين, فلم يظهروا, فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله( صلي الله عليه وسلم) فقال:[ ألا جعلتها إلي دون العشر؟], ثم ظهرت الروم بعد, قال فذلك قوله تعالي:[ ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون].
وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق, وابن مسعود, وعكرمة( رضي الله عنهم أجمعين) في المعني نفسه, وزاد قوله:... وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم, ويقال لهم بنو الأصفر, وكانوا علي دين اليونان; واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك, وكانوا يعبدون الكواكب السيارة, وهم الذين أسسوا دمشق وبنوا معبدها, فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح( عليه السلام) بنحو من ثلاثمائة سنة, وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له( قيصر); فكان أول من دخل في دين النصاري من الروم( قسطنطين); وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها... واستمروا علي النصرانية, كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتي كان آخرهم( هرقل)... فناوأه كسري ملك الفرس, وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر, وكانوا مجوسا يعبدون النار, فتقدم عن عكرمة( رضي الله عنه) أنه قال: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه, والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره, وكسره وقصره حتي لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتي ضاقت عليه, ولم يقدر كسري علي فتح البلدة, ولا أمكنه ذلك لحصانتها, لأن نصفها من ناحية البر, ونصفها الآخر من ناحية البحر, فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك, ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع, فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( يرحمهما الله) كلاما موجزا في المعني نفسه, وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني( في أدني الأرض) أن المقصود به:[ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة, التقي فيها الجيشان, والبادي بالغزو( هم) الفرس...].
وجاء في الظلال( رحم الله كاتبها رحمة واسعة) ما نصه:
ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين.... وأضاف رواية عبدالله بن مسعود( رضي الله عنه) مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة, تتفق كلها في المعني والدلالة, وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير.
وجمع الكاتب( رحمه الله) من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها: الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان; ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر( رضي الله عنه) في غير تلعثم ولا تردد, والمشركون يعجبون من قول صاحبه, فما يزيد علي أن يقول: صدق, ويراهنونه فيراهن وهو واثق, ثم يتحقق وعد الله, في الأجل الذي حدده: في بضع سنين...
والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله, في هذا الحادث وفي سواه, وتقرير هذه الحقيقة الكلية, لتكون ميزان الموقف, وميزان كل موقف, فالنصر والهزيمة, وظهور الدول ودثورها, وقوتها وضعفها, شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال, مرده كله إلي الله...
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه: احتربت الفرس والروم فيما بين أذرعات وبصري من أرض الروم يومئذ, وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلي مكة, وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين, وقيل بست. فظهر الفرس علي الروم, فلما بلغ الخبر مكة شق علي المؤمنين, لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب, والروم أهل كتاب; وفرح المشركون وقالوا: أنتم والنصاري أهل كتاب, ونحن والفرس أميون, وقد ظهر إخواننا علي إخوانكم, ولنظهرن نحن عليكم, فنزلت الآية وفيها: أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين. والبضع: ما بين الثلاث إلي التسع و(غلبهم) كونهم مغلوبين.
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه: غلبت فارس الروم في أقرب الأرض من العرب, وهي أطراف الشام, وهم بعد انهزامهم سيغلبون الفرس, قبل أن تمضي تسع سنوات.. وكان المشركون قد فرحوا بانتصار فارس, وقالوا للمسلمين: سنغلبكم كما غلبت فارس الروم التي هي من أهل الكتاب.. وقد حقق الله وعده فانتصر الروم علي فارس في الأجل الذي سماه, فكان ذلك آية بينة علي صدق محمد( صلي الله عليه وسلم) في دعواه وصحة ما جاء به....
وجاء في الهامش التعليق التالي: في هذه الآيات الشريفة إشارة إلي حدثين: كان أولهما قد وقع بالفعل, وأما الثاني فلم يكن قد وقع بعد, وهو إخبار عن الغيب,( وحدد لوقوعه بضع سنين فيما بين الثلاث والتسع).
وتفصيل الحدث الأول أن الفرس والبيزنطيين قد اشتبكوا في معركة في بلاد الشام علي أيام خسرو أبرويز أو خسرو الثاني عاهل الفرس المعروف عند العرب بكسري. وهيراكليوس الصغير الإمبراطور الروماني المعروف عند العرب بهرقل; ففي عام614 م استولي الفرس علي أنطاكية أكبر المدن في الأقاليم الشرقية للإمبراطورية الرومانية, ثم علي دمشق, وحاصروا مدينة بيت المقدس إلي أن سقطت في أيديهم وأحرقوها ونهبوا السكان وأخذوا يذبحونهم....
وتفصيل الحدث الثاني أن هرقل قيصر الروم الذي مني جيشه بالهزيمة لم يفقد الأمل في النصر, ولهذا أخذ يعد نفسه لمعركة تمحو عار الهزيمة, حتي إذا كان عام622 الميلادي( أي العام الهجري الأول) أرغم الفرس علي خوض معركة علي أرض أرمينيا وكان النصر حليف الروم, وهذا النصر كان فاتحة انتصارات الروم علي الفرس... فتحققت بشري القرآن....
وثمة حدث ثالث يفهم من سياق هذه الآيات الشريفة كان مبعث فرح المسلمين وهو انتصارهم علي مشركي قريش في غزوة بدر التي وقعت في يوم الجمعة17 رمضان من العام الثاني الهجري( أي سنة624 م).
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه:...( غلبت الروم في أدني الأرض) أي هزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلي فارس( وهم من بعد غلبهم سيغلبون) أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس, وينتصرون عليهم( في بضع سنين) أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام; والبضع ما بين الثلاث والتسع....
وأشار صاحب صفوة التفاسير( جزاه الله خيرا) إلي أقوال المفسرين السابقين وعلق علي قوله( تعالي):[ وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين] ما نصه: وقد التقي الجيشان في السنة السابعة من الحرب, وغلبت الروم فارس وهزمتهم, وفرح المسلمون بذلك; قال أبو السعود: وهذه الآيات من البينات الباهرة, الشاهدة بصحة النبوة, وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير, ووقع كما أخبر, وقال البيضاوي: والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب....
وأضاف صاحب صفوة التفاسير في شرح قول الحق( تبارك وتعالي):[ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله] ما نصه: وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر; قال ابن عباس: كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان, وعبدة النيران....
ويوم بدر وقع في السنة الثانية من الهجرة( الموافق سنة624 م), وعلي ذلك فإن هزيمة الروم علي أيدي الفرس لابد وأنها كانت قد وقعت في حدود سنة614 م إلي615 م.
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام( علي واضعه رحمة الله) ما نصه:... وعندما تولي هرقل عرش الروم سنة610 م( وهي سنة البعثة المحمدية) كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة613 م عند أنطاكية, واستولوا علي فلسطين والقدس سنة614 م, وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة618 م أو619 م, وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة622 م, وفي سنة627 م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوي, واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر, وفي سنة630 م استعاد بيت المقدس.
ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية علي أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة614 م إلي615 م, وأن استعادتهم النصر علي الفرس كانت في حدود سنة624 م, واستمر تقدم الروم علي أرض الفرس حتي تم لهم استعادة بيت المقدس.
وواضح من شروح المفسرين أن المقصود بالتعبير القرآني في أدني الأرض الذي يصف أرض المعركة التي تمت فيها هزيمة الروم أمام جحافل جيش الفرس هو أقرب الأرض إلي مكة المكرمة أو إلي الجزيرة العربية أو إلي أرض الفرس.. ولكن الدراسات الحديثة تؤكد أن منطقة حوض البحرالميت, بالاضافة إلي كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلي الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا, حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلي حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوي سطح البحر, وان هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين امبراطوريتي الفرس والروم, وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس علي جيوش امبراطورية روما الشرقية( الامبراطورية البيزنطية) لابد أنها وقعت في حوض البحرالميت, وان الوصف بـ أدني الأرض هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية, يعني ايضا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا, وهذه الاشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله, لأن أحدا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم, ولا لقرون متطاولة من بعده.
أدني الأرض في العلوم الحديثة
ثبت علميا بقياسات عديدة ان أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحرالميت, ويقع البحرالميت في أكثر أجزاء الغورانخفاضا, حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر, ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر, وهو بحيرة داخلية بمعني ان قاعها يعتبر في الحقيقةجزءا من اليابسة.
وغور البحرالميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا, فالحدود الجنوبية لتركيا, مرورا بالبحرالأحمر, وخليج العقبة, ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي, وبحر العرب وخليج عدن, ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن حوالي الستمائة كيلومتر, ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال, ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا.
ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحرالميت إلي402 مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين: الأحمر والأبيض المتوسط, وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية:
منسوب سطح الأرض في وادي عربة=355 ـ400 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب أعمق نقاط قاع البحرالميت=794 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الماء في البحرالميت=402 تحت مستوي سطح البحر.
مستوي سطح الأرض في غور الأردن=212 ـ400 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا=209 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب قاع بحيرة طبريا=252 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصرالغربية=133 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت/ كاليفورنيا=86 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم/مصر=45 م تحت مستوي سطح البحر.
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحرالميت بين الستة والعشرة أمتار, وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف, ويعتقد انه كان جافا الي عهد غير بعيد من تاريخه, وكان عامرا بالسكان, وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحرالميت في الكتابات التاريخية القديمة, ووصف بأسماء عديدة من مثل بحرسدوم بحيرة لوط بحيرة زغر, البحر النتن, بحر عربة, بحر الأسفلت والبحرالميت, وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها, ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم, واندفعت اليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط( عليه السلام) الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحرالميت هي: سدوم, وعمورة, وأدمة, وصوبييم, وزغر, وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق( تبارك وتعالي):
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود
(هود:82)
والأرض في حوض البحرالميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة, وبتفجر كل من العيون المائية, والأبخرة الكبريتية الحارة فيها, وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحرالميت إلي عهد غير بعيد.
وقري قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحرالميت, والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا( تبارك وتعالي) لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي25 مليون سنة مضت, ولكن بعد تدميرها بالعقاب الالهي دخلت المنطقة برحمة من الله( تعالي) في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط, وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحرالميت, والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة.
وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق, والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة, وكانت هذه الامبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الامبراطورية الفارسية الساسانية, وكان الصراع بين هاتين الامبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده, ولابد ان كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار, وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق, ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم ـ في أول الأمر بـ أدني الأرض ـ وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي, ولا لقرون متطاولة من بعده, وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر الي الاعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الاعجاز العلمي فبالاضافة إلي ما جاء بتلك الايات من اعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب, وحدد لوقوعه بضع سنين, فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة, فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا, يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض.
وكما كانت هذه الايات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق, فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد علي ان المعركة الفاصلة قد تمت في اخفض اجزاء اليابسة علي الاطلاق, وهي أغوار البحرالميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية, أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصري من أرض الشام, أو علي أرض أنطاكية, أو علي أرض دمشق, أو أرض بيت المقدس, أو أرض مصر( الاسكندرية) ان يعيدوا النظر في استنتاجاتهم, لأن القرآن الكريم يقرر ان هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن التي أثبت العلم انها أكثر اجزاء اليابسة انخفاضا, والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدني الارض انطباقا تاما ودقيقا.
وعلي الذين قالوا ان معني أدني الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس, أو من بلاد العرب, أو هي أطراف بلاد الشام, أو بلاد الشام, أو انطاكية, أو دمشق, أوبيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك, لأن حدود الامبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري, وعليه فلايعقل ان يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب, فقط, وان كانت ارض الاغوار هي اقرب الأرض الي بلاد العرب, بل هي في الحقيقة جزء من ارض شبه الجزيرة العربية. فسبحان الذي انزل هذا التعبير المعجز أدني الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا ان الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدني الأرض, وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم, وذلك لقول الحق( عز من قائل):
ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.( الروم:1 ـ5).
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات