

-
أقوال المفسرين
في تفسير قوله تعالي: "الله الذي جعل لكم الأرض قرارا" (غافر: 64)
ذكر ابن كثير -يرحمه الله- ما نصه: "... أي جعلها لكم مستقرا, تعيشون عليها وتتصرفون فيها, وتمشون في مناكبها...".
وذكر صاحبا تفسير الجلالين (رحمهما الله رحمة واسعة) ما نصه: "أي مكانا لاستقراركم وحياتكم".
وجاء في الظلال (رحم الله كاتبه رحمة واسعة) ما نصه: "...والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها إجمالا..".
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن (على كاتبه من الله الرضوان) ما نصه: "(الأرض قرارا) مستقرا تعيشون فيها..".
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم (جزى الله المشاركين في كتابته خير الجزاء) ما نصه: "الله وحده الذي جعل لكم الأرض مستقرة صالحة لحياتكم عليها..".
وجاء في صفوة التفاسير جزى الله كاتبها خير الجزاء ما نصه: "أي جعلها مستقرا لكم في حياتكم وبعد مماتكم, قال ابن عباس: جعلها منزلا لكم في حال الحياة وبعد الموت...".
الله الذي جعل لكم الأرض قرارا...
في مفهوم العلوم المكتسبة
جاء ذكر هذه الحقيقة في كتاب الله مرتين: أولاهما في سورة النمل حيث يقول ربنا تبارك وتعالي: "أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون" (النمل61).
وتكرر هذا السؤال: أءله مع الله؟ خمس مرات في خمس آيات متتاليات من سورة النمل استنكارا لشرك المشركين بالله...!!
ويأتي الجواب قاطعا جازما حاسما في كل مرة:
"بل هم قوم يعدلون" (النمل: 60).
"بل أكثرهم لا يعلمون" (النمل: 61).
"قليلا ما تذكرون" (النمل: 62).
"تعالى الله عما يشركون" (النمل: 63).
"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (النمل: 64).
وتسبق هذه الآيات الخمس بالحقيقة القاطعة التي يقررها ربنا -تبارك وتعالى- لذاته العلية علي لسان هدهد سليمان بقوله الحق: "الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم" (النمل:26).
والمرة الثانية التي جاءت فيها الإشارة إلى جعل الأرض قرارا هي الآية التي نحن بصددها من سورة غافر والتي يقول فيها الحق تبارك وتعالي: "الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" (غافر:64).
وواضح من دلالة اللغة, ومن شروح المفسرين أن التعبير جعل الأرض قرارا تعني مستقرا في ذاتها, وقرارا للحياة علي سطحها, وهما قضيتان مختلفتان ولكنهما متصلتان اتصالا وثيقا ببعضهما علي النحو التالي:
أولا: جعل الأرض قرارا
بمعني مستقرة بذاتها
الأرض ثالثة الكواكب السيارة الداخلية جريا حول الشمس, ويسبقها من هذه الكواكب الداخلية قربا من الشمس كل من عطارد والزهرة علي التوالي, ويليها إلى الخارج أي بعدا عن الشمس بالترتيب: المريخ, المشتري, زحل، يورانوس، نبتيون, وبلوتو, وهناك مدار لمجموعة من الكويكبات بين كل من المريخ والمشتري يعتقد بأنها بقايا لكوكب عاشر انفجر منذ زمن بعيد, كما أن الحسابات الفلكية التي قام بها عدد من الفلكيين الروس تشير إلى احتمال وجود كوكب حادي عشر لم يتم رصده بعد أطلقوا عليه اسم بروسوبينا أو بريينا.
وبهذا يصبح عدد كواكب المجموعة الشمسية أحد عشر كوكبا, وهنا يبرز التساؤل عن إمكانية وجود علاقة ما بين هذه الحقيقة الفلكية -التي لم تكتمل معرفتها إلا في أواخر القرن العشرين- وبين رؤيا سيدنا يوسف (على نبينا وعليه من الله السلام) التي يصفها الحق (تبارك وتعالي) في محكم كتابه بقوله: "إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين" (يوسف:4).
وإن كان ظاهر الأمر في السورة الكريمة أن المقصود هو ما تحقق بالفعل بعد تلك الرؤيا بسنين عديدة من سجود إخوة يوسف الأحد عشر وأبويه له عند قدومهم إلى مصر من بادية الشام, وعلى الرغم من ذلك فإن هذه العلاقة لا يمكن استبعادها, وهذا السبق القرآني بالإشارة إليها لا يمكن تجاهله....!!
والأرض عبارة عن كوكب صخري, شبه كروي له الأبعاد التالية:
متوسط قطر الأرض=12.742 كيلو متر.
متوسط محيط الأرض=40.042 كيلو متر.
مساحة سطح الأرض=510.000.000 كيلو متر مربع منها:
149 مليون كم2 يابسة.
361 مليون كم2 ماء.
حجم الأرض=108.000.000 كيلومتر مكعب.
متوسط كثافة الأرض=5.52 جرام/للسنتيمتر المكعب.
كتلة الأرض=5520 مليون مليون مليون طن.
متوسط كثافة الصخور في قشرة الأرض=2.5 جرام/للسنتيمتر المكعب.
متوسط كثافة الصخور الجرانيتية المكونة لكتل القارات= 2.7 جرام/للسنتيمتر المكعب.
متوسط كثافة الصخور البازلتية المكونة لقيعان المحيطات=2.9 جرام/للسنتيمتر المكعب.
أمن جعل الأرض قرارا
وبمقارنة متوسط كثافة الصخور المكونة لقشرة الأرض والتي تتراوح بين2.9.2.5 جرام للسنتيمتر المكعب مع متوسط كثافة الأرض ككل والمقدرة بحوالي 5.52 جرام للسنتيمتر المكعب ثبت أن كثافة المادة المكونة للأرض تزداد باستمرار من سطحها في اتجاه مركزها حيث تتراوح الكثافة من10 إلى 13.5 جرام للسنتيمتر المكعب ويفسر ارتفاع متوسط الكثافة بالقرب من مركز الأرض بوجود نسبة عالية من الحديد, وغيره من العناصر الثقيلة في قلب الأرض, وتناقص نسبة هذه العناصر الثقيلة بالتدريج في اتجاه قشرة الأرض.
وتقدر نسبة الحديد في الأرض بحوالي %35.9 من مجموع كتلة الأرض المقدرة بحوالي 5520 مليون مليون مليون طن, وعلي ذلك فإن كمية الحديد في الأرض تقدر بحوالي الألف وخمسمائة مليون مليون مليون طن, ويتركز هذا الحديد في قلب الأرض علي هيئة كرة ضخمة من الحديد (90%) والنيكل (9%) وبعض العناصر الخفيفة من مثل السيليكون, والكربون والفوسفور والكبريت والتي لا تشكل في مجموعها أكثر من 1% مما يعرف باسم لب الأرض, والذي تشكل كتلته 31% من كتلة الأرض, ويمثل طول قطره حوالي 55% من طول قطر الأرض, أما باقي الحديد في الأرض (5.9% من كتلة الأرض) فيتوزع علي باقي كتلة الأرض (وشاح الأرض وغلافها الصخري) بسمك يقدر بحوالي ثلاثة آلاف كيلو متر (2895 كيلو مترا) في تناقص مستمر يصل بنسبة الحديد في الغلاف الصخري للأرض إلي5.6%.
وتركيز هذه الكتلة الهائلة من الحديد وغيره من العناصر الثقيلة في قلب الأرض من وسائل جعله جرما مستقرا في ذاته.
وهنا تأتي الإشارة القرآنية إلى تلك الحقيقة سبقا يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق, ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة لأن أحدا في زمانه ولا لقرون متطاولة من بعده لم يكن له علم بهذه الحقيقة التي لم يكتشفها الإنسان إلا في القرن العشرين, وفي ذلك يقول الحق (تبارك وتعالي):
"إذا زلزلت الأرض زلزالها*وأخرجت الأرض أثقالها" (الزلزلة:2,1).
ولو أن الزلزال المقصود هنا هو زلزال الآخرة عند نفخة البعث, إلا أن الحقيقة المصاحبة للهزة الأرضية تبقي واحدة, ولو أن المفسرين السابقين قد رأوا في أثقال الأرض إشارة ضمنية إلى أجساد الموتى (بما تحمل من أوزار) والتي تلفظها الأرض من داخل بطنها بسبب هذا الزلزال الأخير, تلفظهم أحياء للحساب والجزاء, وإن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد وصف لبعث الأموات صورة مغايرة لذلك.
والأثقال جمع ثقل (بكسر فسكون) وهو الحمل الثقيل, أو جمع ثقل (بالتحريك) وهو كل نفيس مصون.
وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه يروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة, فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت, ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي, ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي, ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا.
وهذا الحديث الشريف يؤكد أن المقصود بأثقال الأرض في سورة الزلزلة هو الأحمال الثقيلة كما أثبتت الدراسات العلمية الحديثة, وليست أجساد الموتى فقط كما تخيل العديد من المفسرين السابقين, وهذا سبق علمي قرآني ونبوي معجز لأن أحدا من البشر لم يكن له علم بأن أثقال الأرض في جوفها حتى القرن العشرين.
ويقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليونا من الكيلومترات, وهذه المسافة قد حددتها بتقدير من الله الخالق (سبحانه وتعالي) كتلة الأرض تطبيقا لقوانين الجاذبية, والتي تنادي بأن قوة الجذب بين جسمين تتناسب تناسبا طرديا مع كتلة كل منهما, وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة بينهما حسب المعادلة التالية:
قوة الجاذبية بين كتلتين م1, م2= ثابت الجاذبية* م1*م2/مربع المسافة بينهما
وهذا يعني أنه كلما زادت كتلة أي من الجسمين زادت قوة الجذب بينهما, وكلما زادت المسافة بينهما قلت قوة الجاذبية.
والاتزان بين قوة جذب الشمس للأرض, والقوة النابذة المركزية التي دفعت بالأرض الأولية من الشمس هو الذي حدد (بمشيئة الله الخالق) بعد الأرض عن الشمس.
والارتباط الوثيق بين كل من كتلتي الأرض والشمس بطريقة منتظمة بمعني أنه كلما تغيرت كتلة أحدهما تغيرت كتلة الآخر بنفس المعدل, هو من الأمور التي تعمل علي تثبيت بعد الأرض عن الشمس, وجعلها مستقرة في دورانها حول محورها, وفي جريها حول الشمس في مدار محدد مما يؤدي إلى تثبيت كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض وهي من عوامل تهيئتها لاستقبال الحياة واستقرارها, وذلك لأن كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب من كواكبها تتناسب تناسبا عكسيا مع بعد الكوكب عن الشمس, وكذلك تتناسب سرعة جري الكوكب في مداره حول الشمس.
والأرض كوكب فريد في صفاته الفيزيائية والكيميائية والفلكية مما أهله بجدارة إلى أن يكون مهدا للحياة الأرضية بكل مواصفاتها النباتية, والحيوانية, والإنسية.
فقد أثبتت دراسات الفيزياء الأرضية أن الأرض مبنية من عدد من النطق المتمركزة حول كرة مصمتة من الحديد والنيكل تعرف باسم لب الأرض الصلب أو اللب الداخلي للأرض, وتقسم هذه النطق الأرضية علي أساس من تركيبها الكيميائي أو علي أساس من صفاتها الميكانيكية علي النحو التالي:
(1) قشرة الأرض: وتتكون من صخور نارية ومتحولة صلبة تتغطي بسمك قليل من الصخور الرسوبية أو الرسوبيات (التربة) في كثير من الأحيان, وتغلب الصخور الحامضية وفوق الحامضية علي كتل القارات وذلك من مثل الجرانيت والصخور الجرانيتية (بمتوسط كثافة 2.7 جرام/للسنتيمتر المكعب) ويغلب علي قيعان البحار والمحيطات الصخور القاعدية وفوق القاعدية من مثل البازلت والجابرو (بمتوسط كثافة 2.9 جرام/ للسنتيمتر المكعب).
ويتراوح متوسط سمك القشرة الأرضية في كتل القارات من35 إلي40 كيلو مترا, وإن تجاوز ذلك تحت المرتفعات الأرضية من مثل الجبال.
ويتراوح متوسط سمك القشرة الأرضية المكونة لقيعان البحار والمحيطات من5 إلي8 من الكيلومترات.
(2) الجزء السفلي من الغلاف الصخري للأرض: ويتكون من صخور صلبة تغلب عليها الصخور الحامضية وفوق الحامضية في كتل القارات بسمك يصل إلي85 كيلو مترا, بينما تغلب عليها الصخور القاعدية وفوق القاعدية تحت البحار والمحيطات بسمك في حدود60 كيلو مترا.
ويفصل هذا النطاق عن قشرة الأرض سطح انقطاع للموجات الاهتزازية يعرف باسم الموهو (TheMohoDiscontinuity).
(3) الجزء العلوي من وشاح الأرض (نطاق الضعف الأرضي):
وتوجد فيه الصخور في حالة لدنة, شبه منصهرة (أو منصهرة انصهارا جزئيا في حدود 1%) , ويتراوح سمك هذا النطاق بين280 كيلو مترا و335 كيلو مترا, وهو مصدر للعديد من نشاطات الأرض من مثل الزلازل, والبراكين, وتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض, وتكون الجبال والسلاسل الجبلية.
(4) الجزء الأوسط من وشاح الأرض: ويتكون من مواد صلبة, كثيفة, ويقدر سمكه بحوالي270 كيلو مترا, ويحده من أسفل ومن أعلي مستويات من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل يقع أحدهما علي عمق400 كيلومتر من سطح الأرض, ويقع الآخر علي عمق670 كيلو مترا من سطح الأرض.
(5) الجزء السفلي من وشاح الأرض: ويتكون من مواد صلبة تعلو لب الأرض السائل, ويحده من أعلي أحد مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل علي عمق670 كيلو مترا من سطح الأرض, ويحده من أسفل نطاق انتقالي شبه منصهر يفصله عن لب الأرض السائل علي عمق2885 كيلو مترا من سطح الأرض, ولذا يقدر سمك هذا النطاق بحوالي2215 كيلو مترا.
(6) لب الأرض السائل (الجزء الخارجي من لب الأرض):
وهو نطاق سائل يحيط بلب الأرض الصلب, وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبا, ويقدر سمكه بحوالي2275 كيلو مترا (من عمق2885 كيلو مترا إلى عمق5160 كيلو مترا تحت سطح الأرض) , وتفصله عن النطاقين الأعلى والأسفل منطقتان انتقاليتان شبه منصهرتين, أضخمهما المنطقة السفلي والتي يقدر سمكها بحوالي450 كيلو مترا.
(7) لب الأرض الصلب (اللب الداخلي للأرض): وهو عبارة عن كرة ضخمة من الحديد (90%) والنيكل (9%) مع القليل من العناصر الخفيفة من مثل السيليكون, الكربون, الكبريت, الفوسفور والتي لا تكاد نسبتها أن تتعدي1%.
وهذا هو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريبا, والتي تصل الأرض بملايين الأطنان سنويا, ويعتقد بأنها ناتجة عن انفجار بعض الأجرام السماوية.
وهذه البنية الداخلية للأرض تدعمها دراسة النيازك التي تهبط علي الأرض, كما تؤيدها قياسات الجاذبية الأرضية والاهتزازات الناتجة عن الزلازل.
ولولا هذه البنية الداخلية للأرض, ما تكون لها مجالها المغناطيسي, ولا قوتها الجاذبية, ولولا جاذبية الأرض لهرب منها غلافها الغازي والمائي, ولاستحالت الحياة, ولولا المجال المغناطيسي للأرض لدمرتها الأشعة الكونية المتسارعة من الشمس ومن بقية نجوم السماء.
والأرض تجري حول الشمس في فلك بيضاوي قليل الاستطالة, بسرعة تقدر بحوالي30 كيلو مترا في الثانية, لتتم دورتها في سنة شمسية مقدارها365.25 يوم تقريبا وتدور حول محورها بسرعة تقدر اليوم بحوالي30 كيلو مترا في الدقيقة عند خط الاستواء فتتم دورتها هذه في يوم مقداره 24 ساعة تقريبا, يتقاسمه ليل ونهار, بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول السنوية, والتي تنتج بسبب ميل محور دوران الأرض علي دائرة البروج بزاوية مقدارها 66.5 درجة تقريبا.
كذلك فإن حركات الأرض العديدة ومنها حركتها المحورية, والمدارية, وترنحها في دورانها حول محورها, وتذبذبها (نودانها أو ميسانها) , وقربها وبعدها من الشمس في حركتها المدارية, والتغير التدريجي في توازن حركاتها مع حركات القمر حولها, ومع باقي كواكب المجموعة الشمسية ومع الشمس حول مركز المجرة, وباتجاه كوكبة الجاتي, ومع المجرة, حول مركز التجمع المجري, وكلها حركات تحتاج إلى ضبط وإحكام حتى تصبح الأرض مستقرة بذاتها, وقرارا للحياة علي سطحها.
وتكفي في ذلك الإشارة إلى دور الجبال في تثبيت الأرض والتقليل من ترنحها في دورتها حول محورها تماما كما تقوم قطع الرصاص التي توضع حول إطارات السيارات في التقليل من معدلات ترنحها أثناء جري السيارة.
ثانيا: جعل الأرض قرارا بمعني قرارا لسكانها
ومن معاني جعل الأرض قرارا لسكانها هو جعل الظروف العامة للأرض مناسبة للحياة علي سطحها, ومن أولها مقدار جاذبية الأرض الذي يمسك بكل من غلافها المائي والغازي وبالأحياء علي سطحها, والماء هو سر الحياة علي الأرض, ولذا جعل ربنا (تبارك وتعالي) كوكب الأرض أغني الكواكب التي نعرفها في المياه حتى ليسميه العلماء بالكوكب الأزرق أو الكوكب المائي, وتقدر كمية المياه علي سطح الأرض بحوالي1360 مليون كيلو متر مكعب, ويغطي الماء حوالي71% من مساحة الأرض بينما لا تتعدي مساحة اليابسة اليوم29% من مساحة الأرض.
كذلك فإن غاز الأوكسجين يشكل سرا من أسرار الحياة الراقية علي الأرض فجعل الله (تعالي) لها غلافا غازيا تقدر كتلته بحوالي خمسة آلاف مليون مليون طن, ويقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلومترات فوق مستوي سطح البحر حيث يصل ضغطه إلى حوالي الكيلو جرام علي السنتيمتر المربع, ويتناقص مع الارتفاع إلى واحد من مليون من ذلك الضغط في أجزائه العليا.
ويضم الجزء السفلي من هذا الغلاف الغازي (من6 إلى 20 كيلومترا فوق مستوي سطح البحر) حوالي66% من كتلته, ويتكون من غازات النيتروجين (بنسبة78.1% بالحجم) والأوكسجين (بنسبة21% بالحجم) والأرجون (بنسبة0.93% بالحجم) , وثاني أكسيد الكربون (بنسبة0.03% بالحجم) بالإضافة إلى نسب ضئيلة من بخار الماء وغازات أخري. ولولا هذا التركيب للغلاف الغازي ما استقامت الحياة علي الأرض.
كذلك فإن كتلة وأبعاد الأرض, ومسافتها من الشمس قدرت كلها بدقة بالغة, فلو كانت الأرض أصغر قليلا لاندفعت بعيدا عن الشمس ولفقدت الكثير من طاقتها, ولما كان بمقدورها الاحتفاظ بغلافها المائي والغازي, وبالتالي لاستحالت الحياة, ولو كانت أكبر قليلا لاندفعت إلى مسافة أقرب من الشمس ولأحرقتها حرارتها, ولزادت قدرتها علي جذب الأشياء زيادة ملحوظة مما يعوق الحركة, ويحول دون النمو الكامل للأحياء, ويخل بالميزان الحراري علي سطحها.
وكذلك يعتمد طول السنة الأرضية علي بعد الأرض من الشمس, ويعتمد طول يوم الأرض علي سرعة دورانها حول محورها, وكل ذلك مرتبط بأبعاد الأرض, وكذلك يعتمد تبادل الفصول المناخية علي ميل محور دوران الأرض علي دائرة البروج فلو لم يكن مائلا ما تبادلت الفصول, ولاختل نظام الحياة علي الأرض.
ولولا تصدع الغلاف الصخري للأرض, وتحرك ألواحه متباعدة عن بعضها البعض ومصطدمة ببعضها البعض لما تكونت الجبال, ولا ثارت البراكين, ولا حدثت الهزات الأرضية, وكلها من صور ديناميكية الأرض, ووسائل تجديد وتثبيت غلافها الصخري, وإثرائها بالمعادن, وتكوين التربة وتحرك دورة الماء حول الأرض ودورة الصخور, وبناء القارات وهدمها, وتكون المحيطات واتساعها ثم إغلاقها وزوالها, وهذه الحركات الأرضية (وغيرها كثير) لعبت -ولا تزال تلعب- أدوارا أساسية في جعل الأرض كوكبا مهيئا لاستقبال الحياة الأرضية وصالحا للعمران.
هذه بعض آيات الله في جعل الأرض كوكبا مستقرا في ذاته علي الرغم من حركاته العديدة, وجريه في فسحة الكون, وفي تهيئته ليكون مستقرا للحياة التي أراد الله أن تزدهر علي سطحه, علي الرغم من المخاطر العديدة المحيطة به, حتى يؤمن الناس بقدر الرعاية الإلهية التي يحيطنا الله بها في هذا الكون, ويستشعرون حاجتهم إلى هذا الخالق العظيم وإلي رحمته وعنايته في كل وقت وفي كل حين لأننا لو تركنا لأنفسنا طرفة عين أو أقل من ذلك لهلكنا...
وسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق:
"الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" (غافر: 64).
وعاتب الكافرين والمشركين والمتشككين بقوله الحق:
"أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون" (النمل: 61).
المصدر
الموقع الرسمي لفضيلة الدكتور زغلول النجار حفظه الله
http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=41&p=1&cat=116
التعديل الأخير تم بواسطة دفاع ; 26-10-2008 الساعة 06:11 PM
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة أم الخير في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 22-08-2008, 03:00 PM
-
بواسطة عبد الله ابن عبد الرحمن في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 20-06-2008, 07:09 PM
-
بواسطة Confused_man في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 18
آخر مشاركة: 11-10-2006, 05:02 PM
-
بواسطة ali9 في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 07-10-2005, 01:27 AM
-
بواسطة ابنة الزهراء في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 04-05-2005, 11:46 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات