بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شبهات حول الرق وملك اليمين
الإسلام يقف بنصوصه من الرق موقفا حازماً حاسماً ، جاء في حديث قدسي : قال الله تعالى : ( ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ ، ذكر منهم : رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) [1], ومن الطريف أنك لا تجد في نصوص القرآن والسنة نصاً يأمر بالاسترقاق , بينما تحفل آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالعشرات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير.
الأصل في الإنسان الحرية,وهي حق الله تعالى,فلا يجوز إبطال هذا الحق إلا بحكم الشرع, ولايجوز تبعا لذلك استرقاق حر ولو رضي ويبقى لمن استرق حق تطليق زوجته,وليس لسيده هذا الحق,لأن هذا الحق من خواص الآدمية, فيبقى على أصل الحرية, ويعتبر اللقيط مجهول النسب حرا,لأن الحرية هي الأصل في الآدمي والرق عارض, فيبقى للقيط حكم الأصل,اي الحرية, ويحرم استرقاق الحر ,سواء بشرائه أو سرقته أو خطفه أو إكراهه أو بالاحتيال, ولايصح شيء من ذلك, ويبقى حرا.
ومن اشترى أو خطف حرة و وَطِئَها فهو زان ويقام عليه الحد, وولدهما ليس ولدا شرعيا.
ولا تثبت دعوى الرق على مجهول النسب إلا ببينة كاملة على الرق , ولا تكفي اليد لإثبات العبودية, ولو ادعى على بالغ أنه رقيق وأنكر البالغ قائلا:أنا حر, فالقول قول البالغالمدعى عليه, وعلى المدعي البينة الكاملة , ويكفي في الشهادة رجل وامرأتان. ولو ادعى على بالغ أنه عبده وأنكر المدعي عليه وأقام كل منهما البينة, تعارضت البينتان و تساقطتا, ويخلى سبيل المدعى عليه, لأن الأصل الحرية.
والبالغ والصبي الذي يعبر عن نفسه, إذا كانا مجهولي النسب, إذا أقرا أنهما رقيق فهما كذلك للإقرار المعتبر,أما الحر الثابت النسب والحرية , إذا أقر أنه رقيق فلا يصح إقراره.
يحرم على المسلم بيع عبده المسلم لكافر.
ماسبق بعض الأحكام الفهية , واعود واذكر بعض الحالات التي تثبت أن الإسلام ليس دين استرقاق, والتي يتبجح بها بعض الضالين من النصارى بالذات ويقولون عن الإسلام ونبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم الأقاويل والتي سوف اذكر منها والرد ما استطعت إن شاء الله:
· ففي غزوة بدر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من أسرى المشركين وأطلق سراحهم ، وأطلق الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأسرى في غزواته مجاناً ، منَّ عليهم من غير فداء ، وفي فتح مكة قيل لأهل مكة : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
·وفي غزوة بني المصطلق, في السنة السادسة للهجرة, تزوج الرسول أسيرة من الحي المغلوب ليرفع من مكانتها , حيث كانت ابنة أحد زعمائه , وهي أم المؤمنين جويرة بنت الحارث رضي الله عنها ، فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع هؤلاء الأسرى .
هنا لنا وقفه , لأن هذا الموضوع مما يقول فيه المغرضون قولا,فلنعرف اولا من هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بأختصار شديد, هي برة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك من بتي المصطلق ، كان أبوها سيد وزعيم بني المصطلق .عاشت برة في بيت والدها معززة مكرمة في ترف وعز وفي بيت تسوده العراقة والأصالة ، وفي حداثة سنها تزوجت برة من مسافع بن صفوان أحد فتيان خزاعة وكانت لم تتجاوز العشرين من عمرها, و كانت السيدة جويرية بنت الحارث من النساء اللاتي وقعن في السبي فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله عنه، عندها اتفقت معه على مبلغ من المال تدفعه له مقابل عتقها؛لأنها كانت تتوق للحرية. وشاء الله أن تذهب السيدة جويرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأتها السيدة عائشة أم المؤمنين فقالت تصفها : كانت حلوة ملاحة. وقالت : فو الله ما رأيتها على باب حجرتي إلا كرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. جاءت جويرية رسول الله وقالت : " أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على نفسه تسع أوراق فأعني على فكاكي".
ولأن بني المصطلق كانوا من أعز العرب دارا وأكرمهم حسبا، ولحكمة النبي صلى الله عليه وسلم, قال لجويرية : " فهل لك في خير من ذلك؟".قالت : " وما هو يا رسول الله ؟" . قال: " أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" .وكانت قبل قليل تتحرق طلبا لاستنشاق عبير الحرية، ولكنها وجدت الأعظم من ذلك. ففرحت جويرية فرحا شديدا وتألق وجهها لما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما سوف تلاقيه من أمان من بعد الضياع والهوان فأجابته بدون تردد أو تلعثم : " نعم يا رسول الله". فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وأصدقها 400 درهم.
قال أبو عمر القرطبي في الاستيعاب: كان اسمها برة فغير رسول الله عليه السلام اسمها وسماها جويرية. فأصبحت جويرية بعدها أما للمؤمنين وزوجة لسيد الأولين والآخرين عليه أفضل السلام. وخرج الخبر إلى مسامع المسلمين فأرسلوا ما في أيديهم من السبي وقالوا متعاظمين: هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكانت بركة جويرية من أعظم البركات على قومها. قالت عنها السيدة عائشة – رضي الله عنها -: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة منها.[2]فهنا يقول القائل منهم : أنه عليه السلام تزوجها لجمالها والواقع أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يفتن بالنساء بل ان وصف عائشة في الحديث السابق إن هو الا من باب غيرة النساء ,ولعلنا نجد الحكمة وبعد نظر الرسول صلى الله عليه وسلم من الزواج من جويرية الا وهو عتق جميع أهلها منا من الصحابة وإكراما لأصهار النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا بشهادة عائشة ايضا, وأما عندما يقولون أنها كانت مشركة فالقول هذا غير صحيح بل كانت من أهل الكتاب( اليهود) وهذا جائز الزواج منهم.بل يروى أنه لما جاء أبوها الحارث بن أبى ضرار -سيد يهود "بنى المصطلق" وزعيمهم- إلى النبي يقول: إن ابنتى لا يُسبَى مثلها، فأنا أَكْرَم من ذلك. قال له النبي : "أرأيت إن خيَّرْناها؟" فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك، فلا تفضحينا. فقالت: فإنى قد اخترتُ اللَّه ورسوله. قال: "قد واللَّه فضحتِنا" .ثم أقبل أبوها في اليوم التالى ومعه فداؤها فلما كان بالعقيق (وادٍ قرب المدينة) نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها طمعًا فيهما، فغيبهما في شِعْب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي يقول: يا محمد، أصبتم ابنتى وهذا فداؤها.فقال رسول اللَّه : "فأين البعيران اللذان غَـيَّـبْتَ (خَبَّأْتَ) بالعقيق في شِعْبِ كذا وكذا؟".
قال الحارث: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فواللَّه ما أطلعكَ على ذلك إلا اللَّه. فأسلم، وأسلم ابنان له، وكثير من قومه، وأرسل بمن جاء بالبعيرين، ودفع بالإبل جميعًا إلى النبي . فكانت -رضى الله عنها- سببًا في إسلام أهلهاوهدايتهم
.[3]

[1] رواه البخاري

[2] سيرة ابن هشام

[3] السيرة الحلبة ص 742