

-
الاشارات الكونيه في القران الكريم ومغزي دلالتها العلميه
7 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدانا اول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين
يعتبر مجال الخلق, وافنائه, واعاده خلقه, من المجالات الغيبيه التي لا يستطيع الانسان ان يصل فيها الي تصور صحيح بغير هدايه ربانيه, ومن هنا فان العلوم التجريبيه لا يمكن لها ان تتجاوز في تلك المجالات مرحله التنظير بمعني وضع نظريه من النظريات او اقتراح فرض من الفروض.
وتتعدد الفروض والنظريات بتعدد خلفيه واضعيها العقديه والثقافيه والتربويه والنفسيه, ويبقي للمسلم في هذا المجال نور من الله الخالق في ايه من كتابه الكريم, او في حديث مروي بسند صحيح عن خاتم انبيائه ورسله( صلي الله وسلم عليه وعليهم اجمعين) يمكن ان يعينه علي الارتقاء باحدي تلك النظريات العلميه الي مقام الحقيقه لمجرد ورود اشاره لها في اي من هذين المصدرين من مصادر وحي السماء اللذين حفظا بحفظ الله باللغه نفسها التي نزل الوحي بها( اللغه العربيه) علي مدي اربعه عشر قرنا او يزيد دون نقص او زياده, ونكون في هذه الحاله قد انتصرنا للعلم بالوحي الثابت من كتاب الله المحفوظ بحفظه, او بسنه رسوله( صلي الله عليه وسلم) وهي من الوحي, ولم ننتصر لهما بالعلم المكتسب لانهما فوق ذلك واعظم واجل..!!
فمجرد ورود اشاره في كتاب الله او في حديث مروي بسند صحيح عن خاتم انبيائه ورسله( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم اجمعين) الي ما يدعم احدي النظريات العلميه التي لم يتوصل اليها العلم المكتسب الا بعد مجاهده كبيره, عبر سنوات طويله, استغرقت جهود الاف من العلماء يرقي بهذه النظريه الي مقام الحقيقه, ويعتبر اعجازا علميا في كتاب الله او في سنه رسوله( صلي الله عليه وسلم) لمجرد السبق بالاشاره الي تلك الحقيقه العلميه قبل وصول الانسان اليها بفتره زمنيه طويله تقدر باكثر من ثلاثه عشر قرنا من الزمان, وفي ذلك يقول ربنا( تبارك وتعالي) في محكم كتابه:
ما اشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق انفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
(الكهف:51)
والقران الكريم الذي يقرر ان احدا من الانس او الجن لم يشهد خلق السماوات والارض, هو الذي يامرنا بالنظر في قضيه الخلق( خلق السماوات والارض, خلق الحياه, وخلق الانسان) بعين الاعتبار والاتعاظ فيقول( عز من قائل):
اولم ينظروا في ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شئ..( الاعراف:185)
ويقول( سبحانه):
لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون
(غافر:57)
ويقول( سبحانه وتعالي):
افلا ينظرون الي الابل كيف خلقت
(الغاشيه:17)
ويقول( تبارك وتعالي):
اولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده ان ذلك علي الله يسير. قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق ثم الله ينشيء النشاه الاخره ان الله علي كل شيء قدير
(العنكبوت:19 و20)
وبالنظر في السماء توصل علماء الفلك والفيزياء الفلكيه الي عدد من النظريات المفسره لنشاه الكون وافنائه, واكثر هذه النظريات قبولا في الاوساط العلميه اليوم هما نظريتا الانفجار العظيم
(TheBigBangTheory)
والانسحاق العظيم
(TheBigCrunchTheory)
وكلاهما يستند الي عدد من الحقائق المشاهده.
الشواهد العلميه علي صحه نظريه الانفجار العظيم
(1) التوسع الحالي للكون المشاهد:
وهي حقيقه اكتشفت في الثلث الاول من القرن العشرين, ثم اكدتها حسابات كل من الفيزيائيين النظريين والفلكيين, والتي لاتزال تقدم مزيدا من الدعم والتاييد لتلك الحقيقه المشاهده بان المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تكاد تقترب احيانا من سرعه الضوء( المقدره بحوالي300000 كيلو متر في الثانيه), وقد سبق القران الكريم كل تلك المعارف باكثر من ثلاثه عشر قرنا اذ يقول الحق( تبارك وتعالي):
والسماء بنيناها بايد وانا لموسعون
( الذاريات:47)
واذا عدنا بهذا الاتساع الكوني الراهن الي الوراء مع الزمن فان كافه ما في الكون من صور الماده والطاقه والمكان والزمان لابد ان تلتقي في جرم واحد, متناه في ضاله الحجم الي ما يقترب من الصفر او العدم, فيتلاشي كل من المكان والزمان, ومتناه في ضخامه الكتله والحراره الي الحد الذي تتوقف عنده قوانين الفيزياء النظريه, وهذا الجرم الابتدائي انفجر بامر من الله تعالي فنشر مختلف صور الطاقه, والماده الاوليه, للكون في كل اتجاه, وتخلقت من تلك الطاقه الماده الاوليه, ومن المواد الاوليه تخلقت العناصر علي مراحل متتاليه, وبدا الكون في الاتساع, ومع اتساعه تعاظم كل من المكان والزمان, وتحولت ماده الكون الي سحابه من الدخان الذي خلقت منه الارض وكل اجرام السماء, وما يملا المسافات بينها من مختلف صور الماده والطاقه, وظل الكون في التمدد والتوسع منذ لحظه الانفجار العظيم الي يومنا الراهن, والي ان يشاء الله( تعالي).
والانسحاق الشديد هو عمليه معاكسه لعمليه الانفجار الكوني الكبير تماما.
(2) اكتشاف الخلفيه الاشعاعيه للكون المدرك:
وقد اكتشفها بمحض المصادفه باحثان بمختبرات شركه بل للتليفونات بمدينه نيوجرسي هما ارنو ا. بنزياس
(ArnoA.Penzias)
وزميله روبرت و. ويلسون
(RobertW.Wilson)
في سنه1965 م علي هيئه اشارات راديويه منتظمه وسويه الخواص, قادمه من كافه الاتجاهات في السماء, وفي كل الاوقات دون ادني توقف او تغير, ولم يمكن تفسير تلك الاشارات الراديويه, المنتظمه, السويه الخواص الا بانها بقيه الاشعاع الذي نتج عن عمليه الانفجار الكوني العظيم, وقد قدرت درجه حراره تلك البقيه الاشعاعيه بحوالي ثلاث درجات مطلقه( اي ثلاث درجات فوق الصفر المطلق الذي يساوي 273 درجه مئويه)
وفي نفس الوقت كانت مجموعه من الباحثين العلميين في جامعه برنستون تتوقع حتميه وجود بقيه للاشعاع الناتج عن عمليه الانفجار الكوني الكبير, وامكانيه العثور علي تلك البقيه الاشعاعيه بواسطه التليسكوبات الراديويه, وذلك بناء علي الاستنتاج الصحيح بان الاشعاع الذي نتج عن عمليه الانفجار تلك قد صاحب عمليه التوسع الكوني, وانتشر بانتظام وسويه عبر كل من المكان والزمان في فسحه الكون, ومن ثم فان بقاياه المنتشره الي اطراف الجزء المدرك من الكون لابد ان تكون سويه الخواص, ومتساويه القيمه في كل الاتجاهات, ومستمره ومتصله بلا ادني انقطاع, وبالاضافه الي ذلك فان هذا الاشعاع الكوني لابد ان يكون له طيف مماثل لطيف الجسم المعتم, بمعني ان كميه الطاقه الناتجه عنه في مختلف الموجات يمكن وصفها بدرجه حراره ذات قيمه محدده, وان هذه الحراره التي كانت تقدر ببلايين البلايين من الدرجات المطلقه عند لحظه الانفجار الكوني لابد ان تكون قد بردت عبر عمر الكون المقدر بعشره بلايين من السنين علي الاقل, الي بضع درجات قليله فوق الصفر المطلق. وانطلاقا من تلك الملاحظات الفلكيه والنظريه كان في اكتشاف الخلفيه الاشعاعيه للكون دعم عظيم لنظريه الانفجار الكوني, وقضاء مبرم علي نظريه ثبات الكون واستقراره التي اتخذت تكوه لنفي الخلق, وانكار الخالق( سبحانه وتعالي) منذ مطلع القرن العشرين.
ولم تكن مجموعه جامعه برنستون بقياده كل من روبرت دايك
(RobertDicke)
, ب.ج. ا. بيبلز
(P.J.E.Peebles)
, ديفيد رول
(DavidRoll)
وديفيد ولكنسون
(DavidWilkinson)
هي اول من توقع وجود الخلفيه الاشعاعيه للكون, فقد سبقهم الي توقع ذلك كل من رالف الفر
(RalphAlpher)
وروبرت هيرمان
(RobertHerman)
في سنه1948 م وجورج جامو
(GeogeGamow)
في سنه1953 م ولكن استنتاجاتهم اهملت ولم تتابع بشيء من الاهتمام العلمي فطويت في عالم النسيان.
(3) تصوير الدخان الكوني علي اطراف الجزء المدرك من الكون:
في سنه1989 م ارسلت وكاله الفضاء الامريكيه ناسا
(NASA)
مركبه فضائيه باسم مستكشف الخلفيه الكونيه او( كوبي
)CosmicBackgroundExplorer(orCOBE)
وذلك لدراسه الخلفيه الاشعاعيه للكون من ارتفاع يبلغ ستمائه كيلو متر حول الارض, وقد قاست تلك المركبه درجه الخلفيه الاشعاعيه للكون وقدرتها باقل قليلا من ثلاث درجات مطلقه( اي بحوالي2,735+0,06 من الدرجات المطلقه) وقد اثبتت هذه الدراسه تجانس ماده الكون وتساويها التام في الخواص قبل الانفجار وبعده اي من اللحظه الاولي لعمليه الانفجار الكوني العظيم, وانتشار الاشعاع في كل من المكان والزمان مع احتمال وجود اماكن تركزت فيها الماده الخفيه التي تعرف باسم الماده الداكنه
(DarkMatter)
بعد ذلك
كذلك قامت تلك المركبه الفضائيه بتصوير بقايا الدخان الكوني الناتج عن عمليه الانفجار العظيم علي اطراف الجزء المدرك من الكون( علي بعد عشره مليارات من السنين الضوئيه), واثبتت انها حاله دخانيه معتمه سادت الكون قبل خلق السماوات والارض, وقد سبق القران الكريم جميع المعارف الانسانيه بوصف تلك الحاله الدخانيه منذ اكثر من الف واربعمائه سنه بقول الحق( تبارك وتعالي):
ثم استوي الي السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين
( فصلت:11)
وكان في اكتشاف هذا الدخان الكوني ما يدعم نظريه الانفجار الكوني العظيم.
(4) عمليه الاندماج النووي وتاصل العناصر:

فتق الرتق الاول ثم طيه ثم فتق الثاني كي تبدل الارض غير الارض والسماوات
تتم عمليه الاندماج النووي في داخل الشمس وفي داخل جميع نجوم السماء بين نوي ذرات الايدروجين لتكوين نوي ذرات اثقل بالتدريج وتنطلق الطاقه, وقد ادت هذه الملاحظه الي الاستنتاج الصحيح بتاصيل العناصر بمعني ان جميع العناصر المعروفه لنا والتي يبلغ عددها اكثر من مائه عنصر قد تخلقت كلها في الاصل من غاز الايدروجين بعمليه الاندماج النووي, فاذا تحول لب النجم المستعر الي حديد انفجر النجم وتناثرت اشلاوه في صفحه السماء حيث يمكن لنوي الحديد تلقي اللبنات الاساسيه للماده من صفحه السماء فتتخلق العناصر الاعلي في وزنها الذري من الحديد.
وقد جمعت هذه الملاحظات الدقيقه بين فيزياء الجسيمات الاوليه للماده وعلم الكون, وايدت نظريه الانفجار العظيم التي بدات بتخلق الماده واضدادها مع اتساع الكون, وتخلق كل من المكان والزمان, ثم تخلق نويات كل من الايدروجين والهيليوم والليثيوم, ثم تخلق بقيه العناصر المعروفه لنا, ولذا يعتقد الفلكيون في ان تخلق تلك العناصر قد تم علي مرحلتين, نتج في المرحله الاولي منهما العناصر الخفيفه, وفي المرحله الثانيه العناصر الثقيله, والتدرج في تخليق العناصر المختلفه بعمليه الاندماج النووي في داخل النجوم او اثناء انفجارها علي هيئه فوق المستعرات هو صوره مبسطه لعمليه الخلق الاول يدعم نظريه الانفجار العظيم ويعين الانسان علي فهم الياتها, والحسابات النظريه لتخليق العناصر بعمليه الاندماج النووي تدعمها التجارب المختبريه علي معدلات تفاعل الجسيمات الاوليه للماده مع نوي بعض العناصر, وقد بدا هذه الحسابات هانز بيته
(HansBethe)
في الثلاثينات من القرن العشرين, واتمها وليام فاولر
(WilliamFowler)
الذي منح جائزه نوبل في الفيزياء مشاركه مع اخرين في سنه1983 تقديرا لجهوده في شرح عمليه الاندماج النووي, ودورها في تخليق العناصر المعروفه, ومن ثم المناداه بتاصل العناصر, وهي صوره مصغره لعمليه الخلق الاول.
(5) التوزيع الحالي للعناصر المعروفه في الجزء المدرك من الكون:
تشير الدراسات الحديثه عن توزيع العناصر المعروفه في الجزء المدرك من الكون الي ان غاز الايدروجين يكون اكثر قليلا من74% من مادته, ويليه في الكثره غاز الهيليوم الذي يكون حوالي24% من تلك الماده, ومعني ذلك ان اخف عنصرين معروفين لنا يكونان معا اكثر من98% من ماده الكون المنظور, وان باقي105 من العناصر المعروفه لنا يكون اقل من2%, مما يشير الي تاصل العناصر, ويدعم نظريه الانفجار العظيم, لان معظم النماذج المقترحه لتلك النظريه تعطي حوالي75% من التركيب الكيميائي لسحابه الدخان الناتجه من ذلك الانفجار غاز الايدروجين,25% من تركيبه غاز الهيليوم, وهي ارقام قريبه جدا من التركيب الكيميائي الحالي للكون المدرك, كما لخصها عدد من العلماء من مثل:
Alpher,Gamow,Wagonar,Fowler
,Hoyle,Schramm,
Olive,Walker,Steigman,Rang,etc.
هذه الشواهد وغيرها دعمت نظريه الانفجار الكوني العظيم وجعلتها اكثر النظريات المفسره لنشاه الكون قبولا في الاوساط العلميه اليوم, ونحن المسلمين نرقي بهذه النظريه الي مقام الحقيقه الكونيه لورود مايدعمها في كتاب الله الذي انزل من قبل الف واربعمائه من السنين يخبرنا بقول الخالق( سبحانه وتعالي):
او لم ير الذين كفروا ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يومنون( الانبياء:30)
وهذه الايه القرانيه الكريمه التي جاءت بصيغه الاستفهام التوبيخي للكافرين والمشركين والملاحده تشد انتباههم الي قدره الله التامه, وسلطانه العظيم اللذين يتضحان من ابداعه في خلقه, ومن صور ذلك الابداع خلق السماوات والارض من جرم ابتدائي واحد سماه ربنا( تبارك وتعالي) باسم مرحله الرتق, والرتق في اللغه الضم والالتئام والالتحام, وهو ضد الفتق( يقال رتقت الشيء فارتتق اي التام والتحم), ثم امر الله( تعالي) بفتق هذا الجرم الابتدائي فانفتق وهي مرحله يسميها القران الكريم باسم مرحله الفتق, وتحول الي سحابه من الدخان( مرحله الدخان) الذي خلق منه ربنا( تبارك وتعالي) كلا من الارض والسماء, وماينتشر بينهما من مختلف صور الماده والطاقه مما نعلم ومالا نعلم, ثم ياتي العلم المكتسب في منتصف القرن العشرين ليكتشف شيئا من معالم تلك الحقيقه الكونيه, ويظل يجاهد في اثباتها حتي يتمكن من شيء من ذلك بنهايات القرن العشرين, حيث نادي بحتميه انعكاس تلك النظريه تحت مسمي نظريه الانسحاق الكبير, ويبقي هذا السبق القراني بالاشاره الي الفتق بعد الرتق, او مايسميه علماء الفلك بالانفجار العظيم, وما ادي اليه من تحول الجرم الابتدائي الي سحابه دخانيه خلقت منها الارض والسماوات, والي توسع الكون الي عصرنا الراهن والي ان يشاء الله, ثم طي ذلك كله مره اخري الي جرم واحد وانفجاره وتحوله الي دخان وخلق ارض غير الارض وسماوات غير السماوات, يبقي ذلك كله من اعظم الشهادات علي ان القران الكريم هو كلام الله الخالق, وعلي ان هذا النبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والارض.
ماذا بعد اتساع الكون؟
ادت الملاحظات العلميه الدقيقه عن توسع الكون, واكتشاف اشباه النجوم
(Quasars),
كما ادي اكتشاف الخلفيه الاشعاعيه للكون المدرك, وتصوير الدخان الكوني علي اطراف هذا الجزء المدرك من الكون, واستنتاج عمليه الاندماج النووي وتخلق العناصر من غاز الايدروجين في داخل الشمس, وفي داخل غيرها من النجوم, والتوزيع الحالي للعناصر المعروفه في الجزء المدرك من الكون ادي ذلك كله الي دعم نظريتي الانفجار الكوني العظيم, والانسحاق الكوني الكبير والي دحض غيرهما من النظريات وفي مقدمتها نظريه الكون الثابت والتي نادي بها كل من هيرمان بوندي
(HermannBondi),
وتوماس جولد
(ThomasGold),
وفريد هويل
.(FredHoyle)
في الاربعينات من القرن العشرين, والتي طرحت انطلاقا من الاعتقاد الخاطيء بازليه الكون والذي ساد الغرب طوال النصف الاول من القرن العشرين, واستمر معه الي اليوم علي الرغم من دحض المعطيات الكليه للعلوم لتلك الفريه الكبيره..!!!
ونحن كمسلمين نرتقي بنظريتي الانفجار الكوني الكبير والانسحاق الكوني الشديد الي مقام الحقيقه لوجود اشاره لهما في كتاب الله, علي الرغم من وجود بعض المعارضين, والرافضين لقبول كلتا النظريتين من الغربيين انفسهم, وحتي الذين اقتنعوا بالنظريتين ودافعوا عنهما انقسموا حيالهما الي مجموعات في غيبه اتباعهم للهدايه الربانيه في امر مستقبلي من امور الغيب, ومقدره العلوم المكتسبه علي التنبو بالامور المستقبليه محدوده جدا.
الاحتمالات المتوقعه لعمليه توسع الكون:
(1) الاحتمال الاول: ويقترح فيه علماء الفلك والفيزياء الفلكيه ان يستمر الكون في التمدد والتوسع الي مالا نهايه( هروبا من الاعتراف بالخلق وبالاخره), وذلك بافتراض استمرار قوه الدفع الي الخارج بمعدلات اقوي من قوي الجاذبيه التي تشدالكون الي الداخل في اتجاه مركزه, وهذا افتراض خاطيء تماما في ضوء الملاحظات الراهنه علي الجزء المدرك من الكون, ومن ابسطها ان استمرار تمدد الكون واتساعه يودي الي خفض درجه حرارته بالتدريج حتي تنطفيء جذوه نجومه بانفجارها, او بتحولها الي اجسام بارده كالكواكب, او الي ثقوب سود تبتلع كل مايدخل في دائره جذبها من مختلف صور الماده والطاقه, ومن هنا كان تمدد الكون الي مالانهايه( وهو مايسمي بنموذج الكون المفتوح) امرا مستبعدا في ضوء ماتفقده النجوم عن طريق اشعاعها من طاقه, والطاقه والماده امران متكافئان, واستمرار فقدان النجوم من طاقتها ينفي امكانيه استمرار الكون في الاتساع الي مالا نهايه.
فشمسنا علي سبيل المثال تفقد في كل ثانيه من عمرها من الطاقه مايقدر بحوالي4,6 مليون طن من الماده, وبافتراض استمرار الكون في التمدد سوف يستمر انتقال الطاقه من الاجسام الحاره كالنجوم الي الاجسام البارده كالكواكب والكويكبات, والاقمار والمذنبات حتي تاتي علي الكون لحظه تتساوي فيها درجه حراره جميع الاجسام فيه فيتوقف الكون عن التمدد ان لم يكن عن امكانيه الوجود, فالاستمرار في توسع الكون مرتبط بالقوه الدافعه للمجرات الي التباعد عن بعضها البعض وهي القوه الناتجه عن عمليه الانفجار العظيم, واذا كانت الحراره التي نتجت عن تلك العمليه والتي تقدرها الحسابات الرياضيه والفيزيائيه ببلايين البلايين من الدرجات المطلقه في لحظه الانفجار قد انخفضت اليوم الي اقل قليلا من ثلاث درجات مطلقه فلابد ان القوه الدافعه, الي الخارج والموديه الي توسع الكون قد تناقصت بنفس المعدل, خاصه ان الحسابات الرياضيه تشير الي ان معدلات التمدد عقب عمليه الانفجار العظيم مباشره كانت اعلي بكثير من معدلاتها الحاليه, وهذا هو الذي دفع بفلكي مثل الان جوث
(AlanGuth)
الي وضع نظريه الكون المتضخم
(TheInflationaryUniverse)
التي تقرر انه في وقت مبكر جدا من تاريخ الكون كان نموه نموا اسيا فائق السرعه, فائق التمدد, وهذا ايضا هو الذي دفع بكل من روبرت دايك
(R.H.Dicke)
وب.ج.ا.بيبلز
(P.J.E.Peebles)
الي القول بان الارصاد الحاليه للكون توحي بان عصرنا الحالي اما ان يكون عصرا فريدا في التمدد عقب عمليه الانفجار الكبير, او ان الشروط الاساسيه للتمدد يجب ان يتم تعديلها بشكل يحقق قدرا من التوافق مع هذه الارصاد التي تثير تساولا عما اذا كان الكون الان مفتوحا( اي مستمرا في التمدد الي مالا نهايه) او مغلقا( اي سوف يتمدد الي اجل محدد ثم يبدا في التكدس علي ذاته) او مستويا بمعني انتفاء تحدب الكون, وقد اشارت اليه كل الحسابات الرياضيه كالتي قام بها اليكساندر فريدمان
(AlexanderFreidmann),
والبرت اينشتاين
(AlbertEinstein)
وغيرهما من الفيزيائيين النظريين والفلكيين.
والاستمرار في توسع الكون مرتبط بالقوه الدافعه بالمجرات للتباعد عن بعضها بعضا وهي مايعبر عنها احيانا بسرعه الافلات من قوي الجاذبيه
(EscapeVelocity),
ولكل جرم سماوي مهما كانت كتلته سرعه افلات محدده من قوه جاذبيته, فسرعه الافلات من جاذبيه الارض تقدر بحوالي11 22 كيلومترا في الثانيه, بمعني انه اذا اطلق صاروخ من الارض بهذه السرعه او باعلي منها فانه يستطيع التغلب علي الجاذبيه الارضيه, ولكن هل سرعه توسع الكون الحاليه تبلغ سرعه الافلات من الجاذبيه الكونيه حتي يستمر في التوسع؟
يعتقد المشتغلون بكل من علمي الكون والفيزياء النظريه ان الامر مرتبط بكثافه الكون, فان كانت كثافته في حدود مايعرف بالكثافه الحرجه
(CriticalDensity)
فمعني ذلك ان قوه الجاذبيه الكونيه تكفي لايقاف توسع الكون في المستقبل الذي لايمكن لاحد ان يعلمه الا الله, اما اذا كانت كثافه الكون اقل من الكثافه الحرجه فمعني ذلك ان الكون سيبقي متوسعا الي مالا نهايه, وهذا مالايمكن اثباته لان الانسان في زمن تفجر المعارف العلميه الذي نعيشه لايدرك اكثر من10% من ماده الكون المنظور, فاني له ان يصل الي معرفه كثافه هذا الجزء من الكون المليء بصور الماده غير المرئيه من مثل الثقوب السود, والماده الداكنه, وجسيمات النيوترينو
(Neutrino)
وغيرها, فضلا عن معرفه كثافه الكون غير المدرك؟ ولذلك يتحدث علماء الفلك عما يسمونه باسم الكتله المفقوده
(TheMissingMass)
في الجزء المدرك من الكون, والتي يعللون وجودها بان كميات الماده والطاقه المشاهده فيه اقل بكثير عن الكميه اللازمه لابقاء اجزائه متماسكه مع بعضها بعضا بفعل الجاذبيه, بل يحتاج ذلك الي عشره اضعاف الكميه المدركه من الماده لكي يبقي الجزء المدرك من الكون في تماسك واتزان, ومن هنا كان التقدير بان90% من ماده الجزء المدرك من الكون غائبه عن ادراكنا.
(2) الاحتمال الثاني: ويقترح فيه علماء الكون نموذجا للكون المتذبذب
(TheOscillatingUniverse)
بغير بدايه ولا نهايه هروبا من الاعتراف بالخلق وجحودا بالخالق( سبحانه وتعالي) ويبقي الكون في هذا النموذج متذبذبا بين التكدس والانفجار اي بين الانكماش والتمدد في دورات متتابعه ولكنها غير متشابهه الي مالا نهايه تبدا بمرحله التكدس علي الذات ثم الانفجار والتمدد ثم التكدس مره اخري وهكذا.
واقترح ريتشارد تولمان
(RichardTolman)
في سنه1934 م ان كل دوره من دورات تذبذب الكون لاتتشابه مع ماقبلها من الدورات بافتراض ان النجوم تنشر اشعاعها في الكون فتتزايد اعداد فوتونات الطاقه ببطء فياتي كل انفجار كوني اعلي حراره من سابقيه علي الرغم من التدمير الكامل الذي يعم الكون في كل مرحله, وهو افتراض ساذج ينسي انطواء الكون علي ذاته بكل مافيه من مختلف صور الماده والطاقه والمكان والزمان, وانغلاق ذلك كله في كل عمليه تكدس يمر بها الكون, ولذلك لم يستطع هذا النموذج المقترح الصمود في ضوء معطيات علم الفلك الحديثه.
(3) الاحتمال الثالث: ويتوقع فيه العلماء تباطو سرعه توسع الكون مع الزمن وهي القوه الناتجه عن عمليه الانفجار العظيم, فكما ان الحراره التي نتجت عن تلك العمليه والتي تقدر حسابيا ببلايين البلايين من الدرجات المطلقه لحظه الانفجار قد انخفضت اليوم الي اقل قليلا من الثلاث درجات مطلقه( اي الي 270 درجه مئويه), فلابد ان القوه الدافعه الي الخارج والموديه الي توسع الكون قد تناقصت بنفس المعدل, خاصه ان الحسابات الرياضيه تشير الي ان معدلات التمدد الكوني عقب عمليه الانفجار العظيم مباشره كانت اعلي بكثير من معدلاتها الحاليه( الكون المتضخم بسرعات فائقه).
ومع تباطو سرعه توسع الكون تتفوق قوي الجاذبيه علي قوه الدفع بالمجرات للتباعد عن بعضها بعضا فتاخذ المجرات في الاندفاع الي مركز الكون بسرعات متزايده, لامه مابينها من مختلف صور الماده والطاقه فيبدا الكون في الانكماش والتكدس علي ذاته, ويطوي كل من المكان والزمان حتي تتلاشي كل الابعاد او تكاد, وتتجمع كل صور الماده والطاقه المنتشره في ارجاء الكون حتي تتكدس في نقطه متناهيه في الضاله, تكاد تصل الي الصفر او العدم, ومتناهيه في الكثافه والحراره الي الحد الذي تتوقف عنده كل قوانين الفيزياء المعروفه, اي يعود الكون الي حالته الاولي( مرحله الرتق) ويسمي هذا النموذج باسم نموذج الكون المنغلق
(TheClosedUniverse)
وتسمي عمليه تجمع الكون بنظريه الانسحاق الكبير
(TheBigCrunchTheory),
وهي معاكسه لعمليه الانفجار الكبير. ونحن المسلمين نومن بتلك النظريه لقول الحق( تبارك وتعالي) في محكم كتابه:
يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدانا اول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين.
(الانبياء:104)
ولايستطيع اي انسان كائنا من كان ان يتوقع شيئا وراء ذلك الغيب المستقبلي بغير بيان من الله الخالق, والقران الكريم يخبرنا فيه بقول الحق( تبارك وتعالي):
يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار.( ابراهيم:48)
وبقوله( عز من قائل):
او لم يروا ان الله الذي خلق السماوات والارض قادر علي ان يخلق مثلهم وجعل لهم اجلا لا ريب فيه فابي الظالمون الا كفورا.( الاسراء:99)
ومعني هذه الايات الكريمه ان الله( تعالي) سوف يطوي صفحه الكون جامعا كل مافيها من مختلف صور الماده, والطاقه, والمكان والزمان, علي هيئه جرم ابتدائي ثان( رتق ثان) شبيه تماما بالجرم الابتدائي الاول( الرتق الاول) الذي نشا عن انفجاره الكون الراهن, وان هذا الجرم الثاني سوف ينفجر بامر من الله( تعالي) كما انفجر الجرم الاول, وسوف يتحول الي سحابه من الدخان كما تحول الجرم الاول, وسوف يخلق الله( تعالي) من هذا الدخان ارضا غير ارضنا الحاليه, وسماوات غير السماوات التي تظلنا, كما وعد( سبحانه وتعالي), وهنا تبدا الحياه الاخره ولها من السنن والقوانين مايغاير سنن الحياه الدنيا, فهي خلود بلا موت, والدنيا موت بعد حياه, وسبحان القائل مخاطبا اهل الجنه:
ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود( ق:34)
وصلي الله وسلم وبارك علي خاتم الانبياء والمرسلين الذي يروي عنه قوله: والله مابعد الدنيا من دار الا الجنه او النار, وانها لجنه ابدا او نار ابدا.
ومن الامور المعجزه حقا ان يشير القران الكريم الذي انزل قبل الف واربعمائه من السنين الي اهم نظريتين في خلق الكون وافنائه وهما نظريتا الانفجار الكبير والانسحاق الكبير ونحن نرتقي بهاتين النظريتين الي مقام الحقيقه لمجرد ورود اشاره اليهما في كتاب الله الخالد الذي لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن المعجز ايضا ان ترد الايتان المشيرتان الي كلتا النظريتين في سوره واحده من سور القران الكريم وهي سوره الانبياء( الايتان:30 و104).
ومن المعجز حقا تلك الاشاره القرانيه المبهره باعاده خلق ارض غير الارض الحاليه, وسماوات غير السماوات الحاليه, وهو غيب لايمكن للانسان ان يصل اليه ابدا بغير هدايه ربانيه, وهي الهدايه. التي تحسم الجدل المحير في امر من امور الغيب المطلق, حار فيه علماء العصر, فسبحان الذي انزل القران بعلمه فقال مخاطبا خاتم انبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم)
لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكه يشهدون وكفي بالله شهيدا
(النساء:166).
-
8 ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في سته ايام ثم استوي علي العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا....
بقلم الدكتور:زغلول النجار
في الوقت الذي ساد اعتقاد الناس بثبات الارض وسكونها, جاء القران الكريم بالتاكيد علي جريها وسبحها, وعلي جري كافه اجرام السماء وسبحها في فسحه الكون الرحيب, ولكن لما كانت هذه الحقائق خافيه علي الناس في زمن تنزل الوحي فقد جاءت الاشارات القرانيه اليها بصياغه لطيفه, رقيقه, غير مباشره حتي لاتصدهم عن قبوله فيحرموا نور الرساله الخاتمه, ويكون ذلك سببا في حرمان البشريه من هديها..!!
من هنا جاءت الاشارات القرانيه الي عدد من الحقائق الكونيه التي كانت غائبه عن علم الناس في زمن الوحي ومنها حركات الارض بصياغه مجمله, غير مباشره, ولكنها في نفس الوقت صياغه بالغه الدقه في التعبير, والشمول في الدلاله, والاحاطه بالحقيقه الكونيه, لتبقي مهيمنه علي المعرفه الانسانيه مهما اتسعت دوائرها, وشاهده للقران الكريم بانه كلام ا لله الخالق, وللنبي الخاتم الذي تلقي الوحي به( صلي الله عليه وسلم) بانه كان معلما من قبل خالق السماوات والارض, وموكده علي وصفه( صلي الله عليه وسلم) للقران الكريم بانه لاتنتهي عجائبه, ولايخلق علي كثره الرد.
الاشارات القرانيه الي حركات الارض:
استعاض القران الكريم في الاشاره الي حركات الارض بغشيان( او بتغشيه) كل من الليل والنهار للاخر, واختلافهما, وتقلبهما, وولوج كل منهما في الاخر, وبسلخ النهار من الليل, وبمرور الجبال مر السحاب, وبالتعبير القراني المعجز عن سبح كل من الليل والنهار كنايه عن الحركات الانتقاليه للارض, وذلك علي النحو التالي:
اولا: ايات غشيان الليل النهار:
وجاء ذكرها في ايتي الاعراف رقم(54), والرعد رقم(3) كما سوف يفصل بعد ذلك بقليل.

ثانيا: ايات اختلاف كل من الليل والنهار:
تباطو سرعه دوران الارض حول محورها مع الزمن مدون في اجساد النباتات وغيرها من الكائنات الحيه والبائده
وهي خمس ايات كريمه توكد كرويه الارض ودورانها حول محورها امام الشمس يقول فيها الحق تبارك وتعالي:
(1) ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار........ لايات لقوم يعقلون
(البقره:164)
(2) ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب
(ال عمران:190)
(3) ان في اختلاف الليل والنهار وماخلق الله في السماوات والارض لايات لقوم يتقون
(يونس:6)
(4) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار افلا تعقلون( المومنون:80)
(5) ان في السماوات والارض لايات للمومنين* وفي خلقكم وما يبث من دابه ايات لقوم يوقنون* واختلاف الليل والنهار وما انزل الله من السماء من رزق فاحيا به الارض بعد موتها وتصريف الرياح ايات لقوم يعقلون
(الجاثيه:2 5)
ويوكد القران الكريم اختلاف الليل والنهار بتعبير اخر يقول فيه ربنا( تبارك وتعالي):
(6) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفه لمن اراد ان يذكر او اراد شكورا
(الفرقان:62)
وبتعبير ثالث يقول فيه( سبحانه وتعالي):
(7) والليل اذ ادبر* والصبح اذا اسفر*( المدثر:34,33)
وبتعبير رابع يقول فيه ربنا( تبارك وتعالي):
(8) والليل اذا عسعس* والصبح اذا تنفس( التكوير:18,17)
ثالثا: ايه تقليب الليل والنهار:
وقد جاءت في سوره النور حيث يقول الخالق( سبحانه وتعالي):
يقلب الليل والنهار ان في ذلك لعبره لاولي الابصار( النور:44)
وفيها اشاره واضحه الي دوران الارض حول محورها امام الشمس.
رابعا: ايات ايلاج الليل في النهار وايلاج النهار في الليل:
وهي خمس ايات يقول فيها ربنا( تبارك وتعالي):
(1) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل.( ال عمران:27)
(2) ذلك بان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وان الله سميع بصير
(الحج:61)
(3) الم تر ان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل....( لقمان:29)
(4) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل...( فاطر13)
(5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور
(الحديد:6)
والولوج لغه هو الدخول, ولما كان من غير المعقول دخول زمن في زمن اخر, اتضح لنا ان المقصود بكل من الليل والنهار هنا هو المكان الذي يتغشيانه اي الارض, بمعني ان الله( تعالي) يدخل نصف الارض الذي يخيم عليه ظلام الليل بالتدريج في مكان النصف الذي يعمه النهار, كما يدخل نصف الارض الذي يعمه النهار بالتدريج في مكان النصف الذي تخيم عليه ظلمه الليل, وهو مايشير الي كل من كرويه الارض ودورانها حول محورها امام الشمس بطريقه غير مباشره, ولكنها تبلغ من الدقه والشمول والاحاطه مايعجز البيان عن وصفه.
خامسا: ايه سلخ النهار من الليل:
ويقول فيها ربنا( تبارك وتعالي):
وايه لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون( يس:37)
ومعني ذلك ان الله( تعالي) ينزع نور النهار من اماكن الارض التي يتغشاها الليل بالتدريج كما ينزع جلد الذبيحه عن كامل بدنها بالتدريج, ولايكون ذلك الا بدوران الارض حول محورها امام الشمس, وفي هذا النص القراني سبق بالاشاره الي رقه طبقه النهار في نصف الكره الارضيه المواجه للشمس, وهي حقيقه لم يدركها الانسان الا بعد رياده الفضاء في النصف الثاني من القرن العشرين حيث ثبت ان سمك طبقه النهار حول الارض لايتعدي المائتي كيلو متر فوق سطح البحر, واذا نسب ذلك الي المسافه التي تفصل بيننا وبين الشمس( والمقدره بحوالي المائه والخمسين مليونا من الكيلو مترات) فانها لاتتجاوز الواحد الي سبعمائه وخمسين الفا تقريبا, واذا نسب الي نصف قطر الجزء المدرك من الكون( والمقدر باكثر من عشره الاف مليون من السنين الضوئيه*9.5 مليون مليون كيلو متر) اتضحت ضالته, واتضحت كذلك لمحه الاعجاز القراني في تشبيه انحسار طبقه النهار الرقيقه عن ظلمه الليل بسلخ جلد الذبيحه الرقيق عن كامل بدنها, وفي التاكيد علي ان الظلام هو الاصل في الكون, وان نور النهار ظاهره رقيقه عارضه لاتظهر الا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للارض في نصفها المواجه للشمس.
سادسا: ايتا سبح كل من الليل والنهار كنايه عن سبح الارض في مداراتها المختلفه:
ويقول فيهما ربنا( تبارك وتعالي:)
(1) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون( الانبياء:33)
(2) لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
(يس:40)
سابعا: ايه مرور الجبال مر السحاب:
وفيها يقول الخالق( سبحانه وتعالي):
وتري الجبال تحسبها جامده وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ انه خبير بما تعملون( النمل:88)
ومرور الجبال مر السحاب هو كنايه عن دوران الارض حول محورها, وعن جريها وسبحها في مداراتها, وذلك لان الغلاف الغازي للارض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط بالارض برباط الجاذبيه, وحركته منضبطه مع حركه كل من الارض, والسحاب المسخر فيه.
غشيان( تغشيه) الليل النهار:
جاء ذكر هذه الحقيقه الكونيه في ايتين كريمتين من ايات القران العظيم يقول فيهما ربنا( تبارك وتعالي):
(1) ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في سته ايام ثم استوي علي العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين*)( الاعراف:54)
(2) وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون( الرعد3)
كذلك جاء ذكر تجليه النهار للشمس, وتغشيتها بالليل في قول الحق( تبارك وتعالي): والشمس وضحاها* والقمر اذا تلاها* والنهار اذا جلاها* والليل اذا يغشاها( الشمس:1 4)
وجاء ذكر تغشيه الليل وتجليه النهار دون تفصيل في قول ربنا( تبارك وتعالي):
والليل اذا يغشي* والنهار اذا تجلي
(الليل:2,1)
والفعل( يغشي) مستمد من( الغشاء) وهو الغطاء, يقال غشي بمعني غطي وستر, ويقال( غشاه) و( تغشاه)( تغشيه) اي غطاه تغطيه, و(اغشاه) اياه غيره, و( الغشوه) بفتح الغين وضمها وكسرها و( الغشاوه) مايتغطي او يغطي به الشيء, ويقال( غشيه)( غشيانا) و( غشاوه) و(غشاء) اي جاءه مجيء ما قد غطاه وستره, و(استغشي) بثوبه و( تغشي) به اي تغطي به, و(الغاشيه) كل مايغطي الشيء كغاشيه السرج, و(الغاشيه) تستخدم كنايه عن القيامه التي( تغشي) الخلق باهوالها وجمعها( غواش), و(غاشيه تغشاهم) اي امر يعمهم سواء كان شرا ام خيرا من مثل نائبه تجللهم او فرح يعمهم.
من ذلك يتضح ان من معاني يغشي الليل النهار ان الله( تعالي) يغطي بظلمه الليل مكان نور النهار علي الارض بالتدريج فيصير ليلا, ويغطي بنور النهار مكان ظلمه الليل علي الارض بالتدريج فيصير نهارا, وهي اشاره لطيفه الي كل من كرويه الارض ودورانها حول محورها امام الشمس دوره كامله في كل يوم مدته24 ساعه, يتقاسمها بتفاوت قليل الليل والنهار, في تعاقب تدريجي ينطق بطلاقه القدره الالهيه المبدعه, فلو لم تكن الارض كرويه الشكل مااستطاعت الدوران حول محورها, ولو لم تدر حول محورها امام الشمس ماتبادل الليل والنهار.
والقران الكريم يستخدم تعبير الليل والنهار في مواضع كثيره استخداما مجازيا للاشاره الي كوكب الارض, كما يشير بهما الي كل من الظلمه والنور علي التوالي والي العديد من المظاهر المصاحبه لهما من مثل قوله( تعالي):
والشمس وضحاها* والقمر اذا تلاها* والنهار اذا جلاها* والليل اذا يغشاها
(الشمس:1 4)
وفي هذه الايات الكريمه يقسم ربنا تبارك وتعالي( وهو الغني عن القسم) بالنهار الذي يجلي الشمس اي يظهرها واضحه جليه لسكان الارض, وهي حقيقه لم يدركها العلماء الا من بعد رياده الفضاء في النصف الاخير من القرن العشرين, حين اكتشفوا ان نور النهار المبهج لا يتعدي سمكه مائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر في نصف الكره الارضيه المواجه للشمس, وان هذا الحزام الرقيق من الغلاف الغازي للارض يصفو من الملوثات وتقل كثافته بالارتفاع علي سطح الارض, بينما تزداد كثافته ونسب كل من بخار الماء وهباءات الغبار فيه كلما اقترب من سطح الارض, ويقوم ذلك التركيز وتلك الهباءات من الغبار بالمساعده علي تشتيت ضوء الشمس, وتكرار انعكاسه مرات عديده حتي يظهر لنا باللون الابيض المبهج الذي يميز النهار كظاهره نورانيه مقصوره علي النطاق الاسفل من الغلاف الغازي للارض في نصفها المواجه للشمس, بينما يعم الظلام الكون المدرك في غالبيه اجزائه, وتبدو الشمس بعد تجاوز نطاق نور النهار قرصا ازرق في صفحه سوداء, ومن هنا فهمنا المعني المقصود من ان النهار يجلي الشمس, بينما ظل كل الناس الي اواخر القرن العشرين وهم ينادون بان الشمس هي التي تجلي النهار, فسبحان الذي انزل تلك الحقيقه الكونيه من قبل الف واربعمائه سنه, والتي لم يكتشفها العلم التجريبي الا في النصف الاخير من القرن العشرين...!!!
كذلك يقسم ربنا( تبارك وتعالي) في سوره الليل وهو( تعالي) غني عن القسم بقوله عز من قائل: والليل اذا يغشي والنهاراذا تجلي( الليل:2,1) وهو قسم بالليل( اي ليل الارض) الذي يغشي اي يغطي نصف الكره الارضيه البعيد عن الشمس بالظلام لعدم مواجهته للشمس, وقسم بالنهار( اي نهار الارض) الذي تشرق فيه الشمس علي نصف الكره الارضيه المواجه لها فيعمه نور النهار, وبتعاقبهما تستقيم الحياه علي الارض, ويتمكن الانسان من ادراك مرور الزمن والتاريخ للاحداث.
وحينما يغشي الليل بظلمته نصف الارض, البعيد عن الشمس تتصل ظلمه الارض بظلمه السماء فيعم الظلام, وفي نفس الوقت يتجلي النهار في نصف الارض المواجه للشمس بنوره المبهج فاصلا الارض عن ظلمه الكون بحزام رقيق من النور الابيض لا يكاد يتعدي سمكه المائتي كيلو متر.
ويمن علينا ربنا( تبارك وتعالي) بتبادل كل من الليل والنهار فيقول( سبحانه): قل ارءيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الي يوم القيامه من اله غير الله ياتيكم بضياء افلا تسمعون* قل ارءيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الي يوم القيامه من اله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون* ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون( القصص:71 73)
ويقول( عز من قائل):
وجعلنا الليل لباسا, وجعلنا النهار معاشا( النبا:11,10)
يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا
يتساءل قاريء القران الكريم عن الوصف حثيثا الذي جاء في الايه( رقم54) من سوره الاعراف ولم يذكر في بقيه ايات تغشيه الليل النهار, او التغشيه بغير تحديد, وللاجابه علي ذلك اقول ان ايه سوره الاعراف مرتبطه بالمراحل الاولي من خلق السماوات والارض, بينما بقيه الايات تصف الظاهره بصفه عامه.
واللفظه( حثيثا) تعني مسرعا حريصا, يقال( حثه) من باب رده و(استحثه) علي الشيء اي حضه عليه( فاحتث), و(حثثه تحثيثا وحثحثه) بمعني حضه, و(تحاثوا) بمعني تحاضوا.
والدلاله الواضحه للايه الكريمه( رقم54) من سوره الاعراف ان حركه تتابع الليل والنهار( اي حركه دوران الارض حول محورها امام الشمس) كانت في بدء الخلق سريعه متعاقبه بمعدلات اعلي من سرعتها الحاليه والا ما غشي الليل النهار يطلبه حثيثا, وقد ثبت ذلك اخيرا عن طريق دراسه مراحل النمو المتتاليه في هياكل الحيوانات وفي جذوع الاشجار المعمره والمتاحفره, وقد انضوت دراسه تلك الظاهره في جذوع الاشجار تحت فرع جديد من العلوم التطبيقيه يعرف باسم علم تحديد الازمنه بواسطه الاشجار او
(Dendrochronology)
وقد بدا هذا العلم بدراسه الحلقات السنويه التي تظهر في جذوع الاشجار عند عمل قطاعات مستعرضه فيها وهي تمثل مراحل النمو المتتاليه في حياه النبات( من مركز الساق حتي طبقه الغطاء الخارجي المعروفه باسم اللحاء), وذلك من اجل التعرف علي الظروف المناخيه والبيئيه التي عاشت في ظلها تلك الاشجار حيث ان الحلقات السنويه في جذوع الاشجار تنتج بواسطه التنوع في الخلايا التي يبنيها النبات في فصول السنه المتتابعه( الربيع, والصيف, والخريف, والشتاء) فترق رقه شديده في فترات الجفاف, وتزداد سمكا في الاونه المطيره.
وقد تمكن الدارسون لتلك الحلقات السنويه من متابعه التغيرات المناخيه المسجله في جذوع عدد من الاشجار الحيه المعمره مثل اشجار الصنوبر ذات المخاريط الشوكيه المعروفه باسم
(Pinusaristata)
الي اكثر من ثمانيه الاف سنه مضت, ثم انتقلوا الي دراسه الاحافير عبر العصور الارضيه المتعاقبه, وطوروا تقنياتهم من اجل ذلك فتبين لهم ان الحلقات السنويه في جذوع الاشجار
(AnnualRings)
وخطوط النمو في هياكل الحيوانات
(LinesofGrowth)
يمكن تصنيفها الي السنوات المتتاليه, بفصولها الاربعه, وشهورها الاثني عشر, واسابيعها السته والخمسين, وايامها, ونهار كل يوم وليله وان عدد الايام في السنه يتزايد باستمرار مع تقادم عمر العينه المدروسه, ومعني ذلك ان سرعه دوران الارض حول محورها امام الشمس كانت في القديم اسرع منها اليوم, وهنا تتضح روعه التعبير القراني يطلبه حثيثا عند بدء الخلق كما جاء في الايه رقم(54) من سوره الاعراف.
تزايد عدد ايام السنه بتقادم عمر الارض وعلاقتها بالسرعه الفائقه لدوران الارض حول محورها عند بدء الخلق
في اثناء دراسه الظروف المناخيه والبيئيه القديمه كما هي مدونه في كل من جذوع النباتات وهياكل الحيوانات القديمه اتضح للدارسين انه كلما تقادم الزمن بتلك الحلقات السنويه وخطوط النمو زاد عدد الايام في السنه, وزياده عدد الايام في السنه هو تعبير دقيق عن زياده سرعه دوران الارض حول محورها امام الشمس.
وبتطبيق هذه الملاحظه المدونه في الاحافير( البقايا الصلبه للكائنات البائده) بدقه بالغه اتضح ان عدد ايام السنه في العصر الكمبري
CambrianPeriod))
اي منذ حوالي ستمائه مليون سنه مضت كان425 يوما, وفي منتصف العصر الاوردوفيشي
(OrdovicianPeriod)
اي منذ حوالي450 مليون سنه مضت كان415 يوما, وبنهايه العصر التراياسي
(TriassicPeriod)
اي منذ حوالي مائتي مليون سنه مضت كان385 يوما, وهكذا ظل هذا التناقص في عدد ايام السنه( والذي يعكس التناقص التدريجي في سرعه دوران الارض حول محورها) حتي وصل عدد ايام السنه في زماننا الراهن الي365,25 يوم تقريبا(365 يوما,5 ساعات,49 دقيقه,12 ثانيه). وباستكمال هذه الدراسه اتضح ان الارض تفقد من سرعه دورانها حول محورها امام الشمس واحدا من الالف من الثانيه في كل قرن من الزمان بسبب كل من عمليتي المد والجزر وفعل الرياح المعاكسه لاتجاه دوران الارض حول محورها, وكلاهما يعمل عمل الكابح( الفرامل) التي تبطيء من سرعه دوران الارض حول محورها. وبمد هذه الدراسه الي لحظه تيبس القشره الخارجيه للارض( اي قريبا من بدايه خلقها علي هيئتها الكوكبيه) منذ حوالي4,600 مليو
ن سنه مضت وصل عدد الايام بالسنه الي2200 يوم تقريبا, ووصل طول الليل والنهار معا الي حوالي الاربع ساعات, ومعني هذا الكلام ان سرعه دوران الارض حول محورها امام الشمس كانت سته اضعاف سرعتها الحاليه..!! فسبحان الله الذي انزل في محكم كتابه من قبل الف واربعمائه سنه قوله الحق:
ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في سته ايام ثم استوي علي العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا...( الاعراف:54)
وسبحان الله الذي ابقي لنا في هياكل الكائنات الحيه والبائده ما يوكد تلك الحقيقه الكونيه, حتي تبقي هذه الاشاره القرانيه الموجزه يطلبه حثيثا مما يشهد بالاعجاز العلمي للقران الكريم, وبانه كلام الله الخالق, وبان خاتم الانبياء والمرسلين الذي تلقاه عن طريق الوحي كان موصولا برب السماوات والارض, وانه( صلي الله عليه وسلم) ما كان ينطق عن الهوي...!!
ارتباك دوران الارض قبل
طلوع الشمس من مغربها
بمعرفه كل من سرعه دوران الارض حول محورها امام الشمس في ايامنا الراهنه, ومعدل تباطو سرعه هذا الدوران مع الزمن, توصل العلماء الي الاستنتاج الصحيح ان ارضنا سوف ياتي عليها وقت تجبر فيه علي تغيير اتجاه دورانها بعد فتره من الاضطراب, فمنذ اللحظه الاولي لخلقها الي اليوم والي ان يشاء الله تدور ارضنا من الغرب الي الشرق, فتبدو الشمس طالعه من الشرق, وغاربه في الغرب, فاذا انعكس اتجاه دوران الارض طلعت الشمس من مغربها وهو من العلامات الكبري للساعه ومن نبوءات المصطفي( صلي الله عليه وسلم)
فعن حذيفه بن اسيد الغفاري( رضي الله عنه) انه قال:
اطلع النبي( صلي الله عليه وسلم) علينا ونحن نتذاكر, فقال: ما تذاكرون؟, قلنا: نذكر الساعه,
فقال: انها لن تقوم حتي تروا قبلها عشر ايات
فذكر: الدخان, الدجال, والدابه, وطلوع الشمس من مغربها, ونزول عيسي بن مريم, وياجوج وماجوج, وثلاثه خسوف: خسف بالمشرق, وخسف بالمغرب, وخسف بجزيره العرب, واخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الي محشرهم
وعن عبدالله بن عمرو( رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله( صلي الله عليه وسلم) يقول: ان اول الايات خروجا طلوع الشمس من مغربها, وخروج الدابه علي الناس ضحي, وايهما ما كانت قبل صاحبتها, فالاخري علي اثرها قريبا.
وفي حديث الدجال الذي رواه النواس بن سمعان( رضي الله عنه) قال: ذكر رسول الله( صلي الله عليه وسلم) الدجال.. قلنا يا رسول الله: وما لبثه في الارض؟ قال( صلي الله عليه وسلم): اربعون يوما, يوم كسنه, ويوم كشهر, ويوم كجمعه, وسائر ايامه كايامكم, قلنا يارسول الله فذلك اليوم الذي كسنه اتكفينا فيه صلاه يوم؟ قال( صلي الله عليه وسلم): لا, اقدروا له...
ومن الامور العجيبه ان ياتي العلم التجريبي في اواخر القرن العشرين ليوكد انه قبل تغيير اتجاه دوران الارض حول محورها امام الشمس ستحدث فتره اضطراب نتيجه لتباطو سرعه دوران الارض حول محورها, وفي فتره الاضطراب تلك ستطول الايام بشكل كبير ثم تقصر وتنتظم بعد ذلك.
ويعجب الانسان لهذا التوافق الشديد بين نبوءه المصطفي( صلي الله عليه وسلم) وما اثبته العلم التجريبي في اواخر القرن العشرين, والسوال الذي يفرض نفسه: من الذي علم ذلك لهذا النبي الامي( صلي الله عليه وسلم)؟ ولماذا اشار القران الكريم الي مثل هذه القضايا الغيبيه التي لم تكن معروفه في زمن الوحي؟ ولا لقرون من بعده؟ لولا ان الله( تعالي) يعلم بعلمه المحيط ان الانسان سيصل في يوم من الايام الي اكتشاف تلك الحقائق الكونيه فتكون هذه الاشارات المضيئه في كتاب الله وفي احاديث خاتم انبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) شهاده له بالنبوه وبالرساله, في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه.
خطا شائع يجب تصحيحه:
يظن بعض الناس اننا اذا ادركنا في صخور الارض او في صفحه السماء عددا من معدلات التغيير الانيه في النظام الكوني الذي نعيش فيه فانه قد يكون من الممكن ان نحسب متي ينتهي هذا النظام, وبمعني اخر متي تكون الساعه...!!
وهذا وهم لا اساس له من الصحه لان الاخره لها من السنن والقوانين مايغاير سنن الدنيا, وانها تاتي فجاه بقرار الهي كن فيكون, دون انتظار لرتابه السنن الكونيه الراهنه التي تركها لنا ربنا( تبارك وتعالي) رحمه منه بنا, اثباتا لامكان حدوث الاخره, وقرينه علميه علي حتميه وقوعها والتي جادل فيها اهل الكفر والالحاد عبر التاريخ, والذين كانت حجتهم الواهيه الادعاء الباطل بازليه العالم, وهو ادعاء اثبتت العلوم الكونيه في عطاءاتها الكليه بطلانه بطلانا كاملا...!!!
فعلي سبيل المثال لا الحصر تفقد شمسنا من كتلتها في كل ثانيه علي هيئه طاقه مايساوي4,6 مليون طن من الماده( اي نحو اربعه بلايين طن في اليوم), ونحن نعرف كتله الشمس في وقتنا الحاضر فهل يمكن لعاقل ان يتصور امكان استمرار الشمس حتي اخر جرام من مادتها؟ وحينئذ يمكن بقسمه كتله الشمس علي ما تفقده في اليوم ان ندرك كم بقي من عمرها؟
هذا كلام يرفضه العقل السليم, لان الساعه قرار الهي غير مرتبط بفناء ماده الشمس, وان ابقي لنا ربنا( تبارك وتعالي) هذه الظاهره من الافناء التدريجي للشمس, ولغيرها من نجوم السماء دليلا ماديا ملموسا علي حتميه الاخره, اما متي تكون؟ فهذا غيب مطلق في علم الله, لا يعلمه الا هو( سبحانه وتعالي).
وبالمثل فان الحراره تنتقل في كوننا المدرك من الاجسام الحاره الي الاجسام البارده, ويفترض قانون انتقال الحراره استمرارتلك العمليه حتي تتساوي درجه حراره كل اجرام الكون وينتهي كل شئ, فهل يمكن لعاقل ان يتصوراستمرار الوجود حتي تتساوي درجه حراره كل الاجرام في الكون, ام ان هذا قرار الهي: كن فيكون غير مرتبط بانتقال الحراره من الاجسام الحاره الي الاجسام البارده, وان ابقاها الله( تعالي) قرينه ماديه ملموسه علي حتميه الاخره؟ وعلي ان الكون الذي نحيا فيه ليس ازليا ولا ابديا, فقد كانت له بدايه, ولابد ان ستكون له في يوم من الايام نهايه؟ وهذا ما اثبتته جميع الدراسات العلميه في عصر تفجر المعرفه الذي نعيشه, وان تلك النهايه لن تتم برتابه الاحداث الدنيويه في الجزء المدرك من الكون, بل هي قرار الهي فجائي لا يعلم وقته الا الله سبحانه وتعالي ولذلك انزل لنا في محكم كتابه قوله الحق مخاطبا خاتم انبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم):
يسالونك عن الساعه ايان مرساها قل انما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الاهو ثقلت في السموات والارض لا تاتيكم الا بغته يسالونك كانك حفي عنها قل انما علمها عند الله ولكن اكثر الناس لا يعلمون) الاعراف:187)
كما انزل( سبحانه وتعالي) كذلك في المعني نفسه:
يسالونك عن الساعه ايان مرساها* فيم انت من ذكراها* الي ربك منتهاها* انما انت منذر من يخشاها* كانهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشيه او ضحاها( النازعات:42 46)
وعلي ذلك جاء رد المصطفي( صلي الله عليه وسلم) علي جبريل( عليه السلام) حين ساله في جمع من الصحابه: فاخبرني عن الساعه؟ بقوله الشريف: ما المسئول عنها باعلم من السائل.
فسبحان الله الذي انزل القران الكريم بالحق, انزله بعلمه, وجعله معجزه خاتم انبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) الي قيام الساعه, وجعله مهيمنا علي المعرفه الانسانيه مهما اتسعت دوائرها في كل امر ذكر فيه, وجعل كل ايه من اياته, وكل كلمه من كلماته, وكل حرف من حروفه, وكل اشاره, ودلاله, ووصف فيه مما يشهد بانه كلام الله الخالق, ويشهد للنبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) بالنبوه والرساله الخاتمه.
-
9 فلا اقسم بمواقع النجوم. وانه لقسم لو تعلمون عظيم
بقلم الدكتور: زغلول النجار
في هاتين الايتين الكريمتين يقسم ربنا تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم بمواقع النجوم, ثم ياتي جواب القسم:
انه لقران كريم* في كتاب مكنون* لا يمسه الا المطهرون* تنزيل من رب العالمين( الواقعه:77 80)
والمعني المستفاد من هذه الايات الكريمه ان الله تعالي يخبرنا بقوله( عز من قائل): اقسم قسما مغلظا بمواقع النجوم وان هذا القسم جليل عظيم لو كنتم تعرفون قدره ان هذا القران كتاب كريم, جم الفوائد والمنافع, لاشتماله علي اصول الدين من العقيده والعباده والاخلاق والمعاملات, وغير ذلك من امور الغيب وضوابط السلوك وقصص الانبياء واخبار الامم السابقه والعبر المستفاده منها, وعدد من حقائق ومظاهر الكون الداله علي وجود الله وعلي عظيم قدرته, وكمال حكمته واحاطه علمه.
وياتي جواب القسم: ان الله تعالي قد تعهد بحفظ هذا الوحي الخاتم في كتاب واحد مصون بقدره الله( تعالي), محفوظ بحفظه من الضياع او التبديل والتحريف, وهو المصحف الشريف, الذي لا يجوز ان يمسه الا المطهرون من جميع صور الدنس المادي( اي المتوضئون الطاهرون), ولا يستشعر عظمته وبركته الا المومنون بالله, الموحدون لذاته العليا, المطهرون من دنس الشرك, والكفر, والنفاق, ورذائل الاخلاق, لان هذا القران الكريم هو وحي الله الخاتم, المنزل علي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وهو معجزته الخالده الي يوم الدين, انزله الله تعالي بعلمه وهو الاله الخالق, رب السماوات والارض ومن فيهن, وقيوم الكون ومليكه( سبحانه وتعالي), ولذلك يقول( عز من قائل):
فلا اقسم بمواقع النجوم* وانه لقسم لو تعلمون عظيم* انه لقران كريم* في كتاب مكنون* لا يمسه الا المطهرون* تنزيل من رب العالمين*
( الواقعه:75 80)
تفسير القسم بمواقع النجوم

الفاء حرف عطف, يعطف بها فتدل علي الترتيب والتعقيب مع الاشتراك, او يكون ما قبلها عله لما بعدها, وتجري علي العطف والتعقيب دون الاشتراك, وقد تكون للابتداء, ويكون مابعدها حينئذ كلاما مستانفا, واغلب الظن انها هنا للابتداء.
ولا احد حروف الهجاء, اعتبرها نحاه البصريين حرفا زائدا في اللفظ لا في المعني, بينما اعتبرها نحاه الكوفيين اسما لوقوعها موقع الاسم, خاصه اذا سبقت بحرف من حروف الجر, وهي تاتي نافيه للجنس, او ناهيه عن امر, او جوابيه لسوال, او بمعني غير او زائده, وتاره تعمل عمل ان, او عمل ليس, او غير ذلك من المعاني.
ومن اساليب اللغه العربيه ادخال لا النافيه للجنس علي فعل القسم: لا اقسم من اجل المبالغه في توكيد القسم, بمعني انه لا يقسم بالشيء الا تعظيما له, كانهم ينفون ما سوي المقسم عليه فيفيد تاكيد القسم به, وقيل: هي للنفي, بمعني لا اقسم به اذ الامر اوضح من ان يحتاج الي قسم اصلا فضلا عن هذا القسم العظيم.
ومواقع النجوم هي الاماكن التي تمر بها في جريها عبر السماء وهي محتفظه بعلاقاتها المحدده بغيرها من الاجرام في المجره الواحده, وبسرعات جريها ودورانها, وبالابعاد الفاصله بينها, وبقوي الجاذبيه الرابطه بينها, واللفظه مواقع جمع موقع يقال: وقع الشيء موقعه, من الوقوع بمعني السقوط. والمسافات بين النجوم مذهله للغايه لضخامه ابعادها, وحركات النجوم عديده وخاطفه, وكل ذلك منوط بالجاذبيه, وهي قوه لا تري, تحكم الكتل الهائله للنجوم, والمسافات الشاسعه التي تفصل بينها, والحركات المتعدده التي تتحركها من دوران حول محاورها وجري في مداراتها المتعدده, وغيرذلك من العوامل التي نعلم منها ولا نعلم....!!!
وهذا القسم القراني العظيم بمواقع النجوم يشير الي سبق القران الكريم بالاشاره الي احدي حقائق الكون المبهره, والتي تقول انه نظرا للابعاد الشاسعه التي تفصل نجوم السماء عن ارضنا, فان الانسان علي هذه الارض لا يري النجوم ابدا, ولكنه يري مواقع مرت بها النجوم ثم غادرتها, وعلي ذلك فهذه المواقع كلها نسبيه, وليست مطلقه, ليس هذا فقط بل ان الدراسات الفلكيه الحديثه قد اثبتت ان نجوما قديمه قد خبت او تلاشت منذ ازمنه بعيده, والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرت بها لايزال يتلالا في ظلمه السماء في كل ليله من ليالي الارض الي اليوم الراهن, كما انه نظرا لانحناء الضوء في صفحه الكون فان النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهريه غير مواقعها الحقيقيه, ومن هنا كان هذا القسم القراني بمواقع النجوم, وليس بالنجوم ذاتها علي عظم قدر النجوم التي كشف العلم عنها انها افران كونيه عجيبه يخلق الله( تعالي) لنا فيها كل صور الماده والطاقه التي ينبني منها هذا الكون المدرك.
ماهيه النجوم

النجوم هي اجرام سماويه منتشره بالسماء الدنيا, كرويه او شبه كرويه, غازيه, ملتهبه, مضيئه بذاتها, متماسكه بقوه الجاذبيه علي الرغم من بنائها الغازي, هائله الكتله, عظيمه الحجم, عاليه الحراره بدرجه مذهله, وتشع كلا من الضوء المرئي وغير المرئي بجميع موجاته. ويمكن بدراسه ضوء النجم الواصل الينا التعرف علي العديد من صفاته الطبيعيه والكيميائيه من مثل درجه لمعانه, شده اضاءته, درجه حرارته, حجمه, كتلته, موقعه منا, سرعه دورانه حول محوره, وسرعه جريه في مداره, تركيبه الكيميائي, ومستوي التفاعلات النوويه فيه الي غير ذلك من صفات.
وقد امكن تصنيف النجوم العاديه علي اساس من درجه حراره سطحها الي نجوم حمراء(3200 درجه مطلقه) وهي اقلها حراره, الي نجوم برتقاليه, وصفراء, وبيضاء مائله الي الصفره, وبيضاء, وبيضاء مائله الي الزرقه, وزرقاء(30,000 درجه مطلقه) وهي اشدها حراره, وشمسنا من النجوم الصفراء متوسطه الحراره اذ تبلغ درجه حراره سطحها حوالي سته الاف درجه مطلقه.
والغالبيه الساحقه من النجوم(90%) تتبع هذه الانواع من النجوم العاديه التي تعرف باسم نجوم النسق الاساسي
(Main Sequence Srars),
والباقي هي نجوم في مراحل الانكدار او الطمس او في مراحل الانفجار والتلاشي, من مثل الاقزام البيضاء, النجوم النيوترونيه( النابضه وغير النابضه) والثقوب السود في المجموعه الاولي, والعمالقه الحمر, والعمالقه العظام, والنجوم المستعره, وفوق المستعرات في المجموعه الثانيه.
واكثر النجوم العاديه لمعانا هي اعلاها كثافه, وبعضها يصل في كتلته الي مائه مره قدر كتله الشمس, وتشع قدر اشعاع الشمس ملايين المرات.
واقل نجوم السماء لمعانا هي الاقزام الحمر
(Red Dwarfs),
وتبلغ درجه لمعانها اقل من واحد من الالف من درجه لمعان الشمس.
واقل كتله لجرم سماوي يمكن ان تتم بداخله عمليه الاندماج النووي فيسلك مسلك النجوم هو8% من كتله الشمس( المقدره بحوالي الفي مليون مليون مليون مليون طن), والنجوم بمثل هذه الكتل الصغيره, نسبيا هي من النجوم المنكدره من امثال النجوم البنيه القزمه او مايعرف باسم الاقزام البنيه
(Brown Dwarfs)..
والنجوم تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخه قبل ان تنفجر او تتكدس علي ذاتها فتطمس طمسا كاملا, فهي تولد من الدخان الكوني بتكدس هذا الدخان علي ذاته( باراده الخالق سبحانه وتعالي) وبفعل الجاذبيه فتتكون نجوم ابتدائيه
(Prostars),
ثم تتحول هذه النجوم الابتدائيه الي النجوم العاديه
(Main Sequence Srars),
ثم تنتفخ متحوله الي العماليق الحمر
(Red Giants),
فاذا فقدت العماليق الحمر هالاتها الغازيه تحولت الي مايعرف باسم السدم الكوكبيه
(Planetary Nebulae),
ثم تنكمش علي هيئه مايعرف باسم الاقزام البيض
(White Dwarfs),
وقد تتكرر عمليه انتفاخ القزم الابيض الي عملاق احمر ثم العوده الي القزم الابيض عده مرات, وتنتهي هذه الدوره بالانفجار علي هيئه فوق مستعر من الطراز الاول
(Type I Super nova Explosion)
اما اذا كانت الكتله الابتدائيه للنجم العادي كبيره( عده مرات قدر كتله الشمس) فانه ينتفخ في اخر عمره علي هيئه العمالقه الكبار
(Super giants),
ثم ينفجر علي هيئه فوق مستعر من الطراز الثاني
(Type II Super nova Explosion),
فينتج عن هذا الانفجار النجوم النيوترونيه
(Neutron Stars)
النابضه
(Pulsars),
وغير النابضه
(Non-Pulsating Neutron Stars),
او الثقوب السود
(Black Holes)
او ما نسميه باسم النجوم الخانسه الكانسه وذلك حسب الكتله الابتدائيه للنجم.
والنجوم العاديه منها المفرد( مثل شمسنا) والمزدوج
(Binary Stars)
ومنها المتعدد
(Multiple Stars),
وتشير الدراسات الفلكيه الي ان اغلب النجوم مزدوجه او متعدده, والنجوم المزدوجه تتشكل من نجمين يدوران في مدار واحد حول مركز ثقلهما
Common Cente of Mass,
ومن النجوم المزدوجه مايتقارب فيها النجمان من بعضهما البعض بحيث لايمكن فصلهما الا عن طريق فصل اطياف الضوء المنبثق من كل منهما بواسطه المطياف الضوئي
(Spectroscope),
ومن هذه النجوم المزدوجه مايمكن ان يخفي احدهما الاخر لدرجه الكسوف الكلي.
والنجوم افران كونيه يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النوويه التي تعرف باسم عمليه الاندماج النووي
(Nuclear Fusion)
وهي عمليه يتم بواسطتها اندماج نوي ذرات الايدروجين( اخف العناصر المعروفه) لتكون نوي الذرات الاثقل بالتدريج وتنطلق الطاقه التي تزيد من درجه حراره النجم حتي يتحول الي مايعرف باسم النجم المستعر
(Nova)
والعملاق الاحمر
RedGiant,
او النجم العملاق الاعظم
(Supergiant)
وحينما يتحول قلب النجم المستعر الي حديد تستهلك طاقه النجم, وتتوقف عمليه الاندماج النووي فيه, وينفجر النجم فيتحول اما الي قزم ابيض, او الي نجم نيوتروني او الي ثقب اسود حسب كتلته الابتدائيه فينكدر النجم او يطمس ضووه طمسا كاملا.
وعند انفجار النجوم تتناثر اشلاوها ومنها الحديد في صفحه السماء, فيبدا بعض هذا الحديد في اصطياد الجسيمات الاوليه للماده لتكوين العناصر الاعلي في وزنها الذري من الحديد بالتدريج.
الشمس نجم من نجوم السماء الدنيا

الشمس هي النجم الذي تتبعه ارضنا فتدور حولها مع باقي افراد المجموعه الشمسيه, وتدور معها حول مركز المجره, وهي اقرب نجوم السماء الينا, ويقدر بعدها عنا بحوالي مائه وخمسين مليونا من الكيلو مترات, ويقدر نصف قطرها بحوالي سببعمائه الف كيلو متر(6.960*510 كيلو متر), وتقدر كتلتها بحوالي الفي مليون مليون مليون مليون طن(1.99*10(27) طن), ومتوسط كثافتها(1.41 جرام للسنتيمتر المكعب) اي اعلي قليلا من كثافه الماء, وتبدو الشمس لنا قرصا صغيرا في السماء علي الرغم من ان حجمها يزيد عن مليون ضعف حجم الارض نظرا لبعدها الشاسع عنا.
وتقدر درجه حراره لب الشمس بحوالي15 مليون درجه مطلقه, ودرجه حراره سطحها حوالي سته الاف درجه مطلقه(5800 درجه مطلقه) بينما تصل درجه الحراره في هاله الشمس( اي اكليلها) الي مليوني درجه مطلقه, وهذه الدرجات العاليه من الحراره, والانخفاض الشديد في كثافه ماده الشمس لايسمحان للانسان من علي سطح الارض برويه الشمس بالعين المجرده, ولاباستخدام المناظير المقربه الا اذا احتجبت الكره المضيئه للشمس
(Photosphere)
احتجابا كاملا بالكسوف الكلي لها او بالطرق المختبريه المختلفه, والكثافه في مركز الشمس تصل الي90 جراما للسنتيمتر المكعب, وتتناقص في اتجاه سطح الشمس لتصبح جزءا من عشره ملايين من الجرام للسنتيمتر المكعب,
وتنتج الطاقه في الشمس اساسا من تحول الايدروجين الي هيليوم بعمليه الاندماج النووي, وان كانت العمليه تستمر بمعدلات بسيطه لتنتج بعض العناصر الاعلي في وزنها الذري وتتكون الشمس بنسبه70% ايدروجين,28% هيليوم,2% عناصر اخري, والشمس هي مصدر كافه صور الطاقه الارضيه.
ونظرا لان غالبيه جسم الشمس غازي لاتمسك به الا الجاذبيه الشديده للشمس فان دورانها حول محورها يتم بطريقه جزئيه, قلب الشمس( حوالي ثلث قطرها) يدور كجسم صلب يتم دورته في36.5 يوم من ايام الارض تقريبا, بينما الكره الغازيه المحيطه بذلك اللب( وسمكها حوالي ثلثي نصف قطر الشمس) يتم دورته حول مركز الشمس في حوالي24 يوما من ايام الارض, وعلي ذلك فان متوسط سرعه دوران الشمس حول محورها يقدر بحوالي27 وثلث يوم من ايامنا.
وتجري الشمس( ومعها مجموعتها الشمسيه) في صفحه الكون بسرعه تقدر بحوالي19 كيلو متر في الثانيه نحو نقطه في كوكبه هرقل بالقرب من نجم النسر الواقع
(Vega)
وهي تسمي علميا باسم مستقر الشمس, كما تجري الشمس( ومعها مجموعتها الشمسيه بسرعه تقدر بحوالي220 كيلو مترا في الثانيه حول مركز مجرتنا( درب اللبانه) لتتم هذه الدوره في250 مليون سنه.
واقرب كواكب المجموعه الشمسيه الي الشمس وهو كوكب عطارد يبعد عنها بحوالي58 مليون كيلو متر, وابعدها عن الشمس وهو كوكب بلوتو يبعد عنها بحوالي سته الاف مليون كيلو متر.
واذا خرجنا عن نطاق المجموعه الشمسيه فان هذه المقاييس الارضيه لاتفي بقياس المسافات التي تفصل بقيه نجوم السماء الدنيا عنا, فاتفق العلماء علي وحده قياس كونيه تعرف باسم السنه الضوئيه, وهي المسافه التي يقطعها الضوء بسرعته( المقدره بحوالي الثلاثمائه الف كيلو متر في الثانيه) في سنه من سنينا, وهي مسافه مهوله تقدر بحوالي9.5 مليون مليون كيلو متر.
ابعاد النجوم عن ارضنا
اكتشف علماء الفلك ان اقرب النجوم الينا بعد الشمس هو نجم الاقرب القنطوري
Alpha Centaurus
يبعد عنا بمسافه4.3 من السنين الضوئيه, بينما يبعد عنا النجم القطبي بحوالي400 سنه ضوئيه, ومنكب الجوزاء يبعد عنا بمسافه1600 سنه ضوئيه, وابعد نجوم مجرتنا( درب اللبانه) يبعد عنا بمسافه ثمانين الف سنه ضوئيه.
ومجموعتنا الشمسيه عباره عن واحده من حشد هائل للنجوم علي هيئه قرص مفرطح يبلغ قطره مائه الف سنه ضوئيه, وسمكه نحو عشر ذلك, وتقع مجموعتنا الشمسيه علي بعد ثلاثين الف سنه ضوئيه من مركز المجره, وعشرين الف سنه ضوئيه من اقرب اطرافها.
وتحتوي مجرتتا( درب اللبانه
=Milky Way)
علي تريليون( مليون مليون) نجم, وبالجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي الف مليون مجره علي الاقل, تسبح في ركن من السماء الدنيا يقدر قطره باكثر من عشرين الف مليون سنه ضوئيه.
اقرب المجرات الينا تعرف باسم سحب ماجيلان
Magellanic Clouds
تبعد عنا بمسافه مائه وخمسين الف سنه ضوئيه.
المجرات تجمعات للنجوم
المجرات هي نظم كونيه شاسعه الاتساع تتكون من التجمعات النجميه والغازات والغبار الكونيين( الدخان الكوني) بتركيز يتفاوت من موقع لاخر في داخل المجره.
وهذه التجمعات النجميه تضم عشرات البلايين الي بلايين البلايين من النجوم في المجره الواحده, وتختلف نجوم المجره في احجامها, ودرجات حرارتها, ودرجات لمعانها, وفي غير ذلك من صفاتها الطبيعيه والكيميائيه, وفي مراحل دورات حياتها, واعمارها, فمنها النجوم العاديه المفرده, والمزدوجه, والعديده, والعماليق الكبار والحمر, والنجوم القزمه البيضاء والبنيه والسوداء, والنجوم النيوترونيه, والثقوب السود, واشباه النجوم وغيرها مما يتخلق باستمرار من الدخان الكوني.
ومن المجرات ماهو حلزوني الشكل, ومنها ماهو بيضاني( اهليلجي), ومنها ماهو غير محدد الشكل, ومنها ماهو اكبر من مجرتنا بكثير, ومنها ماهو في حجمها او اصغر منها, وتتبع مجرتنا عددا من المجرات يعرف باسم المجموعه المحليه
Local Group
وقد يتجمع عدد اكبر من المجرات علي هيئه عنقود مجري
Galactic Cluster
كما قد يتجمع عدد من العناقيد المجريه علي هيئه عنقود مجري عملاق
Galactic Super cluster
يضم عشرات الالاف من المجرات.
وتتراوح المجرات في شده اضاءتها بين سحب ماجلان العظيمه, وعدد من النقاط الباهته التي لاتكاد ان تدرك باكبر المقاريب( المناظير المقربه), وتقع اكثر المجرات ضياء في دائره عظمي تحيط بنا في اتجاه عمودي تقريبا علي مستوي مجرتنا, وتتراوح المسافات بين المجرات في التجمع المجري الواحد بين المليون والمليونين من السنين الضوئيه, وتبلغ مائه مره ضعف ذلك بين التجمعات المجريه التي تعتبر وحده بناء السماء الدنيا.
وبالاضافه الي المجرات وتجمعاتها المختلفه في الجزء المدرك من السماء الدنيا فاننا نري السدم
Nebulae,
وهي اجسام دخانيه تتخلق بداخلها النجوم, ومن السدم ماهو مضئ وماهو معتم.
اشباه النجوم
وهناك اشباه النجوم
Quasars
وهي اجسام ضعيفه الاضاءه, ولكنها تطلق اقوي الموجات الراديويه في السماء الدنيا, وقد اشتق اسمها باللغه الانجليزيه من الوصف
((Quasi-Srellar Radio Sources
اشباه نجوم مصدره للموجات الراديويه, وان كان منها مالا يصدر موجات راديويه
(Radio-quietQuasiStellarObjects).
وهي اجرام سماويه تتباعد عنا بسرعات فائقه, وتعتبر ابعد ماتم رصده من اجرام السماء بالنسبه للارض الي الان. وتبدو انها حاله خاصه من حالات الماده غير معروفه لنا, وتقدر كتله شبيه النجوم بحوالي مائه مليون ضعف كتله الشمس, وتبلغ كثافته واحدا علي البليون من الطن للسنتيمتر المكعب( واحد علي الف مليون مليون من الجرام للسنتيمتر المكعب), وتبلغ الطاقه الناتجه عنه مائه مليون مليون مره قدر طاقه الشمس.
وقد تم الكشف عن حوالي1500 من اشباه النجوم علي اطراف الجزء المدرك من الكون, وكشفت دراستها بواسطه المقربات الراديويه عن عدد من المفاجات الفلكيه المذهله, ويتوقع الفلكيون وجود الاف من هذه الاجرام السماويه العجيبه.
من اسباب القسم بمواقع النجوم
هذه الصفات المذهله للنجوم تركها القسم القراني وركز علي مواقع النجوم فقال ربنا تبارك وتعالي:
فلا اقسم بمواقع النجوم* وانه لقسم لو تعلمون عظيم[ الواقعه:75 76]
ولعل من اسباب ذلك ما يلي:
اولا: انه نظرا للابعاد الشاسعه التي تفصل نجوم السماء عنا, فاننا لا يمكن لنا رويه النجوم من علي سطح الارض ابدا, ولا بايه وسيله ماديه, وكل الذي نراه من نجوم السماء هو مواقعها التي مرت بها ثم غادرتها, اما بالجري في الفضاء الكوني بسرعات مذهله, او بالانفجار والاندثار, او بالانكدار والطمس.
فالشمس وهي اقرب نجوم السماء الينا تبعد عنا بمسافه مائه وخمسين مليون كيلومتر, فاذا انبثق منها الضوء بسرعته المقدره بحوالي الثلاثمائه الف كيلومتر في الثانيه من موقع معين مرت به الشمس فان ضوءها يصل الي الارض بعد ثماني دقائق وثلث دقيقه تقريبا, بينما تجري الشمس بسرعه تقدر بحوالي19 كيلومترا في الثانيه في اتجاه نجم النسر الواقع
Vega
فتكون الشمس قد تحركت لمسافه لا تقل عن عشره الاف كيلومتر عن الموقع الذي انبثق منه الضوء.
واقرب النجوم الينا بعد الشمس وهو المعروف باسم الاقرب القنطوري يصل الينا ضووه بعد4,3 سنه من انطلاقه من النجم, اي بعد اكثر من خمسين شهرا يكون النجم قد تحرك خلالها ملايين عديده من الكيلومترات, بعيدا عن الموقع الذي صدر منه الضوء, وهكذا فنحن من علي سطح الارص لا نري النجوم ابدا, ولكننا نري صورا قديمه للنجوم انطلقت من مواقع مرت بها, وتتغير هذه المواقع من لحظه الي اخري بسرعات تتناسب مع سرعه تحرك النجم في مداره, ومعدلات توسع الكون, وتباعد المجرات عنا, والتي يتحرك بعضها بسرعات تقترب احيانا من سرعه الضوء, وابعد نجوم مجرتنا عنا يصلنا ضووه بعد ثمانين الف سنه من لحظه انبثاقه من النجم, بينما يصلنا ضوء بعض النجوم البعيده عنا بعد بلايين السنين, وهذه المسافات الشاسعه مستمره في الزياده مع الزمن نظرا لاستمرار تباعد المجرات عن بعضها البعض في ضوء ظاهره اتساع الكون, ومن النجوم التي تتلالا اضواوها في سماء ليل الارض ما قد انفجر وتلاشي او طمس واختفي منذ ملايين السنين, لان اخر شعاع انبثق منها قبل انفجارها او طمسها لم يصل الينا بعد, والضوء القادم منها اليوم يعبر عن ماض قد يقدر بملايين السنين.
ثانيا: ثبت علميا ان الضوء مثل الماده ينحني اثناء مروره في مجال تجاذبي مثل الكون, وعليه فان موجات الضوء تتحرك في صفحه السماء الدنيا في خطوط منحنيه يصفها القران الكريم بالمعارج, ويصف الحركه ذاتها بالعروج, وهو الانعطاف والخروج عن الخط المستقيم, كما يمكن ان يفيد الصعود في خط منعطف, ومن هنا كان وصف رحله المصطفي صلي الله عليه وسلم في السماوات العلا بالعروج, وسميت الليله باسم المعراج والجمع معارج ومعاريج.
وحينما ينعطف الضوء الصادر من النجم في مساره الي الارض فان الناظر من الارض يري موقعا للنجم علي استقامه بصره, وهو موقع يغاير موقعه الذي صدر منه الضوء, مما يوكد مره اخري ان الانسان من فوق سطح الارض لا يمكنه ان يري النجوم ابدا.
ثالثا: ان النجوم في داخل المجره الواحده مرتبطه مع بعضها بالجاذبيه المتبادله بينها, والتي تحكم مواقع النجوم وكتلها, فمع تسليمنا بان الله تعالي هو الذي يمسك السماوات والارض ان تزولا كما اخبرنا تبارك وتعالي بقوله:
ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا*
[ فاطر:41]
ويقول ربنا عز من قائل:
.. ويمسك السماء ان تقع علي الارض الا باذنه ان الله بالناس لرءوف رحيم
[الحج:65].
الا ان الله تعالي له سننه التي يحقق بها مشيئته وهو القادر علي ان يقول للشيء: كن فيكون لكنه تعالي وضع للكون هذه السنن المتدرجه لكي يستطيع الانسان فهمها ويتمكن من توظيفها في حسن القيام بواجب الاستخلاف في الارض, فمواقع النجوم علي مسافات تتناسب تناسبا طرديا مع كتلها ومرتبطه ارتباطا وثيقا بقوي الجاذبيه التي تمسك بها في تلك المواقع وتحفظ السماء ان تقع علي الارض الا باذن الله ومن هنا كانت قيمه مواقع النجوم التي كانت من وراء هذا القسم القراني العظيم...!!
رابعا: اثبتت دراسات الفلك, ودراسات كل من الفيزياء الفلكيه والنظريه ان الزمان والمكان شيئان متواصلان, ومن هنا كانت مواقع النجوم المتراميه الابعاد تعكس اعمارها الموغله في القدم, والتي توكد ان الكون الذي نحيا فيه ليس ازليا, بل كانت له بدايه يحددها الدارسون باثني عشر بليونا من السنين علي اقل تقدير, ومن هنا كان في القسم بمواقع النجوم اشاره الي قدم الكون مع حدوثه, وهي حقائق لم يتوصل اليها العلم المكتسب الا بنهايه القرن العشرين.
فقد كان اليونانيون القدامي يصرون علي ان الارض هي مركز الكون, او ان الشمس هي مركز الكون, وان كليهما ثابت لا يتحرك, غير متصورين وجود ايه بنيه سماويه الا حول الشمس, وكان غيرهم من اصحاب المدنيات السابقه واللاحقه يومنون بديمومه الارض والنجوم, وما بها من صور الماده والطاقه, بل ظل الغربيون الي اوائل القرن الثامن عشر الميلادي يومنون بان النجوم مثبتات بالسماء, وان السماء بنجومها تتحرك كقطعه واحده حول الارض, وان الكون في مركزه ثابت غير متحرك, ومكون من عناصر اربعه هي التراب, والماء, والهواء والنار وحول تلك الكرات الاربع الثابته تتحرك السماوات, ثم ياتي القران الكريم قبل الف واربعمائه من السنين ليقسم بمواقع النجوم هذا القسم العظيم, موكدا نسبيه واهميه وتعاظم تلك المواقع, وان الانسان لا يمكن له رويه النجوم من فوق الارض, وكل ما يمكن ان يراه هي مواقع مرت بها النجوم, وياتي العلم في نهايه القرن العشرين موكدا كل ذلك..!!
وهنا يتبادر الي الذهن السوال المهم: من الذي علم سيدنا محمدا صلي الله عليه وسلم كل هذه المعارف العلميه الدقيقه لو لم يكن القران الذي اوحي اليه هو كلام الله الخالق..!!؟ ولماذا اشار القران الكريم الي مثل هذه القضايا الغيبيه التي لم يكن لاحد علم بها في زمان الوحي ولا لقرون متطاوله من بعد ذلك؟ لولا ان الله تعالي يعلم بعلمه المحيط ان الناس سوف ياتي عليهم زمان يدركون فيه تلك الحقيقه الكونيه, ثم يرجعون الي كتاب الله الخاتم فيقراون فيه هذا القسم القراني العظيم: فلا اقسم بمواقع النجوم* وانه لقسم لو تعلمون عظيم* الواقعه:75 76 فيشهدون بان القران الكريم هو كلام الله الخالق, الذي ابدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, ويشهدون لهذا النبي الخاتم صلي الله عليه وسلم انه كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والارض, وانه عليه افضل الصلاه وازكي التسليم كان بحق كما وصفه ربنا تبارك وتعالي:
وما ينطق عن الهوي* ان هو الا وحي يوحي* علمه شديد القوي*[ النجم:3 5]
وحينما يتم لهم ذلك تخر اعناقهم للقران خاضعين بسلاح العلم الكوني الذي كثيرا ما استخدم من قبل كذبا وزورا لهدم الدين..
والله غالب علي امره ولكن اكثر الناس لايعلمون*.[ يوسف:21]
-
10 وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا ايه الليل وجعلنا ايه النهار مبصره
لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا
الاسراء: 12
في هذه الايه الكريمه يذكرنا ربنا تبارك وتعالي بانه قد جعل الليل والنهار ايتين من اياته الكونيه المبهره التي تدل علي طلاقه قدرته, وبالغ حكمته, وبديع صنعه في خلقه, فاختلاف هيئه كل من الليل والنهار في الظلمه والنور, وتعاقبهما علي وتيره رتيبه منتظمه ليدل دلاله قاطعه علي ان لهما خالقا قادرا عليما حكيما..
والايه في اللغه العلامه والجمع اي, وايات والايه من كتاب الله جماعه حروف تكون كلمه او مجموعه كلمات تبني منها الايه لتحمل دلاله معينه.
اراء المفسرين
يذكر عدد من المفسرين في شرح هذه الايه الكريمه ان الله تعالي قد جعل من صفات الليل انه مظلم, كما جعل من صفات النهار انه منير, وربما كان ذلك هو ايه كل منهما, وهذا الفهم دفع ببعض المفسرين الي القول بان من معاني قوله تعالي:فمحونا ايه الليل.. اي جعلنا الليل, وهو ايه من ايات الله مظلما, وجعلنا من صفاته تلك الظلمه, وان من معاني قوله تعالي:وجعلنا ايه النهار مبصره اي جعلنا الايه( التي هي النهار) منيره تعين علي الابصار فيها, من نحو قول العرب:ابصر النهار اذا انار وصار بحاله يبصر فيها, ولكن المقابله بين محو ايه الليل وجعل ايه النهار مبصره ربما تتحمل من المعاني ما هو فوق ذلك, مما يحتاج الي توظيف العديد من الحقائق العلميه الحديثه من اجل حسن فهم دلاله تلك المقابله.
فواضح نص الايه الكريمه ان الله تعالي قد محا ايه الليل, وابقي ايه النهار مبصره لكي يتيح الفرصه للخلق لابتغاء الفضل منه, والسعي علي كسب الرزق اثناء النهار, وللخلود الي السكينه والراحه بالليل, وان في هذا التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير وسيله ميسره لتحديد الزمن, ولتاريخ الاحداث, فبدون ذلك التتابع الرتيب لليل والنهار يتلاشي احساس الانسان بمرور الزمن, وتتوقف قدرته علي متابعه الاحداث والتاريخ لها, ولذلك يمن علينا ربنا تبارك وتعالي في ختام هذه الايه الكريمه بانه قد فصل لنا كل شيء في وحيه الخاتم القران الكريم الذي ليس من بعده وحي من الله, وليست من بعده ايه رساله ربانيه, ولذلك جاء ذلك التفصيل الالهي تفصيلا دقيقا واضحا لكل امر من امور الدين الذي لا يستطيع الانسان ان يضع لنفسه فيه ايه ضوابط صحيحه.
ايتا الليل والنهار
الليل والنهار ايتان كونيتان عظيمتان من ايات الله في الخلق, تشهدان بدقه بناء الكون, وانتظام حركه كل جرم فيه, واحكام السنن الضابطه له, ومنها تلك السنن الحاكمه لحركات كل من الارض والشمس, والتي تتضح بجلاء في التبادل المنتظم للفصول المناخيه, والتعاقب الرتيب لليل والنهار, وما يصاحب ذلك كله من دقه واحكام بالغين..!!
فنحن نعلم اليوم ان التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير هو من الضرورات اللازمه للحياه علي الارض, ولاستمراريه وجود تلك الحياه بصورها المختلفه حتي يرث الله تعالي الارض ومن عليها.
فبهذا التبادل بين الظلام والنور يتم التحكم في درجات الحراره والرطوبه, وكميات الضوء اللازمه للحياه في مختلف بيئاتها الارضيه, كما يتم التحكم في العديد من الانشطه والعمليات الحياتيه من مثل التنفس, والنتح, والتمثيل الضوئي, والايض, وغيرها ويتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازي المحيط بالارض, وضبط صفاته الطبيعيه, وتتم دوره المياه بين الارض والسماء والتي لولاها لفسد كل ماء الارض كما يتم ضبط حركات كل من الامواج المختلفه في البحار والمد والجزر, والرياح والسحاب, ونزول المطر باذن الله, ويتم تفتيت الصخور وتكون التربه بمختلف انواعها ومنها الصالحه للانبات, وغير الصالحه, وترسب الصخور ومنها القادره علي خزن كل من الماء والنفط والغاز ومنها غير القادره علي ذلك, وتركيز مختلف الثروات الارضيه, وغير ذلك من العمليات والظواهر التي بدونها لا يمكن للارض ان تكون صالحه للحياه.
وتعاقب الليل والنهار علي نصفي الارض هو كذلك ضروري, لان جميع صور الحياه الارضيه لا تتحمل مواصله العمل دون راحه والا هلكت, فالانسان والحيوان والنبات, وغير ذلك من انماط الحياه البسيطه يحتاج الي الراحه بالليل لاستعاده النشاط بالنهار او عكس ذلك بالنسبه لانماط الحياه الليليه فالانسان علي سبيل المثال يحتاج الي ان يسكن بالليل فيخلد الي شيء من الراحه والعباده والنوم مما يعينه علي استعاده نشاطه البدني والذهني والروحي, وعلي استرجاع راحته النفسيه, واستجماع قواه البدنيه حتي يتهيا للعمل في النهار التالي وما يتطلبه ذلك من قيام بواجبات الاستخلاف في الارض, وقد ثبت بالتجارب العمليه والدراسات المختبريه ان افضل نوم الانسان هو نومه بالليل, خاصه في ساعات الليل الاولي, وان اطاله النوم بالنهار ضار بصحته لانه يوثر علي نشاط الدوره الدمويه تاثيرا سلبيا, ويودي الي شيء من التيبس في العضلات, والتراكم للدهون علي مختلف اجزاء الجسم, والي زياده في الوزن, كما يودي الي شيء من التوتر النفسي والقلق, وربما كان مرد ذلك الي الحقيقه القرانيه التي موداها ان الله تعالي قد جعل الليل لباسا, وجعل النهار معاشا, والي الحقيقه الكونيه التي موداها ان الانكماش الملحوظ في سمك طبقات الحمايه في الغلاف الغازي للارض ليلا, وتمددها نهارا يودي الي زياده قدراتها علي حمايه الحياه الارضيه بالنهار عنها في الليل حين ترق طبقات الحمايه الجويه تلك رقه شديده قد تسمح لعدد من الاشعات الكونيه بالنفاذ الي الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للارض, وهي اشعات مهلكه مدمره لمن يتعرض لها لمدد كافيه, ومن هنا كان ذلك الامر القراني بالاستخفاء في الليل والظهور في النهار ومن هنا ايضا كان امره الي خاتم الانبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ان يستعيذ بالله تعالي من شر الليل اذا دخل بظلامه, وان يلتجئ الي الله ويعتصم بجنابه من اخطار ذلك فقال عز من قائل:
ومن شر غاسق اذا وقب*[ الفلق:3]
فهذا الشر ليس مقصورا علي الظلمه وما يمكن ان يتعرض فيها المرء الي مخاطر البشر, بل قد يمتد الي مخاطر الكون التي لا يعلمها الا الله تعالي.
ثم ان هذا التبادل في اليوم الواحد بين ليل مظلم ونهار منير, يعين الانسان علي ادراك حركه الزمن, وتاريخ الاحداث, وتحديد الاوقات بدقه وانضباط ضروريين للقيام بمختلف الاعمال, ولاداء جميع العبادات, وللوفاء بمختلف العهود والحقوق والمعاملات وغير ذلك من الانشطه الانسانيه, فلو كان الزمن كله علي نسق واحد من ليل او نهار ما استقامت الحياه وما استطاع الانسان ان يميز من حياته ماضيا او حاضرا او مستقبلا, وبالتالي لتوقفت الحياه, ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالي في ختام الايه:
.. لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب.. ولذلك ايضا يمن علينا ربنا وهو تعالي صاحب الفضل والمنه بتبادل الليل والنهار في العديد من ايات القران الكريم, ومع ايماننا بذلك, وتسليمنا به يبرز التساول في الايه الكريمه التي نحن بصددها رقم12 من سوره الاسراء عن مدلول ايتي الليل والنهار, وعن كيفيه محو ايه الليل وابقاء ايه النهار مبصره؟..
محو ايه الليل وابقاء ايه النهار مبصره عند المفسرين:
في شرح معني هذه الايه الكريمه ذكر نفر من المفسرين ان ايتي الليل والنهار نيراهما, فايه الليل هي القمر, وايه النهار هي الشمس, واذا كان الامر كذلك فكيف محيت ايه الليل, والقمر لا يزال قائما بدورانه حول الارض ينير ليلها كلما ظهر؟, فقد روي عن عبدالله بن عباس رضي الله تبارك وتعالي عنهما انه قال: كان القمر يضئ كما تضئ الشمس, والقمر ايه الليل, والشمس ايه النهار, وعلي ذلك فمعني قول الحق تبارك وتعالي:فمحونا ايه الليل هو السواد الذي في القمر اي انطفاء جذوته, واضاف: ان مدلول وجعلنا الليل والنهار ايتين اي ليلا ونهارا, وكذلك خلقهم الله عز وجل.
وتبع ابن عباس في ذلك قتاده( يرحمه الله) الذي قال: كنا نحدث ان محو ايه الليل سواد القمر الذي فيه, وجعلنا ايه النهار مبصره اي منيره, وخلق الشمس انور من القمر واعظم.
وفي الكلام اشاره دقيقه الي الفارق الذي حدده القران الكريم في ايات عديده بين ضوء الشمس ونور القمر, والذي لم يدركه العلماء الا متاخرا بان الاول ينطلق من نجم ملتهب شديد الحراره, مضئ بذاته بينما الثاني ينتج عن انعكاس اشعه الشمس علي سطح القمر البارد المعتم.
وقال نفر اخر من المفسرين ان ايه الليل هي ظلمته, كما ان ايه النهار هي نوره ووضاءته, فالله تعالي جعل من الظلام ايه لليل, كما جعل من النور ايه للنهار, فيعرف كل منهما بايته, اي بعلامته الداله عليه, ومن هولاء المفسرين ابن جريج( يرحمه الله) الذي نقل عن عبدالله بن كثير( رحمه الله عليه) قوله: ايتا الليل والنهار هما ظلمه الليل, وسرف النهار.
وهنا يتبادر الي الذهن السوال التالي: كيف يستقيم هذا الفهم مع قول الحق( تبارك وتعالي): فمحونا ايه الليل وظلمه الليل باقيه مع بقاء نور النهار؟ واذا كانت ايه الليل هي ظلمته فكيف محيت تلك الظلمه وهي لاتزال باقيه؟ وعلي الرغم من هذا التعارض فقد ايد عدد من المفسرين المعاصرين هذا الفهم بصوره او اخري ومنهم صاحب الظلال( يرحمه الله) الذي كتب مانصه... والليل والنهار ايتان كونيتان كبيرتان تشيان بدقه الناموس الذي لايصيبه الخلل مره واحده, ولايدركه التعطل مره واحده, ولا يني يعمل دائبا بالليل والنهار, فما المحو المقصود هنا وايه الليل باقيه كايه النهار؟ يبدو والله اعلم ان المقصود به ظلمه الليل التي تخفي فيها الاشياء, وتسكن فيها الحركات والاشباح.., فكان الليل محو اذا قيس الي ضوء النهار, وحركه الاحياء فيه والاشياء, وكانما النهار ذاته مبصر بالضوء( بالنور) الذي يكشف كل شئ فيه للابصار.
من هذا الاستعراض يتضح اختلاف اراء المفسرين قدامي ومعاصرين في اجتهادهم لفهم دلاله الايه القرانيه الكريمه التي نحن بصددها( الايه الثانيه عشره من سوره الاسراء) فمنهم من قال بان ايه النهار هي نوره الوضاء, او هي الشمس مصدر ذلك الضياء, بينما ايه الليل هي ظلمته, او هي القمر المتميز بظلمه سطحه الذي لا ينير الا بسقوط اشعه الشمس عليه, وانعكاسها من ذلك السطح المعتم المظلم, وقد دفع ذلك ببعض المفسرين الي القول باحتمال كون القمر في بدء خلقه ملتهبا, شديد الحراره, مشتعلا, مضيئا بذاته تماما كالشمس, ثم انطفات جذوته وخبت, فمحي ضوءه الاصلي, ولم يعد له نور الا مايسقط علي سطحه من اشعه الشمس, وهذا الاحتمال لاتدعمه الملاحظات العلميه الدقيقه في صفحه الكون, وفي تاريخ الارض القديم, فكتله القمر المقدره بحوالي735 مليون مليون مليون طن البالغه حوالي80/1 من كتله الارض لاتمكنه من ان يكون نجما ملتهبا بذاته فالحد الادني لكتله الجرم السماوي كي يكون نجما لاتقل عن8% من كتله الشمس المقدره بالفي مليون مليون مليون مليون طن, اي لايجوز للنجم ان تقل كتلته عن160 مليون مليون مليون مليون طن وهو اكثر من مائتي ض
عف كتله القمر, ولو افترضنا جدلا امكانيه ان يكون القمر نجما لاحرق لهيبه الارض لقربه منها (380000 كيلومتر في المتوسط), ولادي الي خلخله غلافها الغازي, والي تبخير مياهها, والي تركها جرداء قاحله لا اثر للحياه فيها علي الاطلاق...!!!
اضاءه السماء في ظلمه الليل كانت ايه الليل, ومحوها هو حجبها عنا.
علي الرغم من الظلام الشامل للكون, والذي لم يدركه الانسان الا بعد رياده الفضاء منذ مطلع الستينات من القرن العشرين, وعلي الرغم من محدوديه الحزام الرقيق الذي يري فيه نور النهار بسمك; لايتعدي المائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر في نصف الكره الارضيه المواجهه للشمس حتي ان الانسان في انطلاقه من الارض الي فسحه الكون في اثناء النهار فانه يفاجا بتلك الظلمه الكونيه الشامله التي يري فيها الشمس قرصا ازرق في صفحه حالكه السواد, لايقطع من شده سوادها الا اعداد من النقاط المتناثره, الباهته الضوء التي تحدد مواقع النجوم.
علي الرغم من كل ذلك فان العلماء قد لاحظوا في سماء الارض عددا من الظواهر المنيره في ظلمه الليل الحالك نعرف منها:
(1) ظاهره توهج الهواء في طبقات الجو العليا
Airglowin the upperatmosphere
وهي عباره عن نور باهت متغير ينتج عن عدد من التفاعلات الكيميائيه في نطاق التاين
Ionosphere
المحيط بالارض من ارتفاع90 الي1000 كيلومتر فوق مستوي سطح البحر, وهو نطاق مشحون بالالكترونات مما يساعد علي رجع الموجات الراديويه الي الارض.
(2) ظاهره انوار مناطق البروج
Zodiacal Lights
وتظهر علي هيئه مخروط من النور الباهت الرقيق الذي يري في جهه الغرب بمجرد غروب الشمس, كما يري في جهه الشرق قبل طلوعها بقليل, وتفسر تلك الانوار بانعكاس وتشتت ضوء الشمس غير المباشر علي بعض الاجرام الكونيه التي تعترض سبيله في اثناء تحركها متباعده عن الارض او مقتربه منها.
(3) ظاهره اضواء النجوم
Stellar Lights
وتصدر من النجوم في مواقعها المختلفه, ثم تتشتت في المسافات الفاصله بينها حتي تصل الي غلاف الارض الغازي.
(4) ظاهره اضواء المجرات
Galactic Lights
وتصدر من نجوم مجره من المجرات القريبه منا, والتي تتشتت اضواوها في داخل المجره الواحده, ثم يعاد تشتتها في المسافات الفاصله بين المجرات حتي تصل الي الغلاف الغازي المحيط بالارض.
(5) ظاهره الفجر القطبي واطيافه
Aurora and Auroralspectra
وتعرف هذه الظاهره ايضا باسم الاضواء القطبيه
Polar Lights
او باسم فجر الليل القطبي
Polar Nights Dawn
وهي ظاهره نورانيه تري بالليل في سماء كل من المناطق القطبيه وحول القطبيه
Polarand Subpolar Regions
وتتركز اساسا في المنطقتين الواقعتين بين كل من قطبي الارض المغناطيسيتين وخطي العرض المغناطيسيين67 درجه شمالا,67 درجه جنوبا, وقد تمتد احيانا لتشمل مساحات اوسع من ذلك.
وتبدو ظاهره الفجر القطبي عاده علي هيئه انوار زاهيه متالقه جميله, تختلف باختلاف الارتفاع الذي تري عنده( ويغلب عليها اللون الاخضر والاحمر والابيض المشوب بزرقه والبنفسجي والبرتقالي وهي تتوهج وتخبو( اي تزداد شده ولمعانا ثم تهدا) بطريقه دوريه كل عده ثوان( قد تمتد الي عده دقائق), وتتباين الوان الشفق القطبي في اجزائه المختلفه تباينا كبيرا, وان تناقصت شده نورها الي اعلي بصفه عامه, حيث تتدلي تلك الانوار من السماء الي مستوي قد يصل الي80 كيلومترا فوق مستوي سطح البحر, وتمتد افقيا الي مئات الكيلومترات لتملا مساحات شاسعه في صفحه السماء, علي هيئه هالات حلقيه او قوسيه متموجه, تكون عددا من الستائر النورانيه المطويه المتدليه من السماء, والتي يشبه نورها النور المصاحب لبزوغ الفجر الحقيقي.
ويفسر العلماء حدوث ظاهره الفجر القطبي بارتطام الاشعه الكونيه الاوليه بالغلاف الغازي للارض مما يودي الي تاينه( اي شحنه بالكهرباء), واصدار اشعه كونيه ثانويه, ثم تصادم الاشعات الكونيه( وهي تحمل شحنات كهربيه مختلفه) مع بعضها البعض, ومع غيرها من الشحنات الكهربيه الموجوده في الغلاف الغازي للارض مما يودي الي تفريغها, وتوهجها, وتكثر الشحنات الكهربائيه في الغلاف الغازي للارض في كل من احزمه الاشعاع
Radiation Belts
المعروفه باسم احزمه فان الن
Van Allens Belts
والموجوده في داخل نطق التاين المحيطه بالارض
Ionos phere Zones
وفي نطق التاين ذاتها. والاشعه الكونيه الاوليه
Primary Cosmic Rays
تملا فسحه الكون علي هيئه الجسيمات الاوليه المكونه للذرات
Elementaryorsubatomic particles
وهي جسيمات متناهيه في الدقه, ومشحونه بشحنات كهربائيه عاليه, وتتحرك بسرعات تقترب من سرعه الضوء.
وتنطلق الاشعه الكونيه الاوليه من الشمس, وان كان اغلبها يصلنا من خارج المجموعه الشمسيه, ولم تكتشف تلك الاشعه الكونيه الا في سنه1936 م.
وتتسرب الاشعه الكونيه الاوليه الي الارض عبر قطبيها المغناطيسيين لتصل الي احزمه الاشعاع ونطق التاين في الغلاف الغازي للارض مما يودي الي تكون الاشعه الكونيه الثانويه
Secondary cosmicrays
التي قد يصل بعضها الي سطح الارض فيخترق صخورها, اما الاشعه الكونيه الاوليه فلا يكاد يصل منها الي سطح الارض قدر يمكن قياسه.
والاشعه الكونيه بانواعها المختلفه تتحرك بمحاذاه خطوط المجال المغناطيسي للارض, والتي تنحني لتصب في قطبي الارض المغناطيسيين ساحبه معها موجات الاشعه الكونيه, وذلك لعجزها عن عبور مجال الارض المغناطيسي, وحينما تنفذ تلك الاشعه من قطبي الارض المغناطيسيين فانها تودي الي زياده تاين الغلاف الغازي للارض في منطقتي قطبيها المغناطيسيين, ويودي اصطدام الشحنات المختلفه الي تفريغها من شحناتها الكهربائيه, ومن ثم الي توهج الغلاف الغازي للارض في كل من المنطقتين القطبيتين في ظاهره تعرف بظاهره الوهج القطبي او الشفق القطبي او الاضواء القطبيه او فجر الليل القطبي وهي ظاهره تري بوضوح في ظلمه الليل الحالك حول القطبين المغناطيسيين للارض, خاصه في اوقات الثورات الشمسيه العنيفه حين يتزايد اندفاع الاشعه الكونيه الاوليه من الشمس, فتصل كميات مضاعفه منها في اتجاه الارض. ويتزايد الاشعاع في الطبقات العليا من الغلاف الغازي للارض الي نسب مهلكه مدمره خاصه في نطق التاين التي تحتوي علي تركيز عال من البروتونات( الموجبه) والاليكترونات( السالبه), ويحتبس المجال المغناطيسي للارض الغالبيه العظمي من تلك الاشعاعات, ويوجهها الي قطبيها المغناطيسيين في حركه لولبيه موازيه لخطوط المجال المغناطيسي والتي تنحني من القطب الشمالي الي القطب الجنوبي وبالعكس, وعندما يقترب الجسم المشحون بالكهرباء من جسيمات الاشعه الكونيه تلك من احد قطبي الارض المغناطيسيين فانه يرده الي الاخر وهكذا تحدد خطوط الحقل المغناطيسي للارض اتجاهات تحرك الاشعه الكونيه وتركزها حول قطبي الارض المغناطيسيين.
ومن الثابت علميا ان نطق الحمايه المتعدده الموجوده في الغلاف الغازي للارض ومنها نطاق الاوزون, نطق التاين المتعدده, احزمه الاشعاع, والنطاق المغناطيسي للارض, لم تكن موجوده في بدء خلق الارض, ولم تتكون الا علي مراحل متطاوله من بدايه خلق الارض الابتدائيه
Proto-Earth
وعلي ذلك فقد كانت الاشعه الكونيه وباقي صور النور المتعدده في صفحه الكون تصل بكميات هائله الي المستويات الدنيا من الغلاف الغازي للارض ككل, فتودي الي انارتها وتوهجها ليلا بمثل ظاهره الشفق القطبي, توهج الهواء, اضواء النجوم, اضواء المجرات وغيرها مما نشاهد اليوم, ولكن بمعدلات اشد واقوي, وكان هذا التوهج وتلك الاناره يشملان كل ارجاء الارض فتنير ليلها اناره تقضي علي ظلمه الليل.
وبعد تكون نطق الحمايه المختلفه للارض اخذت هذه الظواهر في التضاول التدريجي حتي اقتصرت علي بقايا رقيقه جدا وفي مناطق محدده جدا مثل منطقتي قطبي الارض المغناطيسيين, لتبقي شاهده علي حقيقه ان ليل الارض في المراحل الاولي لخلقها كان يضاء بوهج لايقل في شدته عن نور الفجر الصادق, وشاهده علي رحمه الله بنا ان جعل للارض هذا العدد الهائل من نطق الحمايه المتعدده والتي بدونها تستحيل الحياه علي الارض, وشاهده علي حاجتنا الي رحمه الله تعالي ورعايته في كل وقت وفي كل حين من الاخطار المحيطه بنا من كل جانب, وشاهده علي صدق تلك الاشاره القرانيه المعجزه.
وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا ايه الليل وجعلنا ايه النهار مبصره لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا.
وهي حقيقه لم يدركها العلم المكتسب الا في السنوات المتاخره من القرن العشرين, ولم يكن لاحد من البشر ادراك لها وقت تنزل القران الكريم ولا لعدد من القرون بعد ذلك..!!
وانطلاقا من هذه الحقيقه يمن علينا ربنا( تبارك وتعالي) بتبادل الليل والنهار فيقول( عز من قائل):
قل ارايتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الي يوم القيامه من اله غير الله ياتيكم بضياء افلا تسمعون. قل ارايتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الي يوم القيامه من اله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.
(القصص:71 73)
وجاء ذكر الليل في القران الكريم اثنتين وتسعين(92) مره, منها ثلاثه وسبعون(73) مره بلفظه الليل, ومره واحده بلفظه ليل, وثماني(8) مرات بلفظه ليله, وخمسه(5) مرات بلفظه ليلا, وثلاث(3) مرات بلفظه ليال, ومره واحده بكل من اللفظين ليلها و ليالي.
كذلك ورد ذكر النهار في القران الكريم سبعا وخمسين(57) مره, منها اربعه وخمسون(54) مره بلفظ النهار, وثلاث(3) مرات بلفظ نهارا, كما وردت الفاظ الصبح, و الاصباح و الفلق ومشتقاتها بمدلول النهار في ايات اخري كثيره, كذلك وردت كلمه اليوم احيانا بمعني النهار.
ونعمه الله تعالي علي اهل الارض جميعا بمحو اناره الليل, وابقاء اناره النهار نعمه مابعدها نعمه, لانه لولا ذلك مااستقامت الحياه علي الارض, ولا استطاع الانسان الاحساس بالزمن, ولا التاريخ للاحداث بغير تبادل ظلام الليل مع نور النهار, ولتلاشت الحياه, ومن هنا جاءت اشاره القران الكريم الي تلك الحقيقه سبقا لكافه المعارف الانسانيه.
وان دل ذلك علي شئ فانما يدل علي ان القران الكريم هو كلام الله الخالق الذي ابدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وعلي ان هذا النبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والارض, وانه( عليه افضل الصلاه وازكي التسليم) ما كان ينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي كما وصفه ربنا( تبارك وتعالي).
واذا كان صدق القران الكريم جليا في اشاراته الي بعض اشياء الكون وظواهره, فلابد ان يكون صدقه في رسالته الاساسيه وهي الدين( بركائزه الاربع: العقيده, والعباده, والاخلاق والمعاملات) جليا كذلك. وهنا يتضح جانب من جوانب الاعجاز في كتاب الله, وما اكثر جوانبه المعجزه هو الاعجاز العلمي, وهو خطاب العصر ومنطقه, وما احوج الامه الاسلاميه, بل مااحوج الانسانيه كلها الي هذا الخطاب في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه, وزمن العولمه الذي تحاول فيه القوي الكبري علي ضلالها فرض قيمها الدينيه والاخلاقيه والاجتماعيه المنهاره علي دول العالم الثالث وفي زمرتها الدول الاسلاميه, بحد غلبتها العلميه والتقنيه, وهيمنتها الاقتصاديه والعسكريه, وقد عانت الدول الغربيه, ذاتها ولاتزال من الاغراق المادي الذي دمر مجتمعاتها, وادي الي تحللها الاسري والاجتماعي والاخلاقي والسلوكي والديني, والي ارتفاع معدلات الجريمه, والادمان, والانتحار, والي الحيود عن كل قوانين الفطره السويه التي فطر الله خلقه عليها, والي العديد من المشاكل والازمات النفسيه والمظالم الاجتماعيه والسياسيه علي المستويين المحلي والدولي...!
ومااحوج علماء المسلمين الي ادراك قيمه الايات الكونيه في كتاب الله فيقبلوا عليها تحقيقا علميا منهجيا دقيقا بعد فهم عميق لدلاله اللغه وضوابطها وقواعدها, ولاساليب التعبير فيها, وفهم لاسباب النزول, ومعرفه بالماثور من تفسير الرسول( صلي الله عليه وسلم) وجهود السابقين من المفسرين, ثم تقديم ذلك الاعجاز العلمي الي الناس كافه مسلمين وغير مسلمين.مما يعد دليلا ماديا ملموسا علي ان القران الكريم هو كلام الله الخالق, وعلي ان سيدنا ونبينا محمدا( صلي الله عليه وسلم) هو خاتم انبيائه ورسله, في غير تكلف ولا اعتساف, لان القران الكريم غني عن ذلك, وهو اعز علينا واكرم من ان نتكلف له.
وهذا المنهج في الاهتمام بالايات الكونيه في كتاب الله, وشرح الاشارات العلميه فيها من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه هو من اكثر وسائل الدعوه الي دين الله قبولا في زمن العلم والتقنيه الذي نعيشه.
-
(11)ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون, لقالوا انما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون
هاتان الايتان الكريمتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابره كفار قريش لخاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم). وتكذيبهم ببعثته, وتشكيكهم في الوحي الذي انزل اليه من ربه, واتهامهم له بالجنون, وهم اعرف الناس بانه( صلي لله عليه وسلم) كان ارجح الناس عقلا, واعظمهم خلقا, واشرفهم نسبا, ولذلك نزلت الايات في مطلع سوره الحجر لتشيد بالقران الكريم, ولتهدد هولاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعانون فيه اهوال الاخره فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد اسلموا لرب العالمين, وامنوا ببعثه خاتم الانبياء والمرسلين, وبايات هذا الكتاب المبين, وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون.
وليهون القران الكريم علي هذا النبي الخاتم( صلي ا لله عليه وسلم) صلف هولاء المتكبرين تطلب منه الايات القرانيه ان يدعهم في غيهم ياكلون ويتمتعون, ويشغلهم الامل بطول الاجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الاخره, وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم...!!!
وهذا التهديد والوعيد من الله( تعالي) لهولاء المجرمين من الكفار والمشركين, يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الامم السابقه عليهم, وبان الله( تعالي) لم يهلك ايا من تلك القري الظالمه التي كذبت باياته ورسله الا وجعل لهلاكها اجلا محددا.
وتذكر الايات تحديات كفار قريش لرسول الله( صلي الله عليه وسلم), واستهزائهم به, واستنكارهم لشرف بعثته حتي طلبوا منه ان ياتيهم بالملائكه ليشهدوا له بصدق نبوته, فيرد الحق( تبارك وتعالي) عليهم بان الملائكه لاتنزل الا بالحق, وان من هذا الحق ان يدمر المكذبون بايات الله ورسله بعد ان جاءتهم نذر ربهم...!!
ثم توكد تلك الايات الكريمات علي ان الله تعالي هو الذي انزل القران العظيم, وانه تعالي قد تعهد بحفظه فحفظ, فلايمكن لمحاوله تحريف ان تطوله, ولا لموامره تبديل ان تصيبه, مهما حاول المحرفون, وتضافر المتامرون. وهذا الحفظ الرباني لاخر الكتب السماويه واتمها واكملها, لهو بحق اعظم المعجزات المبهره لهذا الكتاب الخالد, وعلي الرغم من ذلك كله فقد كذب به هولاء المعاندون, كما يكذب به نفر من كفار هذا الزمان الرديء ومشركيه وملاحدته.
ومن قبيل تهوين الامر علي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) وعلي اتباعه الصالحين في زماننا وفي كل زمان تذكره الايات وتذكرهم انه( صلي الله عليه وسلم) لم يكن متفردا بجحود قومه, وتكذيبهم, ومكابرتهم, وعنادهم, واستهزائهم, فقد سبقه من الانبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك واشد منه, فاستحقت اقوامهم المكذبه عقاب الله في الدنيا قبل الاخره...!! ومن الغريب ان الجاحدين من الخلق, الذين اشركوا بالله, او كفروا به( سبحانه) وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر في كل زمان ومكان, لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي علي قبول وحي السماء, ومافيه من ايات بينات ولكنه الصلف والعناد والمكابره في مقابله الحق, ومواجهه كل حجه اتتهم, وكل بينه جاءتهم, تماما بتمام, كما كان موقف كفار قريش من خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), ومما انزل اليه من قران كريم, فتصور لنا الايات في مطلع سوره الحجر نموذجا صارخا لمكابره اهل الباطل وعنادهم في مواجهه الحق, وذلك بقول ربنا( تبارك وتعالي): ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا انما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون* بمعني انه حتي لو فتح الله( تعالي) علي هولاء المكابرين بابا من السماء, واعانهم علي الاستمرار بالعروج فيه باجسادهم وكامل حواسهم, حتي يطلعوا علي بديع صنع الله في ملكوته, وعلي عظيم قدرته في ابداع خلقه, وعلي اتساع سلطانه وملكه, وعلي حشود الخاضعين له بالعباده والطاعه والتسبيح في خشيه واشفاق بالغين, لشكوا في تلك الرويه المباشره, ولكذبوا ابصارهم وعقولهم وباقي حواسهم, ولاتهموا انفسهم بالعجز التام عن الرويه تاره, وبالوقوع تحت تاثير السحر تاره اخري, وذلك في محاوله لانكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم...!!
وعلي الرغم من كون لو حرف امتناع لامتناع, وكون هاتين الايتين الكريمتين قد وردتا في مقام التشبيه والتصوير لحال المكابرين من الكفار والمشركين وعنادهم وصلفهم, الا ان صياغتهما قد جاءت كما تجيء صياغه كل ايات القران الكريم علي قدر مذهل من الدقه العلميه والشمول للحقيقه الكونيه والكمال المطلق مما يشهد بان القران الكريم هو كلام الله الخالق الذي ابدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وان خاتم الانبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله( صلوات الله وسلامه عليه) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والارض( سبحانه وتعالي).
واحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت ادراكه من ملامح الاعجاز العلمي في هاتين الايتين الكريمتين علي النحو التالي:
(1) اللمحه الاعجازيه الاولي:

صوره من سفينه الفضاء جاليليو توضح طبقه النهار علي كل من كوكب الارض والقمر ويري نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا في ظلمه الكون .. والصوره الثانيه ماخوذه من مكوك الفضاء تشالينجر لرائد الفضاء بروس ماكاندليس يدور حول كوكب الارض فيري نور النهار خيطا ازرق دقيقا في ظلمه الكون
وقد وردت في قول الحق( تبارك وتعالي):
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء.. مما يوكد ان السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس الي عهد قريب, حتي ثبت لنا انها بنيان محكم, يتعذر دخوله الا عن طريق ابواب تفتح للداخل فيه, والسماء لغه, هي: كل ما علاك فاظلك, واصطلاحا, هي: ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رووسنا بكل مافيه من اجرام.
وعلميا هي كل مايحيط بالارض من مختلف صور الماده والطاقه بدءا من غلافها الغازي, وانتهاء بحدود الكون, والذي ادرك العلماء منه مساحه يبلغ قطرها24 الف مليون سنه ضوئيه علي الاقل اي حوالي228*2110 كيلو متر), وحصوا فيه اكثر من مائتي الف مليون مجره من امثال مجرتنا المعروفه باسم سكه التبانه( او درب اللبانه) والتي حصي العلماء فيها حوالي مليون مليون نجم كشمسنا, والكون فوق ذلك دائم الاتساع الي نهايه لايعلمها الا الله( سبحانه وتعالي).
وقد ثبت موخرا ان السماء مليئه بمختلف صور الماده والطاقه التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الاول( والذي كان يضم كل ماده الكون, ومختلف صور الطاقه المنبثه في ارجائه اليوم) وذلك عند تحوله من مرحله الرتق الي مرحله الفتق كما يصفهما القران الكريم, ويقدر علماء الكون ان ذلك قد حدث منذ فتره تقدر بحوالي العشره بلايين من السنين علي اقل تقدير.
وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الاول تحولت مادته ومختلف صور الطاقه المخزونه فيه الي سحابه هائله من الدخان ملات فسحه الكون, ثم اخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتي وصلت الي حاله من التوازن الحراري بين جسيمات الماده وفوتونات الطاقه, وهنا تشكلت بعض نوي الايدروجين المزدوج( الديوتريوم), وتبع ذلك تخلق النوي الذريه لاخف عنصرين معروفين لنا وهما الايدروجين والهيليوم, ثم تخلق نسب ضئيله من العناصر الاثقل وزنا.
وبواسطه دوامات الطاقه التي انتشرت في سحابه الدخان التي ملات ارجاء الكون تشكلت السدم
وهي اجسام غازيه في غالبيتها, تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبه, وتدور الماده فيها في دوامات شديده تساعد علي المزيد من تكثفها في سلسله من العمليات المنضبطه حتي تصل الي مرحله الاندماج النووي التي تكون النجوم بمختلف احجامها, وهيئاتها, ودرجات حرارتها, وكثافه الماده فيها, ومنها النجوم العاديه او نجوم النسق الاساسي
المفرده والمزدوجه, والمستعرات الشديده الحراره( العمالقه الحمر والعمالقه الكبار) والنجوم البيضاء القزمه, ومنها النجوم النيوترونيه النابضات
منها وغير النابضات
( التي تصل كثافه الماده فيها الي خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب), واشباه النجوم( التي تقل كثافه الماده فيها عنها في شمسنا ومنها الثقوب السود التي تصل كثافه الماده فيها الي مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب), والثقوب الدافئه وغير ذلك من اجرام السماء مما يشكل المجرات والتجمعات المجريه, وغيرها من نظم الكون المبهره.
ومن اشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات, والاقمار والمذنبات, والشهب والنيازك, والاشعات الكونيه التي تملا فسحه الكون باشكالها المتعدده, وغير ذلك مما لانعلم من اسرار هذا الوجود.
وقبل سنوات قليله لم يكن احد من الناس يعلم ان السماء علي اتساعها ليست فراغا, ولكنها مليئه بالماده علي هيئه رقيقه للغايه, تشكلها غازات مخلخله يغلب علي تركيبها غازا الايدروجين والهيليوم, مع نسب ضئيله جدا من الاوكسيجين, والنيتروجين, والنيون, وبخار الماء, وهباءات نادره من المواد الصلبه, مع انتشار هائل للاشعات الكونيه بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون. ولقد كان السبب الرئيسي لتصور ان الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للارض مع الارتفاع عن سطحها حتي لايكاد يدرك بعد الف كيلو متر فوق سطح البحر, ومن اسباب زياده كثافه الغلاف الغازي للارض بالقرب من سطحها هو انطلاق كميات هائله من بخار الماء وغازات عديده اغلبها اكاسيد الكربون والنتروجين من جوفها اثناء تبرد قشرتها, وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولاتزال تنشط علي سطحها وقد اختلطت تلك الغازات الارضيه بالسحابه الغازيه الكونيه, وساعدت جاذبيه الارض علي الاحتفاظ بالغلاف الغازي للارض بكثافته التي تتناقص باستمرار بالبعد عنها حتي تتساوي مع كثافه الغلاله الغازيه الاوليه التي تملا ارجاء الكون وتندمج فيها.
وعلي ذلك فقد اثبتت الدراسات الحديثه ان السماء بناء محكم, تملاه الماده والطاقه, ولايمكن اختراقه الا عن طريق ابواب تفتح فيه, وهو مااكده القران الكريم قبل الف واربعمائه سنه في اكثر من ايه صريحه, ومنها الايه الكريمه التي نحن بصددها ولو فتحنا عليهم بابا من السماء.. وهي شهاده صدق علي ان القران الكريم هو كلام الله الخالق, الذي ابدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وانزل القران الكريم بعلمه الحق.
(2) اللمحه الاعجازيه الثانيه:
وتتضح من وصف الحركه في السماء بالعروج: فظلوا فيه يعرجون, والعروج لغه هو سير الجسم في خط منعطف منحن, فقد ثبت علميا ان حركه الاجسام في الكون لايمكن ان تكون في خطوط مستقيمه, بل لابد لها من الانحناء نظرا لانتشار الماده والطاقه في كل الكون, وتاثير كل من جاذبيه الماده( باشكالها المختلفه) والمجالات المغناطيسيه للطاقه( بتعدد صورها), علي حركه الاجسام في الكون, فاي جسم مادي مهما عظمت كتلته او تضاءلت لايمكنه التحرك في الكون الا في خطوط منحنيه وحتي الاشعه الكونيه علي تناهي دقائقها في الصغر( وهي تتكون من اللبنات الاوليه للماده مثل البروتونات والنيوترونات والاليكترونات), فانها اذا عبرت خطوط اي مجال مغناطيسي فان هذا المجال يحني مسار الشعاع بزاويه قائمه علي مساره.فانتشار كل من الماده والطاقه في الكون عبر عمليه الفتق وماصاحبها من انفجار عظيم كانت من اسباب تكوره, وكذلك كان انتشار قوي الجاذبيه في ارجاء الكون من اسباب تكور كل اجرامه, وكان التوازن الدقيق الذي اوجده الخالق العظيم بين كل من قوي الجاذبيه والقوي الدافعه الناتجه عن عمليه الفتق هو الذي حدد المدارات التي تتحرك فيها كل اجرام السماء, والسرعات التي تجري بها في تلك المدارات والتي يدور بها كل منهم حول محوره.
فعند انفجار الجرم الكوني الاول
انطلق كل ماكان به من مخزون الماده والطاقه بالقوه الدافعه الناتجه عن ذلك الانفجار العظيم( عمليه الفتق) والتي اكسبت كل صور الماده والطاقه المنطلقه الي فسحه الكون طاقه حركه هائله, وجعلتها بذلك واقعه تحت تاثير قوتين متعارضتين هما قوه التجاذب الرابطه بينها, والقوه الطارده الناتجه عن ذلك الانفجار الكوني, والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين المتعارضتين هو الذي يحفظ اجرام السماء في مداراتها, ويجعلها تتحرك فيها حركه دائريه بخطوط منحنيه باستمرار, كما جعلها تدور حول محاورها بسرعات محدده.
ودوران الاجرام السماويه حول محاورها وفي مداراتها تخضع لقانون يعرف باسم قانون بقاء التحرك الزاوي او قانون العروج
وينص هذا القانون علي ان كميه التحرك الزاوي لاي جرم سماوي تقدر علي اساس نسبه سرعه دورانه حول محوره الي نصف قطره علي محور الدوران, وتبقي كميه التحرك الزاوي تلك محفوظه في حاله انعدام موثرات اخري, ولكن اذا تعرض الجرم السماوي الي موثرات خارجيه او داخليه فانه سرعان ما يكيف حركته الزاويه في ضوء التغيرات الطارئه. فعلي سبيل المثال تزداد سرعه التحرك الزاوي للجرم كلما انكمش حجمه, وكما سبق وان ذكرنا فان جميع الاجرام الاوليه قد تكثفت مادتها علي مراحل متتاليه من سحابه الدخان الكوني التي نتجت عن انفجار الجرم الابتدائي الذي حوي كل ماده وطاقه الكون, تاركه كميات هائله من الغازات والغبار والاشعات الكونيه, وعلي ذلك فقد كانت الكواكب الابتدائيه علي سبيل المثال اكبر حجما بمئات المرات من الكواكب الحاليه, وكانت ارضنا الابتدائيه مائتي ضعف حجم الارض الحاليه( علي الاقل), وهذه الكواكب الابتدائيه اخذت في التكثف علي مراحل متتاليه حتي وصلت الي صورتها الحاليه.
وبمثل عمليه نشاه الكون تماما وبالقوانين التي تحكم دوران اجرامه حول محاورها, وفي مدارات لكل منها حول جرم اكبر منه تتم عمليه اطلاق الاقمار الصنعيه ومراكب الفضاء من الارض الي مدارات محدده حولها, او حول اي من اجرام مجموعتنا الشمسيه, او حتي الي خارج حدود المجموعه الشمسيه, وذلك بواسطه قوي دافعه كبيره تعينها علي الافلات من جاذبيه الارض, من مثل صواريخ دافعه تتزايد سرعتها بالجسم المراد دفعه الي قدر معين من السرعه, ولما كانت الجاذبيه الارضيه تتناقص بزياده الارتفاع عن سطح الارض, فان سرعه الجسم المرفوع الي الفضاء تتغير بتغير ارتفاعه فوق سطح ذلك الكوكب, وبضبط العلاقه بين قوه جذب الارض للجسم المنطلق منها الي الفضاء والقوه الدافعه لذلك الجسم( اي سرعته) يمكن ضبط المستوي الذي يدور فيه الجسم حول الارض, او حول غيرها من اجرام المجموعه الشمسيه او حتي ارساله الي خارج المجموعه الشمسيه تماما, ليدخل في اسر جرم اكبر يدور في فلكه.
واقل سرعه يمكن التغلب بها علي الجاذبيه الارضيه في اطلاق جرم من فوق سطحها الي فسحه الكون تسمي باسم سرعه الافلات من الجاذبيه الارضيه, وحركه اي جسم مندفع من الارض الي السماء لابد وان تكون في خطوط منحنيه وذلك تاثرا بكل من الجاذبيه الارضيه, والقوه الدافعه له الي السماء, وكلتاهما تعتمد علي كتله الجسم المتحرك, وعندما تتكافا هاتان القوتان المتعارضتان يبدا الجسم في الدوران في مدار حول الارض مدفوعا بسرعه افقيه تعرف باسم سرعه التحرك الزاوي او سرعه العروج
والقوه الطارده اللازمه لوضع جرم ما في مدار حول الارض تساوي كتله ذلك الجرم مضروبه في مربع سرعته الافقيه( المماسه للمدار) مقسومه علي نصف قطر المدار( المساوي للمسافه بين مركزي الارض والجرم الذي يدور حولها), ولولا معرفه حقيقه عروج الاجسام في السماء لما تمكن الانسان من اطلاق الاقمار الصنعيه, ولا استطاع رياده الفضاء. فقد اصبح من الثابت ان كل جرم متحرك في السماء مهما كانت كتلته محكوم بكل من القوي الدافعه له وبالجاذبيه مما يضطره الي التحرك في خط منحن يمثل محصله كل من قوي الجذب والطرد الموثره فيه, وهذا ما يصفه القران الكريم بالعروج,
وهو وصف التزم به هذا الكتاب الخالد في وصفه لحركه الاجسام في السماء في خمس ايات متفرقات وذلك قبل الف واربعمائه سنه من اكتشاف الانسان لتلك الحقيقه الكونيه المبهره علي النحو التالي:
(1) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون( الحجر:14)
(2) يدبر الامر من السماء الي الارض ثم يعرج اليه في يوم كان مقداره الف سنه مما تعدون
(السجده:5)
(3) يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور
(سبا:2)
(4) ولولا ان يكون الناس امه واحده لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضه ومعارج عليها يظهرون
(الزخرف:33)
(5).. يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم اينما كنتم والله بما تعملون بصير
[الحديد:4]
(6) من الله ذي المعارج* تعرج الملائكه والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنه
(المعارج:4,3)
(3) اللمحه الاعجازيه الثالثه:
وقد وردت في قول الحق( تبارك وتعالي):
لقالوا انما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون
ومعني سكرت ابصارنا اغلقت عيوننا وسدت, او غشيت وغطيت لتمنع من الابصار, وحينئذ لا يري الانسان الا الظلام, ويعجب الانسان لهذا التشبيه القراني المعجز الذي يمثل حقيقه كونيه لم يعرفها الانسان الا بعد نجاحه في رياده الفضاء منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين حين فوجيء بحقيقه ان الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبيه اجزائه, وان حزام النهار في نصف الكره الارضيه المواجه للشمس لا يتعدي سمكه مائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر, واذا ارتفع الانسان فوق ذلك فانه يري الشمس قرصا ازرق في صفحه سوداء حالكه السواد, لا يقطع حلوكه سوادها الا بعض البقع الباهته الضوء في مواقع للنجوم.
واذا كان الجزء الذي يتجلي فيه النهار علي الارض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحه الكره الارضيه, وفي سمكه بمائتي كيلو متر, وكان في حركه دائبه دائمه مرتبطه بدوران الارض حول محورها امام الشمس, وكانت المسافه بين الارض والشمس في حدود المائه وخمسين مليون كيلو متر, وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر باثني عشر بليون سنه ضوئيه( اي ما يساوي114*2110 كيلو متر) اتضحت لنا ضاله سمك الطبقه التي يعمها نور النهار, وعدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطه الي اخري علي سطح الارض مع دوران الارض حول محورها, واتضح لنا ان تلك الطبقه الرقيقه تحجب عنا ظلام الكون, خارج حدود ارضنا ونحن في وضح النهار, فاذا جن الليل انسلخ منه النهار, واتصلت ظلمه ليلنا بظلمه الكون, وتحركت تلك الطبقه الرقيقه من النور لتفصل نصف الارض المقابل عن تلك الظلمه الشامله التي تعم الكون كله.
وتجلي النهار علي الجزء السفلي من الغلاف الغازي للارض( بسمك مائتي كيلو متر فوق سطح البحر) بهذا اللون الابيض المبهج هو نعمه كبري من نعم الله علي العباد. وتفسر بان الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للارض له كثافه عاليه نسبيا, وان كثافته تتناقص بالارتفاع حتي لا تكاد تدرك, وانه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الارض فتعلق بالهواء, وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا, وجزيئات بخار الماء, والجسيمات الدقيقه من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتي يظهر باللون الابيض الذي يميز النهار كظاهره نورانيه مقصوره علي النطاق الاسفل من الغلاف الغازي للارض في نصفها المواجه للشمس.
وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر يبدا الهواء في التخلخل لتضاول تركيزه, وقله كثافته باستمرار مع الارتفاع, ولندره كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه لان نسبها تتضاءل كذلك بالارتفاع حتي تكاد تتلاشي, ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهته في بحر غامر من ظلمه الكون لان اضواءها لا تكاد تجد ما يشتته او يعكسه في فسحه الكون.
فسبحان الذي اخبرنا بهذه الحقيقه الكونيه قبل اكتشاف الانسان لها بالف واربعمائه سنه, فشبه الذي يعرج في السماء بمن سكرت ابصاره فلم يعد يري غير ظلام الكون الشامل, او بمن اعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئا مما حواليه, وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما اصاب رواد الفضاء الاوائل حين عبروا نطاق النهار الي ظلمه الكون فنطقوا بما يكاد ان يكون تعبير الايه القرانيه دون علم بها:
انما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون
(4) اللمحه الاعجازيه الرابعه:
وتتضح في قوله تعالي:فظلوا فيه يعرجون
فالتعبير اللغوي ظلوا يشير الي عموم الاظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقه النهار الي نهايه الكون, بمعني ان الانسان اذا عرج به الي السماء في وضح النهار فانه يفاجا بظلمه الكون الشامله تحيط به من كل جانب مما يفقده النطق احيانا او يجعله يهذي بما لا يعلم احيانا اخري من هول المفاجاه.
ومن الامور التي توكد ظلمه الكون الشامله ان باطن الشمس مظلم تماما علي الرغم من ان درجات الحراره فيه تصل الي خمسه عشر مليون درجه مئويه او يزيد, وذلك لانه لا ينتج فيه سوي الاشعاعات غير المرئيه من مثل اشعه جاما, والاشعات فوق البنفسجيه والسينيه.
اما ضوء الشمس فلا يصدر الا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم النطاق المضيء
ولا يري بهذا النور الا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للارض, وفي نصف الكره الارضيه المواجه للشمس, فسبحان الذي انزل من قبل الف واربعمائه من السنين قوله الحق:
والشمس وضحاها* والقمر اذا تلاها* والنهار اذا جلاها* والليل اذا يغشاها*( الشمس:1 4)
(5) اللمحه الاعجازيه الخامسه:
وتتضح في اشاره الايتين الكريمتين الي الرقه الشديده لغلاله النهار وذلك في قول الحق تبارك وتعالي) ولو فتحنا.. لقالوا..) بمعني ان القول بتسكير العيون, وظلمه الكون الشامله تتم بمجرد العروج لفتره قصيره في السماء, ثم تظل تلك الظلمه الي نهايه الكون, وقد اثبت العلم الحديث ذلك بدقه شديده, فاذا نسبنا سمك طبقه النهار الي مجرد المسافه بين الارض والشمس لاتضح لنا انها تساوي200 كيلو متر\150,000,000 كيلو متر=1\750,000 تقريبا فاذا نسبناها الي نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح انها لا تساوي شيئا البته, وهنا تتضح روعه التشبيه القراني في مقام اخر يقول فيه الحق( تبارك وتعالي)
وايه لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون*
(يس:37)
حيث شبه انحسار طبقه النهار البالغه الرقه من ظلمه كل من ليل الارض وليل السماء بسلخ جلد الذبيحه الرقيق عن كامل بدنها, مما يوكد ان الظلام هو الاصل في الكون, وان النهار ليس الا ظاهره نورانيه, عارضه, رقيقه جدا, لا تظهر الا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للارض, وفي نصفها المواجه للشمس في دوره الارض حول نفسها امام ذلك النجم, وبتلك الدوره ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمه كل من ليل الارض وحلكه السماء كما ينسلخ جلد الذبيحه عن جسدها.
وفي تاكيد ظلمه السماء يقرر القران الكريم في مقام اخر قول الحق( تبارك وتعالي):
اءنتم اشد خلقا ام السماء بناها* رفع سمكها فسواها* واغطش ليلها واخرج ضحاها
(النازعات:27 29)
والضمير في اغطش ليلها عائد علي السماء, بمعني ان الله تعالي قد جعل ليل السماء حالك السواد من شده اظلامه, فهو دائم الاظلام سواء اتصل بظلمه ليل الارض( في نصف الكره الارضيه الذي يعمه الليل) او انفصل عن الارض بتلك الطبقه الرقيقه التي يعمها نور النهار( في نصف الارض المواجه للشمس) فيصفه ربنا( تبارك وتعالي) بقوله: واخرج ضحاها اي اظهر ضوء شمس السماء لاحاسيس المشاهدين لها من سكان الارض بالنور والدفء معا في اثناء نهار الارض, والضحي هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضووها جليا للناس, بينما يبقي معظم الكون غارقا في ظلمه السماء.
ويوكد هذا المعني قسم الحق( تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم) بالنهار اذ يجلي الشمس اي يكشفها ويوضحها فيقول( عز من قائل):
والشمس وضحاها* والقمر اذا تلاها* والنهار اذا جلاها* والليل اذا يغشاها*( الشمس:1 4)
اي ان النهار هو الذي يجعل الشمس واضحه جليه لاحاسيس المشاهدين لها من سكان الارض, وهذه لمحه اخري من لمحات الاعجاز العلمي في كتاب الله تقرر ان ضوء الشمس لا يري الا علي هيئه النور في نهار الارض.
وان الكون خارج نطاق نهار الارض ظلام دامس, وان هذا النطاق النهاري لابد ان به من الصفات ما يعينه علي اظهار وتجليه ضوء الشمس للذين يشهدونه من احياء الارض.
فسبحان الذي انزل القران بالحق, انزله بعلمه, وجعله معجزه خاتم انبيائه ورسله, في كل امر من اموره, وفي كل ايه من اياته, وفي كل اشاره من اشاراته, وفي كل معني من معانيه, وجعله معجزه ابديه خالده علي مر العصور, لا تنتهي عجائبه, ولا يخلق علي كثره الرد الي ان يرث الله تعالي الارض ومن عليها وصلي الله وسلم وبارك علي خاتم الانبياء والمرسلين الذي شرفه ربه( تبارك وتعالي) بوصفه انه لا ينطق عن الهوي فقال( عز من قائل):
وما ينطق عن الهوي* ان هو الا وحي يوحي* علمه شديد القوي*
(النجم:3 5)
-
12 فلا اقسم بالخنس* الجوار الكنس*
والمدلول اللغوي لهاتين الايتين الكريمتين: اقسم قسما موكدا بالخنس الجوار الكنس, والسوال الذي يتبادر الي الذهن هو: ماهي هذه الخنس الجوار الكنس التي اقسم بها ربنا( تبارك وتعالي) هذا القسم الموكد, وهو( تعالي) غني عن القسم؟
وقبل الاجابه علي هذا التساول لابد لنا:
اولا: من التاكيد علي حقيقه قرانيه مهمه موداها ان الايه او الايات القرانيه التي تتنزل بصيغه القسم تاتي بمثل هذه الصياغه الموكده من قبيل تنبيهنا الي عظمه الامر المقسوم به, والي اهميته في انتظام حركه الكون, او في استقامه حركه الحياه او فيهما معا, وذلك لان الله( تعالي) غني عن القسم لعباده.
ثانيا: ان القسم في القران الكريم بعدد من الامور المتتابعه لا يستلزم بالضروره ترابطها, كما هو وارد في سوره التكوير, وفي العديد غيرها من سور القران الكريم من مثل سور الذاريات, الطور, القيامه, الانشقاق, البروج, الفجر, البلد, الشمس, والعاديات, ومن هنا كانت ضروره التنبيه علي عدم لزوم الربط بين القسم الاول في سوره التكوير:
فلا اقسم بالخنس* الجوار الكنس
والقسم الذي يليه في الايتين التاليتين مباشره حيث يقول الحق( تبارك وتعالي):
والليل اذا عسعس* والصبح اذا تنفس*
( التكوير:18,17)
وهو ما فعله غالبيه المفسرين للاسف الشديد, فانصرفوا عن الفهم الصحيح لمدلول هاتين الايتين الكريمتين.
ثالثا: تشهد الامور الكونيه المقسوم بها في القران الكريم للخالق( سبحانه وتعالي) بطلاقه القدره, وكمال الصنعه, وتمام الحكمه, وشمول العلم, ومن هنا فلابد لنا من اعاده النظر في مدلولاتها كلما اتسعت دائره المعرفه الانسانيه بالكون ومكوناته, وبالسنن الالهيه الحاكمه له حتي يتحقق وصف المصطفي( صلي الله عليه وسلم) للقران الكريم بانه: لا تنتهي عجائبه, ولا يخلق علي كثره الرد, وحتي يتحقق لنا جانب من ابرز جوانب الاعجاز في كتاب الله وهو ورود الايه او الايات في كلمات محدوده يري فيها اهل كل عصر معني معينا, وتظل هذه المعاني تتسع باتساع دائره المعرفه الانسانيه في تكامل لا يعرف التضاد, وليس هذا لغير كلام الله.
رابعا: بعد القسم بكل من الخنس الجوار الكنس والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس ياتي جواب القسم:
انه لقول رسول كريم( التكوير:19)
ومعني جواب القسم ان هذا القران الكريم ومنه الايات الوارده في مطلع سوره التكوير واصفه لاهوال القيامه, وما سوف يصاحبها من الاحداث والانقلابات الكونيه التي تفضي الي افناء الخلق, وتدمير الكون, ثم اعاده الخلق من جديد هو كلام الله الخالق الموحي به الي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بواسطه ملك من ملائكه السماء المقربين, عزيز علي الله( تعالي), وهذا الملك المبلغ عن الله الخالق هو جبريل الامين( عليه السلام), ونسبه القول اليه هو باعتبار قيامه بالتبليغ الي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم).
خامسا: ان هذا القسم القراني العظيم جاء في سياق التاكيد علي حقيقه الوحي الالهي الخاتم الذي نزل الي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي اله وصحبه اجمعين وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين), والذي جاء للناس كافه لينقلهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال الي نور التوحيد الخالص لله الخالق بغير شريك ولا شبيه ولا منازع, ومن فوضي وحشيه الانسان الي ضوابط الايمان وارتقائها بكل ملكات الانسان الي مقام التكريم الذي كرمه به الله, ومن جور الاديان الي عدل الرحمن, كما جاء هذا القسم الموكد بشيء من صفات الملك الذي حمل هذا الوحي الي خاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وعلي شيء من صفات هذا النبي الخاتم الذي تلقي الوحي من ربه, وحمله بامانه الي قومه, رغم معاندتهم له, وتشككهم فيه, وادعائهم الكاذب عليه( صلي الله عليه وسلم) تاره بالجنون( وهو المشهود له منهم برجاحه العقل وعظيم الخلق), واخري بان شيطانا يتنزل عليه بما يقول( وهو المعروف بينهم بالصادق الامين), وذلك انطلاقا من خيالهم المريض الذي صور لهم ان لكل شاعر شيطانا ياتيه بالنظم الفريد, وان لكل كاهن شيطانا ياتيه بالغيب البعيد. وقد تلقي رسول الله( صلي الله عليه وسلم) كل ذلك الكفر والجحود والاضطهاد بصبر وجلد واحتساب حتي كتب الله تعالي له الغلبه والنصر فادي الامانه, وبلغ الرساله, ونصح البشريه, وجاهد في سبيل الله حتي اتاه اليقين.
وتختتم سوره التكوير بالتاكيد علي ان القران الكريم هو ذكر للعالمين وان جحود بعض الناس له, وصدهم عنه, وايمان البعض الاخر به وتمسكهم بهديه هي قضيه شاء الله تعالي ان يتركها لاختيار الناس وفقا لاراده كل منهم, مع الايمان بان هذه الاراده الانسانيه لا تخرج عن مشيئه الله الخالق الذي فطر الناس علي حب الايمان به, ومن عليهم بتنزل هدايته علي فتره من الرسل الذين تكاملت رسالاتهم في هذا الوحي الخاتم الذي نزل به جبريل الامين علي قلب النبي والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم), وانه علي الرغم من كل ذلك فان احدا من الناس مهما اوتي من اسباب الذكاء والفطنه لا يقدر علي تحقيق الاستقامه علي منهج الله تعالي الا بتوفيق من الله. وهذه دعوه صريحه الي الناس كافه ليطلبوا الهدايه من رب العالمين في كل وقت وفي كل حين.
والقسم بالاشياء الوارده بالسوره هو للتاكيد علي اهميتها لاستقامه امور الكون وانتظام الحياه فيه, وعلي عظيم دلالاتها علي طلاقه القدره الالهيه التي ابدعتها وصرفت احوالها وحركاتها بهذه الدقه المبهره والاحكام العظيم.
الخنس الجوار الكنس في اللغه العربيه
جاء في معجم مقاييس اللغه لابن فارس( المتوفي سنه395 ه), تحقيق عبدالسلام هارون( الجزء الخامس, الطبعه الثانيه1972 م, ص141, ص223) وفي غيره من معاجم اللغه تعريف لغوي للفظي الخنس والكنس يحسن الاستهداء به في فهم مدلول الخنس الجوار الكنس كما جاءا في ايتي سوره التكوير علي النحو التالي:
اولا: الخنس:

خنس: الخاء والنون والسين اصل واحد يدل علي استخفاء وتستر, قالوا: الخنس الذهاب في خفيه, يقال خنست عنه, واخنست عنه حقه.
والخنس: النجوم تخنس في المغيب, وقال قوم: سميت بذلك لانها تخفي نهارا وتطلع ليلا, والخناس في صفه الشيطان, لانه يخنس اذا ذكر الله تعالي, ومن هذا الباب الخنس في الانف انحطاط القصبه, والبقر كلها خنس.
ومعني ذلك ان الخنس جمع خانس اي مختف عن البصر, والفعل خنس بمعني استخفي وتستر, يقال خنس الظبي اذا اختفي وتستر عن اعين المراقبين.
والخنوس ياتي ايضا بمعني التاخر, كما ياتي بمعني الانقباض والاستخفاء. وخنس بفلان وتخنس به اي غاب به, واخنسه اي خلفه ومضي عنه.
ثانيا: الجوار:
اي الجاريه.( في افلاكها) وهي جمع جاريه, من الجري وهو المر السريع.
ثالثا: الكنس:
( كنس) الكاف والنون والسين تشكل اصلين صحيحين, احدهما يدل علي سفر شئ عن وجه شئ وهو كشفه والاصل الاخر يدل علي استخفاء, فالاول كنس البيت, وهو سفر التراب عن وجه ارضه, والمكنسه اله الكنس, والكناسه مايكنس.
والاصل الاخر: الكناس: بيت الظبي, والكانس: الظبي يدخل كناسه, والكنس: الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها, قال ابو عبيده: تكنس في المغيب.
وقيل الكنس جمع كانس( اي قائم بالكنس) او مختف من كنس الظبي اي دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من اغصان الشجر, وسمي كذلك لانه يكنس الرمل حتي يصل اليه. وعندي ان الكنس هي صيغه منتهي الجموع للفظه كانس اي قائم بعمليه الكنس, وجمعها كانسون, او للفظه كناس وجمعها كناسون, والكانس والكناس هو الذي يقوم بعمليه الكنس( اي سفر شيء عن وجه شيء اخر, وازالته), لانه لا يعقل ان يكون المعني المقصود في الايه الكريمه للفظه الكنس هي المنزويه المختفيه وقد استوفي هذا المعني باللفظ الخنس, ولكن اخذ اللفظتين بنفس المعني دفع بجمهور المفسرين الي القول بان من معاني فلا اقسم بالخنس* الجوار الكنس*: اقسم قسما موكدا بالنجوم المضيئه التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل وهو معني الخنس, والتي تجري في افلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء في كناسها( اي مغاراتها) وهو معني الجوار الكنس, قال القرطبي: هي النجوم تخنس بالنهار, وتظهر بالليل, وتكنس وقت غروبها اي تستتر كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس, وقال مخلوف: اقسم الله تعالي بالنجوم التي تخنس بالنهار اي يغيب ضووها فيه عن الابصار مع كونها فوق الافق, وتظهر بالليل, وتكنس اي تستتر وقت غروبها اي نزولها تحت الافق كما تكنس الظباء في كنسها.. وقال بعض المتاخرين من المفسرين: هي الكواكب التي تخنس اي ترجع في دورتها الفلكيه, وتجري في افلاكها وتختفي.
ومع جواز هذه المعاني كلها الا اني اري الوصف في هاتين الايتين الكريمتين: فلا اقسم بالخنس* الجوار الكنس*. ينطبق انطباقا كاملا مع حقيقه كونيه مبهره تمثل مرحله خطيره من مراحل حياه النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود
(Black Holes).
وهذه الحقيقه لم تكتشف الا في العقود المتاخره من القرن العشرين, وورودها في القران الكريم الذي انزل قبل الف واربعمائه سنه بهذه التعبيرات العلميه الدقيقه علي نبي امي( صلي الله عليه وسلم), في امه كانت غالبيتها الساحقه من الاميين, هي شهاده صدق علي ان القران الكريم هو كلام الله الخالق الذي ابدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وعلي ان سيدنا محمدا بن عبدالله كان موصولا بالوحي, معلما من قبل خالق السماوات والارض, وانه( صلي الله عليه وسلم) ما كان ينطق عن الهوي, ان هو الا وحي يوحي.
الخنس الجوار الكنس في نظر بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين
يري بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين في الوصف القراني: الخنس الجواري الكنس انه وصف للمذنبات
(Comets),
وهي اجرام سماويه ضئيله الكتله( لا تكاد تصل كتلتها الي واحد من المليون من كتله الارض) ولكنها مستطيله بذنبها الي ما قد يصل الي150 مليون كيلو متر مما يجعلها اكبر اجرام المجموعه الشمسيه, حيث تتحرك في مدارات حول الشمس, بيضاويه تقع الشمس في احد طرفيها ونحن نراها كلما اقتربت من الشمس, وهذه المدارات لا تتبع قوانين الجاذبيه بدقه, وتتميز بشئ من اللامركزيه, وبميل اكبر علي مستوي مدار الارض, مما يجعل المذنبات تظهر وتختفي بصوره دوريه علي فترات تطول وتقصر. والمذنبات تتكون اساسا من خليط من الثلج والغبار, وللمذنب راس وذنب, وللراس نواه يبلغ قطرها عده كيلو مترات قليله عباره عن كره من الثلج والغبار تحيط بها هاله من الغازات والغبار, وتحيط بالهاله سحابه من غاز الايدروجين قد يصل قطرها الي مليون كيلو متر.
والغبار المكون للمذنبات شبيه في تركيبه الكيميائي والمعدني بتركيب بعض النيازك, واما الثلج فهو خليط من ثلج كل من الماء, وثاني اكسيد الكربون, والامونيا, والميثين.
وبالتفاعل مع كل من اشعه الشمس والرياح الشمسيه يندفع من راس المذنب ذيل من الغازات والابخره والغبار قد يصل طوله الي150 مليون كيلو متر, ومن هنا كانت التسميه بالمذنبات, وللكثير من المذنبات ذيلان احدهما ترابي ويبدو اصفر اللون في اشعه الشمس, والاخر مكون من غازات متاينه في حاله البلازما( اليكترونات وايونات) ويبدو ازرق اللون في اشعه الشمس, والذنب الغازي يندفع بفعل الرياح الشمسيه في خط مستقيم خلف راس المذنب بينما ينعقف منثني الذنب الترابي بلطف خلف راس المذنب الي اعلي, وهذان الذنبان قد يتواجدان معا او يتواجد احدهما في المذنب الواحد, في عكس اتجاه اشعه الشمس بانحراف قليل نظرا لدوران نواه راس المذنب( التي تتراوح كتلتها بين مائه مليون, وعشره مليون مليون طن) وللمذنب مجال مغناطيسي ثابت علي طوله.
ووجه الشبه الذي استند اليه هذا النفر من الفلكيين المسلمين المعاصرين بين المذنبات والوصف القراني الخنس الجواري الكنس هو ان المذنب يقضي فتره تتراوح بين عده ايام وعده شهور مجاورا للشمس في زياره خاطفه, فيظهر لنا بوضوح وجلاء ولكنه يقضي معظم فتره دورانه بعيدا عن الشمس فيختفي عنا تماما ويستتر, فاذا ما اقترب من الشمس ظهر لنا وبان, ولكن سرعان ما يقفل راجعا حتي يختفي تماما عن الانظار, واعتبروا ذلك هو الخنوس, ولكن الوصف القراني بالخنس يعني الاختفاء الكامل, ولا يعني الظهور ثم الاختفاء.
(The Missing Mass in the universe)
ما هي الثقوب السود ؟:
يعرف الثقب الاسود بانه احد اجرام السماء التي تتميز بكثافتها الفائقه وجاذبيتها الشديده بحيث لا يمكن للماده ولا لمختلف صور الطاقه ومنها الضوء ان تفلت من اسرها, ويحد الثقب الاسود سطحا يعرف باسم افق الحدث
(The Event Horizon),
وكل ما يسقط داخل هذا الافق لا يمكنه الخروج منه, او ارسال ايه اشاره عبر حدوده.
وقد افادت الحسابات النظريه في الثلث الاول من القرن العشرين الي امكانيه وجود مثل هذه الاجرام السماويه ذات الكثافات الفائقه والجاذبيه الشديده[ كارل شفارز تشايلد1916 م, روبرت اوبنهاير
1934(Karl schwars child,1916 Robert oppenheimer,1934)
الا انها لم تكتشف الا في سنه1971, بعد اكتشاف النجوم النيوترونيه باربع سنوات ففي خريف سنه1967 م اعلن الفلكيان البريطانيان توني هيويش
(Tony Hewish)
وجوسلين بل
(Jocelyn Bell)
عن اكتشافهما لاجرام سماويه صغيره الحجم( باقطار في حدود16 كيلو متر) تدور حول محورها بسرعات مذهله بحيث تتم دورتها في فتره زمنيه تتراوح بين عدد قليل من الثواني الي اجزاء لاتكاد تدرك من الثانيه الواحده وتصدر موجات راديويه منتظمه اكدت ان تلك الاجرام هي نجوم نيوترونيه
(Neutron Stars)
ذات كثافه فائقه تبلغ بليون طن للسنتيمتر المكعب.
وفي سنه1971 م اكتشف علماء الفلك ان بعض النجوم العاديه تصدر وابلا من الاشعه السينيه, ولم يجدوا تفسيرا علميا لذلك الا وقوعها تحت تاثير اجرام سماويه غير مرئيه ذات كثافات خارقه للعاده, ومجالات جاذبيه عاليه الشده, وذلك لان النجوم العاديه ليس في مقدورها اصدار الاشعه السينيه من ذاتها, وقد سميت تلك النجوم الخفيه باسم الثقوب السود
(Black Holes),
وقد سميت بالثقوب لقدرتها الفائقه علي ابتلاع كل ما تمر به او يدخل في نطاق جاذبيتها من مختلف صور الماده والطاقه من مثل الغبار الكوني والغازات والاجرام السماويه المختلفه, ووصفت بالسواد لانها معتمه تماما لعدم قدره الضوء علي الافلات من مجال جاذبيتها علي الرغم من سرعته الفائقه المقدره بحوالي الثلاثمائه الف كيلو متر في الثانيه(299792,458 كم/ ث) وقد اعتبرت الثقوب السود مرحله الشيخوخه في حياه النجوم وهي المرحله التي قد تسبق انفجارها وعوده مادتها الي دخان السدم دون ان يستطيع العلماء حتي هذه اللحظه معرفه كيفيه حدوث ذلك.
كيف تتكون الثقوب السود؟
تعتبر الثقوب السود كما ذكرنا من قبل مرحله الشيخوخه في حياه النجوم, ولكي نفهم كيفيه تكونها لابد لنا من معرفه المراحل السابقه في حياه تلك النجوم.
والنجوم هي اجرام سماويه غازيه التركيب في غالبيتها, شديده الحراره, ملتهبه, مضيئه بذاتها, يغلب علي تركيبها غاز الايدروجين الذي يكون اكثر من74% من ماده الكون المنظور, والذي تتحد ذراته مع بعضها البعض في داخل النجوم بعمليه تعرف باسم الاندماج النووي
(Nuclear Fusion)
مطلقه الطاقه الهائله ومكونه عناصر اعلي في وزنها الذري من الايدورجين( اخف العناصر المعروفه لنا علي الاطلاق وابسطها من ناحيه البناء الذري ولذلك يوضع في الخانه رقم واحد في الجدول الدوري للعناصر التي يعرف منها اليوم105 عنصرا)و والنجوم تتخلق ابتداء من الغبار( الدخان) الكوني الذي يكون السدم, وينتشر في فسحه السماء ليملاها وتتكون النجوم في داخل السدم بفعل دوامات عاتيه تودي الي تجاذب الماده تثاقليا وتكثفها علي ذاتها حتي تتجمع الكتله اللازمه لتخليق النجم, وتبدا عمليه الاندماج النووي فيه, وتنطلق منه الطاقه وينبعث الضوء, وبعد الميلاد تمر النجوم بمراحل متتابعه من الطفوله فالشباب فالشيخوخه والهرم علي هيئه ثقب اسود يعتقد ان مصيره النهائي هو الانفجار والتحول الي الدخان مره اخري, وان كنا لا ندري حتي هذه اللحظه كيفيه حدوث ذلك, ومن المراحل المعروفه لنا في دوره حياه النجوم ما يعرف باسم نجوم النسق العادي
(Main Sequence Stars)
والعمالقه الحمر
(Red Giants),
والاقزام البيض
(White Dwarfs),
والاقزام السود
(Black Dwarfs)
والنجوم النيوترونيه
(Neutron Stars),
والثقوب السود
(Black Holes)
فعندما تبدا كميه الايدروجين بداخل النجم في التناقص نتيجه لعمليه الاندماج النووي, وتبدا كميه الهيليوم الناتجه عن تلك العمليه في التزايد تبدا طاقه النجم في الاضمحلال تدريجيا وترتفع درجه حراره قلب النجم الي عشره ملايين درجه كلفن( الصفر المئوي يساوي273 درجه كلفن) موديا بذلك الي بدء دوره جديده من عمليه الاندماج النووي والي انبعاث المزيد من الطاقه التي تودي الي مضاعفه حجم النجم الي مئات الاضعاف فيطلق عليه اسم العملاق الاحمر
(Red Giant),
وبتوالي عمليه الاندماج النووي ياخذ النجم في استهلاك طاقته دون امكانيه انتاج المزيد منها مما يودي الي تقلصه في الحجم وانهياره اما الي قزم ابيض
(White Dwarf)
او الي نجم نيوتروني
(Neutron Star)
او الي ثقب اسود
(Black Hole)
حسب كتلته الاصليه التي بدا تواجده بها.
فاذا كانت الكتله الابتدائيه للنجم اقل من كتله الشمس فان الاليكترونات في ماده النجم تقاوم عمليه تقلصه ابتداء ثم تنهار هذه المقاومه ويبدا النجم في التقلص حتي يصل الي حجم اقل قليلا من حجم الارض, متحولا الي قزم ابيض, وهذه المرحله من مراحل حياه النجوم قد تتعرض لعدد من الانفجارات النوويه الهائله والتي تنتج عن تزايد الضغط في داخل النجم, وتسمي هذه المرحله باسم النجوم الجديده او النجوم المستجده
(Novae)
فاذا زاد تراكم الضغط في داخل القزم الابيض فانه ينفجر انفجارا كاملا محدثا نورا في السماء يقارب نور بليون شمس كشمسنا, وتسمي هذه المرحله باسم النجم المستعر الاعظم
(Supernova)
يفني علي اثرها القزم الابيض وتتحول مادته الي دخان, وتحدث هذه الظاهره مره واحده في كل قرن من الزمان لكل مجره تقريبا, ولكن مع الاعداد الهائله للمجرات في الجزء المدرك لنا من الكون فان هذه الظاهره تحدث في الكون المدرك مره كل ثانيه تقريبا.
اما اذا كانت الكتله الابتدائيه للنجم اكبر من كتله الشمس فانه ينهار عند استهلاك طاقته متحولا الي نجم نيوتروني وفيه تتحد البروتونات والاليكترونات منتجه النيوترونات, وهذا النجم النيوتروني ينبض في حدود ثلاثين نبضه في الثانيه الواحده ومن هنا يعرف باسم النجم النابض
(Pulsating Star
او النابض
(Pulsar).
وهناك من النجوم النيوترونيه ما هو غير نابض
(Non-Pulsating Neutron Star)
وقد يستمر هذا النجم النيوتروني في الانهيار حتي يصل الي مرحله الثقب الاسود اذا كانت كتلته الابتدائيه تسمح بذلك فاذا كانت الكتله الابتدائيه للنجم تزيد علي كتله الشمس بمره ونصف المره تقريبا(1,4 قدر كتله الشمس) ولكنها تقل عن خمسه اضعاف كتله الشمس فان عمليه التقلص تنتهي به الي نجم نيوتروني لا يزيد قطره علي عشره كيلو مترات تقريبا, ويسمي بهذا الاسم لان الذي يقوم بعمليه مقاومه التقلص التثاقلي
(Gravitational Contraction)
فيه هي النيوترونات لان الاليكترونات في داخل كتله النجم تعجز عن ذلك.
اما اذا زادت الكتله الابتدائيه للنجم علي خمسه اضعاف كتله الشمس فلا يتمكن اي من الاليكترونات او النيوترونات من مقاومه عمليه التقلص التثاقلي للنجم فتستمرحتي يصل النجم الي مرحله الثقب الاسود, وهذه المرحله لا يمكن ادراكها بصوره مباشره, ولكن يمكن تحديد مواقعها بعدد من الملاحظات غير المباشره من مثل صدور موجات شديده من الاشعه السينيه من الاجرام الواقعه تحت تاثيرها, واختفاء كل الاجرام السماويه بمجرد الاقتراب من مجال جاذبيتها.
ومع ادراكنا لانتهاء حياه النجوم بالانفجار علي هيئه نجم مستعر او نجم مستعر اعظم, او بفقدانه للطبقات الخارجيه منه وتحوله الي ماده عظيمه الكثافه شديده الجاذبيه مثل النجوم النيوترونيه او الثقوب السود, الا ان طبيعه تلك الثقوب السود وطريقه فنائها تبقي معضله كبري امام كل من علماء الفلك والطبيعه الفلكيه, فحسب قوانين الفيزياء التقليديه لا يستطيع الثقب الاسود فقد اي قدر من كتلته مهما تضاءل, ولكن حسب قوانين فيزياء الكم فانه يتمكن من الاشعاع وفقدان كل من الطاقه والكتله وهي سنه الله الحاكمه في جميع خلقه, ولكن تبقي كيفيه تبخر ماده الثقب الاسود بغير جواب, وتبقي كتلته, وحجمه, وكثافته, وطبيعه كل من الماده والطاقه فيه, وشده حركته الزاويه, وشحناته الكهربيه والمغناطيسيه من الاسرار التي يكافح العلماء الي يومنا هذا من اجل استجلائها.
فسبحان الذي خلق النجوم وقدر لها مراحل حياتها...
وسبحان الذي اوصلها الي مرحله الثقب الاسود, وجعله من اسرارالكون المبهره...
وسبحان الذي اقسم بتلك النجوم المستتره, الحالكه السواد, الغارقه بالظلمه... وجعل لها من الظواهر مايعين الانسان علي ادراك وجودها علي الرغم من تسترها واختفائها, وسبحان الذي مكنها من كنس ماده السماء وابتلاعها وتكديسها, ثم وصفها لنا من قبل ان نكتشفها بقرون متطاوله بهذا الوصف القراني المعجز فقال( عز من قائل)
فلا اقسم بالخنس* الجوار الكنس.
ولا اجد وصفا لتلك المرحله من حياه النجوم المعروفه باسم الثقوب السود ابلغ من وصف الخالق( سبحانه وتعالي) لها بالخنس الكنس فهي خانسه اي دائمه الاختفاء والاستتار بذاتها, وهي كانسه لصفحه السماء, تبتلع كل ما تمربه من الماده المنتشره بين النجوم, وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها من اجرام السماء, وهي جاريه في افلاكها المحدده لها, فهي خنس جوار كنس وهو تعبير ابلغ بكثيرمن تعبير الثقوب السود الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك..
ومن اصدق من الله قيلا
(النساء:122)
ومن العجيب ان العلماء الغربيين يسمون هذه الثقوب السود تسميه مجازيه عجيبه حين يسمونها بالمكانس العملاقه التي تبتلع( او تشفط) كل شيء يقترب منها الي داخلها:
(Giant Vaccum Cleanersthat Suckineverythinginsight)
وتبقي الثقوب السود صوره مصغره للجرم الاول الذي تجمعت فيه ماده الكون ثم انفجر ليتحول الي سحابه من الدخان, وان من هذا الدخان خلقت السموات والارض, وتتكرر العمليه اليوم امام انظار المراقبين من الفلكيين حيث تتخلق النجوم الابتدائيه من تركز الماده في داخل السدم عبر دوامات تركيز الماده
(Accretionwhirls)
او
(Accretion Vertigos)
ومنها تتكون النجوم الرئيسيه
(Main Sequeence Stars)
والتي قد تنفجر حسب كتلتها الي عمالقه حمر
(Red Giants)
او نجوم مستعره
(Novae)
او فوق مستعره
(Supernovae),
وقد يودي انفجار العمالقه الحمر الي تكون سدم كوكبيه
(Planetary Nebulae)
والتي تنتهي الي تكون الاقزام البيض
(White Dwarfs)
والتي تستمر في التبرد حتي تنتهي الي مايعرف باسم الاقزام السود
Black Dwarfs)
وهي من النجوم المنكدره, كما قد يودي انفجار فوق المستعرات الي تكون نجوم نيوترونيه نابضه او غير نابضه
(Non-Pulsating or Pulsating Neutron Stars or Pulsars)
او ثقوب سود
(Black Holes)
حسب كتلتها الابتدائيه, وقد تفقد الثقوب السود كتلتها الي دخان السماء عن طريق تبخر تلك الماده علي هيئه اشباه النجوم المرسله لموجات راديويه عبر مراحل متوسطه عديده
ثم تتفكك هذه لتعود مره اخري الي دخان السماء مباشره او عبر هيئه كهيئه السدم حتي تشهد لله الخالق بالقدره الفائقه علي انه وحده الذي يبدا الخلق ثم يعيده, وانه وحده علي كل شيء قدير. ومن المبهر حقا ان يشهد علماء الفلك بان90% من ماده الكون المنظور( ممثله بماده المجرات العاديه) هي مواد خفيه لا يمكن للانسان رويتها بطريقه مباشره, وان من هذه المواد الخفيه: الثقوب السود, والاقزام البنيه غير المدركه
(Undetected Brown Dwarfs),
والماده الداكنه
(Dark Matter)
واللبنات الاوليه للماده
(Subatomic Particles)
وغيرها, وان كتله الجزء المدرك من الكون تقدر باكثر من مائه ضعف الكتله الظاهره.
اما عن القسم التالي في السوره والذي يقول فيه الحق( تبارك وتعالي): والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس فهما قضيتان مستقلتان عن الخنس الجوار الكنس سنعرض لهما ان شاء الله تعالي في مقام اخر واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين.
-
13 والسماء ومابناها
في مطلع سوره الشمس يقسم ربنا( تبارك وتعالي) وهو الغني عن القسم بعدد من حقائق الكون وظواهره فيقول( عز من قائل):
والشمس وضحاها* والقمر اذا تلاها* والنهار اذا جلاها* والليل اذا يغشاها* والسماء وما بناها* والارض وما طحاها* ونفس وما سواها* فالهمها فجورها وتقواها*
(الشمس:1 8)
ثم ياتي جواب القسم صادعا, جازما بالقرار الالهي الذي منطوقه:
قد افلح من زكاها* وقد خاب من دساها*
( الشمس:9:10)
وكثيرا ما يوجه القران الكريم الانظار الي التفكر في عمليه الخلق: خلق الكون بسماواته واراضيه, خلق الحياه بمختلف اشكالها, وخلق الانسان, بكل ما في جسده ونفسه من اسرار ومعجزات, وما صاحب ذلك كله من مظاهر وموجودات, وهي وان كانت من صفحات كتاب الله المنظور التي تشهد له( تعالي) بطلاقه القدره, وكمال الصنعه, وشمول العلم والاحاطه فهي توكد صدق كل ما جاء في القران الكريم لانه هو كتاب الله المقروء, في صفائه الرباني, واشراقاته النورانيه. وصدق اخباره في كل امر, وكيف لا وهو وحي السماء الخاتم الذي تعهد ربنا( تبارك وتعالي) بحفظه فحفظ بنفس لغه الوحي( اللغه العربيه), وبنفس تفاصيل الوحي الذي انزل بها سوره سوره, وايه ايه وكلمه كلمه وحرفا حرفا, تحقيقا للوعد الالهي الذي قطعه ربنا( سبحانه) علي ذاته العليه فقال( عز من قائل):
انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون
( الحجر:9)
وبقي هذا الوحي الخاتم ولانه الوحي الخاتم محفوظا بحفظ الله الخالق علي مدي اربعه عشر قرنا او يزيد, وسوف يبقي ان شاء الله( تعالي) بصفائه الرباني, وتمامه وكماله الي ان يرث الله( تعالي) الارض ومن عليها...!!!
وسوره الشمس مليئه بالاشارات الكونيه التي لا يتسع المقام لعرضها في مقال واحد, ولذا فسوف اركز في هذا المقال علي قسم واحد مما جاء في هذه السوره المباركه الا وهو: والسماء وما بناها( الشمس: الايه الخامسه)
وقبل البدء في ذلك اود ان اكرر ما اكدته مرارا من قبل ان القسم في القران الكريم ياتي من قبيل تنبيهنا الي اهميه الامر المقسوم به في استقامه الوجود, وانتظام حركه الحياه, لان الله( تعالي) غني عن القسم لعباده.
ما في اللغه العربيه:

الوحدات الرئيسيه في بناء الجزء المدرك من السماء الدنيا
تاتي ما في اللغه العربيه علي تسعه اوجه, اربعه منها اسماء, والخمسه الباقيه حروف.
والاسماء تاتي بمعني الذي, او للاستفهام, او للتعجب او تاتي للتعبير عن نكره يلزمها النعت.
والحروف تاتي نافيه بمعني( ليس), وتاتي جزائيه( مسلطه) اذا ادخل عليها اذ( اذما) او حيث( حيثما), وتاتي كذلك بصيغه اما و مهما, كما تاتي مع الفعل لتاويل المصدر( مصدريه) اي لتجعل ما بعدها بمنزله المصدر, وتاتي كافه عن العمل اذا دخلت عليها ان واخواتها ورب ونحو ذلك من مثل انما, كانما, ربما, قلما, طالما, كما تاتي غير كافه من مثل بما, وتاتي محذوفا منها الالف اذا ضم اليها حرف اخر من مثل لم, بم, عم, كما تاتي زائده لتوكيد اللفظ اذا دخلت عليها حروف اخري من مثل اذما, فاما, اما.
السماء في اللغه العربيه
السماء لغه اسم مشتق من السمو بمعني الارتفاع والعلو, تقول:( سما يسمو سموا فهو سام) بمعني علا يعلو علوا فهو عال او مرتفع, لان السين والميم والواو.. اصل يدل علي الارتفاع والعلو, يقال( سموت وسميت) بمعني علوت وعليت للتنويه بالرفعه والعلو, وعلي ذلك فان سماء كل شيء اعلاه, ولذلك قيل: كل ما علاك فاظلك فهو سماء.
ويقال فلان لا يسامي اي لا يباري, وقد علا من ساماه اي الذي باراه, وتساموا اي تباروا( في اكتساب المعالي عاده).
ولفظه السماء في العربيه تذكر وتونث( وان اعتبر تذكيرها شاذا), وجمعها سماوات, واسميه, وسماو, وسمي, وان كان اشهرها ذيوعا سماوات وهو ما جاء بالقران الكريم.
وانطلاقا من ذلك قيل لسقف البيت سماء لارتفاعه, وقيل للسحاب سماء لعلوه واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السحاب, وللعشب لارتباطه بنزول ماء السماء.
والسماء دينا هي كل ما يقابل الارض من الكون, والمراد بها ذلك العالم العلوي من حولنا والذي يضم الاجرام المختلفه من الكواكب والكويكبات, والاقمار والمذنبات, والنجوم والبروج, والسدم والمجرات, وغيرها من مختلف صور الماده والطاقه التي تملا الكون بصوره واضحه جليه, او مستتره خفيه.
وقد خلق الله( تعالي) السماء وهو خالق كل شيء ورفعها بغير عمد نراها, وجعل لها عمارا من الملائكه ومما لا نعلم من الخلق, وحرسها من كل شيطان مارد من الانس والجن, فهي محفوظه بحفظه( تعالي) الي ان يرث( سبحانه) هذا الكون بمن فيه وما فيه.
اراء المفسرين
في تفسير قوله( تعالي) والسماء وما بناها
قال المفسرون برايين يكمل احدهما الاخر, فقال ابن كثير( يرحمه الله): يحتمل ان تكون( ما) ها هنا مصدريه بمعني: والسماء وبنائها, وهو راي قتاده( رضي الله عنه), ويحتمل ان تكون بمعني( من) يعني: والسماء وبانيها, وهو قول مجاهد( رضي الله عنه), وكلاهما متلازم, والبناء هو الرفع... وقال صاحب الظلال( يرحمه الله):...( ما) هنا مصدريه, ولفظ السماء حين يذكر يسبق الي الذهن هذا الذي نراه فوقنا كالقبه حيثما اتجهنا, تتناثر فيه النجوم والكواكب السابحه في افلاكها ومداراتها, فاما حقيقه السماء فلا ندريها, وهذا الذي نراه فوقنا متماسكا لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفه البناء بثباته وتماسكه, اما كيف هو مبني, وما الذي يمسك اجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له اولا ولا اخرا... فذلك مالا ندريه....., انما نوقن من وراء كل شيء ان يد الله هي تمسك هذا البناء.....
وقال مخلوف( يرحمه الله):( والسماء ومابناها) اي ومن اوجدها وانشاها بقدرته واضاف: وايثار( ما) علي( من) لاراده الوصفيه تفخيما وتعظيما, كانه قيل:( والسماء والاله) القادر العظيم الذي بناها, وزاد بعد ذلك بقليل: وقيل ان( ما) في الايات الثلاث(5 7 من سوره الشمس) مصدريه, فيكون القسم ببناء السماء, وطحو الارض, وتسويه النفوس في الخلقه.
وقال الصابوني( امد الله في عمره):... اي واقسم بالقادر العظيم الذي بني السماء, واحكم بناءها بلا عمد واضاف: قال المفسرون( ما) اسم موصول بمعني( من), اي والسماء ومن بناها, والمراد به الله رب العالمين بدليل قوله بعده( فالهمها فجورها وتقواها), كانه قال: والقادر العظيم الشان الذي بناها, فدل بناوها واحكامها علي وجوده, وكمال قدرته....
وهذا هو عين الصواب لان القسم بالسماء وبخالقها العظيم يحوي قسما ببنائها المذهل في اتساعه, وتعدد اجرامه, واحكام تماسكه وترابط مختلف اجزائه علي الرغم من الطبيعه الدخانيه الغالبه عليه, وهذه الامور وغيرها مما يشهد لله الخالق( سبحانه وتعالي) بطلاقه القدره, وابداع الصنعه, وكمال العلم, وعظيم الحكمه, وبالتفرد بالالوهيه, والربوبيه, والوحدانيه فوق جميع خلقه, ومن هنا كان القسم بالسماء وبخالقها الاعظم وببنائها المذهل البديع...!!!
ثم يستمر السياق القراني بالقسم بالارض وبالذي طحاها مع روعه هذا الطحو والدحو, وبالنفس وبخالقها المبدع الذي سواها فالهمها فجورها وتقواها وجعلها علي هذا القدر من عظمه البناء وتعقيده, وكرمها من فضله وجوده, ومنحها الاراده الحره, وحريه الاختيار, ثم ياتي جواب القسم:
قد افلح من زكاها* وقد خاب من دساها.
بمعني ان كل من اجتهد في تزكيه نفسه, وتطهيرها, وتنميه الاستعدادات الفطريه للخير فيها, ومقاومه نوازع الشر المتداعيه بين جوانبها فقد فاز وافلح, ومن اهمل كل ذلك, وجافي هدايه ربه, واتبع شهوات نفسه, واطفا انوار الفطره الربانيه فيها فقد خاب وخسر, وذلك لان الله( تعالي) قد خلق الانسان من الطين بما لهذا الطين من حاجات وشهوات, ونفخ فيه من روحه ومالها من انوار. واشراقات, وغرس في الجبله الانسانيه حب الخيرات, وكراهيه المنكرات ومنح الانسان العقل ميزانا بين جميع الاتجاهات وانزل هدايته الربانيه نورا للانسان يفرق بين ما ينبغي ومالا ينبغي له ان يفعل, فمن اتبع الهدايه الربانيه, ونمي تلك الاشراقات الفطريه النورانيه في نفسه فقد فاز وافلح, ومن اتبع نفسه هواها, واغرقها في شهواتها فقد خاب وخسر, وهذا هو جواب القسم المفخم بالسماء وخالقها ومبدعها, وبروعه بنائها الذي اقسم به ربنا تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم ليوكد هذا القرار الذي انزله( سبحانه) من فوق سبع سماوات:
قد افلح من زكاها* وقد خاب من دساها*
فماذا تقول العلوم الكونيه في عظمه شيء واحد من المقسوم به في هذه الايه الكريمه الا وهي السماء؟ وقبل الجواب علي ذلك اعرض لمفهوم السماء في القران الكريم.
السماء في القران الكريم
جاءت لفظه السماء في القران الكريم في ثلاثمائه وعشره مواضع, منها مائه وعشرون بالافراد( السماء), ومائه وتسعون بالجمع( السماوات).
كذلك جاءت الاشاره الي السماوات والارض وما بينهما في عشرين موضعا من تلك المواضع( المائده:18,17),( الحجر:85),( مريم:65),( طه:6),( الانبياء:16),( الفرقان:59),( الشعراء:24),( الروم:8),( السجده:4),( الصافات:5),( ص:66,27,10),( الزخرف:85),( الدخان:38,7),( الاحقاف:3),( ق:38),( النبا:37).
وجاء ذكر السحاب المسخر بين السماء والارض في موضع واحد من الايه رقم164 في سوره البقره, والتي تشير الي ان القران الكريم يفصل بين السماء والارض بنطاق يضم السحاب, وهو ما يعرف بنطاق المناخ الذي لا يتعدي سمكه16 كيلو مترا فوق خط الاستواء, ويحوي اغلب ماده الغلاف الغازي للارض(75% بالكتله).
وعلي ذلك فان السماء في القران الكريم تشمل كل ما يحيط بالارض بدءا من نهايه نطاق المناخ الي نهايه الكون التي لا يعلمها الا الله, ويشير القران الكريم الي ان الله تعالي قد قسم السماء الي سبع سماوات, كما قسم الارض الي سبع ارضين فقال( تعالي):
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله علي كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما
(الطلاق:12)
وقال( سبحانه وتعالي):
الم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا, وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا
(نوح:16,15)
وقال( عز من قائل):
الذي خلق سبع سماوات طباقا...
( الملك:3)
ويتضح من هذه الايات بصفه عامه, ومن ايتي سوره نوح(16,15) بصفه خاصه ان السماوات السبع متطابقه حول مركز واحد, يغلف الخارج منها الداخل, والا ما كان جميع ما في السماء الدنيا واقعا في داخل باقي السماوات, فيكون كل من القمر والشمس وهما من اجرام السماء الدنيا واقعين في كل السماوات السبع.
وجاء ذكر السماوات السبع في سبع ايات قرانيه كريمه هي:[( الاسراء:44),( المومنون:86),( فصلت:12),( الطلاق:12),( الملك:3),( نوح:16,15),( النبا:12)].
كذلك جاءت الاشاره القرانيه الي سبع طرائق في الايه(17) من سوره( المومنون), واعتبرها عدد من المفسرين اشاره الي السماوات السبع, وان كان الاشتقاق اللفظي يحتمل غير ذلك.
ويشير القران الكريم الي ان النجوم والكواكب هي من خصائص السماء الدنيا وذلك بقول الحق( تبارك وتعالي):
انا زينا السماء الدنيا بزينه الكواكب
(الصافات:6)
وقوله( سبحانه وتعالي):
.... وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
(فصلت:12)
وقوله( عز من قائل):
ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح...
(الملك:5)
وفي زمن تفجر المعارف العلميه, والتطور المذهل للوسائل التقنيه الذي نعيشه لم يستطع الانسان ادراك سوي جزء صغير من السماء الدنيا, ولم يتجاوز ادراكه لذلك الجزء10% مما فيه...!!!
السماء في علوم الفلك
يقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من الكون باكثر من اربعه وعشرين بليونا من السنين الضوئيه(24 بليون*9.5 مليون مليون كيلو متر), وهذا الجزء من السماء الدنيا دائم الاتساع الي نهايه لا يعلمها الا الله( تعالي), وبسرعات لا يمكن للانسان اللحاق بها, وذلك لان سرعه تباعد بعض المجرات عنا وعن بعضها بعضا تقترب من سرعه الضوء المقدره بنحو الثلاثمائه الف كيلو متر في الثانيه, وهذا الجزء المدرك من الكون مبني بدقه بالغه علي وتيره واحده, تبدا بتجمعات فلكيه حول النجوم كمجموعتنا الشمسيه التي تضم بالاضافه الي الشمس عددا من الكواكب والكويكبات, والاقمار والمذنبات التي تدور في مدارات محدده حول الشمس, وتنطوي امثال هذه المجموعه الشمسيه بملايين الملايين في مجموعات اكبر تعرف باسم المجرات, وتكون عشرات من المجرات المتقاربه ما يعرف باسم المجموعه المحليه, وتلتقي المجرات ومجموعاتها المحليه فيما يعرف باسم الحشود المجريه, وتنطوي تلك في تجمعات محليه للحشود المجريه, ثم في حشود مجريه عظمي, ثم في تجمعات محليه للحشود المجريه العظمي الي ما هو اكبر من ذلك الي نهايه لا يعلمها الا الله( سبحانه وتعالي).
شمسنا: هي عباره عن كتله غازيه ملتهبه, مشتعله, مضيئه بذاتها علي هيئه نجم عادي متوسط الحجم ومتوسط العمر. ويقدر نصف قطر الشمس بنحو سبعمائه الف كيلو متر(6.960*510 كم), وتقدر كتلتها بنحو الفي مليون مليون مليون مليون طن تقريبا(1.99*2710 طن), ويقدر متوسط كثافها بحوالي1.41 جرام للسنتيمتر المكعب, بينما تصل كثافه لبها الي90 جراما للسنتيمتر المكعب, وتتناقص الكثافه في اتجاه اكليل الشمس لتصل الي جزء من عشره ملايين من الجرام للسنتيمتر المكعب.
ويزيد حجم الشمس علي مليون مره قدر حجم الارض, كما تزيد كتلتها علي كتله الارض بنحو333.400 ضعف.
وتقدر درجه حراره سطح الشمس بنحو سته الاف(5800) درجه مطلقه, ودرجه حراره لبها بنحو15 مليون درجه مطلقه, بينما تصل درجه حراره هالتها( اكليلها) الي مليوني درجه مطلقه. وتتكون الشمس اساسا من غاز الايدروجين(70%), والهيليوم(28%) ومن نسب ضئيله من عدد من العناصر الاخري(2%). وتنتج الطاقه في الشمس( وفي اغلب النجوم) اساسا من تحول الايدروجين الي هيليوم بعمليه الاندماج النووي, وتستمر العمليه لانتاج اثار طفيفه من عناصر اعلي في وزنها الذري.
ونظرا للطبيعه الغازيه الغالبه للشمس فان دورانها حول محورها يتم بطريقه تفاضليه
(Differential Rotation),
وذلك لان قلب الشمس يدور كجسم صلب يتم دورته في36.5 يوم من ايامنا, بينما الكره الغازيه المحيطه بهذا القلب الشمسي( ويبلغ سمكها ثلثي نصف قطر الشمس) يتم دورته حول مركز الشمس في نحو24 يوما من ايامنا, وعلي ذلك فان متوسط سرعه دوران الشمس حول محورها يقدر بنحو27 يوما وثلث يوم من ايام الارض.
وتجري الشمس( ومعها مجموعتها) نحو نقطه محدده في كوكبه هرقل( كوكبه الجاثي) بالقرب من نجم النسر الواقع
(Vega)
بسرعه تقدر بنحو19.5 كيلو متر في الثانيه, وتسمي هذه النقطه باسم مستقر الشمس. وتجري المجموعه الشمسيه كذلك حول مركز مجرتنا( الدرب اللبني) بسرعه خطيه تقدر بنحو250 كيلومترا في الثانيه لتتم دورتها في نحو250 مليون سنه من سنينا.
مجموعتنا الشمسيه:
تضم مجموعتنا الشمسيه بالاضافه الي الشمس كواكب تسعه هي( قربا من الشمس الي الخارج): عطارد, الزهره, الارض, المريخ, المشتري, زحل, يورانوس, نبتيون, بلوتو, ثم مدارات المذنبات التي لم تعرف لها حدود, هذا بالاضافه الي عدد من التوابع( الاقمار) التي يقدر عددها بواحد وستين تدور حول بعض من هذه الكواكب, والاف الكويكبات المنتشره بين كل من المريخ والمشتري والتي يعتقد بانها بقايا لكوكب منفجر, والاف الشهب والنيازك, وكميات من الدخان( الغاز الحار والغبار).
والكواكب الاربعه الداخليه( عطارد, والزهره, والارض, والمريخ) هي كواكب صخريه, والكواكب الخارجيه( من المشتري الي بلوتو) هي كواكب غازيه تتكون من عدد من الغازات المتجمده علي هيئه جليد( من مثل بخار الماء ثاني اكسيد الكربون, الامونيا, الايدروجين والهيليوم) حول لب صخري ضئيل.
وكواكب المجموعه الشمسيه تدور كلها حول الشمس في اتجاه واحد, وفي مستوي واحد تقريبا ما عدا بلوتو, وذلك في مدارات شبه دائريه( اهليلجيه) بحيث تقع الشمس في احدي بورتيه, وابعد نقطه علي المدار يصل اليها الكوكب تسمي الاوج, واقرب نقطه تسمي الحضيض ومتوسط مجموعهما يمثل متوسط بعد الكوكب عن الشمس, كذلك تزداد سرعه الكوكب بقربه من الشمس وتقل ببعده عنها بحيث يمس الخط الوهمي الواصل بينه وبين الشمس مساحات متساويه في وحده الزمن.
وتقدر المسافه بين الارض والشمس بنحو المائه والخمسين مليون كيلو متر(149.6 مليون كم) وقد اعتبرت هذه المسافه وحده فلكيه دوليه واحده.
وتقدر المسافه بين الشمس واقرب كواكبها( عطارد) بنحو الثمانيه والخمسين مليونا من الكيلومترات(57.9 مليون كم), كما تقدر المسافه بين الشمس وابعد الكواكب المعروفه عنها( بلوتو) بنحو سته بلايين من الكيلومترات5913.5 مليون كم), ويلي مدار بلوتو الي الخارج سحابه ضخمه من المذنبات التي تدور حول الشمس في مدارات يقدر بعد بعضها عن الشمس باربعين الف وحده فلكيه( اي نحو سته تريليونات من الكيلومترات), ومن الممكن وجود مدارات حول الشمس ابعد من ذلك ولكنها لم تكتشف بعد, واذا كان امتداد المجموعه الشمسيه يعبر عنه بابعد مسافه نعرفها حول الشمس تتم فيها حركه مداريه حول هذا النجم فان مدار بلوتو لا يمكن ان يعبر عن حدود مجموعتنا الشمسيه, وعليه فاننا في زمن التقدم العلمي والتقني المذهل الذي نعيشه لم ندرك بعد حدود مجموعتنا الشمسيه...!!!
مجرتنا( مجره الدرب اللبني)
(The Milky Way Galaxy):
تنطوي مجموعتنا الشمسيه مع حشد هائل من النجوم يقدر بنحو التريليون( مليون مليون) نجم فيما يعرف باسم مجره الدرب او الطريق اللبني( درب اللبانه) علي هيئه قرص مفرطح يقدر قطره بنحو المائه الف سنه ضوئيه, ويقدر سمكه بعشر ذلك( اي حوالي العشره الاف سنه ضوئيه), وتقع مجموعتنا الشمسيه علي بعد يقدر بنحو الثلاثين الف سنه ضوئيه من مركزه, وعشرين الف سنه ضوئيه من اقرب اطرافه.
وتتجمع النجوم حول مركز المجره فيما يشبه النواه, وتلتوي الاجزاء الخارجيه من قرص المجره مكونه اذرعا لولبيه تعطي لمجرتنا هيئتها الحلزونيه, وترتبط النجوم في مجرتنا( وفي كل مجره) مع بعضها بعض بقوي الجاذبيه, مشكله نظاما يتحرك في السماء كجسم واحد وتتجمع النجوم في مجرتنا في ثلاث جمهرات نجميه
(Stellar populations)
علي النحو التالي:
(1) جمهره القرص الرقيق وتقع علي مستوي1155 سنه ضوئيه من مستوي المجره وتضم احدث النجوم عمرا بصفه عامه.
(2) جمهره القرص السميك; وتقع علي ارتفاع3300 سنه ضوئيه من مستوي المجره, وتضم نجوما متوسطه في العمر بصفه عامه.
(3) جمهره الهاله المجريه وتقع علي ارتفاع11.550 سنه ضوئيه من مستوي المجره وتضم اقدم نجوم مجرتنا عمرا بصفه عامه.
وتنتشر بين النجوم سحب دخانيه ساخنه يغلب علي تركيبها غاز الايدروجين الحامل للغبار علي هيئه هباءات متناهيه في الدقه من المواد الصلبه مكونه ما يعرف باسم الماده بين النجوم
(Interstellar Matter)
التي تمتص ضوء النجوم فتخفيها, ولذلك فان الراصد لمجرتنا من الارض لا يري بوضوح اكثر من15% من مجموع مكوناتها الا باستخدام المقربات( التليسكوبات) الراديويه.
ونواه مجرتنا تجر معها اذرعها اللولبيه التي قد ترتفع فوق مستوي النواه, والسحب الدخانيه في تلك الاذرع تتحرك بسرعات تتراوح بين الخمسين والمائه كيلو متر في الثانيه, وتتراكم هذه السرعات الخطيه علي سرعه دوران محوريه تقدر بنحو250 كيلو مترا في الثانيه دون ان تنفصل اذرع المجره عن نواتها بسبب التفاوت في سرعه الاجزاء المختلفه منها.
وهذا الدوران التفاضلي( التفاوتي) يودي الي تسارع الماده الدخانيه بين النجوم, ثم الي كبح سرعتها مما ينتج عنه تكثيفها بدرجه كبيره وبالتالي تهيئتها لتخلق النجوم الابتدائيه
(pro-or proro-stars)
التي تتطور الي ما بعد ذلك من مراحل.
ومن نجوم مجرتنا ما هو مفرد, وما هو مزدوج, وما هو عديد الافراد.
وتدور نجوم مجرتنا في حركه يمينيه اساسيه منتظمه حول مركز المجره في اتجاه القطر الاصغر لها, مع وجود الدوران التفاوتي لمختلف اجزائها.
ويحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي الف مليون مجره علي الاقل بعضها اكبر من مجرتنا كثيرا, وبعضها الاخر اصغر قليلا, والمجرات عباره عن تجمعات نجميه مذهله في اعدادها, يتخللها الدخان الكوني بتركيز متفاوت في داخل المجره الواحده, والتي قد تضم عشرات البلايين الي بلايين البلايين من النجوم.
وتتباين المجرات في اشكالها كما تتباين في احجامها, وفي شده اضاءتها, فمنها الحلزوني, والبيضاني( الاهليلجي), وما هو غير محدد الشكل, ومنها ما هو شديد الاضاءه, وما يبدو علي هيئه نقاط باهته لا تكاد تدرك باكبر المناظير المقربه( المقاريب), وتقع اكثر المجرات ضياء في دائره عظمي تحيط بنا في اتجاه عمودي تقريبا علي مستوي مجرتنا. وتبلغ كتله الغازات في بعض المجرات ما يعادل كتله ما بها من نجوم وتوابعها, في حين ان كتله الغبار تقل عن ذلك بكثير, وكثافه الغازات في المجره تقدر بحوالي ذره واحده لكل سنتيمتر مكعب بينما يبلغ ذلك1910 ذره/سم3 في الغلاف الغازي للارض عند سطح البحر.
المجموعه المحليه
(The Local Group)
تحشد مجرتنا( درب اللبانه) في مجموعه من اكثر من عشرين مجره في تجمع يعرف باسم المجموعه المحليه للمجرات
(The Local Group of Galaxies)
يبلغ قطرها مليون فرسخ فلكي
(One Million Parsec)
( اي يساوي3,261,500 سنه ضوئيه=3,0856*1910 كيلومتر) وتحتوي المجموعه المحليه التي تتبعها مجرتنا علي ثلاث مجرات حلزونيه واربع مجرات غير محدده الشكل, واعداد من المجرات البيضانيه العملاقه والقزمه, وقد تحتوي علي عدد اكبر من المجرات الواقعه في ظل مجرتنا ومن هنا تصعب رويتها.
الحشود المجريه والحشود المجريه العظمي
(Galactic Clusters and Super clusters)
هناك حشود للمجرات اكبر من المجموعه المحليه من مثل, حشد مجرات برج العذراء
(The Virgo Cluster of Galaxies)
والذي يضم مئات المجرات من مختلف الانواع, ويبلغ طول قطره مليوني فرسخ فلكي اي اكثر من سته ملايين ونصف من السنين الضوئيه(6,523,000 سنه ضوئيه), ويبعد عنا عشره اضعاف تلك المسافه( اي عشرين مليون فرسخ فلكي). وهذه الحشود المجريه تصدر اشعه سينيه بصفه عامه, وتحوي فيما بينها دخانا توازي كتلته كتله التجمع المجري, وتتراوح درجه حرارته بين عشره ملايين ومائه مليون درجه مطلقه, ويحوي هذا الدخان الايدروجيني علي نسبا ضئيله من هباءات صلبه مكونه من بعض العناصر الثقيله بما في ذلك الحديد( بنسب تقترب مما هو موجود في شمسنا) مما يشير الي اندفاع تلك العناصر من قلوب نجوم متفجره وصلت فيها عمليه الاندماج النووي الي مرحله انتاج الحديد( المستعرات وما فوقها). وتحوي بعض الحشود المجريه اعدادا من المجرات قد يصل الي عشره الاف مجره, ويحصي علماء الفلك الافا من تلك الحشود المجريه, التي ينادي البعض منهم بتكدسها في حشود اكبر يسمونها باسم الحشود المجريه العظمي
(Galactic Super clusters).
وقد احصي الفلكيون منها الي اليوم اعدادا كبيره علي بعد مليوني سنه ضوئيه منا.
ويعتقد ان المجموعه المحليه التي تنتمي اليها مجرتنا( درب اللبانه), والحشود المجريه المحيطه بها من مثل حشد مجرات برج العذراء تكون تجمعا اكبر يعرف باسم الحشد المجري المحلي الاعظم
(The Local Galactic Super cluster)
يضم قرابه المائه من الحشود المجريه علي هيئه قرص واحد يبلغ قطره مائه مليون من السنين الضوئيه, ويبلغ سمكه عشر ذلك( اي عشره ملايين من السنين الضوئيه) وهي نفس نسبه سمك مجرتنا( درب اللبانه) الي طول قطرها, فسبحان الذي بني السماء علي نمط واحد بهذا الانتظام الدقيق!!!
وتبدو الحشود المجريه والحشود المجريه العظمي علي هيئه كرويه تدرس في شرائح مقطعيه تكون ابعادها في حدود(150*100*15) سنه ضوئيه, واكبر هذه الشرائح ويسمي مجازا باسم الحائط العظيم
(The Great Wall)
يزيد طوله علي250 مليون سنه ضوئيه.
وقد تم الكشف اخيرا عن حوالي المائه من الحشود المجريه العظمي التي تكون حشدا اعظم علي هيئه قرص يبلغ طول قطره2 بليون سنه ضوئيه, وسمكه مائتي مليون سنهضوئيه, ويعتقد عدد من الفلكيين المعاصرين بان في الجزء المدرك من الكون تجمعات اكبر من ذلك.
والنجوم في مختلف تجمعاتها وحشودها, وعلي مختلف هيئاتها ومراحل نموها تمثل افرانا كونيه يخلق الله( تعالي) فيها مختلف صور الماده والطاقه اللازمه لبناء الجزء المدرك من الكون.
وبالاضافه الي النجوم وتوابعها المختلفه هناك السدم
(Nebulae)
علي تعدد اشكالها وانواعها, وهناك الماده بين النجوم
(Inter-Stellar Matter),
وهناك الماده الداكنه
(Dark Matter),
وغير ذلك من مكونات الكون المدرك, والمحسوس منها وغير المحسوس من مختلف صور الماده والطاقه المدسوسه في ظلمه الكون.
ويقدر الفلكيون كتله الجزء المدرك من السماء الدنيا بمائه ضعف كتله الماده والطاقه والاجرام المرئيه والمحسوسه فيه, بمعني اننا في زمن تفجر المعرفه الذي نعيشه لا ندرك الا اقل من عشره في المائه فقط من الجزء الذي وصل اليه علمنا من السماء الدنيا وسبحان الذي انزل من قبل الف واربعمائه سنه قوله الحق:
لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون*
( غافر:57)
وقوله الحق:
وما اوتيتم من العلم الا قليلا*
( الاسراء:85)
ومن هنا تتضح اهميه القسم بالسماء وما بناها في الايه الخامسه من سوره الشمس, هذا القسم التفخيمي الذي جاء تعظيما لشان السماء وتقديسا لخالقها, وتنبيها لنا للتفكر في عظم اتساعها, ودقه بنائها, وانضباط حركتها, واحكام كل امر من امورها, والاعجاز في خلقها, وهي قضايا لم يدركها الانسان بشيء من النفصيل الا منذ عشرات قليله من السنين, وورود القسم بها في كتاب الله, مما يشهد للقران الكريم بانه كلام الله الخالق, ويشهد لخاتم الانبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم اجمعين) بانه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والارض. وذلك مما يزيد المومنين تثبيتا علي ايمانهم, ويدعو غيرهم من المشركين والكفار الي الايمان بالله الخالق, وطاعته وعبادته وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع, ففي ذلك النجاه والنجاح في الدنيا والاخره, ولا نجاه ولا نجاح في غير ذلك, وان كانت السماء شاسعه الاتساع, دقيقه البناء, ومنضبطه الحركه فهي شاهده علي عظمه الله خالقها وخالق كل شيء سبحانه وتعالي...!!!
من هنا كان قسم الله( تعالي) بالسماء وهو الغني عن القسم وكان التاكيد القراني علي عظم شانها في عدد غير قليل من ايات القران الكريم نختار منها قول الحق( تبارك وتعالي):
(1) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين*..
(الانبياء:16)
(2) تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا*
(الفرقان:61)
(3) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار*
( ص:27)
(4) ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.... لايات لقوم يعقلون*
( البقره:164)
(5) ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب*
( ال عمران:190)
(6) وهو الذي خلق السماوات والارض بالحق....*
( الانعام:73)
(7) وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما الا بالحق...*
(الحجر:85)!
(8) اولم يتفكروا في انفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمي....*
( الروم:8)
(9) ومن اياته خلق السمارات والارض...*
(الروم:22)( الشوري:29)
(10) لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس ولكن اكثر الناس لا يعلمون*
( غافر:57)
(11) وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين* ما خلقناهما الا بالحق ولكن اكثرهم لا يعلمون*
( الدخان:38 و39)
(12) ان في السماوات والارض لايات للمومنين*( الجاثيه:3)
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين, وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:11 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:08 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-12-2009, 01:07 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى منتديات الدكتور / زغلول النجار
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 20-12-2009, 10:48 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات