اللوغوس عند الرواقيين (333 ق.م. - 264 ق.م.)
الرواقية مدرسة فلسفية تعتمد على تعاليم زينون الرواقي (333 ق.م. - 264 ق.م.) وهو زينون ابن أمناسياس المتحدر من عائلة فينيقية كانت تسكن في مدينة أكتيوم في جزيرةقبرص ، اختلف المؤرخون في سبب ذهابه إلى اليونان ، فمنهم من اعتقد بأنه كان تاجراًبحاراً وغرقت سفينته هناك ، فاستهوته الفلسفة وبقي هناك، ومنهم من قال أن أباه كان تاجراً و كانيشتري لأبنه الكتب و بعد الإطلاع قرر الذهاب إلى هناك و الاجتماع بكبار الفلاسفة آنذاك ، ولكن ما هو مؤكد أنه سوري من جزيرة قبرص و من هناك اتجه إلى اليونان . قرأزينون كثيراً و فهم وأدرك بعد الفلسفة اليونانية عن الحقيقة ، فاتخذ لنفسه مكاناًفي رواق في منتدى الأدباء والفنانين و علم به من غيرنه على الحقيقة ، ومن هناك شاعتالفلسفة باسم الفلسفة الرواقية و انطلقت إلى طول البلاد وجوارها لحقب طويلة تزعم الرواقية أن التحكم الذاتي، الثبات وعدم الالتهاء بالعواطف، التي قد تفسّر باللامبالاة بالمتعة والألم، تجعل الإنسان مفكرا سليما، متزن التفكير وموضوعي. أحد جوانب الرواقية الأساسية هي تحسين رفاهة الفرد الروحية الفضيلة، المنطق والقوانين الطبيعية هي تعليمات أساسية.
الرواقيون قالوا أن العقل أو اللوغوس هو المبدأ الفعال في العالم، وهو الذي يشيع في العالم الحياة، وأنه الذي ينظم ويرشد العنصر السلبي في العالم ويعنون "المادة".
وقال ذيوجانس اللائرسي عن مذهب الرواقيين : "يقول الرواقيون أن اللوغوس هو المبدأ الفعال في الهيولي، إنه الله، وهو سرمديّ، وهو الفعال لكل شيء من خلال المادة".
وقد استخدمت تعبير ( اللوغوس سبرماتيكوس ) أيضاً في الفلسفة الرواقية في عبارة «لوجوس سبرماتيكوس logosspermaticus» بمعنى «الكلمة التي تعطي الحياة»، وهي عبارة تعني أن الكلمة بمنزلة البذرة أو المنيّ أو سائل الحياة الذي يُنثَر في العالم بأسره فيسبب الولادة والنمو والتغيُّر في كل الأشياء (وهنا تظهر واحدة من أهم مفردات الحلولية). وإذا كان العالم من منظور اللوغوس أورثوس يشبه الآلة التي تُدار من الخارج، فهو هنا يشبه الكائن الحي. وتحوي اللوغوس سبرماتيكوس سائل الحياة الذي يحوي بدوره عدداً غير متناه من الحيوانات المنوية تقوم كل واحدة منها بخلق أو توليد كيانات، لكلٍّ منها هدف مستقل، ومع هذا فهي جميعاً متناغمة متساوية.
وقد استخدم الرواقيون (من اليونانيين والرومان) العبارة اللاتينية «ريكتا راتيو rectaratio» للإشارة إلى النظام أو القانون السليم أو الضرورة التي يجب أن تمتثل لها أفعال الإنسان والعنصر العاقل الكامن في كل الأشياء. فكأن اللوجوس هنا هو الراتيو (التي اشتُّقت منها كلمة «راشيوناليزم rationalism» أي «العقلانية»).
و حتى مصطلح الارثوزوكس و الذى يعنى «العقيدة السليمة»او «العقل السليم» أو «الحجة السليمة» و الذى يحوة المقطع «أورثو» فقد استخدم السفسطائيون اصطلاح «لوجوس أورثوس» للإشارة إلى المبادئ والقواعد المنطقية التي ينبغي اتباعها للوصول إلى الاستنتاجات السليمة التي يمكن استخدامها لتقديم وجهة نظر ما بطريقة سليمة و هكذا تفوح رائحة الوجبات الفلسفية فى جوانب هذة العقيدة .
يلخص الدكتور حليم اسمر فكر الرواقيين فى اللوغوس قائلا :


وإذا عرجنا على الفلسفة الرواقية، والتي يمتزج نسيجها بنسيج الشرق ووعيه لمكنونات روحه الحضارية، نجد أن اللوغوس يتجلّى من خلال :
ـ النظام والغائية في العالم .
ـ اللوغوس يعادل مفهوم الله .
ـ اللوغوس يعادل مفهوم العناية والقدر
ـ اللوغوس يعادل زيوس .
ـ اللوغوس هو المبدأ الذي خلق العالم .
ـ اللوغوس هو القوة التي تنشئ وتشكّل المادة وتعطي النمو للنبات والحركة للحيوان .
ـ اللوغوس يعطي للإنسان قوة المعرفة وقوة العمل الأخلاقي .
ـ جميع القوى تخرج من اللوغوس وكلها تعود إليه .
ـ العقل الخاص بالإنسان هو جزء من العقل العام .
ـ اللوغوس هو العقل الإلهي الإنساني المشترك وبحسبه يعيش الإنسان حسب الطبيعة ويتحقق هذا عند الفيلسوف .
ـ ثنائية اللوغوس : الفعل الباطني والكلام الذي يعبّر عنه ظاهرياً .
ـ موافقة الطبيعة عند الإنسان هي عبارة عن الحياة وفقاً للعقل .
واللوغوس هو سر الوحدة مع الإله ... السر أو الاحتفال . واللوغوس : صلاة، وهو الوسيلة الوحيدة للاتصال بالله .


تأثير فكر الرواقيين على كاتب انجيل يوحنا
الدكتور عثمان أمين فى كتابه الفلسفة الرواقية يقيم مقارنه بين المسيحية والرواقية حيث يقول فى الباب الرابع " الرواقية والمسيحية " ص 286 ـ 293 :


إذا رجعنا إلى بعض آراء الباحثين المسيحيين وجدنا منهم من يرى فى المذاهب الرواقية " تمهيدًا للإنجيل " بل لقد ظهر باللغة الألمانية كتاب ذهب فيه صاحبه إلى أبعد من هذا ، فقرر أن " الرواقية أصل المسيحية " وجعل هذه العبارة نفسها عنوان كتابه .... من المشهور لدى الباحثين فى الإلهيات المسيحية أن رسائل " بولس الرسول " هى فى لهجتها ومضمونها قريبة الشبه برسائل " سنكا " ومقالات " ابكتيتوس " . وتعليل ذلك ما هو معلوم من نشأة بولس الرسول ببلاد " طرسوس " فى وسط قد شاعت فيه الأفكار الرواقية . فبولس الرسول مثلاً يرى رأى الرواقيين فى عدم الاكتراث بما يحيط الإنسان من ظروف خارجية إذ لا دخل لها عنده فى نجاة الإنسان وسلامة روحه . ثم أن " أبكتيتوس " و " بولس" كانا كلاهما ينشدان فى الثقة بالله مصدر قوتهما ، وقد وجد كلاهما من نتائج هذه الثقة إيمانًا وهدوءًا فى كافة ظروف الحياة . ويمكن مقارنة صورة " الحكيم " التى رسمها " أبكتيتوس " بصورة " الرسول " الذى بعثه الله على الأرض . وإذا تأملنا استعمال " بولس الرسول " للفظ " الجسم " مثلاً وجدناه استعمالاً رواقيًا بحتًا . وكذلك طريقته فى تحليل الأجسام وأنواعها من أرضية وحيوانية وسماوية . وقس على ذلك تحليل بولس " للطبيعة البشرية " فنحن نرى إنه بنى نظريته على أساس رواقى ، إذ يرى أن الإنسان وحدة جوهرية ، وموضوع هذه الوحدة أشياء ثلاثة : " الروح والحياة الحيوانية والجسد " . فالنفس يشترك فيها الإنسان والحيوان. والروح يشترك فيها الله والإنسان. وبهذه النظرية يصبح الله والإنسان شريكين فى ناحية من نواحى العالم يخرج فيها الحيوان والنبات والجماد، وناحية المشاركة هى الطبيعة الروحية . ولقد قال الرواقيون بهذا .
ويقول دكتور عثمان أمين ان النظرية المسيحية التى تذهب إلى أن الله واحد ومتعدد فى وقت واحد ، هى نظرة تمت إلى الفلسفة الرواقية بسبب وثيق ، وأن أصولها مبسوط فيما كتبه " سنكا " فإن سنكا يدعو القوة العظمى التى أبدعت الكون تارة " الله المسيطر " وتارة " الحكمة اللاجسمانية " التى تخلق جليل الأعمال ، وتارة أخرى يسميها "الروح الإلهية " التى تجوس خلال الأشياء عظيمها وحقيرها "
و يحتج بعض اهل الكتاب بكلمات الدكتور يوسف كرم فى كتابه تاريخ الفلسفة اليونانية عاقدا مقارنة بين المسيحين و الرواقيين حيث قال فى صفحة 254:
" وأما الرواقية فكان المسيحيون ينكرون منها قولها بوحدة الوجود ، والمادية المطلقة ، والضرورة العاتية ، وفناء الشخصية بالموت ، وجواز الانتحار . وكانوا يأخذون على أصحابها تناقضهم فى تقواهم وهم لا يعترفون لله بوجود مفارق وشخصية مستقلة .. )
و بالطبع نحن لا ندعى ان كاتب يوحنا تبنى الفلسفة الرواقية بكل ما فيها و لكنه تبنى فكرة وجود اللوغوس و كينونته علاقته بالالوهية .