

-
20
وفي السماء رزقكم وما توعدون
يستهل ربنا( تبارك وتعالي) سوره الذاريات بقسم عظيم باربع من ايات الله في الكون والله تعالي غني عن القسم لعباده بان وعده لصادق, وان الدين الاسلامي الذي انزله علي فتره من الرسل, والذي اتمه واكمله في بعثه خاتم انبيائه ورسله صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم اجمعين لحق واقع....!!!
ثم يكرر ربنا( سبحانه وتعالي) القسم بالسماء ذات الحبك علي ان الناس مختلفون في امر يوم الدين بين مكذب ومصدق, وتستعرض الايات حال كل من المجموعتين في هذا اليوم العصيب, ثم تعود الي الاستدلال بايات الله في كل من الارض والانفس والافاق ومنها قول الحق( تبارك وتعالي):
وفي السماء رزقكم وما توعدون
ثم ياتي القسم الحاسم الجازم برب السماء والارض ان هذا كله حق, كما ينطق المنكرون في هذه الحياه الدنيا, وهم يدركون حقيقه ما ينطقون, فلا يجوز لهم ان يشكوا فيه او ان ينكروه كما لا يشكون في نطقهم الذي ينطقون...!!
وبعد ذلك تتحرك بنا السوره الي عرض شيء من الوقائع التاريخيه من قبيل ضرب المثل, واستخلاص العبر, والدعوه الي اخلاص العباده لله وحده( بغير شريك ولا شبيه ولامنازع), وذلك من مثل قصص سيدنا ابراهيم( عليه السلام) مع ضيفه وقومه, وسيدنا لوط( عليه السلام) وما حاق بقومه من عذاب, وسيدنا موسي( عليه السلام) وفرعونه الذي اغرقه الله( تعالي) وجنده في اليم, وقوم عاد وطمرهم بالرمال السافيه, وقوم ثمود الذن دمروا بالصاعقه, وقوم نوح( عليه السلام) الذين اغرقوا بالطوفان لفسقهم...!!
وتعاود السوره الكريمه القسم بالسماء وتوسيع الله المستمر لها, وبالارض وفرشها وتمهيدها, وخلق كل شيء من زوجين تاكيدا لوحدانيه الله( تعالي) المطلقه فوق جميع خلقه..!!!
ثم تعرج بنا السوره الي حقيقه ان كل رسول جاء بالحق من رب العالمين قد اتهمه الكفار من قومه بالسحر او بالجنون ظلما وطغيانا من عند انفسهم, وفي ذلك مواساه من رب العباد الذي يطالب خاتم انبيائه ورسله بالاستمرار في التذكير بالله, والدعوه الي دينه الحق علي الرغم من كل ذلك, لعل الذكري تنفع المومنين.
والهدف من هذا الاستعراض المكثف لايات الله في الكون, والاستعراض الخاطف لقصص عدد من الامم البائده هو وصل العباد بخالقهم, وربط قلوبهم بعوالم الغيب, كما يصفها خالق الكون ومبدع الوجود لا كما تتصورها اوهام الغافلين الضالين من الكفار والمشركين.
والذي يرتبط قلبه بخالقه, ويومن بالغيب, كما انزله في محكم كتابه, وسنه نبيه, تخطي الدنيا الي الاخره, دون ان يهمل واجباته في الحياه, ودون ان تشغله التكاليف الماديه لهذه الحياه عن اخلاص العباده لله, وفي مقدمه تلك التكاليف الجري علي المعايش لكسب الرزق الحلال, والذي قد يتخيل البعض انه يمكن ان يشغل الانسان عن رسالته الحقيقيه في هذه الحياه والتي تتلخص في:
عباده الله( تعالي) بما امر, وحسن القيام بواجب الاستخلاف في الارض, وهما وجهان لعمله واحده تمثل رساله كل من الجن والانس في هذه الحياه, والتي لخصها ربنا( تبارك وتعالي) في السوره نفسها بقوله( عز من قائل): وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون* ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون* ان الله هو الرزاق ذو القوه المتين*.
(الذاريات:56 58).
هذا وقد تباينت اراء المفسرين في قول الحق( تبارك وتعالي)
وفي السماء رزقكم وما توعدون*.
بين قائل بالمطر, وقائل بالقرار الالهي في تقسيم الرزق وتوزيعه بين العباد, وقائل بالثواب والعقاب او بالجنه والنار, او بها جميعا ولكن الدراسات الكونيه الحديثه قد اضافت بعدا جديدا, فاكدت ان جميع ما يحتاجه الانسان والحيوان والنبات من الماء, ومن مختلف صور الماده والطاقه انما ينزل الي الارض من السماء بتقدير من الرزاق الحكيم العليم الذي ينزله بقدر معلوم لقوله( عز من قائل):
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن: ينزل بقدر ما يشاء انه بعباده خبير بصير*( الشوري:27)
ولقوله( سبحانه)!
وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم*.( الحجر:21)
رزق السماء في اللغه العربيه
(الرزق) في اللغه العربيه هو ما ينتفع به من النعم, والجمع( ارزاق), و(الرزق) ايضا هو العطاء الجاري دنيويا كان ام اخرويا, وهو كذلك النصيب المقسوم للانسان فيصل الي يده سواء كان مما يصل الي الجوف ويتغذي به,او يكتسي ويتزين به, او يتجمل به من مثل الخلق الحسن والعلم النافع يقال:( رزقه) الله( يرزقه)( رزقا) بكسر الراء,( والمصدر الحقيقي فتح الراء), والاسم يوضع موضع المصدر, و(ارتزق) بمعني اخذ( رزقه), و(الرزقه) ما يعطي دفعه واحده, وقد تاتي لفظه( الرزق) بمعني( شكر الرزق) من مثل قوله( تعالي):
وتجعلون رزقكم انكم تكذبون( الواقعه:82) اي تجعلون نصيبكم من النعمه او شكركم عليها انكم تكذبون رسالات ربكم.
ويقال رجل( مرزوق) اي مجدود( محظوظ), وقد يعتبر كل من المال والولد والجاه والعلم من( الرزق), كما قد يسمي المطر( رزقا), ويمكن ان يحمل( الرزق) علي العموم فيما يوكل ويلبس ويستعمل, وكل ما يخرج من الارض او ينزل من السماء, و(الرازق) هو الله تعالي خالق( الرزق) ومعطيه, ومسببه, وموزعه بالقسط, وان كانت هذه الصفه يمكن ان تستخدم للبشر, اما( الرزاق) فهو اسم من اسماء الله الحسني وصفه من صفاته العليا لا يوصف بها غيره( سبحانه وتعالي).
وعن( السماء) فهي اسم مشتق من( السمو) بمعني الارتفاع والعلو, تقول:( سما),( يسمو)( سموا) فهو( سام) بمعني علا, يعلو علوا, فهو عال, اي مرتفع, وذلك لان السين والميم والواو اصل يدل علي الارتفاع والعلو, يقال:( سموت) و(سميت) بمعني علوت وعليت للتنويه بالرفعه والعلو, وعلي ذلك فان سماء كل شيء اعلاه, ولذلك قيل لسقف البيت سماء لارتفاعه, وقيل للسحاب سماء لعلوه, واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السماء, وللعشب لارتباط منبته بنزول ماء السماء, ومن هنا قيل:( كل ما علاك فاظلك فهو سماء).
ولفظه( السماء) في العربيه تذكر وتونث( وان كان تذكيرها يعتبر شاذا), وجمعها( سماوات), وهناك صيغ اخري لجمعها ولكنها غريبه.
رزق السماء في القران الكريم
ورد الفعل( رزق) بمشتقاته في كتاب الله مائه وثلاثا وعشرين(123) مره, تنسب الرزق الي الله تعالي, وان كان بعضها يشير الي امكانيه ان يرزق الانسان غيره من البشر او يتصدق علي الحيوان, ومنها ما يشير الي الرزق بمعني ما يطعم وما يشرب, او بمعني المال, او العلم, او الجاه والسلطان, او الاولاد والبنات والزوجات الصالحات. او ما تنتجه الارض من ثمار, او ما يرزق الله من بهيمه الانعام, او من المطراو من غير ذلك من الثروات الارضيه منها والسماويه, او من الارزاق الاخرويه من مثل رزق الشهداء عند ربهم, ورزق اهل الجنه في الجنه, وفي ذلك يقول ربنا( تبارك وتعالي):
ويعيدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والارض شيئا ولا يستطيعون*
( النحل:73)
اي ويعبدون من دون الله من هم ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه لا من السماء ولا من الارض لانهم لا يستطيعون ذلك ابدا.
وفي عطاء كل من الشهداء وغيرهم من اهل الجنه يقول الحق( تبارك وتعالي):
ولا تحسين الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون*
(ال عمران:169)
اي يفيض الله( تعالي) عليهم من نعمه الاخرويه, وذلك من مثل قوله( تعالي):
.... ولهم رزقهم فيها بكره وعشيا*( مريم:62) وتوكد الايات القرانيه العديده ان( الرازق) هو الله( تعالي) لانه خالق الرزق, ومسببه, ومعطيه, وموزعه بعلمه وحكمته, وقد يستخدم الوصف مجازا للانسان الذي يكون سببا في وصول الرزق الي يد غيره, اما( الرزاق) فهو من اسماء الله الحسني, ووصف لا يليق الا بجلال الله( تعالي), ولا يجوز ان يقال لغيره( سبحانه وتعالي), وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي): ان الله هو الرزاق ذو القوه المتين*
(الذاريات:58)
ويقول( عز من قائل):
.... ولله خزائن السماوات والارض...*( المنافقون:7)
ويقول( سبحانه):
قل من يرزقكم من السماء والارض....*
(يونس:31)
ويعتب ربنا( تبارك وتعالي) علي الذين ينعمون في رزقه ويكفرونه او يشركون به غيره فيقول( عز من قائل):
ام عندهم خزائن ربك ام هم المصيطرون*( الطور:37)
اما عن لفظه( السماء) فقد وردت في القران الكريم في ثلاثمائه وعشره مواضع, منها مائه وعشرون بالافراد( السماء), ومائه وتسعون بالجمع( السماوات).
والسماء ترد في القران الكريم بمعني الغلاف الغازي للارض بسحبه ورياحه وكسفه, كما ترد بمعني السماء الدنيا التي قد زينها ربنا( تبارك وتعالي) بزينه الكواكب والنجوم والبروج, كما ترد بمعني السماوات السبع.
كذلك جاءت الاشاره القرانيه الي السماوات والارض وما بينهما في عشرين موضعا من كتاب الله, ويبدو ان المقصود بذلك هو ايضا الغلاف الغازي للارض بصفه عامه, والجزء الاسفل منه بصفه خاصه وذلك لقول الحق( تبارك وتعالي):
... والسحاب المسخر بين السماء والارض.....*
(البقره:164)
والسحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي يحوي اغلب ماده الغلاف الغازي(75% بالكتله), والقران الكريم يشير في اكثر من موقع الي انزال الماء من السماء, وواضح الامر ان المقصود بالسماء هنا هو السحاب او النطاق المحتوي علي السحاب, والمعروف علميا بنطاق التغيرات الجويه, والذي يقول فيه ربنا( تبارك وتعالي):
(1) الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون*( البقره:22)
(2)...... وما انزل الله من السماء من ماء فاحيا به الارض بعد موتها, وبث فيها من كل دابه وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون*( البقره:164)
(3) وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شيء..*( الانعام:99)
(4)... وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به....*( الانفال:11)
(5) انما مثل الحياه الدنيا كماء انزلناه من السماء...*( يونس:24)
(6) وقيل يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي...*( هود:44)
(7)... يرسل السماء عليكم مدرارا...*
( هود:52)
والايات القرانيه بهذا المعني اكثر من ان تحصي في هذا المقام, وكذلك الايات التي تشير الي السماء الدنيا وزينتها, وتلك التي تلمح الي السماوات العلا.
اراء المفسرين
في تفسير قول الحق( تبارك وتعالي):
وفي السماء رزقكم وما توعدون*
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: وفي السماء رزقكم, يعني المطر,( وما توعدون) يعني الجنه, قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد.
وذكر صاحبا الجلالين( يرحمهما الله):( وفي السماء رزقكم) اي المطر المسبب عنه النبات الذي هو رزق,( وما توعدون) من الماء والثواب والعقاب اي: مكتوب ذلك في السماء).
وذكر صاحب الظلال( يرحمه الله) ما نصه:.. وهي لفته عجيبه, فمع ان اسباب الرزق الظاهره قائمه في الارض, حيث يكد فيها الانسان ويجهد, وينتظر من ورائها الرزق والنصيب, فان القران يرد بصر الانسان ونفسه الي السماء, الي الغيب, الي الله, ليتطلع هناك الي الرزق المقسوم والحظ المرسوم, اما الارض وما فيها من اسباب الرزق الظاهره, فهي ايات للموقنين, ايات ترد القلب الي الله ليتطلع الي الرزق من فضله, وتتخلص من اثقال الارض واوهام الحرص, والاسباب الظاهره للرزق, فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع الي المصدر الاول الذي انشا هذه الاسباب.
والقلب المومن يدرك هذه اللفته علي حقيقتها, ويفهمها علي وضعها, ويعرف ان المقصود بها ليس هو اهمال الارض واسبابها, فهو مكلف بالخلافه فيها وتعميرها, انما المقصود هو الا يعلق نفسه بها, والا يغفل عن الله في عمارتها, ليعمل في الارض وهو يتطلع الي السماء, ولياخذ بالاسباب, وهو يستيقن انها ليست هي التي ترزقه, فرزقه مقدر في السماء, وما وعده الله لابد ان يكون.
بذلك ينطلق قلبه من اسار الاسباب الظاهره في الارض, بل يرف باجنحه من هذه الاسباب الي ملكوت السماوات, حين يري في الاسباب ايات تدله علي خالق الاسباب, ويعيش موصولا قلبه بالسماء, وقدماه ثابتتان علي الارض, فهكذا يريد الله لهذا الانسان, هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين, ونفخ فيه من روحه فاذا هو مفضل علي كثير من العالمين.
والايمان هو الوسيله لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الانسان في افضل حالاته, لانه يكون حينئذ في الحاله التي انشاه الله لها: فطره الله التي فطر الناس عليها, قبل ان يتناولها الفساد والانحراف.
وبعد هذه اللمسات الثلاث في الارض والنفس والسماء, يقسم الله سبحانه بذاته العليه علي صدق هذا الحديث كله:( فورب السماء والارض انه لحق مثل ما انكم تنطقون.
وذكر مخلوف( يرحمه الله):( وفي السماء رزقكم) اي سبب رزقكم وهو المطر, والسماء: السحاب,( وما توعدون) اي وفي السماء مكتوب ما توعدون به من الثواب والعقاب, والبعث والخير والشر.
وذكر الصابوني( امد الله في عمره): اي وفي السماء اسباب رزقكم ومعاشكم, وهو المطر الذي به حياه البلاد والعباد, وما توعدون به من الثواب والعقاب مكتوب كذلك في السماء; قال الصاوي: والايه قصد بها الامتنان والوعد والوعيد.
وذكر اصحاب المنتخب في تفسير القران الكريم( اثابهم الله):
وفي السماء امر رزقكم وتقدير ما توعدون.
رزق السماء في العلوم الكونيه
من منظور العلوم الكونيه يمكن فهم دلالات التعبير القراني وفي السماء رزقكم وما توعدون.
في الاطر التاليه:
اولا: في اطار فهم السماء بنطاق التغيرات الجويه:
فان رزق السماء يفهم علي انه المطر الذي نرتوي به ونروي زروعنا منه, وهو غاز الاوكسجين الذي نتنفسه نحن وجميع الحيوانات, وثاني اكسيد الكربون الذي تتنفسه النباتات وغير ذلك من الغازات النافعه وهنا ينحصر مفهوم السماء بالنطاق الاسفل من نطق الغلاف الغازي للارض والمعروف باسم نطاق التغيرات الجويه
(Thetroposphere),
ويمتد من سطح البحر الي ارتفاع16 كيلو مترا فوق خط الاستواء, ويتناقص سمكه الي نحو الكيلو مترات العشره فوق قطبي الارض, والي اقل من ذلك(7 8 كيلو مترات) فوق خطوط العرض الوسطي, وعندما يتحرك الهواء من فوق خط الاستواء في اتجاه القطبين فانه يهبط فوق هذا المنحني الوسطي, فتزداد سرعته, ويتحرك في اتجاه الشرق بسرعه فائقه تعرف باسم التيار النفاث
(TheJetstream)
وذلك بتاثير دوران الارض حول محورها من الغرب الي الشرق.
وتنخفض درجه الحراره في هذا النطاق مع الارتفاع باستمرار حتي تصل الي ستين درجه مئويه تحت الصفر في قمته, وذلك نظرا للابتعاد عن سطح الارض الذي يمتص47% من اشعه الشمس فترتفع درجه حرارته ويعيد اشعاع تلك الحراره علي هيئه اشعه تحت حمراء الي الغلاف الغازي للارض بمجرد غياب الشمس, ومن هنا تنخفض درجه حراره نطاق الطقس مع الارتفاع للبعد عن مصدر الدفء بالنسبه له الا وهو سطح الارض.
ولولا هذا الانخفاض في درجات حراره نطاق الطقس لفقدت الارض مياهها بمجرد اندفاع ابخره تلك المياه من فوهات البراكين في مرحله دحو الارض, ولاستحالت الحياه علي سطحها..!!
ويغطي الماء اكثر قليلا من71% من المساحه الكليه للكره الارضيه, وتقدر كميته بنحو1,36 مليار كيلو متر مكعب( منها97,2% في المحيطات والبحار,2,15% علي هيئه جليد فوق القطبين وحولهما وفوق قمم الجبال,0,65% في المجاري المائيه المختلفه من الانهار, والجداول وغيرها, وفي كل من البحيرات العذبه وخزانات المياه تحت سطح الارض).
وهذا الماء اخرجه ربنا( تبارك وتعالي) اصلا من داخل الارض ولايزال يخرجه لنا عبر فوهات البراكين, علي هيئه بخار الماء الذي تكثف ولايزال يتكثف في الاجزاء العليا من نطاق التغيرات الجويه, والتي تتميز ببرودتها الشديده, فعاد الي الارض, ولا يزال يعاود دورته بين الارض والسماء ليجري انهارا متدفقه, تفيض الي منخفضات الارض فتشكلها بحارا ومحيطات, وبحيرات ومستنقعات, وظلت دوره المياه بين الارض والسماء ايه من ايات الله في ابداع الخلق حفظت ماء الارض من التعفن, ومن الضياع الي طبقات الجو العليا, وعملت علي تفتيت الصخور, وتسويه سطح الارض وتمهيده, وتكوين مختلف انواع التربه, وتركيز العديد من المعادن والصخور الاقتصاديه, وخزن المياه تحت السطحيه, وكانت من اسس ازدهار الحياه علي الارض باذن الله.
فماء الارض يتبخر منه سنويا380,000 كيلو متر مكعب, ينتج اغلبها(320,000 كيلو متر مكعب) من بخر اسطح البحار والمحيطات, والباقي(60,000 كيلو متر مكعب) من سطح اليابسه, وهذا البخار تدفعه الرياح الي الطبقه الدنيا من الغلاف الغازي للارض حيث يتكثف في السحب ويعود الي الارض مطرا طهورا, او ثلجا, او بردا, وبدرجه اقل علي هيئه ندي او ضباب في الاجزاء القريبه من سطح الارض.
وتجري مياه الامطار علي الارض في مختلف مجاري المياه لتصب في البحار والمحيطات, كما يترشح جزء منها خلال طبقات الارض المنفذه ليكون المياه تحت السطحيه ذات الحركات الدائبه حيث تشارك في تغذيه بعض الانهار والبحيرات والمستنقعات, وقد تخرج علي سطح الارض علي هيئه ينابيع, او ينتهي بها المطاف الي البحار والمحيطات.
وماء المطر يسقط علي البحار والمحيطات بمعدل سنوي يقدر بنحو284,000 كيلو متر مكعب وعلي اليابسه بمعدل سنوي يقدر بنحو96,000 كيلو متر مكعب, والرقم الاخير يزيد بمعدل36,000 كيلو متر مكعب عن معدل البخر من اليابسه, وهو الفرق نفسه بين معدل البخر من اسطح البحار والمحيطات, ومعدل سقوط الامطار عليها, وتتم دوره المياه حول الارض بصوره معجزه في كمالها ودقتها, لانه لولاها لفسد كل ماء الارض او تعرض للضياع وترك كوكبنا الارضي قاحلا, اجرد بلا حياه, تحرقه حراره الشمس بالنهار, وتجمده بروده الليل كلما غابت الشمس.
والماء ضروره من ضرورات الحياه الارضيه, فبدونه لا يمكن لانسان, ولا لحيوان, ولا لنبات ان يعيش, فجنين الانسان يحتوي علي97% من وزنه ماء, وتقل هذه النسبه الي91% في جسد الطفل الوليد, ثم الي66% في جسد الفرد البالغ, وتختلف نسبه الماء في كل عضو من اعضاء جسد الانسان باختلاف وظيفته, فهي في الرئتين90%, وفي الدم82%, وفي خلايا الدماغ70%; والانسان يمكنه العيش اسابيع عديده بدون طعام, ولكنه لا يستطيع العيش بدون ماء الا لفتره محدوده جدا لا تتجاوز بضعه ايام.....!!
وذلك لان الماء يعين الانسان علي القيام بجميع العمليات الحياتيه في جسمه من مثل عمليات الهضم, والتخلص من الفضلات والتنفس وتجديد الدم,ويعين الحيوان في كل ذلك, كما يعين النبات علي الاستفاده بمركبات الارض بامتصاصها من التربه والقيام بعمليه التمثيل الضوئي, والنتح والتنفس.
والماء هو المركب الوحيد المعروف لنا في الجزء المدرك من الكون, والذي يوجد في حالاته الثلاث: الصلبه, والسائله والغازيه, وللماء قدره فائقه علي اذابه العديد من العناصر والمركبات مما جعل منه لازمه من لوازم الحياه, كما له العديد من الخصائص الفزيائيه والكيميائيه المميزه من مثل قطبيته( الناتجه من ان ذره الاوكسجين فيه تحمل شحنه سالبه بينما تحمل ذرتا الايدروجين شحنه موجبه) وقدرته الفائقه علي الالتحام والتماسك والتلاصق تجعله اشد السوائل تلاصقا, واشدها قدره علي التوتر السطحي بعد الزئبق, وتبدو قدره الماء الفائقه علي التوتر السطحي في ميله الي التكور علي هيئه قطرات بدلا من الانتشار افقيا علي السطح الذي يسكب عليه, كما تبدو في قدره الماء الفائقه علي تسلق جدران الوعاء الذي يوضع فيه خاصه اذا كان قطر الوعاء صغيرا, وتعرف هذه الخاصيه باسم الخاصيه الشعريه, وبواسطتها تتحرك السوائل من مثل العصارات الغذائيه وما بها من عناصر ومركبات مذابه في الماء من جذور النباتات الي فروعه واوراقه وزهوره وثماره, والي قمته الناميه, كما تتحرك الدماء والعصارات الغذائيه المختلفه والفضلات في كل من الجهاز الهضمي والاوعيه الدمويه الدقيقه في اجساد كل من الانسان والحيوان.
وخواص الماء الحراريه خواص متميزه, فالحراره النوعيه للماء تقدر بعشره اضعاف الحراره النوعيه للحديد, وبخمسه اضعاف الحراره النوعيه لرمال الشواطئ, وكذلك فان معامل الحراره الكامنه لكل من تبخر الماء السائل وانصهار الجليد الصلب مرتفعين ارتفاعا ملحوظا مما يعطي للماء مجالا واسعا في جميع العمليات الحياتيه.
وللماء منحني كثافه فريد لا يشاركه فيه اي من السوائل الاخري فعندما تصل درجه حراره الماء الي اربع درجات مئويه يصل الي اقل حجم له واعلي كثافه, ولكن اذا انخفضت درجه الحراره دون ذلك فان حجم الماء يتمدد وتقل كثافته, وهذا يفسر طفو الجليد علي سطح الماء في البحار والمحيطات, وعدم تجمد الماء اسفل منه مما يتيح فرصه عدم التجمد للكائنات البحريه العديده التي تعيش في اعماق البحار, فالماء هذا السائل العجيب هو من اعظم صور رزق السماء لان بدونه لا يمكن للحياه الارضيه ان تكون...!!
وكذلك الهواء بما فيه من اوكسجين وثاني اكسيد الكربون وبخار الماء, وغير ذلك من الغازات المهمه وهباءات الغبار وكلها من ضرورات جعل الحياه علي الارض ممكنه وممتعه.
ثانيا: في اطار تفسير السماء بالسماء الدنيا:
فان رزق السماء هو كل صور الماده والطاقه المتولده في داخل النجوم, من مثل شمسنا والتي تصل الي الارض بصور متعدده:
فمن الثابت علميا ان النجوم قد تكونت ابتداء من الدخان الكوني الذي نشا عن انفجار الجرم الابتدائي للكون, مما يوكد علي وحده البناء في الكون, وانها لا تزال تتكون امام انظار الفلكيين اليوم من دخان السدم, وفي داخل تلك الغيوم الكونيه عبر مراحل من النجوم الابتدائيه
(Prosrars)
وذلك بواسطه عدد من الدوامات العاتيه التي تعرف باسم دوامات تركيز الماده, والتي تقوم بتكديس الماده وتكثيفها حتي تتجمع الظروف اللازمه لبدء عمليه الاندماج النووي, وانطلاق الطاقه, وانبثاق الضوء فيتحول النجم الابتدائي الي نجم عادي كشمسنا يعرف باسم( نجم التسلسل الرئيسي) واغلب النجوم التي تتراءي لنا في صفحه السماء هي من هذا النوع لان النجم يقضي90% من عمره في هذه المرحله التي يعتبر فيها النجم فرنا كونيا تتخلق فيه العناصر من نوي ذرات الايدروجين بعمليه الاندماج النووي, وتتميز فتره( نجم النسق الرئيسي) بتعادل قوه الجذب الي مركز النجم مع قوه دفع مكونات النجم الي الخارج لتمدده بالحراره الناتجه عن عمليه الاندماج النووي, وبالعزم الزاوي الناتج عن دوراته حول محوره, ويبقي النجم في هذا الطور حتي ينفد وقوده من غازي الايدروجين والهليوم, ف
يبدا بالدخول في مراحل الشيخوخه بالانكدار ثم الخنوس والطمس حتي تنتهي حياه النجم بالانفجار وعوده مادته الي دخان السماء اما مباشره عن طريق انفجار العماليق الحمر او العماليق العظام او المستعرات العظيمه بمختلف نماذجها, او بطرق غير مباشره عبر مرحله من مراحل وفاه النجوم الفائقه الكتل من مثل النجوم النيوترونيه والنجوم الخانسه الكانسه( او ما يعرف باسم الثقوب السود), والتي يعتقد العلماء بانها تفقد مادتها بالتدريج الي دخان السماء عبر مرحله اشباه النجوم.
وباتحاد نوي ذرات الايدروجين في قلب النجم العادي تتكون نوي ذرات الهليوم, وباتحاد نوي ذرات العنصر الاخير تتكون نوي ذرات البريليوم, وهكذا يتسلسل تخلق العناصر المختلفه في داخل النجوم خاصه النجوم العملاقه او في اثناء انفجارها, ويودي انفجار النجوم الي عوده ما تكون بداخلها من عناصر الي دخان السماء لكي يكون ماده لتخلق نجم جديد او ليصل الي بعض اجرام السماء في صوره من صور رزق السماء.
ومن المشاهد ان عمليه الاندماج النووي في داخل النجوم فائقه الكتله من مثل العماليق والمستعرات العظام تستمر حتي يتحول قلب النجم بالكامل الي حديد, فتستهلك طاقه النجم لان ذره الحديد هي اكثر الذرات تماسكا, وفي انفجار المستعرات العظام تصطدم نيوترونات دخان السماء بنوي الحديد المتطايره من عمليه الانفجار لتبني نوي ذرات اعلي كثافه مثل الفضه, والذهب, واليورانيوم, وغيرها, كما ان اهاب النجم المتفجر من المواد الاقل كثافه ينتقل ايضا الي دخان السماء بانفجار واشتعال شديدين وانبعاث موجات راديويه قويه.
وتتكون الماده فيما بين النجوم من الغازات والغبار( اي الدخان) المكون من جزيئات وذرات وايونات, ومن اللبنات الاساسيه للماده ويغلب علي تركيبه الايدروجين, والهليوم, والاوكسجين, والنيتروجين, والكربون, والنيون والصوديوم والبوتاسيوم وبعض العناصر الاثقل, وتقدر الماده بين نجوم مجرتنا ببضعه بلايين المرات قدر كتله الشمس, وتصل كافه العناصر المتخلقه في الكون الي الارض عن طريق تساقط الشهب والنيازك, ويصل الي الارص يوميا بين الالف والعشره الاف طن من ماده الشهب والنيازك لتجدد اثراء الارض بالعناصر المختلفه التي تمثل صوره من صور رزق السماء الذي يوزع علي الارض بتقدير من العزيز الحكيم, ولم يكن لاحد ادراك بها من قبل.
ومنذ فتره وجيزه اثبت العلماء ان نجما من نجوم السماء قد تحول الي كتله من الالماس تفوق كتله الارض عده مرات, ومن قبيل الفكاهه يذكرون ان هذه الكتله اذا انفجرت ونزلت الي الارض فان تجاره الالماس سوف تكسد بالقطع.
ويقدر ناتج الطاقه الكليه للشمس بنحو3,86*3310 سعر/ ثانيه ويعتبر فيض الطاقه الشمسيه الواصله الي الارض اكبر من الطاقه التي تستقبلها الارض من المع النجوم بعشره مليارات ضعف, واكبر من الطاقه التي تستقبلها الارض من القمر وهو في طور البدر مليون مره.
وطاقه الشمس من رزق السماء, فبدونها تستحيل الحياه علي الارض....!!
ثالثا: في اطار تفسير السماء بالسماوات العلا
فان رزق السماء يتمثل في قرار الرزاق ذي القوه المتين, فقد ثبت ان كوننا قد نتج عن عمليه انفجار عظيم, وانه من طبيعه الانفجار انه يودي الي تناثر الماده وبعثرتها, ولكن انفجارا يودي الي بناء كون بهذه الضخامه في الابعاد, وفي تعدد الاجرام وفي احكام الاحجام, والكتل والمدارات, والحركات والعلاقات المتبادله من مثل التجاذب, وتبادل الماده فيما بينها هو انفجار لابد, وان يكون قد تم بتقدير عظيم, من خالق عظيم له من صفات الكمال والجمال والجلال ما مكنه من ابداع هذا الخلق بعلمه وحكمته وقدرته, وهذا الخالق العظيم لابد, وان يكون مغايرا لكل خلقه فلا يحده المكان, ولا الزمان, ولا تشكله الماده ولا الطاقه, لانه( تعالي) خالق كل ذلك ومبدعه, هذا الخالق العظيم فوق كل خلقه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير*( الشوري:11)
يدبر امر هذا الكون في كل صغيره وكبيره, ومن ذلك توزيع الارزاق علي العباد, فمن الاسماء الحسني لهذا الخالق العظيم البارئ المصور نجد اسم( الوهاب) اي صاحب الهبات والعطايا الخاليه عن الاعواض والاغراض, كما نجد اسم( الرزاق) اي خالق الارزاق والمرزوقين, وموصل الارزاق اليهم وخالق الاسباب التي تمكنهم من التمتع بها.
وباقي اسمائه الحسني( سبحانه وتعالي) تحمل شيئا من تلك المعاني والصفات الربانيه ومنها:اسم( الفتاح) وهو الذي بيده مفاتيح الغيب والرزق, ومفاتيح كل منغلق ومشكل, واسما( القابض) و(الباسط) ومن معانيهما فيض الرزق حتي لا يبقي طاقه, وبسطه حتي لا يبقي فاقه, كما يقبض القلوب والارواح ويبسطهما كيف يشاء, واسما( المعز)( المذل) الذي يوتي الملك من يشاء, وينزعه ممن يشاء, والملك من الرزق, والملك الحقيقي يكمن في الخلاص من ذل الحاجه, وقهر الشهوه, وعبء الجهل, واسم( المقيت) ومن معانيه خالق الاقوات وواهبها. و(الكريم) ومن معانيه المعطاء زياده علي منتهي الرجاء, و(المجيب) ومن معانيه مقابله مساله السائلين بالاجابه و(الواسع) ومن معانيه ذو السعه المطلقه من العلم والخير والاحسان وبسط النعم, و(الودود) ومن معانيه الانعام علي سبيل الابتداء بمحبه ورافه, و(البر) وهو المحسن المتفضل بكل بر واحسان, و(مالك الملك) اي صاحب المشيئه النافذه, والاراده الغالبه.
وخلاصه ذلك ان قرار توزيع الارزاق علي العباد يصدره ربنا( تبارك وتعالي) في علاه فتنزل به الملائكه الي الارض تصديقا لقول المصطفي( صلي الله عليه وسلم): ان احدكم يجمع خلقه في بطن امه اربعين يوما نطفه, ثم يكون علقه مثل ذلك, ثم يكون مضغه مثل ذلك, ثم يرسل اليه الملك, فينفخ فيه الروح ويومر باربع كلمات: يكتب رزقه, واجله, وعمله, وشقي او سعيد....
وصدق الله العظيم الذي انزل من فوق سبع سماوات ومن قبل اربعه عشر قرنا قوله الحق:
وفي السماء رزقكم وما توعدون*.
-
21
فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا
حرجا كانما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لا يومنون*
جاءت هذه الايه الكريمه في الثلث الاخير من سوره الانعام, وهي سوره مكيه, شانها شان كل السور المكيه التي تركز علي قضيه العقيده, وهي قضيه وجود الانسان في هذه الحياه, وقضيه مصيره بعدها, فعلي اساس من العقيده يحدد كل انسان منا دوره في هذه الحياه, كما يحدد علاقاته فيها مع نفسه, ومع خالقه, ومع الكون, ومع جميع من فيه وما فيه....!!
ومن هنا كانت اهميه العقيده, التي افرد لها القران الكريم مساحه كبيره في كل من المكان والزمان: في كل السور والايات المكيه, وفي عمر الدعوه المحمديه التي قضي فيها المصطفي( صلي الله عليه وسلم) ثلاث عشره سنه يدعو الناس الي عباده الله تعالي وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع, والي اخلاص العبوديه له, وتنزيهه( تعالي) عن كل وصف لا يليق بجلال ربوبيته والوهيته ووحدانيته, والي الايمان بملائكته, وكتبه ورسله, وبالقدر خيره وشره, وباليوم الاخر وبما فيه من بعث ونشور, وحساب وميزان وصراط, وخلود في حياه قادمه اما في الجنه ابدا او في النار ابدا, وما يستتبعه كل ذلك من الخضوع بالطاعه لله, وعبادته( تعالي) بما امر مع حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الارض, واقامه عدل الله فيها, وهذه هي رساله الدين من لدن ابينا ادم( عليه السلام) الي بعثه المصطفي( صلي الله عليه وسلم) والي ان يرث الله( تعالي) الارض ومن عليها.
وركائز الدين اما من الغيب المطلق كقضيه العقيده, او من الاوامر الالهيه المطلقه كقضيه العباده, او من ضوابط السلوك كقضيتي الاخلاق والمعاملات, ولما كان الانسان عاجزا دوما عن ان يضع لنفسه بنفسه ضوابط صحيحه في اي من هذه القضايا كانت ضروره الدين لكي يستقيم وجوده في هذه الحياه, ولكي يتمكن من تحقيق رسالته فيها.
والدين بركائزه الاربع الاساسيه لا يمكن ان يكون صناعه بشريه, بل الانسان محتاج فيه الي الهدايه الربانيه, تلك الهدايه التي انزلها الله( تعالي) باسم الاسلام, علي فتره من الرسل, وبينها للناس بواسطه جيش من الانبياء فاق عدده المائه والعشرين الفا, واتمها في الرساله الخاتمه التي بعث بها الرسول الخاتم والنبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) وهي الرساله السماويه التي تعهد ربنا( تبارك وتعالي) بحفظها, فحفظت بنفس اللغه التي اوحيت بها, ومن هنا كان القرار الالهي الذي انزله ربنا( تبارك وتعالي) من فوق سبع سماوات, ومن قبل اربعه عشر قرنا بقوله( عز من قائل):
ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم, ومن يكفر بايات الله فان الله سريع الحساب*( ال عمران:19)
ومن هنا ايضا كان التاكيد علي هذا القرار الالهي بقول الحق( تبارك وتعالي) وفي نفس السوره:
ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخره من الخاسرين*( ال عمران:85)
ومن هذا المنطلق جاءت الايه الكريمه التي نحن بصددها والتي يقول فيها ربنا( سبحانه وتعالي):
فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء.....*( الانعام:125)
ويعجب الانسان لهذا التشبيه القراني المعجز الذي يقابل بين ضيق صدر العازفين عن الهدايه الربانيه, كلما ذكروا بها, وضيق صدر الذي يصعد في السماء بغير وسيله واقيه, وهي حقيقه لم يدركها الانسان في ابعادها الصحيحه الا بعد ريادته للفضاء, وقبل الدخول في تفصيل المغزي العلمي لهذا التشبيه القراني لابد من توضيح الدلالات اللغويه والقرانيه لعدد من الالفاظ الوارده في الايه الكريمه وهذا ما سوف نفصله في الاسطر القليله التاليه.
الدلالات اللغويه لبعض الفاظ الايه الكريمه
بالنسبه للفعل( يشرح) في قول الحق( تبارك وتعالي): يشرح صدره فان( الشرح) في اللغه هو الكشف والبسط واظهار الغامض والخافي من المعاني.
يقال:( شرح) المشكل او الغامض من الامر( يشرحه)( شرحا) اي فسره, وبسطه, واظهر ما خفي من معانيه, و(شرح) الله صدره للاسلام( فانشرح) اي انبسط في رضا وارتياح للنور الالهي والسكينه الروحيه لان من معاني( شرح) الصدر توسعته.
اما عن( الصدر الضيق الحرج) فاصل( الحرج) و(الحراج) مجتمع الاشياء من مثل الشجر ونحوه, ومن هنا تصور منه ضيق ما بينها, فقيل للضيق( حرج), وللاثم( حرج) واستخدام فعل( التحريج) بمعني التضييق, ويقال للغيضه الملتفه الاشجار التي يصعب دخولها:( حرجه), وعلي ذلك فان( الحرج) في اللغه هو الضيق بل ضيق الضيق, يقال مكان( حرج) بكسر الراء وفتحها اي ضيق كثير الشجر, و(الحرج) و(الحرج) ايضا الاثم, يقال:( احرجه) بمعني اثمه, و( تحرج) اي تاثم, و(حرج) عليه الشئ اي حرم عليه, و(المنحرج) المتجنب من الحرج والاثم, ويقال:( حرج) صدره( حرجا) فهو( حرج) اي ضاق ضيقا شديدا.
واما عن( التصعد في السماء) فالتصعد والتصاعد والصعود هو الذهاب الي المكان العالي او الارتفاع, وهو ضد الحدور, يقال:( صعد) بالكسر( يصعد)( صعودا) في السلم اي ارتقاه ارتقاء, و(صعد)( يتصعد) في الجبل, و(تصعد)( يتصعد) اي ارتفع عليه وعلاه, و(اصعد) في الارض( صعودا) اي مضي وسار في مناكبها والصعود ايضا العقبه الشاقه الكئود ويستعار لكل شاق واصعد في الوادي و(صعد) فيه( تصعيدا) اي انحدر معه, ولو ان الصعود اصلا ضد الهبوط, وهو و(الصعد) والصعيد واحد, ويقال عذاب( صعد) اي شديد و(الصعيد) هو ايضا ما يصعد اليه, و(الصعداء): تنفس ممدود, ويقال( تصعد) النفس بمعني صعب مخرجه, ويقال:( يصعد) واصلها( يتصعد) اي يتكلف الصعود, فلا يستطيعه, و(تصعد) ايضا تستخدم بمعني شق من المشقه و(الاصعاد)= الابعاد في الارض سواء كان في صعود او حدور( هبوط); و(الصعد) الشاق او المشقه ويقال:( تصعدون) اي تذهبون في الوادي هربا من عدوكم من( الاصعاد) وهو الذهاب في صعيد الارض, والابعاد فيه, يقال:( اصعد) في الارض اذا ابعد في الذهاب وامعن فيه فهو( مصعد).
الدلالات القرانيه لبعض الفاظ الايه الكريمه
جاء الفعل( شرح) بتصريفاته في اربعه مواضع من القران الكريم بالاضافه الي الايه الكريمه التي نحن بصددها علي النحو التالي:
(1) افمن شرح الله صدره للاسلام فهو علي نور من ربه....*( الزمر:22)
(2) الم نشرح لك صدرك*( الشرح:1)
(3) قال رب اشرح لي صدري*( طه:25)
(4).. ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم*( النحل:106)
وجاءت لفظه( حرج) في خمسه عشر موضعا بمعني الضيق في التشريع, او شده الضيق بصفه عامه, كما جاءت بمعني الاثم او الذنب.
اما الفعل( صعد) بمشتقاته فقد جاء في تسعه مواضع من كتاب الله( تعالي) بمعني الارتفاع, والقبول, والرضا من الله( سبحانه وتعالي), وبمعني الذهاب في الوادي, والمضي فيه هربا, وبمعني تكلف الصعود بمشقه بالغه, فلا يستطيعه, وبمعني شديدا صعبا, وبمعني العقبه المرتفعه الشاقه المصعد, وبمعني وجه الارض البارز سواء كان ترابا او غيره, وقيل التراب ذاته.
اما لفظه( السماء) فقد جاءت في ثلاثمائه وعشره مواضع من كتاب الله, منها مائه وعشرون بالافراد( السماء), ومائه وتسعون بالجمع( السماوات), وصيغه الجمع توحي ببقيه الكون في مقابله الارض, بينما الاشارات المفرده بلفظ( السماء) جاءت في ثمانيه وثلاثين موضعا بمعني الغلاف الغازي للارض بصفه عامه, والجزء الاسفل منه بصفه خاصه( او ما يعرف باسم نطاق التغيرات المناخيه او نطاق الرجع) والذي يحتوي غالبيه ماده الغلاف الغازي للارض, وجاء لفظ( السماء) ايضا بالافراد في اثنين وثمانين موضعا يفهم الغالب منها علي انه السماء الدنيا التي زينها ربنا( تبارك وتعالي) بالكواكب والنجوم والبروج, ويفهم منها مجموع السماوات قبل فصلها الي سبع, وبعد فصلها في بعض المواضع.
كذلك جاءت الاشاره في القران الكريم الي( السماوات والارض وما بينهما) في عشرين موضعا, ويفهم هذا التعبير علي ان المقصود منه هو الغلاف الغازي للارض بصفه عامه, والجزء الاسفل منه بصفه خاصه, وذلك لقول الحق( تبارك وتعالي):
(... والسحاب المسخر بين السماء والارض...*)
(البقره:164)
والسحاب يتحرك في نطاق الطقس, والقران الكريم يشير في اكثر من ايه الي انزال الماء من السماء, وواضح الامر ان المقصود بالسماء هنا هو السحاب.
فاذا كان المقصود بالسماء في قول الحق( تبارك وتعالي): كانما يصعد في السماء هو الغلاف الغازي للارض فان لذلك صعوباته ومشاقه التي تصل الي حد الاستحاله, واذا كان المقصود هو السماء الدنيا فان الصعوبات والعقبات تتضاعف اضعافا كثيره حتي تصل الي ما فوق الاستحاله, وذلك لان الله( تعالي) قد حدد للانسان نطاقا معينا من الارض وغلافها الغازي تتواءم فيه ومعه بنيته الجسديه, ووظائف اعضائه المختلفه, واذا خرج عن هذا النطاق فانه يحتضر ويموت, كما يموت السمك اذا اخرج من الماء, ويتضح ذلك جليا من دراسه الصفات الطبيعيه والكيميائيه لنطق الغلاف الغازي للارض.
شروح المفسرين للايه الكريمه
في تفسير الايه الكريمه التي نحن بصددها ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما نصه: يقول تعالي:( فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام اي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك, فهذه علامات علي الخير, كقوله تعالي( افمن شرح الله صدره للاسلام فهو علي نور من ربه) الايه, وقال تعالي:( ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم), وقال ابن عباس معناه يوسع قلبه للتوحيد والايمان به, وهو ظاهر. سئل رسول الله( صلي الله عليه وسلم): اي المومنين اكيس؟ قال: اكثرهم ذكرا للموت واكثرهم لما بعده استعدادا, وسئل عن هذه الايه( فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام) قالوا: كيف يشرح صدره يارسول الله؟ قال: نور يقذف فيه, فينشرح له وينفسح, قالوا: فهل لذلك من اماره يعرف بها؟ قال: الانابه الي دار الخلود, والتجافي عن دار الغرور, والاستعداد للموت قبل لقاء الموت.. وقوله تعالي( ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) حرجا بفتح الحاء والراء, وهو الذي لا يتسع لشئ من الهدي, ولا يخلص اليه شئ من الايمان ولا ينفذ فيه, وقد سال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من الاعراب من اهل الباديه من مدلج عن الحرجه؟ فقال: هي الشجره تكون بين الاشجار لا تصل اليها راعيه ولا وحشيه ولا شئ, فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافقين لا يصل اليه شئ من الخير; وقال ابن عباس: يجعل الله عليه الاسلام ضيقا والاسلام واسع, وذلك حين يقول:( وما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول: ما جعل عليكم في الاسلام من ضيق, وقال مجاهد والسدي:( ضيقا حرجا) شاكا, وقال عطاء الخراساني:( ضيقا حرجا) اي ليس للخير فيه منفذ, وقال ابن المبارك:( ضيقا حرجا) بلا اله الا الله حتي لا تستطيع ان تدخل قلبه,( كانما يصعد في السماء) من شده ذلك عليه, وقال سعيد بن جبير:( يجعل صدره ضيقا حرجا) لا يجد فيه مسلكا الا صعد, وقال عطاء الخراساني:( كانما يصعد في السماء) يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع ان يصعد الي السماء, وقال ابن عباس: فكما لا يستطيع ابن ادم ان يبلغ السماء, فكذلك لا يستطيع ان يدخل التوحيد والايمان قلبه حتي يدخله الله في قلبه, وقال الاوزاعي: كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا ان يكون مسلما; وقال ابن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شده ضيقه عن وصول الايمان اليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الاي
مان وضيقه عن وصوله اليه مثل امتناعه عن الصعود الي السماء وعجزه عنه, لانه ليس في وسعه وطاقته....
وقال صاحب تفسير الجلالين( يرحمهما الله) شيئا مختصرا عن ذلك وذكر كل من صاحب( صفوه البيان لمعاني القران) يرحمه الله وصاحب صفوه التفاسير( امد الله في عمره) شيئا مشابها ايضا.
وذكر صاحب الظلال( يرحمه الله): من يقدر الله له الهدايه وفق سنته الجاريه من هدايه من يرغب في الهدي ويتجه اليه بالقدر المعطي له من الاختيار بقصد الابتلاء ( يشرح صدره للاسلام), فيتسع له, ويستقبله في يسر ورغبه, ويتفاعل معه, ويطمئن اليه, ويستريح به ويستريح له.
ومن يقدر له الضلال وفق سنته الجاريه من اضلال من يرغب عن الهدي ويغلق فطرته عنه ( يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء).. فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقه في قبوله,( كانما يصعد في السماء).. وهي حاله نفسيه تجسم في حاله حسيه, من ضيق النفس, وكربه الصدر, والرهق المضني في التصعد الي السماء!
التصعد في السماء كما تراه العلوم الكونيه
سبق, وان اشرنا ان لفظه( السماء) تعني الكون في مقابله الارض, وان التعريف اللغوي للسماء يشمل كل ما علاك فاظلك بدءا من نطق الغلاف الغازي للارض وانتهاء بالحدود المدركه للكون.
السماء بمعني الغلاف الغازي للارض
تحاط الارض بغلاف غازي تقدر كتلته بنحو خمسه الاف مليون مليون طن(5,2*1510 اطنان) ويقدر سمكه بعده الاف من الكيلو مترات فوق مستوي سطح البحر, ويتناقص ضغطه من نحو الكيلو جرام علي السنتيمتر المربع عند مستوي سطح البحر الي واحد من المليون من ذلك في الجزء العلوي منه.
ويقسم الغلاف الغازي للارض الي قسمين رئيسيين علي النحو التالي:
ا القسم السفلي من الغلاف الغازي للارض
(The lower Atmosphere)
ويتكون من خليط من جزيئات النيتروجين, والاوكسجين, وعدد من الغازات الاخري, ويعرف باسم النطاق المتجانس
(The Homosphere)
ويقسم الي ثلاثه نطق متميزه من اسفل الي اعلي علي النحو التالي:
(1) نطاق التغيرات الجويه:
نطاق الطقس او نطاق الرجع
(TheTroposphere)
وهو نطاق قليل السمك, يلامس الارض مباشره, ويمتد من مستوي سطح البحر الي ارتفاع16 الي17 كيلو مترا فوق خط الاستواء, ويتناقص سمكه الي ما بين6 و8 كيلو مترات فوق القطبين, ويختلف سمكه فوق خطوط العرض الوسطي باختلاف ظروفها الجويه, فينكمش الي ما دون السبعه كيلو مترات في مناطق الضغط المنخفض, ويمتد الي نحو13 كيلو مترا في مناطق الضغط المرتفع, وعندما تتحرك كتل الهواء الحار من خط الاستواء في اتجاه القطبين فانها تضطرب فوق هذا المنحني الوسطي, فتزداد سرعه الهواء مندفعا تجاه الشرق بتاثير دوران الارض حول محورها امام الشمس من الغرب الي الشرق, ويتم ذلك بسرعه فائقه تعطي كتل الهواء المتحركه بها اسم التيار النفاث
(The Jet stream).
ويضم هذا النطاق ثلثي(66%) كتله الغلاف الغازي للارض, وتتناقص درجه الحراره فيه مع الارتفاع باستمرار( بمعدل6 درجات مئويه كل كيلو متر ارتفاع في المتوسط حتي تصل الي ستين درجه مئويه تحت الصفر في قمته المعروفه باسم مستوي الركود الجوي
(The tropopause)
وذلك لتناقص الضغط فيه الي عشر الضغط الجوي عند سطح البحر تقريبا, وللبعد عن سطح الارض وهو مصدر التدفئه الصاعده الي هذا النطاق.
وهذا النطاق هو نطاق تكثف بخار الماء الصاعد من الارض, وتكون السحب, وهطول كل من المطر والبرد والثلج, وحدوث ظواهر الرعد والبرق, وتحرك الرياح, وتكون العواصف والدوامات, وتيارات الحمل الهوائيه, وغير ذلك من الظواهر الجويه, ويتركب الغلاف الغازي في هذا النطاق اساسا من جزيئات كل من النيتروجين( بنسبه78,1% بالحجم) والاوكسجين( بنسبه21% بالحجم), والارجون بنسبه0,93% بالحجم وثاني اكسيد الكربون( بنسبه0,03% بالحجم), بالاضافه الي نسب ضئيله من بخار الماء, واثار طفيفه من كل من الميثان, واكاسيد النيتروجين, واول اكسيد الكربون, والايدروجين, والهيليوم, والاوزون وبعض الغازات الخامله مثل الارجون.
(2) نطاق التطبق
(The Stratosphere):
ويمتد من فوق مستوي الركود الجوي
(TheTropopause)
اي من ارتفاع16 17 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر الي قرابه الخمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر, وبذلك يقدر سمكه بنحو33 34 كيلو مترا, وينتهي بمستوي الركود الطبقي
(The Stratopause)
وترتفع درجه الحراره في هذا النطاق من اكثر من ستين درجه مئويه تحت الصفر عند قاعدته الي نحو الثلاث درجات فوق الصفر المئوي عند قمته, ويرجع السبب المباشر في هذا الارتفاع الحراري الي امتصاص قدر من الاشعه فوق البنفسجيه المقبله مع اشعه الشمس بواسطه جزيئات الاوزون التي تتركز في الجزء السفلي من هذا النطاق( بين ارتفاعي18 و30 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر) مكونه جزءا مميزا منه يعرف باسم نطاق الاوزون
(The Ozonosphere)
يتركز فيه هذا الغاز المهم بنسبه0,001% ولكنها نسبه كافيه لحمايه الارض, وما عليها من صور الحياه من اضرار الاشعه فوق البنفسجيه, وهي اشعه حارقه ومدمره لجميع صور الحياه الارضيه, ولولا وجود طبقه الاوزون, وما اعطاها الله تعالي من قدره لامتصاص وتحويل الاشعه فوق البنفسجيه لكانت الحياه مستحيله علي الارض.
ويستمر الضغط في الانخفاض في نطاق التطبق من قاعدته الي قمته حيث يصل فيه الي واحد من الف من الضغط الجوي عند سطح البحر.
(3) النطاق المتوسط
(The Mesosphere)
ويمتد من مستوي الركود الطبقي( اي من ارتفاع نحو خمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر الي ارتفاع80 الي90 كيلو مترا فوق هذا المستوي, ويتراوح سمكه بين30 و40 كيلو مترا).
وتنخفض درجه الحراره في نطاق التطبق بمعدل ثلاث درجات لكل كيلو متر ارتفاع تقريبا حتي تصل الي نحو مئه درجه مئويه تحت الصفر عند حده العلوي والمعروف باسم مستوي الركود الاوسط
(The Mesopause)
وان كانت درجه الحراره تلك تتغير باستمرار مع تغير الفصول المناخيه.
كذلك يستمر الضغط في الانخفاض مع الارتفاع حتي يصل في قمه هذا النطاق الي اربعه من المليون من الضغط الجوي عند سطح البحر.
(ب) القسم العلوي من الغلاف الغازي للارض
(The upper Atmosphere)
وهذا القسم من الغلاف الغازي للارض يختلف اختلافا كليا عن القسم السفلي ولذا يعرف باسم نطاق التباين
(The Heterosphere)
وتبدا فيه جزيئات مكوناته في التفكك الي ذراتها وايوناتها بفعل كل من اشعه الشمس والاشعه الكونيه, كذلك تسود فيه ذرات الغازات الخفيفه من مثل الايدروجين والهيليوم علي حساب الذرات الكثيفه نسبيا من مثل الاوكسجين والنيتروجين, وتواصل درجات الحراره الارتفاع فيه حتي تصل الي اكثر من الفي درجه مئويه, ويواصل الضغط الانخفاض حتي يصل في قمه هذا النطاق الي اقل من واحد في المليون من الضغط الجوي علي سطح البحر.
ويحوي هذا القسم نطاقين متميزين هما من اسفل الي اعلي كما يلي:
(1) النطاق الحراري
(TheThermosphere)
ويمتد من مستوي الركود المتوسط( اي من ارتفاع يتراوح بين80 و90 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر في المتوسط الي عده مئات من الكيلومترات فوق مستوي سطح البحر عند مستوي الركود الحراري
(Thermopause)
وتواصل درجات الحراره في الارتفاع في هذا النطاق من نحو المائه درحه مئويه في اعلي النطاق الاسفل منه لتصل الي ما بين227 و500 درجه مئويه عند ارتفاع مائه وعشرين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر, وتبقي درجه الحراره ثابته تقريبا عند درجه500 مئويه الي ارتفاع يتراوح بين ثلاثمائه واربعمائه كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر, ثم تقفز بعد ذلك الي درجات تتراوح بين1500 و2000 درجه مئويه الي نهايه النطاق وتزيد في فترات النشاط الشمسي.
(2) النطاق الخارجي
(The Exosphere):
هو نطاق يعلو النطاق الحراري, تثبت فيه درجه الحراره ثبوتا نسبيا, ولذا يطلق عليه احيانا اسم نطاق التساوي الحراري
(The Isothermalsphere)
ويتضاءل الضغط فيه, وتتمدد الغازات تمددا كبيرا وتتحرك ذراتها بحريه كامله في مساراتها فتقل فرص التلاقي بينها بعد ارتفاع يطلق عليه اسم الارتفاع الحرج
(The Critical Elevation)
او خط ركود الضغط الجوي
(The Baropause)
او قاعده العوالم الخارجيه عن الارض
(The Exobase)
وعند هذا الحد يبدا الغلاف الغازي للارض في الالتصاق بقاعده السماء الدنيا او ما يطلق عليه اسم الماده بين الكواكب
(The Interplanetary Matter)
والتداخل احيانا فيها لتضاول سيطره الجاذبيه الارضيه علي ذرات الغازات في الاجزاء العليا من هذا النطاق مما يزيد من قدرات تلك الذرات علي الانفلات من قيود الجاذبيه الارضيه والهروب بعيدا عن الارض وعن غلافها الجوي.
وفي المنطقه من قمه النطاق المتوسط( اي من ارتفاع مائه كيلو متر تقريبا) الي اقصي الحدود العلويه للغلاف الغازي للارض تتاين ذرات الغازات( اي تشحن بالكهرباء) بفعل كل من الاشعه فوق البنفسجيه والسينيه المقبله مع اشعه الشمس, وبعض جسيمات كل من الاشعه الشمسيه الكونيه, ويطلق علي هذا السمك اسم نطاق التاين
(The Ionosphere).
والمنطقه التي تفوق فيها طاقه الايونات الطاقه الحراريه فانها تتحرك بين خطوط قوي مجال الجاذبيه الارضيه مكونه منطقه متميزه تعرف باسم النطاق المغناطيسي للارض
(The Magnetosphere)
وتمتد الي نهايه الغلاف الغازي للارض, وقد تتداخل في نطاق الماده بين الكواكب.
كذلك تم اكتشاف زوجين من الاحزمه الاشعاعيه
(The Radiation Belts)
يحيطان بالكره الارضيه علي هيئه هلاليه مزدوجه تزيد فيها تلك الاحزمه في السمك زياده ملحوظه عند خط الاستواء, وترق رقه شديده عند القطبين, وفي هذه الاحزمه تحتبس الايونات واللبنات الاوليه للماده( من مثل البروتونات والاليكترونات) والتي يقتنصها المجال المغناطيسي للارض, فتتحرك عبر ذلك المجال من احد قطبي الارض للاخر وبالعكس في حركه دائبه.
ويتركز الزوج الداخلي من احزمه الاشعاع علي ارتفاع3200 كيلو متر فوق مستوي سطح البحر, بينما يتركز الزوج الخارجي علي ارتفاع25000 كيلو متر فوق هذا المستوي.
تقسيم الغلاف الغازي للارض من حيث مواءمته للحياه الارضيه
يقسم الغلاف الغازي للارض من حيث مواءمته للحياه الارضيه الي النطق التاليه:
(1) نطاق المواءمه الكامله للحياه الارضيه
ويمثل الجزء الغازي من نطاق الحياه الذي يمتد من اعماق المحيطات( بمتوسط عمق3800 متر تحت مستوي سطح البحر) الي ارتفاع في الغلاف الغازي للارض لا يتعدي الثلاثه كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر.وهذاالجزء الهوائي من نطاق الحياه هو نطاق المواءمه البيئيه الكامله لحياه الانسان, اي التي يستطيع الانسان العيش فيها بدون مخاطر صحيه, لملاءمه التركيب الكيميائي والصفات الطبيعيه للغلاف الغازي للارض في هذا النطاق لطبيعه جسم الانسان ولوظائف كل اعضائه واجهزته من مثل وفره الاوكسجين, وتوسط كل من الضغط ودرجات الحراره.
ومتوسط ارتفاع اليابسه لايكاد يصل الي هذا الحد من الارتفاع فوق مستوي سطح البحر الذي تكون التغيرات الطبيعيه والكيميائيه عنده محتمله, ولذلك لا تظهر علي البشر الذين يعيشون في مثل هذه الارتفاعات او يصلون اليها ايه اعراض من اعراض نقص الاوكسجين او تناقص الضغط, علي الرغم من الانخفاض في درجه الحراره, وبعض الاختلافات في سلوك سائل مثل الماء في تلك الارتفاعات العاليه.
(2) نطاق شبه المواءمه للحياه الارضيه
ويمتد هذا النطاق من ارتفاع ثلاثه كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر الي ارتفاع سته عشر كيلو مترا فوق ذلك المستوي ويقترب في منتصفه من اعلي قمم الارض ارتفاعا(8848 مترا) ويتميز بنقص تدريجي في نسبه الاوكسجين, وتناقص الضغط بمعدلات ملحوظه, ويمكن للانسان العيش في الاجزاء السفلي من هذا النطاق بصعوبه فائقه لصعوبه التنفس, والخلل الذي يعتري بعض وظائف اعضاء جسده نتيجه لانخفاض الضغط الجوي فتبدو عليه اعراض نقص الاوكسجين( هيبوكسيا) واعراض انخفاض الضغط الجوي( ديسباريزم).
(3) نطاق استحاله وجود الانسان بغير عوامل وقائيه كامله:
ويمتد من ارتفاع سته عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر الي نهايه الغلاف الغازي للارض, وهو نطاق يستحيل بقاء الانسان فيه بغير عوامل كافيه للوقايه من مخاطر هذا النطاق, وذلك بتكييف الجو المحيط به من حيث الضغط ودرجتي الحراره والرطوبه, وامداده بالقدر الكافي من الاوكسيجين وتنقيته من ثاني اكسيد الكربون, وغير ذلك من النواتج الضاره, مع المراقبه المستمره للاحوال الصحيه ويتم ذلك بتزويده بحلل مشابهه لحلل رواد الفضاء المزوده باجهزه كامله لدعم حياه الانسان في مثل هذه البيئات الخطره من مثل النقص الحاد في كل من الضغط الجوي, ونسبه الاوكسجين, والتغيرات الشديده في درجات الحراره.
والحلل التي يرتديها رواد الفضاء في داخل مركباتهم الفضائيه المكيفه بظروف موائمه لطبيعه الانسان هي حلل محكمه غايه الاحكام غير منفذه للهواء ولا للاشعه الكونيه ومليئه بالهواء المضغوط بالقدر المطلوب لسلامه جسم الانسان, وتتم مراقبه الضغط داخل تلك الحلل باجهزه ضغط يمكن التحكم فيها بواسطه صمامات خارجيه, ومزوده بجيوب لتجميع افرازات الجسم والسوائل الخارجه منه, وتسمح في الوقت نفسه بالوصول الي الجسد لمعالجته بالحقن الطبيه اللازمه في حالات الضروره.
اما في رياده الغلاف الغازي للارض خارج المركبات الفضائيه, فيحتاج رواد الفضاء الي حلل مزوده بضوابط بيئيه تفوق الحلل المستخدمه داخل المركبات الفضائيه في تعقيدها, وذلك بتزويدها بضوابط لدعم الحياه محموله تسمي باسم نظم الدعم الحياتي المحموله
(Portable Life-Support Systems),
وتضم بالاضافه الي حلل داخل المركبات الفضائيه مصادر محموله للتزود بالاوكسيجين لها انبوبتان احداهما للشهيق والاخري للزفير, واجهزه اتصال لاسلكيه, ووحده تكييف للهواء, ولوحات تحكم في الضغط, وخوذه وغطاء عازلان للحراره ولكل من الاشعه الشمسيه والكونيه, واحذيه طويله الرقبه, وقفازات عازله لكل من الحراره والاشعه ورجوم النيازك المتناهيه في صغر الحجم.
الصعوبات التي يواجهها الانسان حينما يتصعد في السماء بغير وقايه كافيه
اذا تجاوز الانسان ارتفاع الثمانيه كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر فانه يتعرض لمشكلات عديده منها صعوبه التنفس لنقص الاوكسجين وتناقص ضغط الهواء, وهو مرض يسميه المتخصصون في طب الطيران باسم مرض عوز الاوكسجين
Hypoxia
ومنها مشكلات انخفاض الضغط الجوي والذي يسمي باسم خلل الضغط الجوي
Dysbarism
وتحت هذين العارضين لا يستطيع جسم الانسان القيام بوظائفه الحيويه, فتبدا في التوقف الوظيفه تلو الاخري, وهنا يمكن تفسير ضيق الصدر الذي يمر به الانسان عند الصعود الي تلك المرتفعات بغير استعدادات وقائيه كافيه, فيبدا بالشعور بالاجهاد الشديد, والصداع المستمر, والشعور بالرغبه في النوم, ونتيجه للنقص في الضغط الجوي تبدا الغازات المحبوسه في داخل انسجه الجسم وتجاويفه المختلفه في التمدد من مثل الجهاز التنفسي من الرئتين والقصبه الهوائيه وتشعباتهما والانف, والجيوب الانفيه, والجهاز الدوري من القلب والاورده والشرايين, والجهاز السمعي خاصه الاذن الوسطي, والجهاز الهضمي من مثل المعده والامعاء الدقيقه والغليظه, خاصه القولون, والفم والاسنان والاضراس واللثه مما يودي الي الام شديده في كل اجزاء الجسم, والي ضغوط شديده علي الرئتين والقلب والي تمزق خلاياهما وانسجتهما, ويسبب الشعور بضيق الصدر وحشرجه الموت.
كذلك تبدا الغازات الذائبه في جميع سوائل الجسم وانسجته في الانفصال والتصاعد الي خارج حيز الجسد, واهمها غاز النيتروجين الذي يصل حجمه في جسم الفرد البالغ الي نحو اللتر موزعه بين الدم وانسجه الجسم المختلفه, وتخرج هذه الغازات علي هيئه فقاعات تندفع الي الخارج بسرعه فائقه مما يزيد من تمزق الخلايا والانسجه, والي حدوث الام مبرحه بكل من الصدر والمفاصل, والي ضيق شديد في التنفس نتيجه لتصاعد فقاعات النيتروجين من انسجه الرئتين, ومن داخل الشعيرات الدمويه, ومن الانسجه المحيطه بها ومن الجلد ومن انسجه وخلايا الجهاز العصبي, فتتاثر رويه الشخص, ويختل توازنه, ويصاب بصداع شديد, ثم اغماء كامل او صدمه عصبيه او بشلل جزئي او كلي وزرقه بالجسم تنتهي بالوفاه بسبب توقف كل من القلب والرئتين, وانهيار الجهاز العصبي, وفشل كامل في وظائف بقيه اعضاء الجسم ولعل ذلك هو المقصود بقول الحق( تبارك وتعالي):
فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لا يومنون*( الانعام:125)
وهذه حقائق لم يدركها الانسان الا في العقود المتاخره من القرن العشرين وان بدا يتحسسها منذ نهايه القرن الثامن عشر, وورودها في كتاب الله الذي انزل قبل اربعه عشر قرنا علي نبي امي صلي الله وسلم وبارك عليه في امه كانت غالبيتها الساحقه من الاميين مما يوكد ان القران الكريم هو كلام الله الخالق, وان هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والارض.
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات