

-
ومما يدل أيضا على أن أبا الفرج لم يكن متشيعا أنه لا يتردد فى انتقاد بعض أعلام آل البيت واتهامهم فى رواياتهم: فهو مثلا فى كلامه عن علي بن عبد الله بن محمد، أحد قتلى الطالبيين فى اليمن، يردّ روايته بناء على أنه كان يقول بالإمامة، فهو من ثم لا يؤدى الرواية فى رأيه على وجهها الصحيح، بل يدفعه تعصبه فى التشيع إلى تحريف القول، وهو ما جعله لا يأخذ بما يرويه. وهذا نص كلامه: "وعلي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قتل باليمن في أيام أبي السرايا أيضا. كتب إلي علي بن أبي قربة العجلي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الكاتب، قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري بما شاهد من ذلك، قال: وحدث بما غاب عنه عمن حضره فحدثني به، ويحيى بن عبد الرحمن أيضا بنتف من خبره عن غير نصر بن مزاحم، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي بأخباره. فربما ذكرتُ الشيء اليسير منها والمعنى الذي يحتاج إليه لأن علي بن محمد كان يقول بالإمامة فيحمله التعصب لمذهبه على الـحَيْف فيما يرويه، ونسبه من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، وأكثر حكاياته في ذلك بل سائرها عن أبيه موقوفا عليه لا يتجاوزه، وأبوه حينئذٍ مقيم بالبصرة لا يعلم بشيء من أخبار القوم إلا ما يسمعه عن ألسنة العامة على سبيل الأراجيف، فيسطره في كتابه عن غير علم طلبا منه لما شان القوم وقدح فيهم. فاعتمدت على رواية من كان بعيدا عن فعله في هذا، وهي رواية نصر بن مزاحم، إذ كان ثبتا في الحديث والنقل، ويظهر أنه ممن سمع خبر أبي السرايا عنه...".
كذلك لو كان أبو الفرج شيعيا ما فكر مجرد تفكير فى تصوير عدد من كبار آل البيت بما صوَّرهم به فى كتابه: "الأغانى"، إذ يشير ما كتبه عنهم هناك إلى أنهم لم يكونوا يأخذون الحياة مأخذ الجِدّ، بل كانوا ذوى فراغ ولهو وبطالة وانصراف إلى سفاسف الأمور، بل إلى ما يشين منها فى غير قليل من الأحيان. ولم يقتصر هذا على الرجال منهم بل شمل نساءهم أيضا، وعلى رأسهن سُكَيْنة بنت الحسين، التى لم تَرْعَ الرواياتُ التى أوردها عنها الله فيها ولا الشرف، بل أعطانا عنها من الأخبار ما لو صَحَّ لكان خليقا أن يشوه شخصيتها تشويها، وأىّ تشويه!
قال عن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب: "وذكر القحذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وجماعة من قريش، فقال لهم: إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردّني فيها، وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه. قالوا: ذلك لك مبتذَلٌ منا. فاجتمعوا ليومٍ وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى. فلما رآهم أعظمَ مصيرَهم إليه وأكبره. فقالوا: لقد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق. قال: هي مقضية كائنةً ما كانت. قال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت من ملْك أو مال أو أهل؟ قال نعم. قال: تهب لهم ولي لُبْنَى زوجتك وتطلّقها. قال: فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثا. فاستحيا القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذه ما سألناك إياها. وقال ابن عائشة: فعوَّضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه. فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها، فسأل القوم أباها فزوَّجها قيسا، فلم تزل معه حتى ماتا. قالوا: فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي * على الإحسان خيرا من صديقِ
فقد جربت إخواني جـمـيعـا * فما ألفيت كابن أبي عـتـيقِ
سعى في جمع شملي بعد صَدْعٍ * ورأيٍ حِدْتُ فيه عن الطـريقِ
وأطفأ لوعةً كانت بـقـلـبـي * أَغَصَّتْني حرارتهـا بـِرِيقـي
قال: فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا المديح، فما يسمعه أحد إلا ظنني قَوّادًا". وهى كلمة سفيهة تمسّ كذلك، بل قبل ذلك، الحسن والحسين وابن جعفر عليهم رضوان الله لأن ما ينطبق على ابن عتيق ينطبق عليهم أوّلاً. كما أنه لا يليق أن يوصف هؤلاء الكرام بالسذاجة التى تسول لهم الاندفاع فى أمر شائن دون أن يحاولوا معرفة كنه ما هم مقدمون عليه، بل دون أن يصدر عنهم بعد أن وقعت الواقعة ما يدل دلالة حقيقية على أنهم قد ندموا على ما تورطوا فيه من التفريق بين سيدة وزوجها على هذا النحو المخزى والمضحك فى آن.
أما ما قاله فى حق سكينة بنت الحسين وبنت أخى زيد بن على، وهما محورا التشيع الإمامى والزيدى، فهو من البلايا الشنيعة التى لا يمكن أن يقولها شيعى يؤمن بأن هؤلاء القوم هم أصحاب الحق فى إمامة المسلمين، إذ يصورها امرأة عابثة مستهترة لا تبالى ما يصدر عنها من سلوك لا تقدم عليه امرأة تراعى على الأقل سمعتها وتتوقى ما يمكن أن يقوله الناس عنها، إن لم تراع قيم الدين والتقوى. والواقع أن ما ينسبه لسكينة رضى الله عنها من سلوك وأقوال لو صدر عن امرأة مسلمة عاديّة فى عصرنا لأزرى بها وأجرى سمعتها تُلاَك على كل لسان، فما بالنا بامرأة من البيت النبوى الشريف فى ذلك العصر، وهى فوق ذلك بنت الحسين عليه السلام؟ قال مثلا: "أخبرني علي بن صالح، قال: حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن مصعب الزبيري، قال: اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوقن إليه وتمنينه. فقالت سكينة: أنا لكنّ به. فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصُّورين ليلةً سَمَّتْها، فوافاهن على رواحله، فحدثهن حتى طلع الفجر وحان انصرافهن. فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا. ثم انصرف إلى مكة وقال في ذلك: ألمم بزينب إن البين قد أَفَدا... وذكر الأبيات المتقدمة".
وقال أيضا، وهذا أشنع، إذ جعلها على استعداد لأن تنتفى من دين جدها عليه الصلاة والسلام لا لشىء إلا لحرصها على سماع غناء ابن سُرَيْج. ووالله لو كانت روح الإنسان لتزهق إن لم يسمع غناء هذا المغنى أو غيره ما قال مثل تلك المقالة الشنعاء التى أجراها أبو الفرج على لسان حفيدة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فضلا عما اجترح خَدَمُها وخوادمها، بناءً على أمرها لهم حسب روايته السخيفة الملفقة، من منكرات وشناعات وبذاءات لا تطاق ولا يرضى بها ولا عنها أى حر كريم، فى سبيل الاستجابة لمطلبها العجيب فى سماع ابن سُرَيْج. قال: "أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن مصعب الزبيري، قال: حدثني شيخ من المكيين، ووجدت هذا الخبر أيضا في بعض الكتب مرويًّا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي عن مصعب عن شيخ من المكيين، والرواية عنهما متفقة، قال: "كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة، وآلى يمينا ألا يغني، ونَسَكَ ولزم المسجد الحرام حتى عُوفي. ثم خرج وفيه بقية من العلة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وموضع مُصَلاّه. فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النُّسُك والقراءة، فكان أهل الغناء يأتونه مسلمين عليه، فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة. فأقام بالمدينة حَوْلاً حتى لم يحسّ من علته بشيء، وأراد الشخوص إلى مكة. وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين، فاغتمت اغتماما شديدا وضاق به ذَرْعُها. وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره، وقالت لأشعب: ويلك! إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حَوْل، ولم أسمع من غنائه قليلا ولا كثيرا، ويعزّ ذلك علي، فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب: جُعِلْتُ فداك! وأَنَّى لك بذلك، والرجل اليوم زاهد، ولا حيلة فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي تورك تنفعك حلاوة فمك.
فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه، وخنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسُحِب على وجهه حتى أُخْرِج من الدار إخراجا عنيفا. فخرج على أسوأ الحالات، واغتمَّ أشعب غما شديدا، وندم على ممازحتها في وقت لم يَنْبَغِ له ذلك. فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب. ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب، والدم سائلا من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدَّوْس والخنق، ومات الدم فيها. فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال له: ما هذا ويحك؟ فقص عليه القصة، فقال ابن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا نزل بك؟ والحمد لله الذي سلَّم نفسك، لا تعودَنّ إلى هذه أبدا. قال أشعب: فديتك! هي مولاتي، ولا بد لي منها. ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟ قال ابن سريج: كلا. والله لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته. قال أشعب: قد قطعتَ أملي ورفعت رزقي، وتركتني حيران بالمدينة، لا يقبلني أحد وهي ساخطة عليَّ. فاللهَ اللهَ فيَّ، وأنا أَنْشُدك الله إلا تحمّلتَ هذا الإثم فيَّ. فأبى عليه. فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي، وهذا خارج، وإن خرج هلكتُ. فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها، ونبه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم، ثم سكت. فلم يَدْر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم. فقال له ابن سريج: ويلك! ما هذا؟ قال: لئن لم تَصِرْ معي إليها لأصرخنّ صرخة أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنّه ولأُرِيَنّهم ما بي، ولأُعْلِمَنّهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان (يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به)، فمنعتُك وخلّصتُ الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى، ففعلتَ بي هذا غيظا وتأسفا، وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه. وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه. فقال ابن سريج: اغرب، أخزاك الله! قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة، وامرأته طالق ثلاثا، وهو نَحِيرٌ في مقام إبراهيم، والكعبة، وبيت النار، والقبر قبر أبي رِغَال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلنّ.
فلما رأى ابن سريج الجِدَّ منه قال لصاحبه: ويحك! أما ترى ما وقعنا فيه؟ وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا. فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث. وتذمَّم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل، فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رِجْلي مع رِجْلك. فخرجا، فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عني. قال: والله لئن لم تفعل ما قلت لأصيحنّ الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقولنّ إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنيها سرا، وإنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل. فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه، فقال: أمضي، لا بارك الله فيك. فمضى معه.
فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج. ففُتِح الباب لهما، ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أُذِن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عُبَيْد، ما هذا الجفاء؟ قال: قد علمتِ بأبي أنت ما كان مني. قالت: أجل. فتحدثا ساعة، وقص عليها ما صنع به أشعب، فضحكتْ وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه. وأمرتْ لأشعب بعشرين دينارا وكُسْوة. ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين؟ قال: المنزل. قالت: برئتُ من جدي إن برحتَ داري ثلاثا، وبرئتُ من جدي إن أنت لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا، وبَرِئْتُ من جدي إن أقمتَ في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئتُ من جدي إن حنثتُ في يميني أو شفَّعْتُ فيك أحدا. فقال عبيد: واسُخْنَةَ عيناه! واذهاب دنياه! ثم اندفع يغني:
أستعين الذي بكفيه نفعـي * ورجائي على التي قتلتني
فقالت له سكينة: فهل عندك يا عُبَيْد من صبر؟ ثم أخرجت دُمْلُجًا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت به إليه، ثم قالت: أقسمت عليك لـمّـا أدخلتَه في يدك. ففعل ذلك".
والآن أفهذا كلامُ شيعىٍّ فى حفيدة على، الذى هو أساس فكر التشيع ومحوره كله، وبنت الحسين عمود الشيعة الإمامية، وبنت أخى زيد قطب التشيع الزيدى؟ ودعنا من هذا كله وتعال نسأل: ألم يكن لسكينة زوج يغار عليها ويكنها فى كِسْر بيتها ويُلْزِمها العقل إن لم تكن عاقلة ويُفْهِمها أن ما تصنعه أمر لا يليق؟ إن أبا الفرج بروايته هذه ليصورها امرأة لا رجل لها، وأنها كانت تعيش، أستغفر الله، على حل شعرها. ولو كان هذا صحيحا لما سكتت عنه كتب التاريخ، بَيْدَ أن كتب التاريخ لم تتطرق إلى شىء من هذا فى ترجمتها أو كلامها عن سكينة. كما أن الأمويين كانوا خُلَقاء أن ينتهزوا هذه التصرفات الرعناء الماجنة فيشنّعوا على العلويين ويتخذوا من ذلك مطعنا فيهم وفى دعواهم هم وأتباعهم استحقاقهم الخلافة بعد رسول الله، إذ ها هم أولاء يعجزون عن لجم امرأة منهم عن غيها وحمقها ومجونها. وأى امرأة؟ امرأة هى حفيدة على وبنت الحسين وبنت أخى زيد! لكن شيئا من ذلك لم يقع. وهَبْنا ضَرَبْنا عن كل هذا صَفْحًا، أفلم تكن لدى بنى هاشم كلهم على بكرة أبيهم شىء من النخوة والشهامة يأخذون بهما سكينة ويُلْزِمونها حدّها حتى لا تفضحهم أو حتى لا تفسد عليهم على الأقل أمرهم؟ ألا إن أمر أبى الفرج كله لغريب غاية الغرابة. ومع هذا يقال إنه كان شيعيا! الحق أن أعداء العلويين ما كانوا بمستطيعين أن يجدوا من هو أفضل منه لتشويههم وتنفير الناس منهم!
الرجل إذن لا يمكن أن يكون شيعيا. بَيْدَ أن القاضى التنوخى، وهو أحد تلاميذه، قد ترجم له فى "نشوار المحاضرة" على النحو التالى: "ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني: كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله. ويحفظ دون ذلك من علومٍ أُخَر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا، مثل علم الجوارح والبيطرة، ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك. وله شعر يجمع بين إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء". فماذا نفعل فى هذا الخبر الذى يبدأ بأن أبا الفرج كان من المتشيعين؟ الحق أن فى تلك السطور شيئا لا يبعث على الاطمئنان، إذ ما معنى قول التنوخى: "ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني"؟ إن العبارة تصح لو كانت مشاهدة أحد الشيعة فى بغداد شيئا من خوارق العادات. أمّا، والعراق يمتلئ بالشيعة، فمثل هذه العبارة الاستغرابية لا محل لها من الإعراب أو البناء. كما أن قوله عقب ذلك: "كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله. ويحفظ دون ذلك من علومٍ أُخَر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا، مثل علم الجوارح والبيطرة، ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك" يبدو وكأنه تفسير لعبارة "من المتشيعين"، إلا أنه تفسير لا يتسق معها بحال، ومن ثم كان القلق الذى يشعر به الباحث إزاء تلك العبارة، وهو ما يمكن أن يزول بكل بساطة لو أُجْرِى عليها شىء بسيط من التغييير يتسق مع السياق والمنطق حسبما يتضح بعد قليل.
يتبع...
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة أم الخير في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 10-08-2008, 01:55 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات