يتبع تاريخ القد س وأحداثها


الاستعداد لحصار طويل:


كانت الشدائد والأهوال التي لقيها صلاح الدين ومن معه بعد تحرير القدس ـ أكبر بكثير مما عانوه قبل الفتح وعند دخولهم المدينة المباركة، فقد حفز فتح المسلمين للقدس كل قوى أوروبا، فخرجوا في أعداد كبيرة، واستعدادات حربية ضخمة، وقاد ملوكهم الكبار الجيوش بأنفسهم، بحثًا عن موضع لهم في الأرض المباركة.

وقد عانى المسلمون الكثير وصبروا صبرًا عظيمًا في حصار الصليبيين لعكا، لعلم صلاح الدين ومن معه أن سقوط عكا يفتح الطريق أمام الصليبيين نحو القدس، لكن المدينة الساحلية سقطت في يد ريتشارد وجنوده في جمادى الآخرة سنة خمسمائة وسبع وثمانين، وراح السلطان صلاح الدين والمسلمون يستعدون بقوة لمواجهة حصار صليبي قاس للقدس.

لم يكن صلاح الدين يرى أن الاستعداد المادي يكفي وحده لمواجهة العدو؛ لذا لم تتوقف جهوده عند حفر الخنادق حول القدس، وتقوية سورها، وتعزيز نقاط الدفاع فيها، وردم العيون خارج السور لكي لا ينتفع بها العدو القادم ـ وإنما تجاوزت جهود المجاهد الكبير ذلك إلى الجانب القلبيّ والنفسيّ، فقام جنودُه ـ بإشارة من العماد الأصفهاني الكاتب ـ بالمبايعة على الموت عند صخرة المعراج، كما كان الصحابة يفعلون، ووقف صلاح الدين في جنوده خطيبًا، يحملهم مسئولية عظيمة، وهي حماية الأمة المسلمة كلها.

ووجد صلاح الدين إجابة حسنة من جماعة المسلمين، ففرح لذلك، ووزع القوات بحيث يتبقى بعضها داخل المدينة يدافع عنها، ويبقى البعض الآخر خارج القدس: يشغل الصليبيين، ويبقى لحماية باقي ديار الإسلام، وكان اليوم جمعة، فلما حضر صلاح الدين للصلاة، "وأذن المؤذن للظهر ـ قام فصلى ركعتين بين الأذانين، وسجد وابتهل إلى الله ـ تعالى ـ ابتهالاً عظيمًا، وتضرع إلى ربه وتمسكن، وسأله فيما بينه وبينه كشف هذه الضائقة العظيمة".

وكان الله مع خَلْقِه وعبادِه، فكشَف الغُمة بخلافٍ وقع في معسكر الصليبيين، الذين مالوا إلى طلب الصلح. ولم يمكث صلاح الدين في القدس بعد ذلك إلا أياما قليلة.



آخر أيام صلاح الدين في القدس:


وجْهُ صلاح الدين تعرفه القدس جيدًا مجاهدًا رحيمًا، وتملأ البسمة فمها حينما تذكره كواحد من أعظم أبطالها، ووجه القدس يعرفه صلاح الدين جيدًا، ويملأ الحزن قلبه من قسوة الناس مع هذه المدينة المباركة، الجالسة فوق رُبا عالية، تنظر إلى الناس في كبرياء وجلال جيلاً وراء جيل.

وقد عاد صلاح الدين إلى القدس بعد صلح الرملة الذي عقده مع ريتشارد قلب الأسد في شعبان من سنة خمسمائة وثمان وثمانين، وأخذ يرتب أمور المدينة المقدسة، وينظم شؤونها الإدارية، ووسع في أوقاف المدارس والصوفية.

ثم اشتاق قلبه إلى الحج، وطار به الشوق إلى سماء مكة والمدينة وأرضهما، فعزم على الحج، لكن أصحاب الرأي من المسلمين، رأوا أن يؤجل السلطان حَجَّه إلى عام آخر، خوفًا على البلاد من الصليبيين، فاستجاب صلاح الدين للنصح، ومكث في بيت المقدس بقية شعبان وجميعَ شهر رمضان قضاه في صيام وصلاة وقرآن في رحاب المسجد الأقصى وعند الصخرة، وكان يُكْرِم ملوك الفرنجة إذا وفدوا عليه، تأليفًا لقلوبهم، ومنعًا لشرورهم عن المسلمين.

وفي الخامس من شوال ركب السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وعساكرُه الخيول ونيتُه دمشق، بعد أن عين عز الدين جوردبك نائبًا له على القدس، وبهاءَ الدين بن يوسف بن رافعٍ الشافعيَّ قاضيًا عليها، وراحت الخيل تخرج من القدس متثاقلة، فهي الخطا الأخيرة هنا لصلاح الدين فوق هذا التراب الغالي؛ إذ توفي ـ رحمه الله ـ في دمشق أواخر شهر صفر من العام التالي، وترك القدس وغيرها أمانة في أعناق خلفائه من بني أيوب.



صلح الرملة:


استهلكت مواجهة الحملة الصليبية الثالثة (التي جاءت لاسترداد القدس من المسلمين) جهودا ضخمة من صلاح الدين وجيوشه، حتى ملَّ كثيرٌ من جنوده طولَ القتال وشدتَه، لكن القائد الباسل وكبار رجاله راحوا يحثون الناس على الثبات والصبر، ويحمّلونهم مسئولية الذود عن الأمة الإسلامية وعن دينها..

ولم يكن الصليبيون أقلَّ مللا للقتال، الذي كان يكلفهم كل يوم ثمنا باهظا من القتلى والأسرى والأموال والسلاح.. ومع هذا ظلَّ الموقف الحربي ـ في الغالب ـ ثابتا بين الفريقين، فالصليبيون عاجزون عن استعادة بيت المقدس، والمسلمون غير قادرين على إجلاء الغزاة عن السواحل الشامية..

في هذه الأجواء مال الخصمان إلى المسالمة، واتفقا على عقد هدنة بينهما، فعُقدت وتضمنت بنودا: أولها ثبات كل فريق على ما تحت يده من الأرض (وكان للفرنجة حينها الشريط الساحلي الممتد من صور إلى حيفا).. وثاني بنود الاتفاقية: إتاحة الفرصة للصليبيين لزيارة بيت المقدس بغير ضريبة يدفعونها، وثالثها: إيقاف الحرب بين الطرفين ثلاث سنوات..

وهذا البند الأخير يؤكد أن معاهدة الرملة ليست رضىً بالاحتلال، ولا سكوتا على اغتصاب أرض المسلمين، وإنما كان اتفاقا مؤقتا لالتقاط الأنفاس المتسارعة من كثرة الحروب بلا جدوى..


العلاقات السياسية في العالم الإسلامي أيام خلفاء صلاح الدين:


بعد رحيل صلاح الدين عن الحياة (عام 589هـ) بقي الأيوبيون فرسانَ الحلْبة وأقوى سلطة في العالم الإسلامي، وإن ظلت الفُرقة والتشرذم والتقاتل الداخلي أشياء مألوفة في البيت الأيوبي منذ رحيل السلطان العظيم صلاح الدين إلى أن زال ملك الأيوبيين بعد تولي المماليك السلطنة في مصر والشام وكسرهم التتار سنة 658هـ.

كان أكبر خطأ وقع فيه الأيوبيون، هو تفتيت دولة صلاح الدين بين أفراد أسرته، فتولى أخوه العادل العراق وديار بكر، وجاءت مصر في نصيب العزيز بن صلاح الدين، والقدس ودمشق للأفضل بن صلاح الدين، وتملك الظاهرُ بن صلاح الدين حلب. وبقيت حمص وحماة وبعلبك واليمن لأبناء عمومة السلطان الراحل.

وتكرر نفس الخطأ عقب وفاة العادل سنة 615هـ، فقد تقاسم أولاده مملكته (التي وسّعها على حساب بقية سلاطين بني أيوب)، فدمشق (وتتبعها القدس) للمعظم عيسى، ومصر للكامل، وميافارقين وما يتبعها لنجم الدين، والأشرف له العراق.

كان هذا الوضع ـ في كل الأحوال ـ كفيلا بأن يحاول كل سلطان من هؤلاء الوثوب للاستيلاء على دولة الآخر، وتوسيعِ مملكته على حسابه. وانتقالُ القدس من سلطان إلى آخر من الأيوبيين نموذج على هذا التنافس، فبعد صلاح الدين تولى عليها ابنه الأفضل، ثم انتزعها منه عمه العادل، وورثها عنه ابنه المعظم، وبوفاة المعظم سنة 624هـ تولى أمر القدس ابنه الناصر داود، لكنها لم تدم في يده طويلا؛ إذ انتزعها منه سريعا عمه الكامل سلطان مصر.

أما الخليفة العباسي، فلم تكن سلطاته تتجاوز بغداد ومساحات أخرى حولها، حتى عجز عن قيادة حركة التحرير ضد الغزوين الشرسين الصليبي والمغولي، وهو ما تولاه مجاهدون عظماء من الزنكيين والأيوبيين والمماليك.

وكل ما بقي للخلافة هي قيمة معنوية في العالم الإسلامي، إذ كان السلاطين والملوك المسلمون يستمدون شرعيتهم من هذه الخلافة، فعل هذا صلاح الدين نفسه وأخوه العادل ، ومَن بعدهما من بني أيوب.

كانت هناك قوة سياسية أخرى في العالم الإسلامي، وهم السلاجقة الذين كان لهم سلطان واسع في القرن الخامس الهجري، لكنهم كانوا أثناء القرن السادس في مرحلة الأفول، فقد سيطر الزنكيون على أملاكهم في الشام سنة 511هـ، وأزال الخوارزميون ملكهم من العراق سنة 590هـ، وبقيت لهم أرضهم في آسيا الصغرى إلى ما بعد الأيوبيين.

يتبع