أما القول بأن وادي بكة وادٍ جاف قاحل به الكثير من أشجار البلسان، فنحمد الله الذي ساق على لسان القس هذه الحقيقة أن الوادي سمي وادي بكة لأن به الكثير من أشجار البلسان التي تفرز مادة صمغية، فتشبه بذلك الدموع؛ لأن هذه الأوصاف تنطبق أكثر على وادي بكة " مكة " الموجود في شبه الجزيرة العربية، وهذا ما تذكره دائرة المعارف الكتابية حرف الباء، مادة بلسان فتقول : " أما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء فهو " بلسم مكة " الذي مازالت مصر تستورده من شبه الجزيرة العربية كما كان، وهذا الشجر حاول الكثير من العلماء البحث عنه في فلسطين فلم يجدوا له أي أثر، وهذا ما ذكرته دائرة المعارف الكتابية أيضاً فتقول : " وشجرة البلسان لا تنمو الآن في فلسطين، وقد بحث عنها دكتور بوست وغيره من علماء النبات في الغور وفي جلماد، ولم يعثروا لها على أثر، كما لم يعثروا عليها فيما حول أريحا التي يذكر بليني أنها كانت موطن الشجرة، ويقول استرابو إنها كانت تنمو حول بحر الجليل، وكذلك حول أريحا، ولكنهما وغيرهما من الكتاب القدماء اختلفوا في وصف الشجرة، مما يدل على أنهم كانوا ينقلون عن مصادر غير موثوق بها ". وإن كان القس يريد أن ينقل إحداثيات الطول والعرش الموجودة في مزمور 84 من مكة إلى مكان آخر، فليذكر لنا ما اسم البئر " ينبوع " الموجود في وادي بكة الجاف، فجغرافيا يوجد وادي بكة وهو مكة " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ " (آل عمران:96)، وقد اتفقت المراجع على أن بكة هي مكة، وأن " بكة " هو اسم بطن مكة المكرمة كما يقول قاموس مختار الصحاح ج1 ص25.
" مكة هي بكة ، والميم بدل الباء كما قالوا ما هذا بضربة لازب ولازم " معجم البلدان ج5 ص181.
و" بكة " مكة سميت بذلك لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم، وقيل لأن الناس يبتاكون فيها من كل وجه أي يتزاحمون (لسان العرب ج10 ص402).
وجغرافياً يوجد بوادي بكة بئر زمزم، فأين هي البئر الموجودة في شمال فلسطين؟، وهل هناك واديا اسمه بكة في أي مكان بالعالم غير وادي بكة الموجود في شبه الجزيرة العربية ؟. وحتى لا يتسرع القس أحب أن أخبره بما جاء في هوامش ترجمة العديد من الأناجيل حيث تقول : " الموضع بالضبط غير معروف "، وبهذا يتضح أنه لا يوجد في العالم كله مكان معروف اسمه بكة غير بكة التي يعرفها المسلمون .
(7) لا يوجد واد اسمه (وادي البكاء) في شمال فلسطين العربية المسلمة، وهذه المنطقة من أكثر المناطق العربية مطراً، ولا توجد بها أودية قاحلة، والقحولة صفة وصف بها (وادي بكة) الذي يضم الكعبة المشرفة، والذي يقول فيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ " (آل عمران:96) ، ويقول على لسان أبي الأنبياء إبراهيم ـ عليه السلام ـ: " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ .... " (إبراهيم: من الآية37) .
(8) من ذلك يتضح أنني لم أغير اسم (بكة) إلى (مكة)؛ لأني لا أملك ذلك الجور، ولا يملكه أي إنسان؛ لأن الاسمين مذكوران في القرآن الكريم الذي حفظه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بحفظه على مدى أربعة عشر قرناً في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ دون أن يضاف إليه حرف واحد أو أن ينتقص منه حرف واحد، وتعهد ـ سبحانه وتعالى ـ بهذا الحفظ إلى قيام الساعة.
(9) إن تجربتي الواسعة في خدمة تفسير القرآن الكريم، والتي تشهد لها مقالاتي بجريدة الأهرام ـ وقد فاق عددها المائتين ـ وعشرات الكتب والمجلدات المنشورة باللغات العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والروسية، والصينية، وغيرها، تؤكد لكل ذي بصيرة درايتي بضوابط التفسير للكتب المقدسة.
(10) أما القول بأن هناك علماً يسمى بعلم تفسير الكتاب المقدس يجب الرجوع إليه، وكأن الشروط التي وضعها القس شروط متفق عليها بين مفسري الكتاب المقدس، وهذا خطأ كبير، فيوجد مدرستان لتفسير الكتاب المقدس في مدرسة التفسير الرمزي، وقد اشتهرت في الإسكندرية ومن روادها العلامة أوريجانوس، ومدرسة التفسير الحرفي والتي تزعمتها كنيسة أنطاكية، ومن أبرز روادها يوحنا ذهبي الفم، وكلا المدرستين تنكر على الأخرى منهجيتها في التفسير، وهذه القواعد التي وضعها القس لا تتفق مع منهجية الكتاب المقدس نفسه.
نأخذ مثالاً على ذلك ما جاء في متَّى 5:2 : " لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني " فلقد اعتبر كاتب إنجيل (متى) أن هذا النص عبارة عن نبوءة عن ذهاب المسيح إلى مصر وعودته منها، ولكن بالرجوع لهذا النص في العهد القديم في سفر هوشع 1:11 نجد النص كما يلي : " لما كان إسرائيل غلاماً أحببته، ومن مصر دعوت ابني " وواضح جداً من النص أن الكلام لا يوجد به أي نبوءة مستقبلية عن المسيح المرتقب، وإنما هو تذكير لشعب إسرائيل بفضل الإله عليهم، وأنه أنجاهم من ظلم فرعون لهم عندما أخرجهم من مصر على يد نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ فالكلام يأتي في صيغة الماضي وليس المستقبل، ولم يفهم اليهود في أي عصر من العصور أن هذا النص نبوءة عن المسيح المنتظر، فلماذا أعطى النصارى أنفسهم حق تفسير هذا النص على هواهم دون الرجوع لعلماء اليهود وتفسيراتهم ؟، وكيف يطبق القس هنا الخلفية التاريخية للنص، والسياق، والقرينة، وأسباب الكتابة وظروفها كما اشترط على المسلمين ؟.
(11) تعليقاً على النص التالي : " أيضاً ببركات يغطون مورة " ذكر القس ما يلي: ولكن إيمانهم كان يحول هذا الوادي إلى بركة، وفي عبورهم تل مورة الذي يعني المرارة فإنهم يغطونه بالبركات ". وللعلم لا يوجد أي ترجمة غير ترجمة فاندايك التي توهمت أن مورة هنا اسم علم، وحتى هذه الترجمة عندما أصدروها بالشواهد ذكروا أن النص يمكن أن يقرأ بحسب قواعد اللغة العبرية كما يلي : " أيضا ببركات يكسبه المطر المبكر " فالنص العبري ينطق هكذا: gam berachothyaateh moreh ، حيث إن كلمة مورة في اللغة العبرية تعني المطر، أو رامي السهم، أو المعلم والتعاليم، فلو نظرنا في ترجمة الآباء اليسوعيين نجد أنهم ذكروا النص هكذا : " فيجعلونه ينابيع ماء لأن المشترع يغمرهم ببركاته "، أما الترجمة العربية المشتركة فترجمتها هكذا : " فيجعلون عيون ماء بل بركا يغمرها المطر " أما كتاب الحياة فقد ترجمها هكذا : " ويغمرهم المطر الخريفي بالبركات " والرأي الجازم في هذه المسألة تورده دائرة المعارف الكتابية في حرف الميم : مادة مورة يذكر أن تل مورة لم يذكر بالاسم إلا في سفر القضاة 1:7 ولم يذكر بالاسم مرة أخرى في الكتاب المقدس بأكمله ، وبالتالي فإن ما ذكر في النص محل الخلاف لا يتكلم لا من قريب أو من بعيد عن تل مورة وبهذا يتضح أن مزمور 84 لا يمكن إلا أن يكون نبوءة عن أمة الإسلام ، ونبوءة عن شعيرة الحج إلى مكة المكرمة .
(12) إن (بيت الله) في النص المشار إليها في المزمور رقم (84) ليس بالقطع هو ما يسمى باسم " هيكل سليمان "؛ لأن واضح النص يشير إلى (الكعبة المشرفة) بمكة المكرمة في (وادي بكة)، فمن أين جاءت الإشارة إلى الهيكل المزعوم ؟.
(13) إن نص المزمور (84) يتحدث عن حج المؤمنين إلى بيت الله الذي هو في (وادي بكة)، ولا يتحدث عن اليهود بصفة محددة، ومن الثابت عندنا أن جميع المؤمنين وفي مقدمتهم أنبياء الله ـ تعالى ـ جميعاً من آدم إلى محمد ـ صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين ـ قد حجوا بيت الله الحرام في مكة المكرمة (وادي بكة)، وأدوا فريضة الحج بكافة شعائرها، تماماً كما يؤديها مسلمو اليوم، وأن قلوب جميع المؤمنين في كل زمان تهفوا إلى حج بيت الله.
(14) في مقالي المشار إليه لم أقم بتفسير المزمور (84)، ولكن أتيت بالنصين العربي والإنجليزي مصورين من نسختين للكتاب المقدس عندكم لأثبت لكم بالكلمة والصورة أن ترجمة النص (The Valley of Baca) لا يمكن أن تكون هي (وادي البكاء)؛ لأن الأسماء لا تترجم، فلماذا تغير الاسم في الترجمة العربية وحدها ؟، وما هي مبررات ذلك ؟، ومن يملك حق تغيير الجغرافيا والتاريخ والدين المنزل من الله ـ تعالى ـ ؟.
(15) ليست المناقشات العلمية الجادة المدعمة بالأدلة المنطقية الصحيحة هي التي تثير الفتن، وتؤدي إلى حرق الوطن، ولكن قلب الحقائق، ومحاولة الانتصار للأخطاء بالتجاوزات غير اللائقة على الحق وأهله والتي تزايدت في الآونة الأخيرة بشكل مزعج من أمثال ما يتردد في قناة للموت تسمى ـ خطأً ـ باسم " قناة الحياة "، وما يكتب بمجلة " الكتيبة الطبية "، وفي جريدة " وطني "، وما جاء بالمسرحية الهزلية التافهة التي أجريت بإحدى كنائس الإسكندرية، والأفلام الملفقة لرموز الإسلام والتي تعرض في عدد من دور مفروض أنها للعبادة، والمؤتمرات بالداخل والخارج، والتي يتم فيها التطاول بغير حق على الإسلام، وكتابه، ونبيه، ورموزه، وغير ذلك مما لا داعي له أبداً هو الذي يثير الفتن، ويؤجج الكراهية بين أبناء شعب واحد عاشوا متحابين لأكثر من ألف وأربعمائة سنة.
(16) وبودي أن أؤكد هنا أنه إذا كان من حق المسلم مناقشة كل الكتب السابقة على بعثة الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإيماننا بأصولها، وبالرسل الذين تلقوها، والذين نُجِلُّهم ونوقرهم جميعاً دون أدنى تفريق، فإن هذا لا يعطي لغير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن الكريم، ولا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي حق في مناقشة الإسلام، أو التعرض لكتابه، أو لنبيه، أو حتى الاستشهاد بشيء من آيات القرآن الكريم الذي لا يؤمن بصدق وحيه.
(17) بعد كل ما سبق يتضح بجلاء أن النص الذي استشهدت به في مقال الاثنين 20/2/2006م يشير بوضوح لا لبس فيه إلى أشرف بقاع الأرض وأقدسها عند رب العالمين، وهي مكة المكرمة ـ وادي بكة ـ حيث يوجد بيت الله ـ الكعبة المشرفة ـ التي تشتاق قلوب الملايين من المؤمنين إلى الحج إليه. والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.


المصدر

http://www.elnaggarzr.com/index.php?...749&p=1&cat=97[/COLOR][/SIZE][/FONT][/QUOTE]