وأيا ما يكن الأمر فلا ريب أن الإيمان لا يصلح إذا اشترط صاحبه استجابة الله له فى كل ما يدعوه به وأن تكون حياته سعيدة على الدوام. ترى أى إيمان هذا؟ وكيف يمكن التمييز فى تلك الحالة بين المؤمن الحقيقى والمؤمن غير الحقيقى؟ نعم، كيف يكون إيمان دون محن وصبر؟ وكيف تُعْرَف حينئذ حقيقة إيمان فلان من علان؟ وهل هناك عالم بلا مشاكل ومتاعب وأمراض وموت وفقر؟ فأين ذلك؟ وكيف؟ ولو أن كل إنسان ابتُلِىَ فى ماله أو صحته او ولده أو وظيفته أو سمعته ولم تنقشع البلوى فى الحال عقب ابتهاله إلى الله فترك الإيمان لكفر الناس جميعا، إذ ما من إنسان فى الدنيا إلا وهو مبتلًى فى شىء من هذه الأشياء، أما السعادة الخالصة فهى كالعنقاء لا وجود لها فى الدنيا. وهذا أمر لا يشاحّ فيه أحد لأنه من حقائق الحياة الصلبة التى لا يصلح فيها إنكار ولا تزويق أيا كانت العقيدة التى يعتقدها الشخص!
والواقع أن هذا يُخْطِر على البال للتو ما يقرؤه الإنسان فى الإصحاح الثامن والعشرين من سفر "التكوين"، حيث يكتب مؤلف السفر عن النبى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كلاما لا نصدّق به لأنه لا يتناسب وشخصية الأنبياء، الذين كان حفيد الخليل عليه السلام واحدا منهم، إذ نراه يساوم ربه على الإيمان به والعبادة له طارحا عليه شروطًا إن حققها له آمن به واتخذه ربا له وأدى له فروض العبادة، وإلا... ولنقرأ: "10خَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ. 11وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ. 12وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُو َذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. 13وَهُو َذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ. 14وَيَكُونُ نَسْلُكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، وَتَمْتَدُّ غَرْبًا وَشَرْقًا وَشَمَالاً وَجَنُوبًا، وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. 15وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ». 16فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!». 17وَخَافَ وَقَالَ: «مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ». 18وَبَكَّرَ يَعْقُوبُ فِي الصَّبَاحِ وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَأَقَامَهُ عَمُودًا، وَصَبَّ زَيْتًا عَلَى رَأْسِهِ. 19وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ»، وَلكِنِ اسْمُ الْمَدِينَةِ أَوَّلاً كَانَ لُوزَ. 20وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا قَائِلاً: «إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ، وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ، 21وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا، 22وَهذَا الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ عَمُودًا يَكُونُ بَيْتَ اللهِ، وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ»".
ولقد صور القرآن شخصية الإنسان الذى من هذا النوع فى قوله تعالى: "ومن الناس من يعبد الله على حَرْف: فإن أصابه خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه، خَسِر الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين"، "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربُّه فأكرمه ونَعَّمه فيقول: ربى أكرمنِ. وأما إذا ما ابتلاه فَقَدَر عليه رزقَه فيقول: ربى أهاننِ. كلا". والقرآن لم يَعِدِ البشر فى أى موضع منه أن تكون حياتهم هناءة وسعادة مستمرة، بل قال على لسان المولى عز وجل بمنتهى الوضوح: "لقد خلقنا الإنسان فى كبد"، "ولنبلونَّكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات"، "لتُبْلَوُنَّ فى أموالكم وأنفسكم، ولتَسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتابَ من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور".
ولقد ألف الرجل كتابه كى يقول لنا إنه قد كفر بالله لأنه سبحانه لم يستجب له وأنه سوف يعتمد من الآن فصاعدا على نفسه وقدراته، فهل انحلت مشاكله بهذه الطريقة؟ وهل صار قادرا على تحقيق كل ما تصبو إليه نفسه؟ لا هو ولا أجعص جعيص فى الكون يستطيع أن يزعم شيئا من هذا. ثم أتراه يستطيع أن يثبت عدم وجود إله؟ أم تراه يزعم أنه هو إله نفسه؟ وقبل ذلك كله هل قال الله إنه سوف يحل كل مشكلة للإنسان فى هذه الدنيا؟ ثم إن الاستجابة للدعاء لها أكثر من صورة حسبما وضح لنا الرسول مما سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.
وفى (ص237 وما بعدها) نجد الوسواس الخناس يقول إن وجود الله ليس عليه دليل، ومن ثم فلا معنى للألوهية، مع أن هذه المقدمة لا تؤدى إلى هذه النتيجة. ثم إنه يقول مع هذا إن الإنسان محتاج إلى الله حاجة الطفل إلى الأبوين. أفليس هذا دليلا آخر على وجود الله؟ وإلا فمن الذى غرس هذه الحاجة فى نفوسنا؟ ثم إننا بعد ذلك نراه (ص244) يسوق مبررات إنكاره لوجود الله، ليعود غير بعيد (ص247) فينكر أن يكون قد أنكر وجود الله أو يريد إنكاره. وفى موضع آخر نجده يؤكد أن من السهل إقامة الدليل على وجود الله وعلى عدم وجوده جميعا، بمعنى أن الإيمان بالله يشكل معضلة لا يمكن حلها، إذ من الميسور على المؤمن والملحد كليهما إقامة الدليل على صدق ما يعتقد به. وهذا، كما يرى القارئ، منتهى التخبط والتناقض. ومن العجيب أن عباس الهلاس بعد ذلك كله يريدنا أن نؤمن بأنه يتبع المنهج العلمى وأن كل ما يكتبه أو يعتقده إنما يجرى على أصول المنطق الذى لا يخر منه الماء! ومع هذا فقد سبق منه القول (ص50- 51) بأنه لا يريد من الناس أن تترك الدين لأن هذا مطلب شبه مستحيل، ثم سرعان ما يرتدّ مطالبا إياهم بترك الدين وإنكاره والكفر به.
ويقول (ص48) إنه سوف يطبق على القرآن منهج ديكارت الشَّكِّىّ، ولكن على نحو أفضل مما صنع ديكارت، الذى لم يستطع رغم ذلك (كما يقول) أن يمضى قُدُمًا مع منهجه فخامر، أى لم يُخْلِص لهذا المنهج كما ينبغى أن يكون الإخلاص فاستبعد تطبيق الشك من أمور الإيمان مع أن ذلك المنهج يستلزم أن يبدأ الباحث من الصفر فيشك فى كل شىء وينكر كل شىء ويحاول أن يثبت من جديد صحة كل ما يراه أو يسمعه أو يلمسه أو يذوقه، فضلا عن أى شىء يخطر له على بال أو يفكر فيه. فهل ترى عباس الهجاص قد أنكر كل شىء وبدأ من الصفر كما يقتضى هذا المنهج؟ بالطبع لا. إنما هى تهاويل وطنطنات وفقاقيع كلامية ليس إلا، يريد أن يوهم بها السذّج الأغرار أنه فيلسوف كبير وأنه سوف يكسّر الدنيا تكسيرا مع أنه شخص مسكين مختل العقل والشعور. وهنا يقول إن تطبيق المنهج العلمى على القرآن سوف يهدم القرآن، غافلا عن أن الله قد ألح على الإنسان فى تشغيل العقل قبل أن يختار الإيمان أو الكفر. وهو يستشهد هنا بالإمام أبى حامد الغزالى، صاحب رسالة "المنقذ من الضلال" التى حكى فيها عن أزمة الشك التى اعترته فى مرحلة من مراحل حياته، وانتهت به إلى بَرّ الإيمان واليقين بعدما حولها إلى منهج فلسفى محكم أخذه ديكارت دون أن ينسب ذلك اللصُّ الفضلَ لصاحبه، فضلا عن استبعاده تطبيق الشك على الإيمان على عكس الغزالى، الذى أخضع كل شىء عنده لذلك الشك حتى بلغ ما استراح به عقله من محنة القلق والارتياب.
وقد غفل عِبْس فى هذا السياق (لأنه مغفَّل بطبعه) عن أن الغزالى حين شك وأخضع كل شىء للمنهج العلمى إنما كان يأتمر بأوامر القرآن، مثلما أننى فى كتابَىَّ: "مصدر القرآن"، و"القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية" إنما كنت أطبق المنهج العلمى ولا أومن إيمانا أعمى، ولكن دون طنطنات جاهلة كالتى يطنطن بها عبس الجاهل الغليظ العقل المنكوس الذوق الذى يتصور مع ذلك أنه أصح الناس عقلا، وأن ذوقه الأدبى واللغوى أحسن الأذواق ذوقا. كذلك فالصحابة حين آمنوا إنما أعملوا عقولهم: كل بطريقته، ولم يؤمنوا دون تفكير. وعلماء المسلمين حين درسوا واختلفوا إنما كانوا يعلمون عقولهم ولا يؤمنون إيمانا أعمى، وإلا لكان إيمانهم شيئا واحدا. ونبى المسلمين قد حث على الاجتهاد، أى على العلم والتفكير، وبين أن المجتهد مأجور سواء كانت النتيجة صوابا أو خطأ، وهو ما لا وجود له فى أى دين أو ملة أو مذهب أو فلسفة. فلم التساخف إذن؟ الواقع أنه لو كان هذا الكذاب مسلما من قبل حقا لما قال هذا الكلام.
وإلى القراء الكرام هذا المثال الذى يبين لهم كيف أن الصحابة لم يكونوا يؤمنون بالإسلام إيمانا أعمى. جاء فى "صحيح البخارى: "قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلا من غفار، فبلَغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلِّمْه وأتني بخبره. فانطلق فلقيه ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر،. فقلت له: لم تشفني من الخبر. فأخذت جرابا وعصا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، قال: فمر بي عليٌّ فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل، قال: فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء ولا أخبره. فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمر بي عليٌّ، فقال: أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال: انطلق معي. قال: فقال: ما أَمْرُك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له: إن كتمتَ عليَّ أخبرتك. قال: فإني أفعل. قال: قلت له: بلَغَنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال له: أما إنك قد رَشَدْتَ. هذا وجهي إليه فاتبعني. ادخل حيث ادخل،. فإني إن رأيتُ أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اعرض علي الإسلام. فعرضه، فأسلمت مكاني. فقال لي: يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل. فقلت: والذي بعثك بالحق لأَصْرُخَنَّ بها بين أَظْهُرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا فضُرِبْتُ لأموت. فأدركني العباس فأكبَّ علي، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم! تقتلون رجلا من غفار، ومتجركم وممرّكم على غفار؟ فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فصُنِع بي مثل ما صُنِع بالأمس، وأدركني العباس فأكبَّ علي، وقال مثل مقالته بالأمس. قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله".
يتبع...






رد مع اقتباس


المفضلات