وهناك حالة خاصة للسرقة أثارت جدلا وخلافا شديدين بين الفقهاء، هي حالة من قطع في سرقة ثم عاد لها مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر ..
فرأى البعض أن تقطع إحدى رجليه في الثانية، ثم يده اليسرى في الثالثة، ثم رجله الأخرى في الرابعة فإن عاد قتل.
واحتجوا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر قال: (جيء بسارق إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال اقتلوه. فقالوا إنما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه، فقطعوه. ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة، فذكر مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، فقال: جابر: فانطلقنا به فقتلناه). ولكن هذا الحديث استنكره النسائي، وقال: (الحديث منكر). وقال: ابن عبد البر: (حديث القتل منكر). بل إن النسائي قال: (لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا).
ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله)، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي، وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن إسناده ضعيف.
وما أغرب ما رآه ابن قيم الجوزية في الموضوع حيث قال: (ثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع اليد الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحما على وضم فيريح ويستريح) – أعلام الموقعين 2/126 –. ولا ندري كيف تصور أصحاب هذه الآراء أن الذي تقطع يداه ورجلاه مستريح في نفسه، ومريح لمجتمعه، ولا كيف تصوروا أنه يستطيع أن يسرق للمرة الرابعة أوالخامسة...
وقد خالفهم في ذلك الحنفية فرأوا أن تقطع رجله في الثانية ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البيهقي أنه أتي إليه بسارق للمرة الثالثة بعد أن قطعت يده ورجله، فقال: ( إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) وقد خالف علي في ذلك أبا بكر، مع أنهما معا صاحبا النبي – صلى الله عليه وسلم- وأخذا عنه.
أما نحن، فإننا نجزم ونبت ونثبت أنه لم يصلنا في قطع رجل السارق عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيء، والآية القرآنية لم تبين إلا قطع اليد، ولا حجة لنا إلا من كتاب الله، وما ثبت من سنة صحيحة عن نبيه عليه السلام. وليس فيهما أمر أو إباحة لقطع أي عضو من السارق غير يده، وبالطريقة التي تقدم شرحها، أما ما سوى ذلك فلا نرى جوازه إلا بنص صحيح وليس بين أيدينا هذا النص، ودم السارق حرام إلا بحقه، كدماء جميع المسلمين الثابتة بالنصوص الصحيحة، وما ثبت بنص صحيح لا ينسخ إلا بآخر صحيح.
ولعل أحدا يعترض علينا بأن فعل الخلفاء الراشدين ملزم لنا، لما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم _ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، ولكن يرد عليه بأن الخلفاء الراشدين ليسوا أنبياء ولا معصومين، وأن سنتهم التي ينبغي العض عليها بالنواجذ، هي اتباعهم لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم-.
وهذه المعاني كانت واضحة للسلف الصالح، وضوحا لا لبس فيه ولا غبش، كما يتضح لنا من الحديث المشهور الذي رواه مسلم والبخاري وأصحاب السنن، بألفاظ متقاربة: (إن رجلا أتى عمر، فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم- :" إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، " فقال عمر:" اتق الله يا عمار، قال: " إن شئت لم أحدث به ".
وقد علق ابن تيمية على نفس الحديث بقوله: "فهذه سنة شهدها عمر–رضي الله عنه- ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار – رضي الله عنه- فلم يذكر" - رفع الملام 32-.
ونحن نزيد على قول ابن تيمية: إن عمر لم يشهد ذلك سنة فقط، ولكن تلاه قرآنا عربيا غير ذي عوج، قال تعالى: ) فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً(النساء: 43)? فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج (المائدة: 6.
على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:
أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد على السارق عدة مرات في اليد الواحدة ، إذا ما تكرر منه فعل السرقة.
ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه، كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير. مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:
يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع دينار
فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب المالكي:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري
وهذا غير صحيح، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة.
ونحن نرى- وبالله التوفيق - أن هذا الإشكال قد أزيل بسبب وضوح معنى "القطع"، بحيث يقدر الجرح أو القطع الموقع باليد طولا وعرضا وغورا ومساحة، بما يتناسب ومقدار السرقة وخطورتها وما يصاحبها من ظروف التشديد أو التخفيف. فعن سرقة الشيء التافه يجرح السارق جرحا صغيرا في يده، ثم يكبر الجرح تبعا لمقدار السرقة، ثم يتحول إلى قطع، ثم يتسع مدى القطع تبعا لمقدار السرقة وظروفها.
هكذا يزول الإشكال الفقهي في التعدد والتناسب بين مقدار العقوبة ومدى خطورة السرقة أو تعددها ببساطة ويسر، ودون أن نعطل حدود الله، أو نقطع من السارق ما حرم من دمه ولحمه.
هل يسقط الحد بالتوبة:
يقول تعالى: ) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة39.
أي من تاب من بعد السرقة ورد المسروق نادما عازما على عدم العودة للظلم – أصلح- فإن توبته مقبولة. وهذا يقودنا إلى قضية أخرى كثر الاختلاف فيها، وهي: هل يسقط الحد بالتوبة أم لا؟
لقد قيل بعدم سقوط الحد ولو تاب السارق وأصلح، وقيل يسقط الحد بالتوبة، ولكل فريق حجته من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- بتأويل خاص:
فالذين قالوا بعدم سقوط الحد بالتوبة اعتبروا أن الأصل هو إقامة الحد، وأن سقوط الحد بالتوبة استثناء لا غير، وأن الله تعالى لم يستثن من هذا الحكم إلا حد الحرابة بنص القرآن: )إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة:34 .
كما استشهدوا بما ورد في سورة النور عن حدي فاحشتي الزنا، وقذف المحصنات، عندما قال سبحانه وتعالى بعد أن أثبت إقامة الحد: )إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(آل عمران:89. كما قال ابن حزم: (لأن الله تعالى لم يسقط الحد بالتوبة مطلقة، ولو أراد ذلك لقال:" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " ولم يقل:" مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ "، فلما قال تعالى: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " بين لنا أن هذه التوبة لا تكون إلا من بعد الجلد ثمانين، واستحقاق اسم الفسوق ورد الشهادة، لا قبل الحد بنص القرآن ...) إلى أن قال: (وصح أنه لا يسقط بالتوبة شيء من الحدود حاشا حد الحرابة الذي ورد النص بسقوطه بالتوبة قبل القدرة عليهم فقط)-المحلى 8/130-.
أما من قال بسقوط الحد بالتوبة فقد قال عنهم ابن حزم في كتابه المحلى (8-126): (وقال قوم: إن الحدود كلها تسقط بالتوبة وهذه رواية رواها أبو عبد الرحمن الأشعري عن الشافعي، قالها بالعراق ورجع عنها بمصر، واحتج أصحاب هذه المقالة بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم فخرج يشتد:" ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ يا هذا لو سترته بثوبك كان خيرا لك ".
ونحن تبعا لما فهمنا من كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم - نذهب هذا المذهب، ونعتقد أن الحد يسقط بالتوبة، وأن عدم سقوطه في فاحشتي الزنا والقذف هو الاستثناء، وأن التوبة تسقط الحدود وتجب ما قبلها. وهذا كتاب الله ينطق بالحق بين أيدينا:
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ( (لأعراف:153) .
)إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً( النساء17.
)ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ( النحل119.
ثم إن السنة النبوية بينت لنا أن رحمة الله سبقت غضبه، كما ورد في البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال الله تعالى فيما رواه عنه صلى الله عليه وسلم: "سبقت رحمتي غضبي".
وإقامة الحدود تعتبر انتصارا لغضب الله، وسقوطها بالتوبة من رحمة الله، ورحمة الله سبقت غضبه، قال تعالى: ) كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ( الأنعام12 ، وقال تعالى: ) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء( الأعراف 156 .
ثم إن آية حد السرقة فصلت في الأمر، وليست محتاجة إلى كل هذه الشروح، فقد نصت على أن التوبة مسقطة للحد بعد السرقة لا بعد إقامة الحد، فقال تعالى: ( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه) أي من بعد قيامه بالسرقة، ولم يقل : ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) كما ورد في آية الزنا والقذف التي استشهد بها ابن حزم في الموضوع، مما يدفع استنباط ابن حزم ومن على مذهبه دفعا كاملا.
على أن القول بسقوط الحد بالتوبة مطلقا يفتح بابا خطيرا أمام دعاة تعطيل الحدود، سواء من جهلة المسلمين، أو من المدسوسين في صفوفهم ، أو من أعداء الإسلام الظاهرين المتجاهرين، لذلك وجب – سدا للذرائع وقياما بأمر الله- أن يفهم حكم سقوط الحد بالتوبة جنبا إلى جنب مع ضرورة إقامة حدود الله فهما متكاملا لا يدفع أحدهما الآخر، ولا يسقط أحدهما الآخر.
ولو تأملنا النصوص التي يعتمد عليها الفريقان (من يرى سقوط الحد بالتوبة، ومن يرى عدم سقوطه) وجمعنا بينهما لتبين المخرج من هذا الاشكال:
ذلك أنه ثبت بالقرآن والسنة وجوب إقامة الحدود:
)وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( البقرة230.
)وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( التوبة112).
)تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ( البقرة 29.
)وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ( النساء:14.
وقال – صلى الله عليه وسلم- لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
وقال: (أما بعد، فإنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد).
وقال للمرأة التي قطعت يدها: (أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك).
وقال: (كل حد رفع إلي فقد وجب).
كما ثبت بالكتاب والسنة أيضا أن التوبة تسقط الحدود إلا ما استثنـي بنص كما هو الحال في حدي الزنا والقذف. فقال تعالى:
- )فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( المائدة39 .
- )وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( الأنعام54) .
- وقال – صلى الله عليه وسلم- : (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب).
- وقال لصفوان الذي سرق رداؤه، وأراد ألا يقطع السارق: (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به).
- وقال لمجموعة من الصحابة بايعوه: (أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا...ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).
- وقال – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم، فخرج يشتد: (ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).
- وقال لهزال الذي أشار على ماعز بالاعتراف: (لو سترته بثوبك كان خيرا لك).
- وقال – صلى الله عليه وسلم-: ( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
- وقال: (لا تقطع الأيدي في الغزو).
هذه النصوص لا تتعارض مطلقا مع النصوص الموجبة لإقامة الحد، لأنها متكاملة معها. لذلك إذا نظرنا في مجموعتي النصوص (مجموعة إيجاب الحد، ومجموعة التعافي عنه) وفهمناهما فهما متكاملا تبينت لنا الأحكام التالية:
الأصل هو أن التوبة تسقط الحدود، إلا ما استثنـي بنص، ولكنها التوبة المقرونة بالإصلاح الذي هو رد المظالم والعزم على الاستمرار في الاستقامة.
يجب – حفظا لحدود الله- التثبت من صدق التائبين، أو تلاعب المتظاهرين بالتوبة خوفا من العقاب.
للمتضرر – المسروق منه- أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطة القضائية.
المجتمع الإسلامي طرف في القضية، يتضرر بشيوع السرقة والخيانة، كما يستفيد من شيوع خلق الأمانة، وينتفع بإقامة الحدود انتفاعه بشيوع التراحم والتعافي بين أعضائه. والسارق من جملة هؤلاء الأعضاء، لذلك يستحب للمجتمع الإسلامي أن يتعافى الحدود بما لا يؤدي إلى تعطيلها، وهذا مفهوم من خطاب الرسول – صلى الله عليه وسلم- لأمته: (تعافوا الحدود فيما بينكم)
لكن ذلك يجب أن يكون قبل رفع قضايا السرقة إلى المؤسسة القضائية التي لا يجوز في حقها التعافي، وما رفع إليها من حد فقد وجب، وهذا يقتضي من المجتمع الإسلامي أن يضع تقنينات تبين ما يمكن التعافي عنه من الحالات، كما في المرض المزمن الذي معه موت السارق إن قطع، وكحالة الحرب التي ينبغي ألا تعطل فيها الأيدي عن تناول السلاح، وحالات المجاعة التي يختل فيها الاقتصاد، ويندر فيها تواجد الحاجات. وكحالة بعض ذوي المروءة والصدق الذين يغرر بهم أو يورطون غفلة منهم...وفي بعض الحالات الأخرى التي تقدر بقدرها.
الشفاعة في الحدود لا تجوز مطلقا، وذلك لأن الشفيع لا علاقة له بالموضوع، وليس طرفا فيه. وإنما أطرافه هم السارق والمسروق منه، والمجتمع الإسلامي، وقبلهم كلهم الله تعالى. والشفيع طرف غير هؤلاء جميعا، وليس له حق التدخل إلا أن يكون نصيحة أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر. ولذلك منع الرسول – صلى الله عليه وسلم- أسامة من الشفاعة في المخزومية التي سرقت، لكيلا يجترئ الناس عليها فتتعطل الحدود.
إن من الناس من ستره الله تعالى ولم يقم عليه الحد، فذلك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن هدي للامتثال لقوله تعالى ) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( النورلآية31، دخل بإذنه عز وجل في جملة المخاطبين بالآية الكريمة: )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( الزمر53.