آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
ولنقرأ مثلا ما كتبه فى مقتل الحسين، وليكن بدء أمرنا من لدن جاءه، رضى الله عنه، أن مسلم بن عقيل بن أبى طالب أخذ له البيعة من أهل الكوفة. قال: "وكان مسلم قد كتب إلى الحسين بأخذ البيعة له واجتماع الناس عليه وانتظارهم إياه، فأزمع الشخوص إلى الكوفة، ولقيه عبد الله بن الزبير في تلك الأيام، ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز. وعلما بأن ذلك لا يتم له إلا بعد خروج الحسين، فقال له: على أي شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه، فقال له ابن الزبير: فما يحبسك؟ فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلومت في شيء. وقَوَّى عزمه ثم انصرف. وجاءه عبد الله بن عباس، وقد أجمع رأيه على الخروج وحقَّقَه، فجعل يناشده في المقام ويعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنك تأتي قوما قتلوا أباك وطعنوا أخاك، وما أراهم إلا خاذليك. فقال له: هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم. فقال له ابن عباس: أما إذا كنت لا بد فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك ولا حرمك ولا نسائك، فخليق أن تُقْتَل وهم ينظرون إليك كما قُتِل ابن عفان. فأبى ذلك ولم يقبله. قال: فذكر من حضره يوم قُتِل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من أخبيتهن جزعا لقتل من يُقْتَل معه وما يَرَيْنَه به ويقول: لله دَرُّ ابن عباس فيما أشار عليَّ به. قال: فلما أبى الحسين قبول رأي ابن عباس قال له: والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليَّ وعليك كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن اعلم أن الله بالغ أمره. ثم أرسل عينيه فبكى وودع الحسين وانصرف. ومضى الحسين لوجهه، ولقى ابنُ العباس بعد خروجه عبدَ الله بن الزبير فقال له:
يا لك من قبرةٍ بمَعْمَرِ * خلا لك الجو فبيضي واصْفِري
ونَقِّري ما شئت أن تنقِّري * هذا الحسين خارجا فاستبشري
فقال: قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز. قال أبو مخنف في حديثه خاصة عن رجاله: إن عبيد الله بن زياد وجَّه الحر بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين، فلما صار في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد، فسألهما عن الخبر، فقالا له: يا ابن رسول الله، إن قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك، فارجع. وأخبراه بقتل ابن عقيل وأصحابه، فاسترجع الحسين، فقال له بنو عقيل: لا نرجع والله أبدا أو ندرك ثأرنا أو نُقْتَل بأجمعنا. فقال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف عنا فهو في حِلٍّ من بيعتنا. فانصرفوا عنه، وبقي في أهل بيته ونَفَرٍ من أصحابه.
ومضى حتى دنا من الحر بن يزيد، فلما عاين أصحابُه العسكرَ من بعيد كبَّروا، فقال لهم الحسين: ما هذا التكبير؟ قالوا: رأينا النخل. فقال بعض أصحابه: ما بهذا الموضع والله نخل، ولا أحسبكم تَرَوْنَ إلا هوادي الخيل وأطراف الرماح. فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك. فمضوا لوجوههم، ولحقهم الحر بن يزيد في أصحابه، فقال للحسين: إني أُمِرْتُ أن أُنْزِلك في أي موضع لقيتُك وأجعجع بك ولا أتركك أن تزول من مكانك.
قال: إذًا أقاتلك، فاحذر أن تشقى بقتلي، ثكلتك أمك. فقال: أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذِكْرَ أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يُقْدَر عليه. وأقبل يسير، والـحُرّ يسايره ويمنعه من الرجوع من حيث جاء، ويمنع الحسين من دخول الكوفة حتى نزل بأقساس مالك، وكتب الحر إلى عبيد الله يعلمه ذلك.
قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال: لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل وسرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول: "إنا لله، وإنا إليه راجعون"، و "الحمد لله رب العالمين" مرتين. فأقبل إليه علي بن الحسين، وهو على فرس، فقال له: يا أبي، جُعِلْتُ فِدَاك! مِمَّ استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟ قال الحسين: يا بني، إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم. فعلمت أنها أنفسنا نُعِيَتْ إلينا. فقال: يا أبتاه، لا أراك الله سوءًا أبدا! ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. فقال: يا أبت، فإذًا لا نبالي. قال: جزاك الله خير ما جُزِيَ ولد عن والده. قال: وكان عبيد الله بن زياد، لعنه الله، قد ولَّى عمر بن سعد الرَّيّ، فلما بلغه الخبر وجَّه إليه أن سِرْ إلى الحسين أولاً فاقتله، فإذا قتلته رجعتَ ومضيتَ إلى الري. فقال له: أعفني أيها الأمير. قال: قد أعفيتك من ذلك ومن الري. قال: اتركني أنظر في أمري. فتركه، فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين، فلما قاربه وتواقفوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال: اللهم، إنك تعلم أني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت خيرا من أهل بيتي، فجزاكم الله خيرا فقد آزرتم وعاونتم، والقوم لا يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا. فإذا جَنّكم الليل فتفرقوا في سواده وانجوا بأنفسكم.
فقال إليه العباس بن علي أخوه وعلي ابنه وبنو عقيل فقالوا له: معاذ الله والشهر الحرام،! فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟ أنقول لهم إنا تركنا سيدنا وابن سيدنا وعمادنا وتركناه غرضا للنَّبْل، ودريئة للرماح، وجَزَرًا للسباع وفررنا عنه رغبة في الحياة؟ معاذ الله! بل نحيا بحياتك، ونموت معك. فبكى وبكوا عليه، وجزاهم خيرا ثم نزل صلوات الله عليه.
فحدثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدثنا نصر بن مزاحم عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب عن علي بن الحسين، قال: إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل، وهو يعالج سهاما له، وبين يديه جون مولى أبي ذي الغفار، إذ ارتجز الحسين:
يا دهر، أفٍ لك من خليل * كم لك في الإشراق والأصيلِ
من صاحب وماجد قتيل * والدهر لا يقنع بالبديلِ
والأمر في ذاك إلى الجليل * وكل حي سالك السبيلِ
قال: وأما أنا فسمعته ورددت عبرتي. وأما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع، فشقت ثوبها ولطمت وجهها وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! واحزناه! ليت الموت أعدمني الحياة! يا حسيناه، يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة! اليوم مات جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمي فاطمة الزهراء، وأبي عليٌّ وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين. فقال لها الحسين: يا أختي، لو تُرِك القطا لنام. قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي. وخرت مغشيا عليها، فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء... قال: فوجه إلى عمر بن سعد، لعنه الله، فقال: ماذا تريدون مني؟ إني مخيركم ثلاثا: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث جئت، أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها. ففرح ابن سعد بذلك، وظن أن ابن زياد، لعنه الله، يقبله منه، فوجه إليه رسولا يعلمه ذلك، ويقول: لو سألك هذا بعض الديلم ولم تقبله ظلمته. فوجه إليه ابن زياد: طمعت يا ابن سعدٍ في الراحة، وركنت إلى دعة! ناجز الرجل وقاتله، ولا ترض منه إلا أن ينزل على حكمي. فقال الحسين: معاذ الله أن أنزل على حكم ابن مرجانة أبدا، فوجه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن الضبابي، أخزاه الله، إلى ابن سعد، لعنه الله، يستحثه لمناجزة الحسين. فلما كان في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين ناجزه ابن سعد، لعنه الله، فجعل أصحاب الحسين يتقدمون رجلا رجلا يقاتلون حتى قُتِلوا.
يتبع...
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة أم الخير في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 10-08-2008, 01:55 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات