

-
وفى المجتمعات البدوية نجد أن ولاء الفرد إنما يكون دائما لقبيلته، كما أن مفهوم الخير والشر مفهوم قبلي، فالشر الذى يوقعه الإنسان بواحد من غير قبيلته لا يُعَدّ شرا، وعلى أبناء القبيلة أن يهبوا لنصرة أي منهم ظالما كان أو مظلوما. كذلك كان التفاخر بالأنساب القبلية بينهم جامحا أشد الجموح، وكانت المنافرات جزءا من نسيجهم القِيمِيّ والاجتماعي لا يَرَوْن الدنيا إلا من خلاله، فكأن القبيلة هي كل شيء ولا وجود لأي شيء آخر وراء حدودها. ثم لما بزغت شمس الإسلام كانت هذه المفاهيم والقيم الغبية الضيقة من أول ما انهال عليه بمعول هدمه، إذ نادى بأعلى صوته أن ليس لقرشي أي فضل على غير القرشي ولا للعربي على العجمي، واسِمًا الدعوة إلى العصبيات القبلية بأنها منتنة، ومُحِلاََّ أُخُوّة الإسلام العالمية محلّ الأخوة القبلية، ورافضا أن يعتدي المسلم على غير المسلم دون وجه حق لأنهما إن كانا مختلفين في الدين فإن رابطة الإنسانية تجمع بينهما، علاوة على الروابط الاجتماعية التى ينبغي عليه أيضا مراعاتها في التعامل معه بالمودة والحسنى ما دام لم يؤذه أويهدده، وموجبا كذلك عليه أن يكف أخاه عن الظلم إذا همّ به أو شرع فيه، مفهما إياه أن هذا هو المعنى الجديد لنصرة الظالم التى كانت العقلية القبلية تفهمها على نحو مخالف تماما. لقد انتزع الإسلامُ الإنسانَ العربىَّ من تلك الدائرة الضيقة إلى آفاق أرحب وأسمق وأهدى سبيلا. لقد نقله من القبلية إلى الإنسانية والعالمية في خطوة واحدة، سابحا بكل قوة ونبل وجسارة عكس التيار الذى كان سائدا في بلاد العرب آنذاك. فأين الفكر البدوي المتخلف كما تقول ببغاواتنا القصيرة العقل الطويلة اللسان؟ والله إن كانت هذه هى البداوة فإنني أول المتبدّين، إذ لا يُعْقَل أن أهجر كل هذا النبل والسموق الفكري والوجداني والأخلاقي وأجري لأكون في خدمة الغربي الأناني المتحجر القلب الذي لا يرى لغير الرجل الأبيض أي حق في الحياة الحرة الكريمة لأن الدنيا في زعمه الشيطاني المريض إنما خُلِقَتْ له هو وحده. الحق أنه لا يفعل ذلك إلا الببغاوات التى رُكِّبَت عقولها في آذانها لا في رؤوسها، فهى تحصر نفسها في الكلمات، وتؤمن أو تكفر لا بِناءً على ما يؤديها إليه عقلها بل بناءً على ما يحمّله المغرضون للكلمات من معان لا حقيقة لها. إن هذه هي عبودية الفكر والضمير، وهي أسوأ وأمقت من عبودية الجسد وأدل على انحطاط الجِبِلّة، لأن الإنسان قد يكون عبدا بجسده ولكنه سيد بفكره ووجدانه، على العكس من ببغاواتنا المتصايحة دون عقل أو كرامة!
ثم لقد كان العرب ينتفضون إلى الحرب لأتفه سبب مدمرين أنفسهم في صراعات عبثية في أكثر الأحوال، فجعل الإسلام لحياتهم معنى وربطهم بالسماء وبقيم البناء والتقدم والحضارة حتى لقد أصبحوا بناة إمبراطورية في غضون سنوات قلائل، إمبراطورية احتلت مكان الصدارة العالمية لقرون طوال، على حين كانت أوربا أثناءها تعيش عيشة همجية في كل مناحي الحياة تقريبا، أوروبا التى تصدِّع أدمغتنا الآن هي وأذنابها من ببغاواتنا باتهام الإسلام بالبداوة والتخلف! والله إن هذه قلة أدب قبل أن تكون شيئا آخر!
وكانت عادة الأخذ بالثأر فاشية بين العرب فُشُوًّا فظيعا، فوقف الإسلام في وجهها ودانها، وأقام بدلا من هذه الفوضى نظاما تشريعيا يأخذ فيه أولياء القتيل حقهم عن طريق الدولة لا بأيديهم، مُنْشِئًا بذلك دولة المؤسسات. كما كان العرب مشغوفين بالخمر، يتغنى بها شعراؤهم ويَرَوْن فيها إحدى المفاخر العظيمة، فماذا فعل الإسلام هنا؟ لقد جاء بتحريمها تحريما قاطعا لا هوادة فيه، ونجح في هذا السبيل نجاحا لم ينجحه أى دين أو تشريع آخر في القديم أو الحديث. وبالمثل كان العرب يعتقدون في العرافين والكهان والسحرة ويعملون لهم ألف حساب، فوجّه الإسلام إلى هذه المعتقدات المتخلفة أيضا ضربة مُصْمِية! وكان كثير منهم يبغضون خِلْفة البنات، وبعضهم كان يئد بنته الرضيعة تخلصا من شبح الفقر والعار كما ذكر القرآن الكريم، فوبّخهم الإسلام على هذا السلوك الوحشى وندّد بمرتكبيه وتوعدهم بأفظع ألوان العذاب في جهنم يوم تُسْأَل المسكينة: بأى ذنب قُتِلَتْ؟ وكان توفيقه هنا أيضا توفيقا هائلا. كما كان البدو ينظرون إلى المرأة نظرة دونية لأنها لا تشارك في الحروب، ومن ثم لم يكن لها نصيب في الميراث، لكن الإسلام لم يرض هذا الوضع وجعل لها حقا في التركة كما للرجل، وزاد فأوصى بمعاملتها معاملة كريمة تراعي وضعها وظروفها، ومن بين ما قاله الرسول العظيم في هذا الصدد أنه لا يكرمها إلا كريم. حتى قيمة الكرم التى كان العرب يفاخرون بها أشد المفاخرة كان للإسلام فيها نظرة أخرى، إذ ربطها بالنية وابتغاء وجه الله لا ابتغاء السمعة والرياء، وهو أمر لم يكن العربي يتصوره أو يدور له ببال على الإطلاق. فكيف يمكن لعاقل أن يتهم الإسلام بالبداوة؟ إذا لم يكن هذا هو التحضر والرقىّ بعينه وقضّه وقضيضه فما التحضر إذن؟ أجيبونا يا ببغاواتنا الحمقى، أو فليجب بالأحرى من يصفعونكم على أقفائكم كي تهاجموا دينكم وأنتم تظنون أن هذا الهجوم على دين رب العالمين سيجعل منكم ناسا متحضرين!
وعندنا كذلك ميدان العلم الذي لم يكن للعرب فيه باع أيّ باع، إذ كانت معارفهم لا تزيد على كونها شذرات بدائية متفرقة لا تقدم ولا تؤخر، بل كانت الأمية أيضا فاشية فيهم إلى حد رهيب، وكان الورق يكاد يكون معدوما عندهم، وكان النبي نفسه أميا، ورغم هذا نجد القرآن والسنة النبوية يوليان العلم وطلبه والمساعدة عليه والاستزادة منه ورقيّ الدرجات المتتالية فيه اهتماما عظيما ليس له سابقة في تاريخ الأديان والحضارات: فالعالِم أفضل من العابد مثلما يَفْضُل القمرُ الكواكبَ في ليلة الرابع عشر، والرسول ذاته لم يُؤمَر في القرآن بالاستزادة من شيء إلا من العلم. بل إن العلم ليس حقا للمسلم فقط، بل هو واجب وفريضة يأثم إن لم يقم بها. كما أن العلماء ورثة الأنبياء، فضلا عن أن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ، وهو ما ليس له ضريب في أى دين أو فلسفة أو مذهب على مدار التاريخ، وهذا من شأنه أن يفجر الطاقات الفكرية والابتكارية عند الفرد والأمة على السواء. وكانت النتيجة هي هذه الأعداد الرهيبة من العلماء المسلمين في جميع ميادين المعرفة. وإن من له أي اتصال بالتراث الفكري عند أمتنا ليذهل من الأمداء المتناوحة التى كان العقل الإسلامى يصول فيها ويجول بكل جسارة ونشوة. وقد كان من ثمرة ذلك أيضا أن استطاع ذلك العقل أن يبلور ويقنن المنهج الشكّيّ والمنهج العلمي التجريبي اللذين نقلهما الأوربيون أيام نهضتهم فكانا بمثابة المفتاح الذى يمكن الدخول به -وبه وحده- إلى مخبإ كنوز "علي بابا"، إذ لولا هذان المنهجان اللذان وقعت عليهما أوروبا غنيمة باردة جاهزة ما استطاعت أن تبلغ شيئا مما بلغته في مضمار المعرفة والاكتشافات والاختراعات العلمية. أفهذه هي البداوة التى تتحدثون عنها أيها الببغاوات؟ خيّبكم الله فوق خيبتكم وأخزاكم وسوّد وجوهكم أكثر مما هي مسودّة! والله إنها لفضيحة الدهر أن يتطاول هؤلاء الأرجاس المناكيد على سيد الأنبياء والدين العظيم الذى أُوحِيَ إليه، وهم الذين لا يجرؤ أى عُتُلٍّ زنيم منهم أن يمس أى دين آخر حتى ولو كان دين عُبّاد البقر فيفتح فمه المنتن بأى انتقاد له، رغم أن جميع الأديان الأخرى غير الإسلام هي أديان من قوارير هشّة تنكسر لأقل لمسة! ولكن لا غرابة في هذا، فإن الدمى لا يمكنها أن تتصرف من تلقاء عقلها، لأنها ببساطة ليس لديها أى عقل!
ولقد علّم النبى أتباعه كثيرا من قواعد السلوك والذوق الراقي، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو الإنساني بعد أن كانوا لا يعرفون شيئا في هذا الصدد تقريبا، لقد عرّفهم مثلا أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن قضاء الحاجة في ظل الأشجار أو في الماء الراكد تصرف آثم، وأن الرأفة بالحيوان مما يقرّب العبد من ربه ويُجْزَى عليه خير الجزاء، وأنه لا يليق بالمسلم أن يترك أسنانه دون تسويك أو شعره دون تمشيط أو ملابسه دون عناية وتنظيف، وأن عليه الاحتراز من أن يؤذي الآخرين بشيء من هذا. ولقد بلغ الأمر في هذا المجال أن جعل الإسلامُ النظافةَ ركنا أصيلا من أركان الإيمان مما لا نعرف له مثيلا في غيره من الديانات. كما نبّه معتنقيه إلى أهمية احترام خصوصية الآخرين، فلا يدخلون بيوتا غير بيوتهم قبل أن يستأذنوا أصحابها ويؤذَن لهم، وأوجب على الخدم والأطفال أيضا ألا يقتحموا غرف نوم الآباء إلا بعد الاستئذان...إلخ... إلخ إن كان لذلك من آخِر. أترى ببغاواتنا المنخوبة العقل والكرامة والضمير ستقول إن هذه أيضا بداوة وقبلية وتخلف؟ والله رب محمد ما متخلف إلا لَعَقَة فضلات الغرب وزُبالتِه!
وأخيرا نختصر الكلام اختصارا ونقول: أَوَلَوْ كان الإسلام فكرا بدويا قبليا متخلفا كما تردد الببغاوات أكان العرب البدو يتحزبون ضده ويناصبونه حربا دموية لسنوات وسنوات وينفقون في معاداته النفس والنفيس ولا يؤمنون به إلا بعد جولات وجولات من المعارك الطحون بينهم وبين النبى عليه الصلاة والسلام؟ ألم يكن المنطقي أن يسارعوا إلى الإيمان به والدخول فيه ما دام يعبر عنهم ويؤكد ما يعتنقونه ويتمسكون به من عقائد وعادات وتقاليد؟ لقد عرضوا بالعكس من ذلك على النبي أن يبذلوا له ما يريد من مال ومنصب ورئاسة لقاء الرجوع عما جاءهم به والرضا بالأوضاع السائدة، لكنه رفض ذلك أيما رفض وآثر أن يمضي في طريقه مع ما يجره ذلك عليه من أذى وترويع وأخطار وفقدان للأمن واحتمال فقدان الحياة أيضا. ترى لِمَ وقع منه ومنهم هذا كله لو كان الذى أتاهم به ليس شيئا آخر غير الذى كان عندهم؟ فليجب الحمقى من ببغاواتنا، أو بالأحرى فليجب من يكلفونهم بهذه المهام القذرة التى تناسبهم ثم يَبْقَوْن في الظلام يرقبون الموقف ويفركون أيدهم حبورا بالخيبة القوية التى جَرّوا إليها فريقا من أبناء المسلمين!
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة إدريسي في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 10
آخر مشاركة: 02-12-2012, 07:09 AM
-
بواسطة Heaven في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 54
آخر مشاركة: 27-04-2012, 08:17 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات