45-47
سلمان يلحق بصاحب عمورية : فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب عَمُّورِية، فأخبرته خبري ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عند خير رجل ، على هَدْي أصحابه وأمرِهم ، قال : واكتسبتُ حتى كان لي بقرات وغُنَيْمة . قال : ثم نزل به أمرُ اللّه ، فلما حُضِر، قلت له : يا فلانُ ، إنى كنت مع فلان ، فأوصى بى إلى فلان ، ثم أوصى بى فلان إلى فلان ، ثم أوصى بى فلان إليك ، فإلى من تُوصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أي بني ، واللّه ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مِثل ما كنا عليه من الناس أمرك به أن تأتيَه ، ولكنه قد أظل زمانُ نبىٍّ ، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب ، مُهَاجَرُه إلى أرض بين حَرَّتَيْن ، بينهما نخل به علامات لا تخفي، يأكل الهديةَ، ولا يأكل الصدقةَ، وبين كتفيه خاتَمُ النبوة، فإن استطعتَ أن تلحقَ تجلك البلاد فافعلْ .
سلمان يذهب إلى وادي القرى : قال : ثم مات وغُيِّب ، ومكثت بَعَمُّورِية ما شاء اللّه أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كَلب تجار، فقلتُ لهم : احملونى إلى أرض العربِ ، وأعطيكم بقراتي هذه وغُنَيْمتى هذه ، قالوا: نعم فأعطَيْتُهُموها، وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلمونى، فباعوني من رجل يهودي عبداً، فكنت عنده ، ورأيت النخلَ ، فرجوْتُ أن يكون البلدَ الذي وَصف لي صاحبى، ولم يحق في نفسى . فواللّه ما هو إلا أن رأيتُها، فعرفتها بصفةِ صاحبى، فأقمت بها، وبُعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام ، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرقِّ ، ثم هاجر إلى المدينة.
سلمان يسمع بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة : فواللّه إنى لفي رأس عذْق لسيدي أعمل له فيه. بعض العمل وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابن عم له ، حتى وقف عليه ، فقال : يا فلانُ ، قاتل اللّه بنى قَيْلة، واللّه إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم ، يزعمون أنه نبي .
سلمان يستوثق من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم : قال : وقد كان عندي شيء قد جمعته ، فلما أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بقُبَاء، فدخلت عليه ، فقلت له : إنه قد بلغنى أنك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحقَّ به من غيرِكم ، قال : فقرَّبته إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا، وأمسك يده ، فلم يأكل . قال : فقلت في نفسي : هذه واحدة . قال : ثم انصرفتُ عنه ، فجمعت شيئا، وتحول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئتُه به ، فقلت له : إني قد رأيتُك لا تأكل الصدقة، فهذه هديةٌ أكرمتُك بها. قال : فأكل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منها، وأمر أصحابه ، فأكلوا معه . قال فقلت في نفسى: هاتان ثنتان ، قال : ثم جئت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغَرْقَد، قد تبع جنازة رجل من أصحابه ، علىَّ شملتان لي ، وهو جالس في أصحابه ، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآنى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استدبرته ، عَرَف أنى أستثبت في شيء وُصف لي، فألقى رداءه عن ظهره . فنظرت إلى الخاتم فعرَفته ، فأكببتُ عليه أقبله ، وأبكي ، فقال لي رسول الله

صلى الله عليه وسلم : تحول ، فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثى، كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اللّه عليه وعلى آله وسلم أن يسمع ذلك أصحابُه . ثم شَغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.

ص 63
زيد يرحل إلى الشام وموته : ثم خرج يطلبُ دينَ إبراهيم عليه السلام ، ويسأل الرهبانَ والأحبار، حتى بلغ الموصِل والجزيرةَ كلَّها، ثم أقبل فجالَ الشامَ كلَّه ، حتى انتهى إلى راهب بميْفَعة من أرض البلقاء، كان ينتهي إليه عِلْمُ أهلِ النصرانية فيما يزعمون ، فسأله عن الحنيفيةِ دين إبراهيم ، فقال : إنك لتطلب دِيناً ما أنت بواجدٍ من يحملك عليه اليوم ، ولكن قد أظلَّ زمانُ نبي يخرج من بلادك التي خرجتَ مِنها، يُبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحقْ بها، فإنه مبعوث الآنَ ، هذا زمانُه ، وقد كان شَامَّ اليهودية والنصرانية ، فلم يرضَ شيئاً منهما، فخرج سريعاً، حين قال له ذلك الراهب ما قال ، يريد مكةَ، حتى إذا توسط بلادَ لخم ، عَدَوْا عليه فقتلوه

ص 76-77
الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر خديجة رضي الله عنها بنزول جبريل عليه: وانصرفتُ راجعاً إلى أهلي ، حتى أتيتُ خديجةَ، فجلست إلى فخذها مُضيفا إليها، فقالت : يا أبا القاسم ، أين كنتَ ؟ فواللّه لقد بعثت رسلي في طلبك ، حتى بلغوا مكةَ ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيتُ ، فقالت : أبشرْ يا ابن عمِّ واثبُتْ فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة .
خديجة رضي اللّه عنها تخبر ورقة بن نوفل : ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى ابن قُصي ، وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصّر، وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة والإنجيل . فأخبرته بما أخبرها به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع . فقال ورقةُ بن نوفل : قدُّوس قدوس ، والذي نفس ورقةَ بيده لئن كنتِ صدقتيني يا خديجةُ لقد جاءهالناموس الأكبر .

الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبيُّ هذه الأمة. فقولى له : فليثبت . فرجعت خديجة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فأخبرته بقول ورقةَ بن نَوْفَل . فلما قضى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم جوارَه وانصرف ، صنع كما كان يصنع : بدأ بالكعبة، فطاف بها. فلقيه ورقةُ بن نوفل ، وهو يطوف بالكعبة . فقال : يا ابن أخى أخبرْنى بما رأيتَ وسمعتَ : فأخبره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقال له ورقةُ : والذي نفسى بيده ، إنك لنبىُّ هذه الأمة، وقد جاءك الناموسُ الأكبرُ الذي جاء موسى. ولتُكَذِّبنهْ ، ولتُؤذَيَنَّهْ ، ولتُخْرَجَنهْ ، ولَتُقَاتلنَّهْ . ولئن أنا أدركتُ ذلك اليوم لأنصرنَّ اللّهَ نصراً يعلمه . ثم أدنى رأسَه منه ، فقبل يافوخَه ، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى منزله