

-
وسوف يكون أول موضوع أطرقه هو ما يُنْسَب إلى الأصفهانى أو ما يُنْسَب إليه الأصفهانى من تشيع. وهناك كلام كثير لدى القدماء عن تشيع أبى الفرج. ومنهم، كابن الأثير، من أبدى استغرابه أن يكون أموىٌّ مثله شيعيًّا. لكن أحدا منهم، فى حدود علمى، لم يحاول أن يبين لنا الدوافع التى حدت به إلى الانحياز إلى الشيعة، وبخاصة أنه، وهو الأموى، كان المنتظر منه ألا ينسى أمويته وينتقل إلى الضفة الأخرى من النهر فيخرج على ما يدين به بنو أمية من أنه ليس للعلويين حق دينى فى الخلافة. إلا أن د. محمد أحمد خلف الله يرد هذا التشيع إلى أمه وأخواله من بنى ثوابة، الذى كانوا نصارى ثم أسلموا وتشيعوا وكانوا متعصبين لتشيعهم كما يقول (انظر كتابه: "صاحب الأغانى أبو الفرج الأصفهانى الراوية"/ دار الكاتب العربى للطباعة والنشر/ القاهرة/ 1968م/ 47- 48). وقد انتشر القول حتى فى كتابات المحدثين بأن الأصفهانى كان شيعيا إلى الدرجة التى نجد فيها ضمن المادة المخصصة لأبى الفرج الأصفهانى (Abu al-Faraj al-Isbahani) فى "دائرة المعارف البريطانية: Encyclopædia Britannica"، مع أنها ليست متخصصة فى التراث الإسلامى والأدب العربى كــ"دائرة المعارف الإسلامية: Encyclopædia of Islam" مثلا، أنه كان من المتشيعين رغم أصله الأموى، إذ كان ينتمى إلى آخر خلفاء بنى أمية مروان بن محمد. وهذا نص ما يجده القارئ فى طبعة 2007م من الدائرة المذكورة: "Abu al-Faraj was a descendant of Marwan II, the last Umayyad caliph of Syria. Despite the enmity of this family and the /Alids, he was a Shi/ite Muslim, upholding the rights of the descendants of the Prophet Muhammad/s son-in-law /Ali to the caliphate. He spent most of his life in Baghdad where he enjoyed the patronage of the Buyid amirs".
لكن الملاحظ مع ذلك أنْ ليس فى كتابات الرجل ما يوحى أنه كان شيعيا. إنما هو كلام يقال دون برهان، بل عكس البرهان كما سيتضح بعد قليل. وأحسبه لو كان الأمر كما يزعم د. خلف الله لأتانا عن أبى الفرج ما يشير إلى أنه قد ورث التشيع عن أمه وأخواله، إذ مثل أبى الفرج ليس ممن يُعَدِّى عن تلك المسألة بهدوء وتجافٍ. بل ليس فى أحداث حياة أبى الفرج ما يشير إلى أنه كان شيعيا كأن يكون تجادل ولو مرة مع من لا يشاركه فى المذهب والرأى. وكيف يفلت الأصفهانى الفرصة فلا يهتبلها ويتحدث عن شيعيته فى مقدمة "مقاتل الطالبيين"، وهو الكتاب الذى يتخذه القائلون بتشيعه دليلا على ذلك.
وقد اعتمد خلف الله، فى القول بتشيع آل ثوابة، على ما كتبه ياقوت الحموى فى المجلد الرابع من "معجم الأدباء" فى ترجمة محمد بن أحمد بن ثوابة، إذ فهم منه أنه كان من الروافض، وإن كان سماه: "أحمد بن محمد" لا "محمد بن أحمد" كما فى ياقوت. وإلى القارئ ما كتبه الحموى: "كان محمد بن أحمد بن ثوابة كاتبا لباكباك التركي، فلما أُغْرِيَ المهتدي بالرافضة قال المهتدي لباكباك: كاتبك والله أيضا رافضي. فقال باكباك: كذب والله على كاتبي ما كان يقول هؤلاء. فشهدت الجماعة عليه، فقال باكباك: كذبتم، ليس كاتبي كما تقولون. كاتبي خَيِّرٌ فاضلٌ يصلي ويصوم وينصحني، ونجاني من الموت. لا أصدق قولكم عليه. فغضب المهتدي وردد الأيمان على صحة القول في ابن ثوابة، وهو يقول: لا، لا. فلما انصرف القوم من حضرة المهتدي أسمعهم باكباك وشتمهم ونسبهم إلى أخذ الرشا والمصانعات وأغلظ لهم وأمر ببعضهم فنِيلَ بمكروه، إلى أن تخلصوا من يده. واستتر ابن ثوابة، وقلد المهتدي كتابة باكباك سهل بن عبد الكريم الأحول، ونودي على ابن ثوابة. ثم تنصل باكباك إلى المهتدي واعتذر إليه، فقبل عذره وصفح عنه. فلما قدم موسى بن بغا سُرَّ مَنْ رَأَى من الجبل تلقاه باكباك وسأله التلطف في المسألة في الصفح عن كاتبه ابن ثوابة. فلما جدد المهتدي البيعة في دار أناجور التركي عاود باكباك المسألة في كاتبه، فوعده بالرضا عنه وقال: الذي فعلتُه بابن ثوابة لم يكن لشيء كان في نفسي عليه يخصني، لكن غضبا لله تعالى وللدين. فإن كان قد نَزَعَ عما أُنْكِرُ منه وأظهر تورعا فإني قد رضيت عنه. ثم رضي عنه الخليفة في يوم الجمعة، النصف من محرم سنة خمسين ومائتين، وخلع عليه أربع خِلَعٍ وقلده سيفا، ورجع إلى كتابة باكباك ميمون بن هارون".
ومن هذا النص نعلم أن المهتدى اتهم ابن ثوابة بالرفض، لكن باكباك رئيسه فى العمل شهد له بالفضل والديانة وأصر فى وجه المهتدى على موقفه وكذّب متّهِمى الرجل وأغلظ لهم ونكل ببعضهم. وإذا كان ابن ثوابة قد استتر عن العيون فليس معنى ذلك أنه كان بالضرورة رافضيا، بل من المحتمل أن يكون خوفه من النكال هو الذى حثه على التوارى خشية أن يناله الخليفة بسوء رغم كل شىء ما دام قد سمع فيه قول متهميه. وإذا كان باكباك قد تنصَّل إلى الخليفة فإن النص لم يذكر لنا من أى شىء تنصَّل. ولعل تنصُّله إنما كان لمخالفته الخليفة فى الرأى وتصلُّبه فى تلك المخالفة كما رأينا لا على أنه قد اتضح له رفض ابن ثوابة. وعلى كل حال فإن النص يقول بصريح العبارة إن الخليفة قد عفا عن ابن ثوابة وحَسُنَ رأيه فيه وأعاده إلى وظيفته كرة أخرى وخلع عليه أربع خِلَع. وهذا، إن أخذنا بأن ابن ثوابة كان فعلا رافضيا، لدليل قوى على أنه قد رجع عن رفضه. ولنفترض أن ابن ثوابة كان وظَلَّ بعد ذلك رافضيا، فهل معنى هذا أن كل آل ثوابة كانوا من الرافضة بحيث إن كان محمد رافضيا كان أخوه يحيى (جد أبى الفرج) رافضيا بالتبعية، وذلك إن كان أخاه حقا ولم يكن خلف الله قد أخطأ فى الأمر؟ ولنفترض أنهم كلهم كانوا كذلك، فهل من الحتم اللازب أن يكون ابن أختهم أبو الفرج الأصفهانى رافضيا مثلهم وعلى طريقتهم؟ من هنا يرى القارئ أنْ ليس ثم دليل يؤبَه به على شيعية أبى الفرج. فإذا أضفنا أن شواهد الحال كلها تقول بملء الفم إنه لم يكن شيعيا عرفنا لماذا يرفض كاتب هذه السطور الدعوى التى تنسب الأصفهانى إلى التشيع، وهو ما سوف نراه ونلمسه لمسًا فيما يلى من سطور. وبالمناسبة فقد سكت صاحب "أعيان الشيعة" عن الترجمة لأبى الفرج فيمن ترجم لهم.
يتبع...
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة أم الخير في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 10-08-2008, 01:55 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات