وقال المدائني عن العباس بن محمد بن رزين عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف عن زهير بن عبد الله الخثعمي، وحدثنيه أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن العلوي عن بكر بن عبد الوهاب عن إسماعيل بن أبي إدريس عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: إن أول قتيل قُتِل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي. قال: فأخذ يشد على الناس وهو يقول:

أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي

من شبث ذاك؟ ومن شمر الدني؟ * أضربكم بالسيف حتى يلتوي

ضرب غلام هاشمي علوي * ولا أزال اليوم أحمي عن أبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

ففعل ذلك مرارا، فنظر إليه مرة بن منقذ العبدي فقال: علي إثم العرب إن هو فعل مثل ما أراه يفعل، ومَرّ بي أن أثكله أمه. فمرَّ يشد على الناس ويقول كما كان يقول، فاعترضه مرة وطعنه بالرمح فصرعه، واعتوره الناس فقطعوه بأسيافهم. وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: سمعت بأذني يومئذٍ الحسين وهو يقول: قتل الله قوما قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم! ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء.

قال حميد: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا حبيباه، يا ابن أخاه. فسألت عنها، فقالوا: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب. ثم جاءت حتى انكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها إلى الفسطاط، وأقبل إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم. فحملوه من مصرعه ذلك، ثم جاء به حتى وضعه بين يدي فسطاطه.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا غير واحد عن محمد بن عمير عن أحمد بن عبد الرحمن البصري عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن سعيد بن ثابت، قال: لما برز علي بن الحسين إليهم أرخى الحسين، صلوات الله عليه وسلامه، عينيه فبكى، ثم قال: اللهم، كن أنت الشهيد عليهم. فبرز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أباه، العطش! فيقول له الحسين: اصبر حبيبي، فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكأسه. وجعل يكر كرة بعد كرة حتى رُمِيَ بسهم فوقع في حلقه فخرقه، وأقبل ينقلب في دمه ثم نادى: يا أبتاه، عليك السلام. هذا جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول: عجل القدوم إلينا. وشهق شهقة فارق الدنيا.

قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: أحاطوا بالحسين عليه السلام، وأقبل غلام من أهله نحوه، وأخذته زينب بنت علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه. فأبى الغلام فجاء يعدو إلى الحسين فقام إلى جنبه، وأهوى أبحر بن كعب بالسيف إلى الحسين. فقال الغلام لأبجر: يا ابن الخبيثة، أتقتل عمي؟ فضربه أبجر بالسيف، واتقاه الغلام بيده فأطنَّها إلى الجلد، وبقيت معلقة بالجلد، فنادى الغلام: يا أمه. فأخذه الحسين فضمه إليه وقال: يا ابن أخي، احتسب فيما أصابك الثواب، فإن الله ملحقك بآبائك الصالحين: برسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وعلي وجعفر والحسن عليهم السلام.

قال: وجاء رجل حتى دخل عسكر الحسين، فجاء إلى رجل من أصحابه فقال له: إن خبر ابنك فلان وافى. إن الديلم أسروه، فتنصرف معي حتى نسعى في فدائه. فقال: حتى أصنع ماذا؟ عند الله أحتسبه ونفسي. فقال له الحسين: انصرف، وأنت في حل من بيعتي، وأنا أعطيك فداء ابنك. فقال: هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك. لا يكون والله هذا أبدا ولا أفارقك. ثم حمل على القوم فقاتل حتى قُتِل رحمة الله عليه ورضوانه. قال: وجعل الحسين يطلب الماء، وشمر، لعنه الله، يقول له: والله لا تَرِدُه أو تَرِد النار. فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحيات؟ والله لا تذوقه أو تموت عطشا. فقال الحسين: اللهم، أَمِتْه عطشا. قال: والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء، فيؤتى بماء فيشرب حتى يخرج من فيه، وهو يقول: اسقوني. قتلني العطش. فلم يزل كذلك حتى مات.

قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: لما اشتد العطش على الحسين دعا أخاه العباس بن علي فبعثه في ثلاثين راكبا وثلاثين راجلا، وبعث معه بعشرين قربة، فجاءوا حتى دَنَوا من الماء فاستقدم أمامهم نافع بن هلال الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال. قال: مرحبا بك يا أخي. ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه. قال: اشرب. قال: لا والله لا أشرب منه قطرة، والحسين عطشان. فقال له عمرو: لا سبيل إلى ما أردتم. إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء. فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: املأوا قِرَبكم. فشدت الرجالة فدخلت الشريعة فملأوا قربهم ثم خرجوا، ونازعهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال الجملي جميعا، فكشفوه ثم انصرفوا إلى رحالهم، وقالوا للرجالة: انصرفوا. فجاء أصحاب الحسين بالقِرَب حتى أدخلوها عليه.

قال المدائني: فحدثني أبو غسان عن هارون بن سعد عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال: رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلا شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك. قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح، فما يبقى أحد في الحي إلا سمع صياحي. قال: والمقتول العباس بن علي عليه السلام.

قال المدائني: فحدثني مخلد بن حمزة بن بيض وحباب بن موسى عن حمزة بن بيض، قال حدثني هانئ بن ثبيت القايضي زمن خالد، قال: قال: كنت ممن شهد الحسين، فإني لواقف على خيول إذ خرج غلام من آل الحسين مذعورا يلتفت يمينا وشمالا، فأقبل رجل منا يركض حتى دنا منه، فمال عن فرسه، فضربه فقتله. قال: وحمل شمر، لعنه الله، على عسكر الحسين فجاء إلى فسطاطه لينهبه، فقال له الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلى لكم عن ساعة مباح. قال: فاستحيا ورجع. قال: وجعل الحسين يقاتل بنفسه، وقد قُتِل ولده وأخوته وبنو أخيه وبنو عمه فلم يبق منهم أحد، وحمل عليه ذرعة بن شريك، لعنه الله، فضرب كتفه اليسرى فسقطت، صلوات الله عليه. وقتله أبو الجنوب زياد بن عبد الرحمن الجعفي والقثعم وصالح بن وهب اليزني وخولى بن يزيد، كل قد ضربه وشَرِكَ فيه. ونزل سنان بن أنس النخعي فاحتزّ رأسه. ويقال: إن الذي أجهز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله. وحمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد الله بن زياد. وأمر ابن زياد، لعنه الله وغضب عليه، أن يوطأ صدر الحسين وظهره وجنبه ووجهه فأُجْرِيَت الخيل عليه. وحُمِل أهله أسرى، وفيهم عمر وزيد والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد ارتث جريحا فحُمِل معهم، وعلي بن الحسين الذي أمه أم ولد وزينب العقيلة وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وسكينة بنت الحسين. ولما أُدْخِلوا على يزيد، لعنه الله، أقبل قاتل الحسين بن علي يقول:

أَوْقِرْ ركابي فضة أو ذهبا * فقد قتلت الملك المحجبا

قتلتُ خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا

ووضع الرأس بين يدي يزيد، لعنه الله، في طست، فجعل ينكته على ثناياه بالقضيب وهو يقول:

نفلِّق هاما من رجالٍ أَعِزَّةٍ * علينا، وهم كانوا أَعَقَّ وأظلما

وقد قيل: إن ابن زياد، لعنه الله، فعل ذلك. وقيل: إنه تمثل أيضا، والرأس بين يديه بقول عبد الله بن الزبعري:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأَسَلْ

قد قتلنا القَرْمَ من أشياخهم * وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ

ثم دعا يزيد، لعنه الله، بعلي بن الحسين، فقال: ما اسمك؟ فقال: علي بن الحسين. قال: أو لم يُقْتَل الله علي بن الحسين؟ قال: قد كان لي أخ أكبر مني يسمونه عليا، فقتلتموه. قال: بل الله قتله. قال علي: "الله يتوفَّى الأنفس حين موتها". قال له يزيد: "وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم". فقال علي: "ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكيلا تأسَوْا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختالٍ فخور". قال: فوثب رجل من أهل الشام فقال: دعني أقتله. فألقت زينب نفسها عليه، فقام رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه أتخذها أمة. قال: فقالت له زينب: لا، ولا كرامة. ليس لك ذلك ولا له إلا أن يزيد حسبك من دمائنا. وقال علي بن الحسين: إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم وأردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤدّيهن. فرقَّ له وقال: لا يؤديهن غيرك.

ثم أمره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا علي بن الحسين. أنا ابن البشير النذير. أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه. أنا ابن السراج المنير. وهي خطبة طويلة كرهت الإكثار بذكرها، وذكر نظائرها. ثم أمره يزيد بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله وسائر بني عمه، فانصرف بهم.

وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين:

مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلَّتِ

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت؟

وكانوا رجاءً ثم صاروا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجَلَّتِ

أتسألنا قيس فنعطي فقيرها * وتقتلنا قيسٌ إذا النعل زَلَّتِ؟

وعند غني قطرةٌ من دمائنا * سنطلبها يوما بها حيث حلت

فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم برغمي تخلَّتِ

فإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقاب المسلمين فذلَّتِ

قال أبو الفرج: وقد رثى الحسينَ بن علي، صلوات الله عليه، جماعةٌ من متأخري الشعراء أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الإطالة. وأما من تقدم فما وقع إلينا شيء رثي به. وكانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافة من بني أمية وخشية منهم. وهذا آخر ما أخبرنا به من مقتله صلوات الله عليه ورضوانه وسلامه". فانظر كيف أدى أبو الفرج رواية مقتل الحسين فى إيجاز وهدوء أعصاب ودون أن يثير المشاعر ويحرك الدمع ويطلق الأنين، اللهم إلا الدعاء باللعنة على من تعرض له رضى الله عنه ولأهل بيته، وهو أقل ما يصدر عن أى مسلم لم تلوثه العصبية. ولو كنت أنا مكانه لجلجل صوتى وقلمى بلعن من قتل الحسين أو حض عليه، وكذلك من رضى به مجرد رضى، ولما اكتفيت بما صنعه الأصفهانى قط رغم أنى لست شيعيا بأى حال من الأحوال. ولقد تعمدت أن أنقل هنا ما كتبه فى مقتل الإمام الحسين لأن مقتله هو أول وأفجع قتلة وقعت للعلويين. أما إذا قرأنا ما كتبه فى غيره من قتلى الطالبيين فلسوف نلاحظ هدوءا وحيادية أشد وأبين. وعندنا العقاد مثلا، الذى تحدث عن مقتل سيد الشهداء فى كتابه عنه بما أسال الدموع الغزار وأطلق الألسن باللعنات على كل من آذاه هو وأهل بيته وكان وراء مقتله. فهل كان العقاد شيعيا؟ كلا وألف كلا. إنما هو شعور المسلم المستقيم النفس والضمير.


يتبع.....