"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصَّصَ النَّاسَ بِالْمَنَازِلِ ، وَسَتَرَهُمْ فِيهَا عَنْ الْأَبْصَارِ ، وَمَلَّكَهُمْ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَحَجَزَ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَارِجٍ أَوْ يَلِجُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَرْبَابِهَا ؛ لِئَلَّا يَهْتِكُوا أَسْتَارَهُمْ ، وَيَبْلُوَا فِي أَخْبَارِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ بَيْتٍ ، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً فِي أَبْيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا " مَدَّ اللَّهُ التَّحْرِيمَ فِي دُخُولِ بَيْتٍ لَيْسَ هُوَ بَيْتُك إلَى غَايَةٍ هِيَ الِاسْتِئْنَاسُ .
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَيَقُولُ : أَخْطَأَ الْكَاتِبُ .
الثَّانِي: حَتَّى تُؤْنِسُوا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالتَّنَحْنُحِ ، فَيَعْلَمُوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ .
الثَّالِثُ: حَتَّى تَعْلَمُوا أَفِيهَا مِنْ تَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؛ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَّا قَوْلُهُ أَنْ تَسْتَأْنِسُوا بِمَعْنَى تَسْتَأْذِنُوا فَلَا مَانِعَ فِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ، وَلَيْسَ فِيهِ خَطَأٌ مِنْ كَاتِبٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ الْخَطَأُ إلَى كِتَابٍ تَوَلَّى اللَّهُ حِفْظَهُ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ؛ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى رَاوِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَوَجْهُ التَّعْبِيرِ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِعْلَامِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ التَّنَحْنُحُ فَهِيَ زِيَادَةٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا .
وَأَشْبَهُ مَا فِيهِ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنَيَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ مُقَيَّدَيْنِ .
وَهَذَا هُوَ حُكْمُ اللُّغَةِ فِي جَعْلِ مَعْنًى لِكُلِّ لَفْظٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ: وَهُوَ بِالسَّلَامِ ، وَصِفَتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كُنْت فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ إذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ قَالَ : اسْتَأْذَنْت عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، فَرَجَعْت .
قَالَ : مَا مَنَعَك ؟ قُلْت: اسْتَأْذَنْت ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْت وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ } .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً .
أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : وَاَللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَك إلَّا أَصْغَرُنَا .
فَكُنْت أَصْغَرَهُمْ .
فَقُمْت مَعَهُ ، فَأَخْبَرْت عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .
وَحِكْمَةُ التَّعْدَادِ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الْأُولَى اسْتِعْلَامٌ ، وَالثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ ، وَالثَّالِثَةُ إعْذَارٌ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ هُوَ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : { وَتُسَلِّمُوا } تَفْسِيرًا لِلِاسْتِئْذَانِ .
وَقَدْ اخْتَرْنَا قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : الِاسْتِئْذَانُ فَرْضٌ ، وَالسَّلَامُ مُسْتَحَبٌّ .
وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَيْفِيَّةٌ فِي الْإِذْنِ .
رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : أَأَلِجُ فَأَذِنَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ .
قَالَ زَيْدٌ : فَلَمَّا قَضَيْت حَاجَتِي أَقْبَلَ عَلَيَّ ابْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ : مَالَكَ وَاسْتِئْذَانِ الْعَرَبِ ، إذَا اسْتَأْذَنْت فَقُلْ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا رُدَّ عَلَيْك السَّلَامُ فَقُلْ : أَأَدْخُلُ ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَك فَادْخُلْ .
فَعَلَّمَهُ سُنَّةَ السَّلَامِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ { أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَدْخُلُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ : قُمْ فَعَلِّمْ هَذَا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ .
فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ فَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ، اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ فِيهِمَا : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فَقَالَ : حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ .
قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَ اعْتِزَالَ النَّبِيِّ فِي الْمَشْرُبَةِ قَالَ : فَأَتَيْت غُلَامًا أَسْوَدَ فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ .
فَدَخَلَ الْغُلَامُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ .
فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُك لَهُ ، فَصَمَتَ .
فَرَجَعْت فَجَلَسْت إلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَرَجَعْت إلَى الْغُلَامِ ، فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ .
قَالَ : فَوَلَّيْت مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي ، فَقَالَ : اُدْخُلْ ، فَقَدْ أَذِنَ لَك .
فَدَخَلْت فَسَلَّمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَطْلَقْت نِسَاءَك ؛ فَرَفَعَ إلَيَّ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : لَا .
فَقُلْت : اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَوْ رَأَيْتنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ؛ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَغَضِبَتْ يَوْمًا عَلَيَّ امْرَأَتِي فَطَفِقَتْ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ ، فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا حَتَّى اللَّيْلِ .
فَقُلْت : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ، وَخَسِرَ ، أَتَأْمَنُ إحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ .
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ حَفْصَةُ ،فَقُلْت : لَا يَغْرُرْك أَنْ كَانَتْ جَارِيَتُك هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك .
فَتَبَسَّمَ أُخْرَى .
فَقُلْت : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : نَعَمْ فَجَلَسْت فَرَفَعْت رَأْسِي فِي الْبَيْتِ ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
} قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنْ مَرَّتَيْنِ ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ الثَّالِثَةَ .
فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ كَمَالَ التَّعْدَادِ حَقُّ الَّذِي يَسْتَأْذِنُ إنْ أَرَادَ اسْتِقْصَاءَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَذَا مِنْ الْأُنْسِ وَالتَّبَسُّطِ ، لَا مِنْ الْإِعْلَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ وَقَعَتْ الْعَيْنُ عَلَى الْعَيْنِ فَالسَّلَامُ قَدْ تَعَيَّنَ ، وَلَا تُعَدُّ رُؤْيَتُك لَهُ إذْنًا لَك فِي دُخُولِك عَلَيْهِ ؛ فَإِذَا قَضَيْت حَقَّ السَّلَامِ لِأَنَّك الْوَارِدُ حِينَئِذٍ تَقُولُ : أَدْخُلُ ؟ فَإِنْ أَذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا رَجَعْت .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : هَذَا كُلُّهُ فِي بَيْتٍ لَيْسَ لَك ؛ فَإِمَّا بَيْتُك الَّذِي تَسْكُنُهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلُك فَلَا إذْنَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَعَك أُمُّك أَوْ أُخْتُك فَقَالُوا تَنَحْنَحْ وَاضْرِبْ بِرِجْلَيْك حَتَّى تَنْتَبِهَ لِدُخُولِك ، لِأَنَّ الْأَهْلَ لَا حِشْمَةَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا .
وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأُخْتُ فَقَدْ تَكُونُ عَلَى حَالَةٍ لَا [ تُحِبُّ أَنْ ] تَرَاهَا فِيهَا .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : وَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا .
وَقَدْ رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : إنِّي أَخْدُمُهَا .
قَالَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا .
قَالَ : فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا قَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا } .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي وَهُنَّ فِي حُجْرَتِي مَعِي فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَرَدَدْت عَلَيْهِ لِيُرَخِّصَ لِي فَأَبَى .
قَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قُلْت : لَا قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ؛ فَرَاجَعَتْهُ ، فَقَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا .
وَقَالَ طَاوُسٌ : مَا مِنْ امْرَأَةٍ أَكْرَهُ إلَيَّ أَنْ أَرَى عَوْرَتَهَا مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الطَّبَرِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هَذَا الْإِذْنُ فِي دُخُولِهِ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ بَيْتَ نَفْسِهِ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِيَقُلْ : السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ .
وَالصَّحِيحُ تَرْكُ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
(أحكام القرآن لابن عربي, ج 6, ص ص 41- 49).
وقيل في قول اللَّهُ تَعَالَى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ".
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَقَتَادَةَ قَالُوا : ( الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِئْذَانُ ) فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا بِالْإِذْنِ .
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : " حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا " وَقَالَ " غَلِطَ الْكَاتِبُ " .
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } قَالَ : ( هُوَ التَّنَحْنُحُ وَالتَّنَخُّعُ ) .
وَفِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِئْذَانَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } .
وَالِاسْتِئْنَاسُ قَدْ يَكُونُ لِلْحَدِيثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } وَكَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْفَرَدَ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ حِينَ هَجَرَ نِسَاءَهُ ، فَاسْتَأْذَنْت عَلَيْهِ فَقَالَ الْآذِنُ : قَدْ سَمِعَ كَلَامَك ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ ؛ فَذَكَرَ أَشْيَاءَ وَفِيهِ قَالَ : فَقُلْت : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) .
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاسْتِئْنَاسَ لِلْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ .
وَالِاسْتِئْنَاسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَدِيثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْحَدِيثِ إلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الِاسْتِئْذَانُ لِلدُّخُولِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الِاسْتِئْذَانُ اسْتِئْنَاسًا لِأَنَّهُمْ إذَا اسْتَأْذَنُوا أَوْ سَلَّمُوا أَنِسَ أَهْلُ الْبُيُوتِ بِذَلِكَ ، وَلَوْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ لَاسْتَوْحَشُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ .
وَأَمَرَ مَعَ الِاسْتِئْذَانِ بِالسَّلَامِ ؛ إذْ هُوَ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا ، وَلِأَنَّ السَّلَامَ أَمَانٌمِنْهُ لَهُمْ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ وَنَافٍ لِلْحِقْدِ وَالضَّغِينَةِ.
(أحكام القرآن للجصاص, ج 8, ص ص 49, 50).







رد مع اقتباس


المفضلات