آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
يعيش العرب الآن في القرن الثامن عشر الذي عاشته أوروبا، ولكن بوجهه القبيح المظلم، وليس بوجهه الجميل المنير المشرق. فهذا القرن الذي كان عصر التنوير الأوروبي، لم يكُ طريقاً ثقافياً مفروشاً بالحرير والزهور، بل كان طريقاً شاقاً دفع فيه فلاسفته ومفكروه حياتهم ثمناً غالياً.
ولا بُدَّ أن نعلم أن عدم استمرارية عصر السحرة والمشعوذين والدراويش وتكاياهم وزواياهم في أوروبا في القرن الثامن عشر (وهو العصر العربي الآن، حيث يصرف العرب مليارات الدولارات سنوياً على السحر والشعوذة) وسيادة عصر العلم والعقل، جاء نتيجة للتضحية الكبرى والمقاومة العنيفة التي أبداها رجال الفكر والعقل في عصر النهضة.
فلم تكن أنوار عصر النهضة كلها أنواراً بهية مُرحباً بها. ولم تكن طرقات ومعارج هذه النهضة مفروشة بالحرير وفرو السمّور الذي كان يتدثر به شيوخ الإسلام في العهد العثماني، بل تخلل عصر النهضة هذه، دماء أُريقت، ومجازر نُصبت، وأبرياء قُتلت، وفرسان فكر سُحقت، وكل هؤلاء كانوا فداءً لعصر العقل المنير.
صحيح أن الكنيسة في القرن الثامن عشر، كفّت يدها عن حرق المفكرين وشوائهم على السفود (السيخ) كما فعلت في الماضي مع جاليلو وسافونارلاو، إلا أنها لم تكُ متهاونة مع المفكرين والفلاسفة. فظلت تلاحقهم من حين لآخر (كما يفعل الأزهر الآن) وتقوم بحرق كتبهم ومصادرتها ومنع تداولها.
فكانت كتب فولتير وروسو وديدرو وهلفتيوس ودولباخ وغيرهم، من أحرار الفكر في قائمة الكتب المحرمة التي لا يُسمح بقراءتها إلا بإذن من البابا نفسه (ول ديورانت، قصة الحضارة، جزء40، ص 170). ولم يقتصر الاعتداء على حرية الفكر من قبل الكنيسة والدولة، ولكن تعداه إلى المجتمع نفسه الذي كانت بعض فئاته تناصب حرية الفكر والمفكرين الأحرار العداء.
ففي انجلترا اشتد الهجوم على العالم بريستلي (1733-1804) لتأييده الثورة الفرنسية. فأحرق الرعاع الانجليز بيته في برمنجهام وكسّروا مختبره، وظلوا يجوبون الشوارع ثلاثة أيام، وهم يقسمون أنهم سيقتلونه، ويقتلوا كافة الفلاسفة. إلى درجة أن أهالى برمنجهام علقوا على أبواب بيوتهم خوفاً ورعباً من الإرهابيين لافتة تقول: "لا يوجد لدينا فلاسفة"(ول ديورانت، قصة الحضارة، جزء 35، 91).
وأحرقت الكنيسة في روما العالم الايطالي برونو على سيخ الشواء في العام 1600 عقاباً له على أفكاره التي كانت ضد تعاليم الكنيسة. وحاكمت الكنيسة في روما العالم الايطالي الفلكي جاليلو، وطلبت منه التخلّي عن أفكاره وسجنته وعذبته إلى أن أُصيب بالعمى. وسجن الملك هنري الثامن المفكر والفيلسوف الانجليزي توماس مـور (1478-1535) صاحب الكتاب المشهور (المدينة الفاضلة Utopia ( ثم أعدمه وعلق رأسه فوق جسر لندن،.
وقتل الرعاع الفرنسيون الفيلسوف الفرنسي بيير راموس (1515-1572) في بيته رمياً بالرصاص، ثم ألقوا بجثته من نافذة مكتبه بالدور الخامس في باريس، حيث جرّها خصومه من الطلبة وألقوا بها في نهر السين، ثم أخرجه فريق آخر من النهر، وقطعوه إرباً إرباً ( ج. د. برنال، موجز العلم في التاريخ، ص90). وأعدمت محاكم التفتيش المئات من المثقفات وأحرقت الكنيسة 13 رجلاً وامرأة دفعة واحدة بتهمة الزندقة في مدينة مودينا الايطالية ، وهي التهمة الموجهة الآن لسيّد القمني، والتي قرر على إثرها الاستسلام للأصوليين الارهابيين للأسف الشديد، والسقوط في بئر الصمت والخوف، معلناً توبته عن الفكر الليبرالي وقيمه، على النحو الذي جاء في الخبر السابق".
وبعد قراءتنا لهذا المقال لا بد لنا من وقفة نتأمل فيها بعض ما ورد به من أفكار وآراء: فأما أن المفكر ينبغى أن يتمسك بما يؤمن به ولا يتخلى عنه خوفا وجبنا، فنحن معه فى هذا، وإن كان الناس، هنا كما فى كل ميدان آخر، معادن: فمنهم من يرفع صوته لا يبالى بتهديد ولا وعيد، ومنهم من يخافت من هذا الصوت، ومنهم من يعلن التقية، ومنهم من يغير فعلا آراءه مسايرة للمخالفين واستجلابا للمصالح.
والدكتور شاكر النابلسى سبق له أن غير فكره وآراءه، فبعد أن كان أيام اشتغاله فى السعودية يلعن "أبا خاش" أمريكا صباحًا ومساءً ويرى فيها هى وإسرائيل العدو الأوحد الذى لا يصلح معه إلا الجهاد الدينى كما بينتُ بالوثائق فى مقال لى سابق عنوانه "فضيحة بجلاجل للعلمانيين فى برنامج الاتجاه المعاكس" (أم تراه كان يجارى الجو العام فى السعودية؟ إذن لكانت هذه أيضا خيبة قوية!)،
نقول إنه بعد ذلك قد أضحى من مناصرى أمريكا والصهيونية حينما انتقل للعيش فى بلاد العم سام وتولى بعض المناصب هناك. وكان قد كتب ذات مرة أيام موقفه القديم يمجِّد السعودية ويؤكد أنها سبقت أمريكا ذاتها (إى والله أمريكا ذاتها) فى معدل التنمية زمنا وحجما!
فلماذا لا يقبل من سيد القمنى أن يغير رأيه وموقفه حتى لو كان تغييرا ظاهريا لا يمس الأعماق؟ أم تراه يظن أن له هو وحده الحق فى ذلك؟ ثم من أين له كل هذا اليقين بأن جميع الذين تراجعوا من الكتّاب المصريين عما كانوا يقولون أيام مروقهم وانحرافهم قد تراجعوا خوفا وكذبا؟ ألا يتراجع الإنسان تراجعا صادقا إلا إذا كان تراجعه عن الإيمان بالله؟ إن هذا لَتفكيرٌ غريب! أم لا بد أن يمر المتراجعون على النابلسى أوّلاً كى يأخذوا منه صكًّا بجواز التراجع، وإلا كان تراجعهم باطلا لا يستقيم ولا يصحّ؟
كذلك قال النابلسى إن العرب الآن يعيشون فى القرن الثامن عشر. وهذا الكلام، وإن كان فيه مبالغة شديدة، فإنه صادق مع ذلك بروحه (لا بلفظه)، بمعنى أنهم لا يريدون أن يهتموا بالعلم ويعرفوا أنه لا خلاص لهم مما هم فيه، إلى جانب الإيمان بالله سبحانه وتعالى ونبيه الكريم والتمسك بكتابهم المجيد وسنة نبيهم المطهرة وقِيَمهما العبقرية الخالدة، إلا بالعلم والتفكير العلمى، وهو ما دعا إليه الإسلام وحث عليه وأعلن أن الله مُجَازٍ به خير الجزاء، وأكد أن فَضْل العالمِ على العابد كفَضْل البدر على سائر الكواكب، وأن تفكُّر ساعة خير من عبادة سَنَة، وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، علاوة على أن الله لم يأمر نبيه بالاستزادة من شىء إلا من العلم: "وقل: رَبِّ، زِدْنِى علما" (طه/ 114)...إلخ.
ومن هنا فإننا نضم صوتنا إلى صوت الكاتب رغم اختلافنا معه جِذْرِيًّا فيما عدا هذا ونقول للأمة إنها ما لم تُفِقْ مما هى فيه من التمسك بالخرافات والاعتقاد فى العمل والأحجبة والزار والسحر والشعوذة والفهلوة والاهتمام المرضى بالشكليات والحرص القاتل على أن يكون كل شىء تمام التمام على الورق ثم لا شىء بعد ذلك، وما لم تُقْبِل على العلم وتطلبه بكل طريق وتنفق فيه كل ما لديها من غالٍ ومُرْتَخَص ويتحول تفكيرها إلى المنهج العلمى الذى لا يرضى به الله ورسوله بديلا، فإنها ضائعة لا محالة وذاهبة إلى ما وراء الشمس كما كان المصريون يقولون إبّان حكم عبد الناصر عمن يعارضه! وهذا إن لم تكن قد ذهبت فعلا إلى ما وراء الشمس!
ونحن عندما نقول: "العلم" فإننا نقصد العلم الحقيقى لا القشور والتفاهات الفارغة التى تمضى الأمة بها وقتها المتثائب البليد، العلم بكل أنواعه من علوم طبيعية وعلوم إنسانية وعلوم رياضية وعلوم دينية بحيث لا تقتصر قراءات المتديّنين منها مثلا على كتب الفقه والتوحيد (وهذا إن قرأوها كما ينبغى وفهموها حق فهمها، ولم يكن الأمر مجرد ترديد لما فى تلك الكتب دون تدبر!)، وكأن من يُلِمّ بها قد ضمن النصر المؤزَّر فى الدنيا والآخرة، مع أنها لا تعدو أن تكون لونا من التخصص العلمى يعكف عليه فريق من الدارسين والباحثين كما يعكف كل فريق على فرع من فروع العلوم يتعمق فيه ويجتهد بكل وسعه ويبحث عن الجديد.
مع التنبه فى ذات الوقت إلى الأصول والأسس التى ينبغى أن نرسى نهضتنا عليها حتى لا تتشتت جهودنا أو تنحرف خُطَانا، وإن لم يمنع هذا من الأخذ من كل فرع من الفروع العلمية الأخرى بطَرَفٍ حسبما يستطيع القارئ ويحبّ!
ولا شك أننا الآن أحوج ما نكون إلى التقدم فى ميدان العلوم الطبيعية والرياضية بالذات والوصول فيها إلى درجة الاجتهاد لا مجرد الترديد لما سبقَنا إليه الغرب والوقوف عنده لا نعدوه ولا نضيف إليه، وهى الدرجة التى نستطيع بها أن نسامته ونخترع كما يخترع ويكون لنا كيان مرهوب الجانب ونوقفه عند حده ولا ننتظر الكلمة دائما من فيه، وإلا شَلَّتْ إرادتنا وتوقَّفْنا بل تجمَّدْنا ومُتْنا حيث نحن. هذه خطيئة مهلكة سوف يحاسبنا الله عليها يوم القيامة كأمةٍ وكأفرادٍ معا، ولسوف يكون الحساب عليها عسيرا أشد العسر رغم أن الأمة لا تفكر فى هذا البتة وتراه أمرا تافها لا يعدو أن يكون من نافلة القول، مع أنه بكل يقين ليس كذلك على الإطلاق!
إن الكِتَاب بالنسبة للمسلمين بوجه عام فى هذا العصر النَّكِد هو، مع الأسف المُمِضّ المزعج، من المحرَّمات الكبائر: لم تحرّمه الحكومات، بل حرّمه الناس على أنفسهم كراهيةً منهم للعلم ووجع الدماغ الذى يأتى من ورائه، مع أن الإسلام هو دين العلم بحيث إذا لم يهتم به أتباعه لم يكونوا مؤمنين صادقين وضاعوا فى لجة الحياة المتلاطمة الأمواج! لا أدرى والله ماذا يمكن أن يصنع المصلحون والعلماء والمفكرون كى ينبهوا الأمة إلى المضيق المسدود الذى انتهت أمورها إليه.
كثيرا ما أقول لطلابى وطالباتى فى الجامعة: ما الذى تريدون منا أن نفعله كى تهتموا بالقراءة وتجدّوا فى الدراسة وتقدِّروا العلم حق قدره؟ لقد بُحَّتْ أصواتنا معكم فى هذا السبيل وحاولنا مرارا وتكرارا بالحسنى والتشجيع مرة، وبالشدة والتخويف مرة، وبغير ذلك من الوسائل مراتٍ ومراتٍ، ولم يبق أمامنا من وسيلة إلا أن نشعل النار فى أنفسنا أمامكم فلعلكم تفهمون.
بيد أنى فى كل مرة أقول لهم فيها هذا ألاحظ أنهم يظلون فاغرى الأفواه زُجَاجِيِّى العيون كأنهم سمك ميت: لا حس ولا حركة ولا وعى ولا استجابة. ترى هل يستجيب الأموات؟ وإنى لموقن أننا لو فقدنا عقولنا وظننّا أن المسألة تستأهل وأشعلنا النار فعلا فى أنفسنا فلن يلفتهم ذلك فى شىء، بل سيظلون ماضين فى ثرثرتهم التافهة تفاهة عقولهم واهتماماتهم، فإذا خيبوا ظننا رغم ذلك والتفتوا كان رد فعلهم التنكيت والدخول فى قافية حول الأستاذ المسكين فى عقله الذى أخذ المسألة جِدًّا ولم يكبِّر دماغه!
ثم إن الذين ضربهم النابلسى أمثلة على الفكر الحر عندنا فى العصر الحديث إنما يعملون فى الغالب لحساب المستعمر الذى يريد تدميرنا: سواء فطنوا لذلك (وهو ما نرجحه فى معظم الحالات) أو لم يفطنوا. إنهم يصوّبون مدافعهم وقنابلهم فى تاريخنا وثقافتنا وعقائدنا إلى النقاط التى يصوّب إليها هذا المستعمر المجرم مدافعه وقنابله، ألا وهى الدين ورجاله بدءا بالنبى والصحابة وانتهاء بكل عالم معاصر من علماء المسلمين.
تاركين العلم والحثّ عليه، اللهم إلا حين يظنون، أو يريدون أن يوهموا القراء، أن الدين يعادى العلم، كما صنع القمنى عندما زعم أن حديث القرآن عن خلق السماوات والأرض فى ستة أيام خطأٌ لأنه يناقض ما يقوله العلماء من أنهما قد خُلِقَتا فى أحقاب سحيقة تُعَدّ بملايين السنين، غافلا عن أن اليوم عند الله ليس كاليوم عند البشر، فالله لا يسكن الأرض، بل كل الكون زمانًا ومكانًا وكائناتٍ فى قبضته سبحانه، واليوم عند الله يختلف حسب السياق، فقد يكون كألف سنة مثلا أو كخمسين ألفًا مما نعرف كما ورد فى القرآن المجيد، فضلاً عن أن الأيام بالمعنى الأرضى الذى يعرفه البشر لم يكن لها وجود قبل خلق الكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه، لأن اليوم البشرى يستلزم وجود الشمس والأرض أولا.
ومن يقل بغير هذا فهو من العوام مهما أغدق عليه المارقون من أمثاله ألقاب العلماء والمفكرين، على عكس المعنى الذى يقصده مؤلف سفر "التكوين"، الذى نصّ نصًّا فى كلامه عن قصة الخلق أن اليوم كان يتكون من مساء وصباح كمسائنا وصباحنا، وأن الله قد استراح من تعب العمل فى اليوم السابع وقدَّسه. يقصد يوم السبت (تكوين/ الإصحاح الأول كله).
فهذا هو الفرق بين فهم العوام وفهم العقلاء الراقين، ومع هذا نرى هؤلاء الخارجين المشاغبين لحساب أعداء الإسلام يشككون فى كل شىء: فى القرآن والرسول والسنّة والقيادات التاريخية والعسكرية والسياسية والعلمية المسلمة، كما يعملون بكل ما أوتوا من قوة وخبث على نشر التيئيس والتثبيط فى نفوس المسلمين، وبالذات فى مجال المقاومة والكفاح، رغبة منهم فى التمكين للمستعمرين فى بلادنا وأموالنا ومساعدتهم على حصد الأرواح واغتصاب الأعراض وتهديم البيوت والمؤسسات.
والدين المستباح عندهم هو الإسلام، والإسلام وحده: يستوى فى ذلك أن يكون الكاتب من المنتمين إلى أمة محمد أو من المنتمين إلى أمة الصليب! وفضلا عن ذلك فالملاحظ أن معظمهم ذو علاقة مشبوهة بالدوائر المعادية للإسلام والمسلمين لا يستتر بها.
وأتحدى أيا من هؤلاء المفاليك أن يجرؤ واحد منهم فيوجه نقدا ولو رقيقا كخطرات النسيم إلى النصرانية أو إلى أى من قياداتها فى بلادنا رغم أن الإسلام، لو أنهم مخلصون، كان ينبغى أن يكون أقرب إلى نزعتهم العلمية المدَّعاة حتى لو كان كفرهم به نابعا من قلوبهم وعقولهم، على الأقل باعتباره تاليا للنصرانية من الناحية التاريخية، فهو على أسوإ تقدير يمثل خطوة متقدمة عليها، علاوة على أنه لا مكان فيه للخرافات ولا للأسرار ولا لتأليه البشر العجزة الفانين الذين يبولون ويخرأون ويجوعون ويظمأون ويخافون ويقلقون ويُشتَمون ويهانون ويَسُبّون ويَلْعَنون حتى تلامذتهم، ويتبرأون حتى من أمهاتهم وإخوتهم، ويمرضون وينامون ويُضْرَبون ويُطْعَنون بالَحَرْبة فى جنوبهم وتُكْسَر رُكَبهم وتُسّمَّر أيديهم وأرجلهم فى الخشبة التى تجلب اللعنة على كل من يُعَلَّق عليها بنصّ كتابهم المقدس جِدًّا جِدًّا جِدًّا (...إلى آخر الــ"جِدَّنات" التى فى الدنيا كلها) لا بنصّ أى كتاب آخر.
ويصيح المساكين من بُرَحاء العذاب فلا يجدون أبًا ولا أُمًّا يسأل عن صحتهم، ثم يموتون ويحاسَبون شأن أى عبدٍ مخلوقٍ فانٍ، ويُسْأَلون عن مدى موافقتهم على ما يزعمه أتباعهم بشأنهم فيُنْكِرون ويستنكرون ما يقولونه من كُفْرٍ ويتبرأون منه ومنهم، كما أن المعجزات لا تمثل ركنا من أركانه على عكس الحال فى تلك الديانة التى لا فكاك لها من المعجزات ولا يقوم الإيمان فيها على العقل، بل ليس للعقل فيها مكان! ومع هذا فليس هناك أى هجوم عليها أو حتى انتقاد لها.
وها هو ذا الدليل: فالقرآن الكريم لم يقل، ولا يمكن أن يقول، إن الأيام الستة التى تم فيها الخلق هى كأيامنا الأرضية، بل بيَّن أن الأيام عند الله تختلف عن أيامنا هذه اختلافا تاما، على حين أن الكتاب المقدس قالها بصريح العبارة بما لا يمكن المماراة فيه أو إساءة فهمه، ومع هذا نرى سيد القمنى يترك الكتاب المقدس ويهاجم القرآن.
ومن هنا نفهم لماذا ترجم واحد كمحمد أسد المستشرق الاوربي الذي اسلم قوله تعالى: "فى ستة أيام" إلى "in six aeons" كما فى الآية 54 من "الأعراف" والآية 7 من "هود" مثلا. ثم يقول الأقباط عن سيد القمنى إنه مفكر كبييييييييييييييييييييييييييييييييييييير، متباكين عليه أن يسلقه خالد بن الوليد ويأكل لحمه "هَمّ النَّمّ" كما تقول عفاف راضى (أو كما نقول نحن فى قريتنا: "هَمّ يا مَمّ")، ثم يحبس بعدها بواحد سفن أب كبييييييييييييييييييييييييييييييييييييير لزوم الهضم السريع لِلَحْم المفكر الكبييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييير، ليتجشأ بعدها وهو يخبط على بطنه الكبييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييير فى رضًا وحُبُور، مطمئنا أنه خلّصنا من سيد القمنى وأراحنا من مشاغباته غير العلمية !
وها هو ذا ما قاله سيد القمنى فى الموضوع حسبما نقلتُه من مقال كتبه من سمى نفسه: "شهيد الحق" بموقع "ساحة الإقلاع" تحت عنوان: "علماني يزعم أن بالقرآن أخطاء علمية": "يقول الدكتور القمنى معلقا على قضية الإعجاز العلمى فى القرآن: إن التلميذ يدرس فى حصة (الدين) أحكام خلق الكون فى ستة أيام ثم يدخل حصة الكيمياء والبيولوجى فيجد أنها خُلِقَتْ فى ملايين السنين، فلماذا لا نجعله محل اعتقاد وايمان وأدرس كيف تم الخلق بالطريقة العلمية حتى ولو كان بها مخالفة واضحة وصريحة لما جاء فى النصوص القرآنية؟".
ليس ذلك فقط، بل يعرف القاصى والدانى أن المواقع النصرانية تحتفى بتلك الكتابات أيما احتفاء، ودائما ما تجعلها جزءا من برنامجها فتنشرها كاملة وتسهِّل تحميلها لمن يريد متكلفةً فى ذلك ما تتكلف من تعب ونفقات، وكأنها كتابات تبشيرية تدعو للنصرانية.
كما أنها دائمة الإشادة بالقمنى والدفاع عنه وعما يَكْتُب ضد الإسلام كذلك الموقع القبطى المهجرى الذى يصف الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام بـــ"الرسول المخنث" ويخترع سورا قرآنية هازلة تتهكم على الله ونبيه صلى الله عليه وسلم. ليس ذلك فقط، بل الملاحظ أن أولئك المارقين عادة ما ينتصرون فى كل خصومة أو جدال فكرى أو عقيدى للنصرانية والنصارى.
بل إن من الكُتّاب الذين يردون على أولئك المارقين المتمردين من يكتبون فى الصحف عنهم أن فلانا أو علانا يقبض من الجهة الكنسية أو التبشيرية الترتانية دون أن نسمع أن أيًّا منهم قد فكر فى رفع دعوى ضد الذى يتهمهم بهذا! كذلك فمنهم من ليست له شغلة يتكسب منها، ومع هذا نراه يعيش فى بحبوحة من العيش يحاول التعمية عليها من خلال التباكى الكاذب من شُحّ العيش دَيْدَنَ كل لصٍّ خبيث. فعلام يدل ذلك كله؟ أترك الجواب للقارئ.
وإنى لأهتبل هذه السانحة لأستشهد بما قاله فى الهجوم على الإسلام، أثناء دفاعه عن سيد القمنى، كاتب نصرانى اسمه جاك عطا الله كى يعرف القارئ كيف أن الغارة على الإسلام (حتى ممن بيوتهم زجاجٌ هشٌّ) والإشادة بهؤلاء الكتّاب المارقين هما وجهان لعملة واحدة.
قال عطا الله فى "صفحة كتاب أقباط متحدون" بتاريخ 18 يوليه 2005م تحت عنوان: "سيد القمنى- احمد زكى يمانى و حرية القتل على الفكر بالدول العربية" فى أسلوب غبى ركيك يعج بالأخطاء التى لا يصح صدورها من تلميذ من تلاميذ المرحلة الابتدائية: "كلنا يعرف الان ان المفكر المصرى الدكتور سيد القمنى والباحث المدقق وخبير المخطوطات الاسلامية الدكتور احمد زكى يمانى السعودى المتجنس ووزير البترول الاشهر بالسعودية قد تابا الى الله توبة نصوحه لوجه الله تعالى واقلعا عن فكرهما المستنير وعادا الى حظيرة الايمان بعد كفرهما.
هذا ما اعلنه كلا منهما علانية بعد النصائح الاخوية اللطيفة بالذبح الشرعى الحلال من اخوانهما بالدين، و نعرف ان الدين النصيحة، وبارك الله فى الناصح والمنصوح وما بينهما. السيد القمنى كان يرتجف وهو يعلن توبته بالتليفون وعودته عن تفكيره الشيطانى و انه قرر ان يعيد مخه الى مكانه الطبيعى (تحت السرة): لا تسألوا عن اشياء ان تبدو لكم تسوءكم، احتراما وتقديرا لنصائح الاخوة اللطيفة وانه يفضل ان يعيش بدون هذا العضو المؤذى المسمى مخ عن ان يكون المرحوم المذبوح القمنى ومخه سيتحلل وستأكله البكتريا على كل عند موته وكما يقول المثل المصرى الجرى نص الشجاعة.
اما الدكتور الاخر احمد زكى يمانى فقد تلقى هو الاخر تهديد اخوى لطيف بالذبح بعد نشره مقالا بالصحف السعودية يقول فيه انه رأى بأم عينه رقعا مكتوبة على جلد بدون تشكيل ولا تنقيط بمكتبة الفاتيكان لنصوص قرأنية غير موجودة بالمصحف العثمانى المتداول حاليا وانه احضر خبيرا من عنده وقدر عمر الرقع بالف واربعمائة سنة او اكثر واستنتج من هذا ان القرأن الحالى ناقص وهو ما استنتجه قبله العديد من المفكرين والبحاث المسلمين وهو نفس ما اثبتته ابحاث العلماء الالمان الذين عثروا وفحصوا المخطوطات اليمنية المسماة بمخطوطات صنعاء".
أنا فى الواقع لا أدرى لم سكت الفاتيكان هذا السكوت الطويل فلم يعلن عن تلك النسخة التى يقال إن يمانى رآها بأم عينيه وأحضر كذلك خبراء من لدنه فأكدوا له أنها نسخة صحيحة غير مزورة. كذلك لماذا لم يذكر يمانى أسماء أولئك الخبراء المزعومين أو الوسائل التى استخدموها فى التحقق من صحة النسخة المخطوطة حبرًا وورقًا وخطًّا... أو الظروف التى تم فيها هذا؟
وحتى لو كان كل ما قيل صحيحا لا شائبة من الشك فيه، أفينبغى أن تكون تلك النسخة برهانا على أن القرآن قد سقط منه شىء؟ أليس يقتضى المنطق أن تكون تلك النسخة هى نفسها الخاطئة، بدلا من اتهام كل المصاحف والكاتبين والقارئين والحَفَظَة الذين تتابعوا على صفحات التاريخ جيلا بعد جيل على مدى الأربعة عشر قرنا بأنهم هم المخطئون؟ ثم متى كان يمانى خبيرا فى الخطوط الإسلامية؟ بل هل هناك أصلا شىء اسمه الخطوط الإسلامية؟
لو قال صاحبنا: "الخطوط الجوية السعودية" مثلا لكان لكلامه معنى. وقد قرأت فى موقع "إيلاف" بتاريخ 19 يونيه 2005م إشارةً إلى ما كتبه، فى الرد على أحمد زكى يمانى، عبد الله خياط الصحفىُّ السعودىُّ، الذى يرجِّح أن يمانى إنما أراد أن يتقرب للشيعة بعدما فشل فى النجاح عند الليبراليين.
فإن كان هذا صحيحا لقد اتضحت طبيعة النقص الذى يزعمه يمانى إن كان قد قال ذلك، ألا وهو أن هناك نصوصا حُذِفَتْ من القرآن كانت تنص على حق علىٍّ وأولاده فى ولاية المسلمين.
ولكاتب هذه السطور دراسة هى الأولى من نوعها عن سورة "النورين"، التى هى أكبر وأشهر نص فى هذا الصدد، واسم هذه الدراسة: "سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن الكريم- دراسة تحليلية أسلوبية"، وقد أثبتُّ فيها أن السورة المقصودة لا تمت للقرآن بأية صلة: سواء من جهة الأسلوب أو من جهة المعانى. وهى دراسة تحليلية مستقصية تقوم على الإحصاءات والمقارنات، وليس فيها موضع للعاطفيات على الإطلاق. كما أن علماء الشيعة ينكرون إنكارا شديدا أن يكون قد حُذِف شىء من كتاب الله.
ومع ذلك فهناك من يدافع عن يمانى قائلا إن كلامه قد أُسِىءَ فهمه وتفسيره واقتُطِع اقتطاعا من سياقه، إذ هو رجل شديد التدين يغار على القرآن، وله مؤسسة دينية فى لندن اسمها "الفرقان".
وقد ظللتُ أبحث عما كتبه يمانى حتى صادفتُ فى موقع "شفّاف الشرق الأوسط" بتاريخ 22 يونيه 2005م مقالا للرجل عنوانه "من جعبة الذاكرة - البابا ومكتبة الفاتيكان" ينتهى بهذه الفقرة التى هى كل ما يهمنا فى الموضوع والتى أنقلها هنا لكى يكون القارئ على بينة مما زعمه عطا الله الكاذب وما قاله يمانى فعلا: "ومن طريف ما رأيت قِطَعاً (الصواب: "قِطَعٌ") من الجلد كُتبَ عليها آيات من القرآن بحروف غير منقَّطة وقيل انه أُجريت دراسات علمية لمعرفة عمر الجلد الذي كُتبت عليه الآيات فتجاوز عمره مائتين وخمسين وألف سنة ميلادية وهذا ما قادهم إلى افتراض أن بعض كُتاب الوحي من بني أُمية لم يسلموا ما لديهم أو بعضه من آيات الكتاب الحكيم عندما جُمع المصحف في عهد الصديق رضي الله عنه وأُتلفت جميع الآيات المتفرقة التي نزلت منجمة,
وأنه عندما دانت دولة الأمويين في الشام وهرب عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس حيث أقام دولة الأمويين استطاع فيما بعد نقل الذخائر ومنها تلك القطع التي كُتب عليها آيات من القرآن أثناء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الافتراض مع كل قرائنه يقرب من الصحة وينبئنا أن المسلمين إذا تفككوا واختلفوا فقدوا الكثير من تراثهم بل وفقدوا كيانهم، وذلك حال ملوك الطوائف فيما مضى وهو حال دويلات الطوائف في عصرنا هذا. وآيات الكتاب الكريم التي كُتبت في حضرة رسولنا عليه السـلام هي من أعز وأثمن ما أعرف من التراث".
ونلاحظ على الفور أن يمانى ليس هو الذى قام باختبار صحة المخطوطة كما زعم كذبا أندراوس، بل قيل له إنهم (فى الفاتيكان طبعا) هم الذين تحققوا من صحتها. وقد انحصر دوره فى القول بأنه يعتقد أن ما قالوه صحيح! كيف؟ وعلى أى أساس؟ لا ندرى! ثم ما هى هذه النصوص التى لا وجود لها الآن فى القرآن؟ والجواب هنا أيضا: "لا ندرى"، ذلك أنه لم يذكر من تلك النصوص شيئا، بل انحصرت مهمته فى تكرار ما قال الفاتيكان وحسب!
والفاتيكان لم يقل إن المخطوطة تمثل دليلا على وجود نقص فى النص القرآنى الكريم. كذلك فإن عمر المخطوطة حسب كلام الفاتيكان هو اثنا عشر قرنا ونصف تقريبا لا أربعة عشر قرنا أو أكثر كما جاء فى الكلام الأبله الذى تلفظ به عطا الله!
ثم من مؤلف هذه المخطوطة؟ لقد قيل إن صفحة العنوان منزوعة، وهو ما يصعب التحقق من الأمر تصعيبا شديدا. وأيًّا ما يكن الأمر، هل يصحّ فى العلم أن نترك كل الدلائل والبراهين التى لا تنتهى عددًا والتى تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن نص القرآن المجيد لم يَطُلْه أى عبث، ونصدّق هذه الشبهة التى لم يقلها لا الفاتيكان ولا الوزير السعودى؟ وعلى أى حال لماذا لا يضع الفاتيكان هذه المخطوطة بين أيدى الدارسين كى يَرَوْا رأيهم فيها بدلا من قصرها على مناقشات جانبية، إن كان عند رجاله ملاحظات على جمع القرآن تختلف عما يقوله علماء المسلمين؟ ثم إن المخطوطة المذكورة، حسبما جاء فى مقاله، تبحث فى مسائل الطهارة والعبادات، والفَلَك، والآلات الموسيقية، فما علاقة ذلك كله بما يقال من أن هناك آيات قرآنية قد حُذِفَتْ؟ وما هذه الآيات؟
وبالمثل فقد ورد فى مقال يمانى أنهم فى الفاتيكان افترضوا "أن بعض كُتَّاب الوحي من بني أمية لم يسلِّموا ما لديهم أو بعضه من آيات القرآن الحكيم عندما جُمِع المصحف في عهد الصديق رضي الله عنه وأتلفت جميع الآيات المتفرقة التي نزلت منجمة، وأنه عندما زالت دولة الأمويين في الشام وهرب عبدالرحمن الداخل إلى الأندلس حيث أقام دولة الأمويين استطاع فيما بعد نقل الذخائر، ومنها تلك القطع التي كتبت عليها آيات من القرآن أثناء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فهل هذا هو ما يبنى عليه المتزيدون المشككون تشكيكاتهم؟
طيب: إذا كان بعض كُتّاب الوحى من الأمويين "طَلَعُوا ناسًا سَكَّة وأىّ كلام" ولم يسلِّموا كل ما عندهم من الوحى، فأين كان بقية المسلمين الذين لم يكن بنو أمية يمثلون أكثر من قطرة فى بحرهم الطامى؟ ألم يكن أحد منهم يحفظ شفويًّا أو كتابيًّا ما أراد الأمويون إخفاءه؟
بل أين كانت النسخة التى تركها النبى عليه السلام مكتوبة واعتمد عليها أبو بكر فى جمع القرآن فى كتاب كامل بين دفتين؟ إياكم أن تقولوا إن الأمويين قد سَقَوْا بقية المسلمين جميعا "حاجة أصفرة" حتى لا آخذ على خاطرى منكم لأن هذه قد أصبحت حجة ممجوجة!
وإذا كان بنو أمية لم يسلِّموا بعض ما كان فى أيديهم من القرآن، فلِمَ ظلوا يحتفظون به، وكان الأجدر بهم أن يتخلصوا منه تماما بتدميره حتى لا يقع يومًا فى يد من لا يريدون اطلاعه عليه فيعودوا بذلك إلى المربع رقم واحد كما كان يقول المعلِّقون على مباريات كرة القدم التى كنت أُحْسِنها يوما؟ يا لطيف اللطف! كذلك إذا كان عبدالرحمن الداخل قد أخذ هذه النصوص معه، فلماذا لم يظهرها جلالته أو يتكلم عنها أى من علماء الأندلس؟ وإذا كان قد دمرها فكيف وصلتنا إذن؟
وهذا إذا كان فى كلام يمانى ما يشكك فى حفظ الله سبحانه للقرآن الكريم، وهو ما تبين لى أنه لم يحدث إذا ما قرأناه بعيدا عن التعليقات النصرانية الحاقدة.
ولقد عاد الرجل بعد ذلك كله فأكد، حسبما قرأت فى موقع "المجالس الينبعاوية" فى أغسطس 2004م، أن القرآن كما هو بين أيدينا اليوم فى المصاحف هو نفسه القرآن الذى تركه لنا سيدنا رسول الله عليه السلام كاملا لم ينقص منه حرف، ولكننى مع هذا لا أستطيع أن أفهم كيف أن يمانى هذا هو الذى حَظِىَ، دون غيره من البشر، بالإهداء الذى كتبه د. محمد عبد الحى شعبان (الأستاذ المصرى الذى كان يشتغل رئيسا لقسم التاريخ الإسلامى بجامعة إكستر البريطانية) فى صدر كتابه "Islamic History" الصادر فى تلك الفترة (عام 1980م بالتحديد عن جامعة كمبردج البريطانية) والذى حمل فيه على الرسالة الإسلامية وصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام واتهمه بأنه لم يكن إلا تاجرا ولا علاقة له بالنبوة من قريب ولا من بعيد، وأن ما تحقق للعرب والمسلمين من نتائج بسبب دعوته وسياسته إنما تم بمحض المصادفة، ولم يكن يدور له ببال ولا بخيال.
وهذه هى كلمات الإهداء أنقلها كى يتمعن فيها القارئ: "إلى صديقى الشيخ أحمد زكى يمانى، الذى أعادت سياسته إلى الحياة كثيرا من خصال أسلافه العظام"! (انظر كتابى: "ثورة الإسلام فى ضوء ظروف البيئة التى ظهر فيها"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1419هــ- 1999م/ 40- 41 بالذات).
وهذا الذى أثاره المسمَّى جاك عطا الله هو مجرد مثال على العقلية الحاقدة الغبية التى تحسب أن لحم الإسلام سهل المأكل طيب المذاق. لا يا أخا الصليب! أنت واهم، ولسوف أريك حالا أنكم، باتخاذكم كتابات القمنى وأشباهه سلاحا لضرب الإسلام، إنما تصوّبون الرصاص إلى صدوركم وأنتم لا تعقلون، شأنكم شأن مستعملى الأسلحة الفاسدة فى حرب 1948م.
ولكن لنسمع أولا ما يقوله عزت أندراوس السالف الذكر عن سيد القمنى وعن الحكومة المصرية ومسلمى مصر وخالد بن الوليد فى هلوسة هستيرية ليس لها فى الوقاحة وقلة الأدب والعمل على إثارة الفتن وركاكة العقل وتهافت الفكر وقبح اللغة مثيل: "رحمة الله عليكى يا مصر لأنك تدوسين أبناؤك وتأكليهم، أأعدتم خالد بن الوليد إلى الحياة فى مصر هذا هو سيف الله المسلول الذى قطع رأس مسلم وسلقه وطبخه واكله، أهذا هو الإسلام؟ أم أهذا هو أمن الدولة؟ أم أهذه هى ديمقراطية النظام؟
أفيقوا يا اهل الكهف من سباتكم وأعرفوا مكانكم الحقيقى فى العالم، ألا يوجد إلا مصر فى العالم يأتى منها أخبار الإرهاب، إن ما يصلنا من أخبار يدل أنه لا يوجد بلداً أسمها مصر ولكن يوجد فقط شئ أسمه عصابات مصر الإجرامية. ثم ماذا يفعل أمن الدولة والبوليس فى مصر أهو متفق مع عصابات بن لادن العالمية الإرهابية على سفك دماء المفكر العظيم سيد القمنى، أيكفى ثلاثة من عساكر الأمن الذين اتو من وراء الجاموسة من صعيد مصر على حماية رجل له وزنه الفكرى".
إن المذكور لا يعجبه أن تعين الدولة ثلاثة من رجال الشرطة لحماية سيد القمنى من التهديد الذى قال، صدقًا أو زورًا، إنه تلقاه على بريده المشباكى، ويصفهم بأنهم آتون من وراء الجاموسة، وكأنه (هو الآتى من وراء الخنزير وجامع روثه وآكله) أفضل حالا منهم، وهو الذى يَكْذِب ويتصور أنه بوقاحته سوف يهين المسلمين ودينهم، وما دَرَى بغبائه أنه إنما يهين نفسه وتخلفه هو وأمثاله فى العقيدة والدين!
صحيح: لماذا لم تحوِّل حكومةُ مصر جيشها وشرطتها جميعا ليرابطا أمام بيت سيد القمنى وتترك حدودها دون حراسة، وللحدود ربٌّ اسمه الكريم، إذ يكفيها أن تسهر شرطتها وجيشها على راحة سيد القمنى وألا يكون لها شغلة ولا مشغلة إلا رضا سعادته! ثم ما دخل خالد بن الوليد فى هذا الموضوع؟ أترى أندراوس يريدنا أن نُقِيمه من الأموات ونُحْضِره هو أيضا ليَذُود بسيفه المسلول عن سيد القمنى ويقوم على خدمة جنابه؟
ثم كيف عرف هذا الأبله يا ترى أنه، رضى الله عنه، كان يأكل لحم البشر بعد سلقه؟ وبالمناسبة هل كان يرش عليه مِلْحًا وفُلْفُلاً حتى تكون النكهة أفضل، إذ من المعروف أن اللحم المسلوق ليست له جاذبية اللحم المحمَّر والمشمَّر؟ هذه واسعة حبتين يا عمّ أندراوس! ما كنت أعرف أن المسلمين بهذا الهوان حتى يطمع فيهم أمثال هذا الكائن! لكنى أعود فأقول إنهم يستحقون هذا وأفظع منه! فمَنْ يَهُنْ يَسْهُل الهوانُ عليه، وما لِجُرْحٍ بميّتٍ إيلام! وهم، كما سلف القول، قد ماتوا، وإن لم تُدْفَن جثتهم بعد لأن أحدا لا يفكر فى إكرامهم بالدفن!
إن للقمنى مثلا فى موقع "شفّاف الشرق الأوسط" بتاريخ 14 يوليه 2005م مقالا بعنوان "احذروا فتنة المسيخ الدجال" يسخر فيه من أحاديث المسيح الدَّجّال والمؤمنين بها.
أفلا يعلم النصارى المولَّهون بما يكتب سيد القمنى أن المسيح الدجال قد ورد ذكره فى كتبهم عدة مرات (وإن كان اسمه عندهم هو "ضد المسيح" أو "المسيح الكاذب"، مع اختلاف تصورهم له عما فى الإسلام بعد أن حرَّفوا عقائدهم)، وقال عنه يوحنا فى رسالته الأولى إنه موجود الآن فى الدنيا رغم قوله أيضا إن ميعاد مجيئه هو الساعة الأخيرة، أى قبيل يوم القيامة.
كما جاء فى مواضع أخرى أنه وحش بسبع رؤوس وأنه تنين أحمر...إلخ، فضلا عن إشارة بولس إلى أنه عند إتيانه سوف يتصرف وكأنه هو الله، وأنه سوف يفتن الناس ويضلّهم من خلال عجائبه وآياته التى يساعده فيها الشيطان؟ ثم ألا يعلمون أن اليهود هم أيضا يعتقدون فى مجىء المسيح الدجّال؟ (انظر مادة "Antichrist" فى كل من "The Catholic Encyclopedia" و"The International Standard Bible Encyclopedia " و"Easton's Bible Dictionary" و"Smith's Bible Dictionary" على المشباك، و"Encyclopedie de la Bible"/ طبعة Editions Sequoia/ باريس وبروكسل). وهذا الذى أشرنا إليه متناغم مع ما ورد فى الحديث الشريف من أنه ما من نبى إلا حذّر أُمّتَه الدَّجّال؟
ألا يعلم النصارى كل هذا؟ بلى إنهم ليعلمون، لكنهم يظنون أن المسلمين لا يتنبهون له، والمسألة عندهم ليست حقا وباطلا، بل وسيلة لختل المسلمين عن دينهم بالكذب والدجل والتلون والنفاق.
بل إن ورود ذكر المسيح الدجال فى العهد الجديد يختلف بطبيعة الحال عن وروده فى الأحاديث النبوية، التى لا تتمتع بما يتمتع به القرآن من يقينية مطلقة، أما عندهم فهذه العقيدة جزء من الأناجيل التى تقابل القرآن لدينا!
ومع ذلك فنحن لا نقف طويلا عند هذه النقطة المفحمة مع ذلك، بل كل ما أردناه منها أن تكون فاتح شهية لما سيأتى، وأنتم يا أخا الصليب الذين فتحتم موضوع القمنى (ويمانى أيضا فوق البيعة!) وحسبتم أنكم قادرون على أن تجعلوا منه قنابل نووية فتاكة! فلتذوقوا إذن، ولا مكان هنا للغضب، فالزَّعَل ممنوع، والصراخ من حَرّ الألم مرفوع، والرزق على الله، والذى يعتدى على الآخرين بالباطل لا ينبغى أن يتوقع منهم أن يباركوا عدوانه ويُرَبِّتوا على أكتافه ولا على أردافه، وإلا كان أحمق حماقة مطلقة!
كذلك فللقمنى كتاب بعنوان "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" يستعين به المدعوّ زكريا بطرس فى موقعه متصورا أنه يمكنه من خلاله هو وما كان على شاكلته من الكتب كتلك التى تحمل اسم خليل عبد الكريم أو سعيد العشماوى مثلا أن يفتن ويضلل بها أبناء المسلمين، وما درى أنه إنما جلب على نفسه الخراب والدمار عاجلا غير آجل.
ففى مقدمة ذلك الكتاب القمناوى مباشرة نقرأ السطور التالية: "ورغم أن كتابنا هذا كتاب في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي وليس كتاباً في الدين أو أي من علومه، فقد تم تصنيفه تصنيفاً آخر، ولم يتسع أفق المهاجمين خارج دائرة يكن لنا غرض إطلاقاً سوي فتح نافذة أطل زمانها، إزاء رتل من المصنفات يملأ أرفف المكتبة العربية، يكرر ويزيد في تكرار وإملال لذات المقولات، بنغمة واحدة وخط واحد من تفاسير وشروح التفاسير وتفسير الشروح وتعقيبات على الشروح والتفاسير... الخ وهي النافذة التي أردنا أن نطل منها بقراءة علمية على الفرز الذي أدى إليه جدل أحداث المرحلة القبل إسلامية، وقراءة أوضاع جزيرة العرب آنذاك الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وهو الفرز الذي كشفناه مطلباً للتوحد القومي بقيادة نبي مؤسس لدولة واحدة مركزية.
ويبدو أن هذا اللون من القراءة قد صدم مقولاتهم الثابتة، حتى أنهم لم يروا فيه سوى المروق، الذي يبدو أنه كان حكماً تأسس على عدم قدرة قبول الأمر باعتباره أمراً اعتيادياً تسبقه مقدمات لابد أن تؤدي إلى نتائج يقبلها العقل ومنطق الواقع، بعد أن اعتادوا على منهج يرى أن كل شئ يجب أن يظهر فجأة من عدم، غير مرتبط إطلاقاً بواقع، لغزاً غير مفهوم، بهذا فقط يكون مرهوباً ومخيفاً ومحترماً ، المهم ألا يكون مفهوم الأصول وألا يكون منطقي أو طبيعي النشأة ، وأن معرفة جذوره وممهداته ومنابته تخلع عنه حالته الإنقطاعية، وتسحب عنه قطيعته مع ما سبقه، ومن هنا كان لابد أن تستمر معاملته في قطيعته مع كل شئ إلا الغيب ولا يمكن تصوره إلا كذلك.
رغم أننا لو أستخدمنا منهج الدين ذاته بشكل أكثر احتراماً للدين نفسه، ولله صاحب هذا الدين ، لأدركنا أن فهمنا للدين سيكون أكثر جمالاً وفهماً عندما يكون الرب متسقاً مع ذاته ، لا يخالف قوانين المفترض أنه هو واضعها ، وأنه كي يتم المراد من رب العباد وقيام نبي الإسلام بدعوته ، فإنه كان لابد من تمهيد الواقع كي يفرز نتائجه المنطقية التي تتسق مع تلك المقدمات، وتتفق مع كمال ذلك الرب، ذلك الكمال الذي يفترض اتساق قراراته مع قوانينه و سننه، ناهيك عما سيحققه مثل ذلك الفهم على المستوى التربوي للعقل، لنخرج من حالة الركود البليد الذي ينتظر بكل سقم معجزات مفاجئة تعيدنا لعصر الفتوحات تتقدمنا جيوش الملائكة.
تحت قيادة جبريل على فرسه حيزوم ولأننا لا نتصور إمكان حدوث المعجز الملغز، ولا حدوث أمر جلل دون مقدمات موضوعية تماماً تؤدي إليه وتفرزه، ولأننا لا نتصور ممكنات، كسر قوانين الطبيعة الثابتة لأجل عيون أمة مترهلة، فلم يبق سوى أن نحاول إعادة قراءة ذلك التاريخ قراءة أخرى، تربط النص بواقع، وتعيد النتائج إلى مقدماتها وأصولها الحقيقية لا الوهمية، من أجل إعادة تشكيل بنية العقل ومنهجه، ومن أجل غد أفضل لأجيالنا المقبلة، ولتراثنا ذاته".
وواضح تمام الوضوح سخرية سيد القمنى من المعجزات ومن جبريل وحيزوم والأمة المترهلة، وهى فعلا أمة مترهلة لا أختلف معه بشأنها، ومن أدلة ترهلها أن نفرا من أبنائها يخوضون، بغباءٍ قاتلٍ وخيانةٍ عاهرةٍ سافلةٍ وحُبُور مجرمٍ وشماتةٍ خسيسةٍ، معركةَ أعدائها ضدها هى نفسها حتى يريحوا هؤلاء الأعداء من بذل الجهد والتعب فينتصروا عليها دون أن يتكلفوا فى هزيمتها شيئا: "حاجة ببلاش كده!".
فالرجل إذن لم يتجنَّ على الأمة فى شىء، لكن هذا لا يعفينا من أن نبين للقراء أن البندقية التى يمسك بها زكريا بطرس ويصوبها إلى صدر الإسلام سيرتدّ رصاصها إلى صدره هو. كيف؟
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة السعيد شويل في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 19-01-2011, 06:26 PM
-
بواسطة ronya في المنتدى المنتدى الطبي
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 03-12-2010, 04:26 AM
-
بواسطة مريم في المنتدى مائدة المنتدى
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 15-01-2010, 02:00 AM
-
بواسطة الاشبيلي في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 15-06-2009, 09:08 PM
-
بواسطة رقيه في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 15
آخر مشاركة: 15-05-2009, 11:37 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات