

-
والحق أن العبارة التى يدور عليها الكتاب لا يمكن أن تكون صحيحة، على الأقل بالمعنى الذى يقصده القمنى وأمثاله من العباقرة كخليل عبد الكريم الفلحاس الأعظم الذى كان كالقمنى يزج بنفسه أو يزج به من يدفعونه من الخلف فى المآزق والكُرَب العظام التى لا يستطيع السداد فيها. ولكن علينا أولا أن نحاول معرفة المصدر الذى استقى منه القمنى هذه العبارة. ولقد ألفيته نقلها من كتاب "الدين فى شبه الجزيرة العربية" لأبكار السقاف الكاتبة اليمنية التى وجدتُ بعضا من ذوى التوجهات الفكرية المعينة يشيدون بها ويطنطنون لما تركته وراءها من كتب تحمل اسمها وتتسم بالركاكة والعسلطة والمعاظلة حتى إنها لتكاد تتوخى دائما تأخير ما حَقُّه التقديم وتقديم ما حَقُّه التأخير من عناصر الجملة دونما أدنى داع. إنما هى حذلقة، والسلام. وبالمناسبة فكثير من الأفكار فى الكتاب الذى يحمل اسم القمنى وذلك الذى يحمل اسم أبكار السقاف واحدة.
وهذه سمة الكتابات القمناوية أو بالأحرى: الكتابات التى تحمل اسمه، إذ هى انعكاس مباشر لما عند الآخرين، وبالذات من المستشرقين والمبشرين. خذ مثلا انتقاده لـ"طريقة جمع المصحف العثماني التي لم تراعَ في تصنيفها وتبويبها قواعد التصنيف والتبويب المعروفة: كأن تجمع آيات التعبد معا، والتشريعات معا، وعلى الترتيب الزمني والقصص الوعظي معا، وقوانين الأخلاق معا. بل أنها لم تراع الترتيب الزمني للآيات وارتباطها بأحداث الواقع وجدلها معه وتأثرها به وتأثيرها فيه وتغيُّرها وتبدُّلها حسب متغيرات هذا الواقع. وهى سمة فارقة تميز الإسلام عن بقية الأديان. الحكمة الوحيدة في الترتيب العثماني، إذا كانت حكمة، هي السير في ترتيب النصوص من السور الأطول إلي السور الأقصر دون أي رابط موضوعي ولا زمني. هذا بينما السور الأقصر كانت هي الأُولَى زمنا بحيث لو أردت قراءة القرآن قراءة شبه مرتبة فعليك البدء بآخر المصحف رجوعا إلى أوله... ولا عبرة هنا بقول من يصرون على أن هذا الترتيب توقيفي، أي كان وقفا على النبي وجبريل، وأنهما من رتباه على هيئته الحالية، لأنه لو كان الأمر كذلك ما ظلت مصاحف الصحابة الكبار على اختلافها بعد موت نبيهم وحتى زمن عثمان بن عفان، ولأنه حتى لو كان الأمر كذلك فإنه يظل بحاجة إلى إعادة نظر".
وهذه الفكرة ذاتها قد أثارها منذ سنوات كاتب تونسى اسمه يوسف صديق لا يستطيع أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة بل يخطئ منه فى الأَوَّلِيّات. وقد رددت وقتها على سخافاته فى مقال لى منشور على عدد من المواقع المشباكية المختلفة بعنوان "يوسف صديق وأباطيله حول القرآن". وكلام صديق هو بدوره انعكاس لما يردده المستشرقون والمبشرون دائما. وكانت صحيفة "القاهرة" المصرية قد نشرت في الصفحة الخامسة (العدد 144) حوارًا مع يوسف صديق بجامعة السوربون بعنوان "المفكر التونسي يوسف صديق: نحن لم نقرأ القرآن بعد" أدلى فيه الأستاذ المذكور ببعض الآراء التي استوقفتني ورأيت أنها تحتاج إلى مراجعة لأنها تثير قضايا على قدر عظيم من الأهمية لا يمكن أن يمر كلامه فيها دون تمحيص وتعقيب.
ولتكن بداءتنا عنوان الحوار نفسه: "نحن لم نقرأ القرآن بعد"، وهو عنوان الكتاب الذي جاء في حديثِ صِدّيق إلى الصحيفة أنه بسبيل إعداده. وقد أدلى الرجل بكلامين في هذه المسألة: الأول في بداية الحوار، وهو أننا "كلما تقدمنا وتعمقنا في الفكر و الفلسفة استطعنا أن نفهم القرآن بشكل يتواءم مع التقدم في معرفتنا". وهذا كلام لا نستطيع إلا أن نتفق معه فيه، فالقرآن أوسع وأعمق وأبعد غورًا من أن يفهم حق الفهم دفعة واحدة، بل تظل هناك دائمًا، مهما طال الزمان، أبعاد تحتاج إلى من يحاول ارتيادها واكتشاف ما فيها من أسرار. وسبب ذلك أنه من عند الله، فهو يمثل المعرفة المطلقة، أما معارف البشر فهي محدودة ونسبية. لكن الأستاذ صديق قد عدّل كلامه هذا قرب خاتمة الحوار (والعبرة، كما يقولون، بالخواتيم) فقال إننا لم نقرأ القرآن بعد، بما يعني بوضوح أن كل ما قمنا به طوال الأربعة عشر قرنًا من تلاوة القرآن وتفسيره ودراسته في كتب تعد بالآلاف، فضلا عما وُضِع حوله من معاجم واسْتُخْلِص منه من علوم...إلخ...إلخ، هو عبث في عبث، وأنه سيكون أول من يقرأ القرآن من عباد الله. أي أن علينا أن نضرب صفحًا عن كل هذا التراث القرآني الذي شاركت في صنعه عشرات الأجيال ونشتغل فقط بما سيجود علينا به قلمه في هذا الصدد، فهل من يوافق على هذا الكلام الغريب الذي أظن (وبعض الظن عين العقل بكل يقين) أنه هو مقصد المؤلف الحقيقي، وإن لم يشأ أن يجابهنا به في بداية الحوار بل مهّد له بأن القرآن "لا يكشف عن دلالاته مرة واحدة"؟ وهو أسلوب من التدرج يلجأ إليه بعض الكتاب بغية تحذير القارئ المسكين!
وفي السؤال الثاني و الثالث تتساءل مُجْرِية الحوار عما طرحه د. يوسف صديق في كتابه الذي صدر فى ذلك الوقت باسم "القرآن كتاب مفتوح" (وإن كان العنوان الفرنسي كما يظهر في صورة الغلاف المنشورة مع الحوار هو "القرآن: قراءة جديدة وترجمة جديدة") من فكرة تدعو إلى تفسير آيات القرآن حسب تواريخ نزولها لا حسب ترتيبها في المصحف، وكان جوابه أنه لا يمس سوى عمل بشري لا صلة له بالقدسية. يقصد أن ترتيب الآيات داخل كل سورة هو من عمل الصحابة. وهذا غير صحيح، ولم يقل به أحد إلا هو، إذ ادعى أن الرسول قد ترك القرآن قِطَعًا متفرقة لا تنتظم في سورة، وهو ادعاء باطل ألقى به الأستاذ صديق باستخفاف لا يليق بأستاذ جامعي أو غير جامعي.
لو كان الكلام اقتصر على "تفسير" القرآن حسب ترتيب النزول لآياته فلربما لم يجد د. صديق من يختلف معه اختلافًا شديدًا، فهذا لون آخر من ألوان الدراسات القرآنية الكثيرة رغم الصعوبة البالغة بل رغم الاستحالة التي تكتنف مثل هذه الدراسة القرآنية لأن كثيرًا جدًّا من آيات القرآن لا نعرف لها سبب نزول، ولأن قسمًا من الآيات الأخرى قد اخْتُلِف حول سبب نزوله. ومن قبلُ قام العالم الفلسطيني محمد عِزّة دَرْوَزة بتفسير القرآن حسب الترتيب النزولي للسور مع الصعوبة الشديدة في ذَلك لأنه لا إجماع هنالك على مثل هذا الترتيب، علاوة على أن عددًا كبيرًا من سور القرآن لم تنزل منه السورة دفقة واحدة ولا دفقات متتالية، قلت: لو كان الكلام اقتصر على "تفسير" القرآن حسب الترتيب الزمني لآياته فلربما لم يجد المؤلف من يختلف معه اختلافًا شديدًا، بيد أن كلامه في الجواب عن السؤال المذكور يشير بوضوح إلى أن المسألة تتجاوز هذا إلى الدعوة لــ"ترتيب" آيات القرآن كله حسب تاريخ نزولها لا إلى "تفسيرها". ومعنى هذا أن تنفرط آيات القرآن كما تنفرط حبات المسبحة و ينهار بناؤه إلى أن يهلّ علينا العبقري الذي يقدر على صنع "المستحيل" فيعيد ترتيبه حسب التاريخ الخاص بنزول كل آية، وهو ما لن يتحقق دهر الداهرين، اللهم إلا إذا قال د. صديق إنه هو ذلك " العبقري المنتظر"! وهيهات أن نصدقه! ومرة أخرى نقول إن الكلام في هذا الحوار يبدأ بفكرة بريئة ثم يفاجَأ القارئ بأن الأرض الصُّلْبة التي كانت تحت قدميه قد استحالت بقدرة قادر إلى رمال متحركة تريد أن تبتلعه ابتلاعًا.
ولا يقف الإرباك الذي يسببه الحوار للقارئ عند هذا الحد، إذ نجده ينتقل بغتة إلى الحديث عن دعوة الأستاذ التونسي لسور القرآن حسب ترتيب نزولها. وهذا شئ غير ترتيب آياته الكريمة حسب تاريخ وحيها كما أشرنا من قبل وقلنا إنه أمر من الصعوبة جدًّا بمكان، وهي دعوة يجري فيها الرجل على درب المستشرقين، وليس هو ابن بجدتها كما يريد أن يوحي للقارئ. وأمامي الآن ترجمتان إنجليزيتان للقرآن الكريم حاولتا هذه المحاولة: إحداهما للقسيس البريطاني رودويل، والثانية للمدعوّ: داود، وهما تختلفان في ذلك الترتيب اختلافًا بعيدًا، كما أن بعض مترجمي القرآن ممن التزموا ترتيب السور حسبما ورد في المصحف يصدّرون ترجمتهم بدراسة عن القرآن يتناولون فيها، ضمن ما يتناولون، مسألة ترتيب الوحي ترتيبًا زمنيا محاولين استخلاص السمات المضمونية والأسلوبية التي تميز كل مرحلة في تاريخ نزوله، وإن اقتصر الأمر في ذلك على الخطوط العامة. وممن فعل ذلك "إدوار مونتيه" السويسري و"بلاشير" الفرنسي في ترجمتيهما للقرآن إلى الفرنسية. ويجد القارئ تفصيلا لهذا الأمر في الباب الثاني من كتابي "المستشرقون و القرآن"، وهاتان الترجمتان أمامي الآن أيضا وأنا أكتب هذا الكلام.
على أن د. صديق، في جوابه عن قلق الأستاذة التي أجرت الحوار معه مما تمثله دعوته تلك من مساس بقدسية النص القرآني، ينبري مؤكدًا أننا نحن الذين قد ابتدعنا هذه القدسية. وهذا كلام خطير جدا، فالقرآن مقدس لأنه من عند الله لا لأننا الذين خلعنا عليه هذه القداسة. صحيح أن من لا يؤمن بأن القرآن وحي إلهي لا يرى فيه نصًّا مقدسًا، لكننا نحن المسلمين نؤمن بقدسيته، وإلا فلسنا مسلمين. هذا أمر بديهي، أليس كذلك؟ والكاتب يؤكد إيمانه بالقرآن، فكيف لا يراه كتابًا مقدسًا؟ أما دعواه بأننا قد "ألَّهنا" الرسول عليه الصلاة و السلام فهي دعوى غريبة بل منكَرة، إذ لا يوجد مسلم واحد على وجه الأرض يقول بــ"تأليه" الرسول. صحيح أنه عليه السلام "رجل يمشي في الأسواق مثلنا ويأكل، وله كل المواصفات البشرية" كما جاء في كلام الدكتور لكنه في ذات الوقت ليس بشرًا عاديًّا، بل هو نبي يوحَى إليه، وأخلاقه من السمو بحيث لا يدانيه غيره من البشر، وهو ما كنت أحب أن يضيفه د. صديق إلى كلامِه السابق حتى يكتمل المعنى. وفي القرآن الكريم أَمْرٌ للنبي بأن يقول: "إنما أناَ بَشرٌ مثلكم يُوحَى إلىّ"، وفيه أيضا: "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم"...إلخ، فكان ينبغي ألا يغفل الأستاذ الدكتور في كلامه ذلك البعد الذي يميز الرسول، رغم بشريته، عن سائر الخلق.
كذلك ترددت في حديث د. صديق الإشارة إلى "مصادر" القرآن ومراجعه"، فما الذي يقصده الدكتور بهذا؟ إن للقرآن مصدرًا واحدًا ليس غير هو الوحي الإلهي، أما الحديث عن "مصادر" و"مراجع" كما لو كنا بصدد دراسة تقدم بها أحد الباحثين ويتذرع لها بما يستطيع أن يضع يده عليه من الكتب السابقة فهو كلام لا يليق بمسلم أن يقوله. ولصاحب هذه السطور كتاب في هذا الموضوع عنوانه "مصدر القرآن" رددت فيه بتفصيل شديد على النظريات الاستشراقية و التبشيرية السخيفة التي تحاول إرجاع القرآن إلى مصادر بشرية. فالقول بأن للقرآن "مصادر ومراجع" هو فرية استشراقية معروفة أساسها قول مشركي مكة عن الرسول عليه السلام: "إنما يعلمه بشر"، وإن القرآن الكريم هو"أساطير الأولين اكتتبها، فهي تُمْلَى عليه بكرة وأصيلا". وها هي ذى تطالعنا بوجهها القبيح في كلام لأحد المنتسبين للإسلام. ولخليل عبد الكريم كتاب كامل فى هذاالموضوع هو "جذور الشريعة الإسلامية" نقل فكرته وكثيرا من تفاصيله من بعض الكتب التبشيرية التى تعزف نفس النغمة المسئمة، مما أشرت إليه من قبل فى هذه الدراسة.
ويمكن لمن أراد من القراء أن يعود إلى كتابى: "المستشرقون والقرآن"، الذى صدر للمرة الأولى سنة 1984م، والذى كنت كتبته قبل ذلك بسنتين أو أكثر قبل أن أعود من بريطانيا، ليجد إشارت متكررة فى مواضع متفرقة منه إلى هذا الرأى الاستشراقى وردى عليه. بل إن بعضهم، حسبما سبق القول، قد أعاد ترتيب سور القرآن لدن ترجمته لكتاب الله كريتشارد بل وم. رودويل ون. ج. داود. كما جرى على هذه الخطة المستشرق ريجى بلاشير عند إصداره ترجمته الفرنسية للقرآن للمرة الأولى، وإن كان قد عاد فالتزم الترتيب المصحفى فى الطبعات التالية. لكننا للأسف نراه فى بعض الأحيان يعبث بالنص القرآنى الكريم فيقدّم، إلى جانب الترتيب الموجود فى مصاحفنا، ترتيبا لبعض الايات يختلف عن الترتيب الذى تتبعه تلك المصاحف. ومن يرجع إلى طبعة هذا العام من "Encyclopaedia Universalis: الموسوعة اليونيفرسالية" يجد كاتب المادة الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وهو المستشرق الفرنسى اليهودى الماركسى مكسيم رودنسون، يردد هذا القول المتهافت زاعما أن القرآن نص مضطرب النظام لا يصح الاعتماد عليه فى التوصل إلى ترجمة موثوق بها للرسول عليه السلام، وهذا نص ما قاله، والضمير فيه عائد على القرآن: "Mais son texte est en grand désordre. On ne peut y rétablir qu'avec peine et avec bien des incertitudes l'ordre chronologique. Les événements de la biographie du Prophète n'y sont évoqués que de façon allusive. C'est donc une source difficile à utiliser".
يتبع....
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة MoslimOnline في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 26-07-2009, 05:29 AM
-
بواسطة MoslimOnline في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 24-07-2009, 10:47 PM
-
بواسطة MoslimOnline في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 24-07-2009, 10:44 PM
-
بواسطة Ahmed_Negm في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 25-04-2009, 09:42 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات