

-
مشاركة: الله - أصل العقيدة - تأليف : عباس محمود العقاد
أما بقاء هذه الموجودات فهو بقاء فى الزمان ،و الزمان مخلوق من حركة الأفلإك ، فهو مقياس لبقاء المخلوقات وليس بمقياس لبقاء الخالق .وإنما شاء الله بجوده و رحمته أن يعطى الموجودات نصيبها من البقاء فأعطاها ا لزمان ، وهو محاكاة للأبد السرمدي الذي لا ابتداء له ولا انتهاء كما أن الموجودات المحسوسة محاكاة للموجودات المثالية التى يعقلها الله وتخرجها أنصاف الأرباب إلى حيز الوجود ، فتنقص لأن أنصاف الأرباب لا تعقلها كما يعقلها الله ، ولأن التلبس بالمادة يحيطها بالحدود وينضج عليها من عوامل الفساد .
والعقل البشرى يعلو فيدرك الحقائق المجردة ، ويهبط فيدرك المحسوسات بالتجربة والمشاهدة ، ومن أمثلة الحقائق التي تدرك بغير تجربة حسية حقائق الرياضة العليا . فإن الله مهندس ، وأحكامه هى الهندسة القائمة على نسب الحقائق المجردة ، ومعرفتها معرفة عقلية يدركها الإنسان بصفاء القريحة ، وربما كانت هذه النسب أو الأعداد مرادفة للمثل العليا أو للصحائح فى فلسفة أفلاطون ، ولا سيما ما ذكره عنها فى أيامه الأخيرة ، ورجع به إلى فيثاغورث .
وقد رجع أفلاطون إلى فيثاغورث فى القول بتناسخ الأرواح وتجدد الآجال على حسب الحسنات والسيئات .. فالنفس البشرية إذا استلهمت القدرة من العقل الإلهى تغلبت على عجز المادة والجسد وصعدت إلى معدنها الأول ، فخلصت إلى عالم البقاء الذى لا يشوبه فساد .. ولكنها رزحت بثقل المادة واستسلمت لعجزها ونسيت قدرتها على مكافحتها هبطت من جسد إلى جسد أحقر منه وأدنى فكانت فى جسم حيوان بعد أن كانت فى جسم إنسان ، وانحدرت من حيوان كريم إلى حشرة لئيمة ، حتى تفيق من غشيتها وتستأنف فى عالم العقل المجرد سيرتها الأولى .
فالهيولى مقاومة العقل المجرد وليست موجدة بمشيئته من العدم . ولعل أفلاطون لم يحاول أن يردها إلى العدم ، أو يقول بوجودها من العدم ، لأنها كانت حقيقة واقعة فى رأي سابقيه من فلاسفة اليونان ولأنها ساعدته على تعليل النقص والشر والألم .. فوقف بها بين الكمال المطلق الذى ينبغى للإله الأعظم ، وبين عوارض القصور التى تقترن بغيره من الموجودات .
وقام بعد أفلاطون تلميذه العظيم أرسطو فتوسه فيما بعد الطبيعة توسعا لم يسبق إليه بين الفلاسفة الأوائل , ووضع للجدل معياره الذى سمى بعد ذلك بعلم المنطق ، وفصل بين الحدود فبالغ أحيانا فى الفصل بينها ، ولكنه أقام القواعد الأولى على أساس صحيح .
والله عند أرسطو هو العلة الأولى وهو المحرك الأول .
فلابد لهذه المتحركات من محرك ، ولابد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه ، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته ، أو محرك لا يتحرك . لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية .. وهذا المحرك الذي لا يتحرك لا بد أن يكون سرمدا لا أول له ولا آخر ، وأن يكون كاملا منزها عن النقص والتركيب والتعدد ، وأن يكون مستغنيا بوجوده عن كل موجود . وهذا المحرك الأول سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان . كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في التركيب الزمني . لأن الزمان حركة العالم ، فهو لا يسبقه . أو كما قال (لا يخلق العالم في زمان) .
وعلي هذا يقول أرسطو بقدم العالم علي سبيل الترجيح يقارب اليقين . إلا أن يقرر في كتاب (الجدل) أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان .
وإجمال براهينه في في هذه القضية أن إحداث العالم يستلزم تغييرا في إرادة الله والله منزه الغير . فهو إذا أحدث العالم فإنما يحدثه ليبقي جل جلاله كما كان ، أو يحدثه لما هو أفضل ، أو يحدثه لما هو مفضول ، وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حق الله . فإذا حدث العالم وبقي الله كما كان فذاك عبث والله منزه عن العبث ، وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان فلا محل للزيادة علي كماله ، وإذا أحدثه ليصبح مفضولا فذلك نقص يتنزه عنه الكمال .
وإذا كانت إرادة الله قديمة لا تتغير – فوجود العالم ينبغي أن يكون قديما كإرادة الله لأن إرادة الله هي علة وجود العالم . وليست هذه العلة فتقرة إلي سبب خارج منها ، فلا موجب إذن لتأخر المعلول عن علته ، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب لها غيره .
فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئا ثم يتأخر إنجازه ، لنقص الوسيلة أو لعارض طارئ أو لعدول عن الإرادة . وكل ذلك ممتنع في حق الله .
وقد أفرط أرسطو في هذا القياس حتي قال أن الله جل وعلا لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها .
وإنما يعقل الله أفضل المعقولات ، وليس أفضل من ذاته فهو يعقل ذاته ، وهو العاقل والمعقول ، وذلك أفضل ما يكون .
والعقل بالنسبة إلي الله يخالف العقل بالنسبة إلي غيره من الموجودات الفانية ، فإن الإنسان يعقل الجزيئات بعد وقوعها ثم يعقل الكليات بعد استقصاء الجزيئات ، ويلزمه ذلك لأنه يعلم بعد جهل ويتوقف علمه علي المعلوم ، وليس علم الله متوقفا علي ما عداه .
وكل صفة من صفات الله فهي تتعلق به ولا تتعلق بغيره ، وهي قائمة به ولا تقوم علي غيره ، ومن هذه الصفات الإرادة والعلم كما تقدم ، ومنها الكرم والرحمة والخير والعدل والحكمة وسائر صفات الكمال .
فالله لا يريد العالم لأنه يحتاج إليه .. ولكن العالم يريد الله لأنه متوقف عليه .. ويسأل السائل : إذن كيف يكون هذا التوقف إن لم يعمل من أعمال المشيئة الإلهية في الجملة والتفصيل؟ .. وجواب أرسطوعلي هذا السؤال أن يكون بسعي الناقص إلي طلب الكمال ، أو بسعي الموجودات إلي التشبه بعلتها الأولي .فالله أعطاها العقل ، والعقل يبعث فيها الشوق إلي مصدرها الأول . فتتحرك وتعلو بالحركة ، أو تكسب في كل حركة صورة أرفع من صورتها وحظا من الكمال أرفع من حظها ، تقريبا إلي الصورة التي لا تشوبها شائبة من عجز المادة أو الهيولي .. وهي الصورة السرمدية الكاملة : صور الله .
ولا يفهم معني هذا الارتفاع إلا إذا فهم معني الصورة في مذهب أرسطو .. فالصورة في مذهبه هي حقيقة الشيء وماهيته التي يقوم بها وجوده ، وليست هي مشكلة البادي للعين أو تماثله الملموس باليدين . فصورة العصفور هي حقيقته التي يكون بعا عصفورا ، ولا يكون غير ذلك من الطيور أو الأحياء علي العموم .. وصورة الدرهم هي جوهره الذي يميزه من سائر قطع الفضة وسائر قطع النقد ويجعله درهما وتزول عنه (الدرهمية) إذ زال . ولا يخلو موجود في العالم من الصورة .. فكل موجود فهو صورة ومادة أو (هيولى) .
وتترقى الموجودات في شرف الوجود كلما عظم نصيبها من الصورة وقل نصيبها من الهيولى .. فالموجودات الخسيسة يوشك أن تكون هيولى محضا خالية من كل صورة . فلا فرق بين جزء وجزء ولا بين فرد وآخر من الجنس نفسه .
وكلما ارتقت في سلم الوجود زاد نصيبها من الصورة المميزة وقل نصيبها من الهيولى المتشابهة . وربما أصبحت صورة جسم مادة لجسم آخر . كالورق الذي هو صورة مميزة لبعض الموجودات وهو في الوقت نفسه مادة للكتاب .
وأعلم الموجودات على هذا القياس هو الله ، لأنه صورة محض لا تشوبه المادة ، ومعنى مجرد لا يقوم في جسد .. وأخس الموجودات جميعا هو الهيولى ، وهي لم توجد فقط منعزلة عن صورة من الصور ، وإذا وجدت منعزلة عن الصورة فهي وجود بالقوة أي وجود لم يتحقق بالفعل ولا يزال في انتظار التحقيق .. والحركة هي التي تحققه .. والحركة هي التي ترتقي به من صورة إلى صورة .
ولما كان الله هو المحرك الأول كما تقدم فهو موجد العالم علي هذا الاعتبار ، وهو قبلته التي يرتقي إليها .. شوقا إلي مصدره منها .
وهذه هي الصلة كلها بين الله والعالم : فلا ينسب إلي الله في مذهب أرسطو أنه يهتم بالعالم أو يفكر فيه ، لأنه تفكير فيما دونه أو تفكير بكماله . ولا يعقل الله جل وعلا إلا أشرف معقول ، وهو ذاته دونه سواها .
وهذا هو الخطأ الذي جاء من الغلو في مذهب أرسطو : تناوله الحكماء الدينيون فلم ينكروا المقدمات ولكنهم أنكروا النتيجة التي تأدي إليها أرسطو من مقدماته . فقالوا: إن الله لا يعقل إلا أشرف معقول . نعم لا جدال في ذلك .. ولكن أشرف معقول هو المعقول الذي يتحقق به كمال صفاته من القدرة والعلم والرحمة والوجود . وإنما وجوده بإيجاد المخلوقات ، ويتحقق علمه بنفي الجهل بها ، وتتحقق رحمته برعايتها وتهذيبها . أما كيف ذلك فالبحث فيه هو علة الخطأ في جميع تلك الفروض والأقيسة . لأنه سبحانه وتعالي جل عن الشبيه فليس كمثله شيء وليست أعمالنا كأعماله علي فرض من الفروض .
ويقول أرسطو بوجود الروح ولكنه لا يقول ببقاء الروح الفردية بعد الموت ، فالروح من عالم العقل واحد في جميع الأفراد ، وهو إذا اختلفوا بالأذواق الجسدية لم يختلفوا بالمدرجات العقلية ، فلا اختلاف بين انسانين في ادراك الحقائق المجردة كالرياضة والمنطق وما جري مجراها . ومؤدى هذا عند أرسطو أن العقل المجرد لا فردية فيه ، وإن الروح تعود إلي العقل العام بعد فراقها للجسد . فلا فردية لها بعد الموت ، ولكنها لا تفني ولا تقبل الفناء .
ذلك أوجز تلخيص مستطاع لمذاهب المدرسة الأثينية في الحكمة الإلهية . وقد توخينا فيه ما يكفي لتقدير خطوتها في هذه المرحلة الإنسانية الخالدة ، فليس يدخل في موضوع هذا الكتاب تلخيص آرائها في غير فكرة الإيمان بالله .
ولعلنا نقدر هذه الخطوة حق قدرها إذا قلنا أن المدرسة الأثينية عرضت علي الفهم ما أخذته من إيمان الأولين . فنقلت البناء من اساس الإيمان إلي أساس البحث والقياس وأن موقفها من المادة كان كموقف التسليم(بالأمر الواقع) كما يقولون في لغة السياسة . لأنها لم تقل بقدم العالم إنكارا لوجود العقل المستقل كما أنكره المادييون في العصور التالية ، ولكنها قالت بقدم العالم رأيا لأنها وجدته ماثلا أمامها حسا ، فلم تستطع أن تقاوم الحس في الماضي كما لم تستطع أن تقاومه في الحال .
__________________
(فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا(. 7 سورة الإسراء ..... (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) 104 سورة الإسراء
أصدق وعد الله وأكذب توازنات القوى وأبشر باقتراب نصر المؤمنين على قوى الشر مجتمعة
الـــــــSHARKـــــاوى
إن المناصب لا تدوم لواحد ..... فإن كنت فى شك فأين الأول؟
فاصنع من الفعل الجميل فضائل ..... فإذا عزلت فأنها لا تعزل
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة دفاع في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 27-06-2008, 09:25 PM
-
بواسطة ali9 في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 03-09-2006, 05:09 PM
-
بواسطة طارق حماد في المنتدى منتديات الدعاة العامة
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 17-07-2006, 03:03 PM
-
بواسطة احمد العربى في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 23-09-2005, 11:09 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات