8)) بالإضافة إلى أن سفر التثنية وقد روى قصة وفاة موسى ودفنه، وهي قصة لا بد منأن تكون خارجة عن نطاق أعمال موسى في هذا السفر، فإن الراوي يرى أن موسى فاق من جاء بعده من الأنبياء في بني إسرائيل، إذ يقول: "ولم يقم من بعد في إسرائيل نبي كموسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه" (تث 34: 10) مما يؤكد، بلا أدنى شك، أن صاحب الكلام هو غير موسى بالطبع.‏

((9)) وردت في أسفار التوراة أسماء أطلقت على أمكنة لم تعرف بها في عهد موسى، بل عرفت بعده بزمن طويل، مثل ما ورد في سفر التكوين بأن ابراهيم "جد في أثرهم" (أي في أثر الأعداء) حتى دان" (تك 14: 14). ولم تحمل "دان" هذا الاسم إلا بعد موت يشوعبمدة طويلة، كما ورد في سفر القضاة .

‏((10)) كثيراً ما يتجاوز الراوي، في رواياته في أسفار التوراة، حياة موسى، كأن يروي، في سفر الخروج (16: 35) أن بني إسرائيل أكلوا "المنّ أربعين سنة، إلى أن وصلوا إلى أرض عامرة، أكلوا المنّ إلى حين وصلوا إلى أرض كنعان "حيث" انقطع المنّ من الغد، منذ أكلوا من غلة الأرض" (يش 5: 12)، ومعلوم أن موسى قد مات قبل دخول العبرانيين إلى أرض كنعان وأكلهم من غلتها. أو أن يروي، في سفر التكوين ( 36: 31) عن "هؤلاء الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني إسرائيل"، إذ يتحدث الراوي "عن الملوك الذين كانوا يحكمون الأدوميين قبل أن يخضعهم داود لحكمه "حيث جعل داود" في "أدوم محافظين، وصار جميع الأدوميين رعايا لداود" ( 2صم 8: 14)،

مما يؤكد أن الراوي في هذا السفر قد عاش بعد داود .‏

بعد كل ما تقدم، يصل سبينوزا إلى الاستنتاجات التالية :‏
· من الواضح وضوح النهار" أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة"، وإن كان موسى قد كتب بعضها مثل: سفر حروب الرب، وسفر العهد، وسفر توراة الرب التي ورد ذكرها في أسفار التوراة (في سفر العدد وسفر الخروجوسفر التثنية) .‏

· ليس لدينا أي سفر "يحتوي، في الوقت نفسه، على عهد موسى وعهد يشوع"، مما يدل على أن سفر "توراةالرب" قد فقد، ونستنتج، بالتالي، من ذلك، أن هذا السفر "لم يكن من الأسفار الخمسة (التي تؤلف التوراة حالياً) بل كان سفراً مختلفاً كلياً، أدخله مؤلف الأسفار الخمسة في سفره، في المكان الذي ارتآه".‏
· يبدو أنه "من بين جميع الأسفار التي كتبها موسى"، لم يأمر بالمحافظة، دينياً، إلاعلى سفر واحد هو سفر العهد الثاني الذي هو "التوراة الصغير والنشيد".‏
· ليس من الثابت أن موسى قد كتب غير هذه الأسفار التي سبق ذكرها، "ولما كانت توجد نصوص كثيرة، في الأسفار الخمسة، لا يمكن أن يكون موسى كاتبها، فإن أحداً لايستطيع أن يؤكد، عن حق، أن موسى هو مؤلف هذه الأسفار الخمسة، بل على العكس، يكذب العقل هذه النسبة".‏
حتى لو أننا سلمنا بأنه "مما يبدو متفقاً على العقل أن يكون موسى قد كتب الشرائع في نفس الوقت وفي نفس المكان الذي أوحيت إليه فيه "يقول سبينوزا: "فإني، مع ذلك،أنكر إمكان تأكيد ذلك "لسبب هو أننا" لا ينبغي أن نسلّم، في مثل هذه الحالات، إلا بما يثبته ذلك الكتاب نفسه، أو ما يستنبط كنتيجة مشروعة من الأسس التي يقوم عليها،إذ إن الاتفاق الظاهر مع العقل ليس دليلاً، وأضيف أن العقل لا يضطرنا إلى التسليم بهذا" .‏

ويتابع سبينوزا، فيما تبقى من كتابه، تقديم براهين مماثلة لإثبات أن الأسفارالمتبقية من العهد القديم (يشوع والقضاة وصموئيل والملوك الخ..) لم يكتبها من سميت بأسمائهم (مثل يشوع وصموئيل مثلاً)، إنما يبدو، من تسلسلها ومحتواها، أن كاتبها
"مؤرخ واحد أراد أن يروي تاريخ اليهود القديم منذ نشأتهم الأولى حتى هدم المدينة
لأول مرة"، وربما عزرا .‏

**** أما موقف الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية من العهد القديم :‏

فيحدثنا الدكتور "صبري جوهرة" وهو من أقباط مصر.. يعمل جراحاً في الولايات المتحدة،وله ثقافة واسعة، وخاصة في أمور العقيدة القبطية
(( أن اللَّه (عز وجل) قد سمح للإنسان (وهو، في هذه الحالة، كاتب السفر) أن يضع "كل إحساساته وميوله في النصوص، ما دام ذلك لا يغير ما قصده اللَّه من معاني السفر الأخلاقية والدينية"، وعلى هذا الأساس "تعترف الكنيسة بعدم دقة الكتاب في معلوماته الفلكية والجغرافية والتاريخية والجيولوجية" ذلك أن الغاية منه هي أن "يعلّم الدين والأخلاق، ويساعد على الوصول إلى طريق الصلاح والسعادة"، ومن هنا، فإن كل من يتمسك بحرفيته "كمصدر آخر غير الأخلاق والدين" لا بد من أن يبتعد به عن غايته الأصلية، ويحيد عن الفهم الصحيح للغرض الديني والأخلاقي للكتاب.‏

وترى المسيحية، كما يشرح الدكتور صبري جوهرة في حديثه

أن الكتاب المقدس هو "عمل مشترك بين الرب والإنسان، وضع فيه كلاهما ما يريد" بحيث جاءت النتائج وهي تعكس "كما قال الرب في صحة تعاليم الأخلاق وعلاقات البشر بعضهم ببعض"

كما تعكس "عدم كمال الإنسان بكتابته لمعلومات علمية غير دقيقة، وأحياناً مضحكة"،
وأما ما يقال عن "التحريف المتعمد أو غيره، فالكنيسة لا تعتقد بحدوثه"
ولأمانة النقل نقول ما قاله صبري جوهرة أن الكنيسة " لا تعترف بتحريف وتغيير
المعاني الأصلية".

((((((( ويرى الدكتور جوهرة أن مزامير داود "منقولة حرفياً... وبدون تصرف، من أناشيد أخناتون" أول فرعون اعتمد ديانة التوحيد في مصر))))))).‏

**** ترى "الموسوعة البريطانية" أن مؤلفي أسفار "العهد القديم" مجهولون، وليس معروفاً أن كان جمعها قد تم، "على يد أفراد أو جماعات"، وأنها كتبت "باللغة العبرية فقط، عدا بعض المقاطع القصيرة النادرة التي دونت باللغة الآرامية"، إلا أن الجماعة اليهودية عمدت، لأسباب فقهية، إلى ترجمة التوراة (أو الأسفار الخمسة) من العبرية إلى الآرامية، و "قد ضاعت المخطوطات العبرية الأصلية، ولم يصلنا سوى الترجمات".‏

وفي القرن الثالث الميلادي، قام الفقهاء اليهود بترجمة الشريعة العبرية إلى
اليونانية فيما يعرف "بالترجمة السبعينية" ثم أدى انتشار المسيحية إلى ترجمة نصوص الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد) في مختلف اللغات .

وترى الموسوعة البريطانية، بحسب روايات العهد القديم: أن موسى "احتفظ بصحف مكتوبة"وأنه "حتى مع التوسع في تقدير هذه الصحف، فإنها لا تبلغ أكثر من خُمس الأسفار الخمسة، وهكذا يكون الادعاء التقليدي بأن موسى هو مؤلف الأسفار الخمسة ادعاء غير قابل للثبات وغير مدافع عنه".

كما ترى هذه الموسوعة أن موسى "وضع الوصايا العشر، وكان وسيطاً للعهد (مع الرب)،وبدأ عملية إصدار فتاوى أضافها إلى بنود العهد، وجمعها وتصنيفها" وأنه "دوّن، ولا شك، بعض الصحف التي استخدمت أساساً لمجموعة متزايدة من القوانين والتقاليد". ورغم ذلك، فهي ترى أنه "يمكن وصف الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس العبري (العهدالقديم) بأنها موسوية"، ذلك أنه، بدونها "لم يكن هناك وجود لاسرائيل، ولا لمجموعة تعرف بالتوراة" .‏

أما الوسائل التي أتاحت للباحثين تمييز المصادر الأساسية للأسفار الخمسة وتحديد
تسلسلها الزمني فهي: اليهودية (نسبة للرب باسم يهوه)، والألوهية (نسبة للرب باسم
ألوهيم)، والتثنوية، والكهنوتية. وقد تم، بعد ذلك، اكتشاف مصادر أخرى للعهد القديم،
منها كتابان من الأدب العبري القديم مفقودان اليوم ويحتويان، في أجزاء منهما، القصص الأولى، وهذان الكتابان هما: كتاب حروب يهوه وكتاب "ياشار" (العادل)، وقد كتبا بلغة شعرية .‏

**** وترى الموسوعة الفرنسية "كييه" أن أقدم نص كامل للعهد القديم بالعبرية، يعودتاريخ إلى العام 950م، ولم يصلنا منه، قبل ذلك، سوى نتف قليلة "باستثناء مخطوطات صحراء اليهودية التي تعود، عادة، إلى القرن الثاني ق. م. والتي تعود إلى كل أسفارالعهد القديم، باستثناء سفر استير".‏

وقد كتبت معظم أسفار العهد القديم باللغة العبرية (اللغة السامية التي استخدمت في
فلسطين حتى القرن السادس ق. م.)، بينما كان هناك بعض أقسام من الأسفار باللغة
الآرامية (اللغة الدولية المتداولة في آسيا القديمة، والتي استخدمها اليهود منذ
سبيهم إلى بابل)، كما أن آخر سفر من العهد القديم. وهو سفر الحكمة، قد كتب باللغة
اليونانية .‏

ووفقاً للمفهوم المسيحيي، تعتبر التوراة حصيلة تعاون بين اللَّه والإنسان، فاللَّه
هو المؤلف الحقيقي، لأنه هو الذي أوحى للكاتب وتكشّف له، ولكن الكاتب، هو أيضاً،
المؤلف، كلياً، للكتاب الذي كتبه، لأنه وضع فيه كل شخصيته. وينتسب مؤلفو التوراة
إلى العصور القديمة، السامية والهلينية، لذا، نراهم يستخدمون عدة أشكال للتعبير
الأدبي ليس مألوفاً لدينا"، وعلى هذا، فإننا نجد، مثلاً، في الفصلين الأولين من سفر
التكوين "فكراً لاهوتياً، مع مجموعة من التقاليد الشعبية، في الوقت نفسه".

‏وفي أي حال، فإن مؤلف التوراة "لم يكن ينوي، في أي وقت، أن يعلّم العلوم، ولكن، بما أنه ينتمي إلى عصر محدد، فهو يستخدم علوم ذلك العصر ومعارفه، وحتى أساطيره وفنونه الشعبية". وهكذا، فإن التوراة تاريخ "لتقدم بطيء، في المجالين الأخلاقي والروحي، لشعب اللَّه!!!، هذا التقدم الذي هو اليوم، بالنسبة إلى المسيحيين، مستمر في الكنيسة".

‏**** ويرى الباحث "موريس بوكاي"

أن "اليهودية والمسيحية" ظلتا خلال قرون طويلة "تقولان بأن مؤلف التوراة "هو موسى نفسه"، وربما كان ذلك بسبب ما ورد في سفر الخروج (1- 14) والعدد (2: 23) والتثنية (9: 31) من أن اللَّه أمر موسى بأن يكتب.‏
ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، كان هناك دفاع عن النظرية القائلة بأن موسى هو كاتب
الأسفار الخمسة للتوراة، ولكن هذه النظرية سقطت اليوم ولم تعد قائمة، رغم أن "العهد القديم" ينسب إلى موسى "أبّوة" هذه الأسفار
.‏

ويستند "بوكاي" في حججه لدعم النظرية القائلة بأن موسى ليس مؤلف التوراة، على تلك التي يقدمها الأب ديفو ) مدير المدرسة التوراتية في القدس)، الذي وضع، عند ترجمته لسفر التكوين ( عام 1962)، مقدمة عامة للأسفار الخمسة للتوراة تضمنت "حججاً ثمينة جداً تنقض التأكيدات الأنجيلية لأبوة موسى لهذه الأسفار"، كما ذكر أنه "في القرن السادس عشر(م)، لاحظ (كارلستادت ( أن موسى لم يستطع كتابة قصة موته في سفر التثنية"(5: 34- 12). وعدّد كارلستادت، كذلك، انتقادات أخرى ترفض نسبة قسم من الأسفار
الخمسة إلى موسى.