(8)
أقبل الطبيب الذي تخلف عن غداء الأحد ثلاثاً متواليات..
فألفى أباه جالساً لا يزال لدى مدخل الدار..
فتمالك نفسه وحياه..
ولكنه لم يرد التحية..
وبادره قائلاً: أين كنت طوال اليوم..
قال الطبيب متلطفاً: في المستشفى كعادتي يا أبي..
وساد بينهما الصمت فترة حتى تمالك الرجل نفسه..
وقال في هدوء مصطنع:
إن أمرك يا بني لم يعد خافياً علي..
خاصة بعدما تكرر غيابك كل يوم أحد..
ولقد اجتمعت عندنا دلالات خطيرة عن سلوكك في العامين الأخيرين..
وهي دلالات قد أثارت في نفسي ظنوناً تكاد تقتلني حسرة على ما آل إليه أمرك..
وما صرت عليه من حال..
فهلا حدثتني بحقيقة الخبر..
وصدقتني القول..
فإني أجد الحقيقة مهما بلغ سوءها أرحم بي مما أنا فيه..
قال الطبيب الشاب:
إني محدثك بالصدق يا أبي..
فما هي هذه الدلالات والظنون التي تشير إليها..
قال الوالد:
كتاب المسلمين.. !!
وجده الكواء في جيبك من نحو عامين..
وقد كتمت الأمر ظناً مني أنك سعود إلى صوابك ورشدك..
فتنتهي عما أنت فيه..
وها هو الكتاب فانظر إليه جيداً..
أليس هذا الكتاب يخصك..
أجب أيها الضال..
سكت الطبيب لحظة ثم قال:
لا يا أبي.. الكتاب يخصني فعلاً..
فثارت ثائرة الأب لجرأته،
وعاد يقول:
وأخوك سليم.. لقد رآك من ثقب الباب وأنت تقوم وتقعد على غير هيئة الصلاة عندنا..

ولقد حدث أمه بما رأى فكذبته ونهرته..
لكنها راقبتك بنفسها..
وقد ثبت عندها صدق مقالة أخيك..
ألم تفعل هذا حقاً حين تخلو بنفسك في حجرتك بداري؟
سكت الطبيب وقد بدا له أن الأمر جد ما بعده جد،
وعاد الأب يقول:
لقد أصابني من ذلك ما لا قبل لبشر باحتماله،
ولكني كنت أوثر الصمت وأحمل ذلك كله في حبك للعلم والمعرفة،
حتى كان الأحد الذي مضى من ثلاثة أسابيع،
ثم الذي بعده
ثم هذا اليوم الأسود
حين حصل غيابك اليوم كله،
وتكرر غيابك بالليل،
لقد ظننت أن هذا التتصرف الغريب من جانبك له صلة بهذا الشهر الذي يصومه المسلمون الآن..
والمسمى بشهر رمضان..
فهل أنت تفعل فعلهم أيضاً أم هي المصادفات؟
وفوجيء طبيب الامتياز الغارق في البحث والتطبيق العلمي والتدريب التطبيقي العملي ..
بهذا الموقف من أبيه..
وما جره عليه اتخاذه القرارات بمعرفته منفرداً..
وإصراره على أداء العبادات قبل أن يستقل بحياته كما كان ينصحه صاحباه..
لكنه رأى وقد انكشف له الأمر أن قد آن له أيضاً أن يستريح..