أما تأليف أبى الفرج كتاب "مقاتل الطالبيين" فإنه فى ذاته لا يدل على تشيعه مثلما لا يدل تأليفه كتاب "نسب بنى عبد شمس" مثلا على كرهه للطالبيين، فقد يكون فَعَلَ ذلك لأن أحدهم طلب إليه أن يؤلف فى هذا الموضوع كتابا فألفه، أو يكون استجاب لداعى الكتابة فى قضية شغلته علميا ليس إلا، أو يكون قد آلمه ما حدث لآل البيت كما يتألم أى مسلم لم تلوثه العصبيات المذهبية، إذ ذكر الدكتور أحمد أمين فى كتابه: "يوم الإسلام" أن الأمويين قتلوا منهم ستة وثلاثين، على حين أن العباسيين فى عهد السفاح وأبى جعفر وحدهما قَضَوْا على تسعة عشر (د. أحمد أمين/ يوم الإسلام/ مكتبة النهضة المصرية/ 1952م/ 67- 68)، وهى أعداد تبعث على الألم والغضب، وتستفز مشاعرنا وتثير لدينا الاشمئزاز رغم أننا لسنا على مذهب المتشيعين، ذلك المذهب الذى لا يمكن أن يقف حاجزا بيننا وبين كراهية هذه القسوة المفرطة. ولا ننس أن عمر بن عبد العزيز، وهو من خلفاء بنى أمية أنفسهم، كان يعطف على آل البيت فأوقف مسلسل اضطهادهم ولم يسمح بسبّ علىّ كرم الله وجهه على المنابر يوم الجمعة كما جرت بذلك العادة منذ أيام معاوية، ورد إلى أهل البيت أرض فدك، الذى كانت تطالب به فاطمة فى عهد الصديق والفاروق رضى الله عنها وعنهما جميعا. وابن عبد العزيز بطبيعة الحال لم يكن شيعيا قط، بل كان مسلما صالحا أصغى فى مواقفه هذه وغيرها من مواقف الإصلاح المتعددة التى اتخذها أيام خلافته إلى صوت الإسلام النقى فى قلبه.

كذلك فالطالبيون لدى الأصفهانى هم بَشَرٌ من البَشَر فيهم الصالح المستقيم، وفيهم المنحرف الشرير. ولهذا نراه ينص فى مقدمة ذلك الكتاب على أنه لم يتناول من الطالبيين المقتولين إلا الطائفة الأولى التى لم تخرج على الدولة ابتغاء الفساد والعَيْث فى الأرض: "... ومقتصرون في ذكر أخبارهم على من كان محمود الطريقة سديد المذهب لا من كان بخلاف ذلك أو عدل عن سبيل أهله ومذاهب أسلافه أو كان خروجه على سبيل عَيْثٍ وإفساد". ثم إننا إذا قرأنا الكتاب راعنا أن الأصفهانى هادئ القول يؤدى المعلومة فى تجرد وحيادية، ويقتصر دوره على التأريخ لما وقع دون أن يندّ من قلمه ما يدل على أنه كان يدعو بدعوة الشيعة، فلم يتطرق قط إلى أن الإمامة حق لآل البيت لا يتم الإيمان إلا باعتقاده، ولم يقع أنْ دعا أيا من آل البيت: لا الحسن ولا الحسين ولا زيد بن على ولا غيرهم بــ"الإمام". وفى ترجمته لعيسى بن زيد نراه يذكر شجاعته وتصديه للبؤة عرضت له ولأصحابه فى بعض الطريق وقتله إياها وتسميتهم له من ثم بــ"مُيَتِّم الأشبال"، ثم يقفى قائلا: "وذكرها (أى هذه الواقعة) أيضا الشميطي، وكان من شعراء الإمامية، في قصيدة عاب فيها من خرج من الزيدية رضوان الله عليهم فقال:

سن ظلم الإمام للناس زيدٌ * إن ظلم الإمام ذو عقّال

وبنو الشيخ والقتيل بفخ * بعد يحيى ومُوتِم الأشبال".

قال هذا دون أن يفكر فى الإنكار على الشميطى أو الدفاع عن عقيدة الزيدية فى أئمتهم، مكتفيا بتقرير الواقعة كما وقعت دون زيادة حرف واحد. فهو، كما قلت، مجرد مؤرخ لا صاحب مذهب.


يتبع....