دوافع بعث السرايا والغزوات :

تحدثت الموسوعة الإسلامية عن الدوافع التي دفعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى بعث السرايا والغزوات، لتجوب المناطق المحيطة بالمدينة المنورة منذ أن نزل بها، فذكرت منها بصورة اجمالية الدوافع النفسية والشخصية والسياسية، وأسقطت نهائيا الدوافع الدينية.

ومن الدوافع النفسية أو الشخصية التي ذكرتها :" أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان له حساب يريد تصفيته مع المكيين، ذلك أنهم بإخراجه من مكة، حققوا انتصاراً عليه في أعين الناس "، وربطت الموسوعة بين بعث السرايا وبين الإذن في القتال، وهذا خلط، لأن بعث السرايا في السنة الأولى من الهجرة كان قبل أن يؤذن للمؤمنين في القتال، وقبل أن يشرع الجهاد في الإسلام، والدليل على ذلك أن الأعداد التي كانت ترسل في تلك السرايا الأولى لم تكن متكافئة مع أعداد المشركين، ولم يكن معها إذن من النبي صلى الله عليه و سلم في القتال، وإنما كانت تبعث لأهداف أخرى اقتصادية واستراتيجية. ودليل آخر على ذلك هو ما حدث في سرية عبد اللَّه بن جحش التي وقع فيها القتال في شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، فقد تلقى المشاركون في هذه السرية اللوم الشديد من النبي صلى الله عليه و سلم ومن إخوانهم المؤمنين، واستغل الكفار ذلك الحادث في نشر الإشاعات المغرضة، وحدث الخلط بين المفاهيم، فنزل القرآن بما أزال ذلك الخلط وأوضح مراتب القيـم : قـال تعالـى : { يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ }.

ولا يصح أن يقال إن بعث السرايا كان بدافع تصفية حساب شخصي مع المكيين، لأن سيرة النبي صلى الله عليه و سلم في معاملة أهل مكة، بعد أن مكنه اللَّه منهم يوم الفتح الأكبر، يكذب هذا الادعاء، فقد شملهم بعفوه وبره وسماحته، وأعطى المثل الأعلى للإنسانية كلها في العفو والسماحة، ولو كان له حساب شخصي معهم، أو رغبة في الانتقام، لكان له معهم سلوك آخر.

ومع هذا كله، فإننا لا ننكر أن وراء السرايا النبوية الأولى، قبل الإذن في القتال، دوافع استراتيجية ودينية متداخلة، يمكن إجمالها في أمرين :

أولهما : إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها، بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم، ذلك الضعف الذي مكن قريشاً في مكة من مصادرة عقيدتهم وحريتهم واغتصاب دورهم وأموالهم، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية، على ضآلة شأنها، فإن المتربصين بالإسلام في المدينة كثر، ولن يصدهم عن النيل منه إلا الخوف وحده، وهذا تفسير قوله تعالى :{ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكمْ وآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ }.

وثانيهما : إنذار قريش عاقبة طيشها، فقد حاربت الإسلام ولا تزال تحاربه، ونكلت بالمسلمين في مكة، ثم ظلت ماضية في غيها، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين اللَّه، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد له قراراً في أي بقعة أخرى من الأرض، فأحب رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم أن يشعر قادة مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة وأنه قد مضى إلى غير رجعة ذلك العهد الذي كانوا فيه يعتدون على المؤمنين، وهم بمأمن من القصاص.

.2 تزييف المواقف وتحريف الحقائق :

أشارت الموسوعة الإسلامية إلى موقف الأنصار من السرايا والغزوات بما يوهم أنهم رافضون، لأنهم تعهدوا بأن يدافعوا عن النبي صلى الله عليه و سلم في حال واحدة، هي عند تعرضه للهجوم.

وذكرت أن تجار مكة كانوا لا يميلون إلى المبادرة بالعداوة، وأن المهاجرين لم يبايعوا على القتال، لأنه يسير في اتجاه مضاد لشعورهم نحو أقربائهم المكيين.

ثم تساءلت الموسوعة إلى أي حد أغضبت مقاومة الأنصار والمهاجرين النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم أشارت إلى أن الإجابة عن ذلك يمكن أن تعرف من القرآن حيث ورد توبيخ شديد للصحابة.

هذا ملخص ما ذكرته الموسوعة الإسلامية هنا وهو كذب على الصحابة وتزييف لحقيقة مواقفهم، ومن يقرأ هذه الفقرات، ويسلم بما فيها، سينتهي إلى نتيجة واحدة هي أن النبي صلى الله عليه و سلم هو وحده الذي كان يريد الحرب، ويرغب في القتال. وأن الأطراف الأخرى ـ بما فيهم كفار قريش ـ إنما دفعوا إليه كرهاً.

أما موقف كفار قريش فلم يكن موقفاً مسالماً ـ كما زعمت الموسوعة الإسلامية ـ فالمكيون الذين ذكر القرآن والحديث أنهم تآمروا على قتل النبي صلى الله عليه و سلم ليلة خروجه من مكة مهاجراً، وأنهم تعقبوا أثره بحنق شديد، فلم يفلت من أيديهم إلا بمعجزة، لم تهدأ نيران عداوتهم. ولا شك أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يتوقع منهم ومن حلفائهم من مشركي العرب أن يلاحقوه ويحاربوه في المدينة أو في أي مكان آخر.

فقرائن الأحوال وطبيعة الصراع تؤذن بأن القتال لا بد أن يكون، فما كانت قريش لتدع الإسلام الذي حاربته سنوات طوالاً، ينتشر في أرجاء الجزيرة العربية.

والنبي صلى الله عليه و سلم ومعه المسلمون كانوا يعلمون ذلك، فكان خروج الصحابة في مجموعات صغيرة من المقاتلين، في تحركات عسكرية متتابعة حول المدينة، سميت بالسرايا، خروجاً من أجل إشعار الأعداء بقوة المسلمين.

وأما اعتراض طريق تجارة القرشيين وتهديد قوافلها، فهو عمل مشروع، بالنظر إلى المهاجرين، لأن تلك القوافل وما تحمله من أموال وبضائع هي في ملك أولئك المكيين الذين أخرجوهم من ديارهم واغتصبوا أموالهم.

وفي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وكتب السيرة والتاريخ، نصوص كثيرة تدل على أن الصحابة الذين بايعوا رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره واليسر والعسر ما وقفوا من الغزوات والجهاد قط موقف المعارضة، بل أظهروا الاستجابة الكاملة والاستعداد التام، وقدموا في ذلك أموالهم وأنفسهم وتنافسوا بحماسة صادقة. وأخبارهم حافلة بالأمثلة العالية في الإقبال على الجهاد والحرص على الشهادة في سبيل إعلاء كلمة اللَّه، حتى الضعفاء والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ولا ما يركبون، أظهروا الحرص الشديد على المشاركة في الغزوات، فنزل القرآن يرفع عنهم الحرج، قال تعالى : { لَيْسَ عَلى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلى الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نصَحُوا للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ }.

فكيف سمحت الموسوعة الإسلامية لنفسها بتجاهل حقائق التاريخ كلها، فادعت أن الصحابة وقفوا من الغزوات والقتال في سبيل اللَّه موقف المقاومة والمعارضة.

ثم إن الآيتين الكريمتين اللتين أحالت الموسوعة عليهما، لإثبات دعواها، وزعمت أنهما نزلتا لتوبيخ الصحابة على موقفهم المعارض من الغزوات، بعيدتان كل البعد عن ذلك المعنى، بل معناهما على النقيض تماماً مما ذهبت إليه الموسوعة.

فأما الآية الأولى، وهي قوله تعالى : { يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ }(2)، فالمراد بها بيان عذرأصحاب سرية عبد اللَّه بن جحش التي بادر فيها بعض الصحابة إلى قتال كفار مكة بغير إذن من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فلما علم بأنهم قاتلوهم في شهر رجب، قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فندم رجال السرية، وعنفهم إخوانهم المسلمون، واتخذ المـشركون مما حـدث وسيلة للطـعن في المسـلمين وفي النـبي صلى الله عليه و سلم ، وقالوا : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم.

وفي هذه الغمرة من الندم والعتاب والحرج نزل الوحي من السماء بعذرأصحاب هذه السرية. فالآية تدل على نقيض ما فهمت الموسوعة الإسلامية تماماً، فليست في شيء من توبيخ الصحابة على رفض الخروج للغزوات في قليل ولا كثير، بل هي في بيان عذر الذين خرجوا وبادروا إلى قتال الكفار، ورفع اللوم والتوبيخ عنهم.

وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: { وَلَوْلاَ دِفَعُ اللَّهِ الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِهَا اسْمُ اللَّهِ كثيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لقويّ عَزِيزٌ }. فلست أدري كيف فهمت منها الموسوعة الإسلامية ما ذهبت إليه، بل هي في سياق الآية التي نزلت بالإذن للمسلمين في قتال الذين ظلموهم من كفار قريش : والآية التي قبلها هي قول اللَّه تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه.}.

فهذا إِذْنٌ من اللَّه تعالى في القتال للدفاع عن النفس ورد الاعتداء والظلم، وهذا أيضاً تحريض للمؤمنين على القتال، وليس ـ كما زعمت الموسوعة ـ توبيخاً لهم على ذلك.

والموسوعة هنا بين أمرين : إما أن تكون أسندت كتابة هذه المادة إلى كتاب معلوماتهم عن الإسلام والسيرة النبوية قليلة، وإما أنها تعمدت تزييف المواقف وتحريف الحقائق من أجل أغراض غير معلنة.