قوى الرفض الإسلامية


تتكلم وسائل الإعلام أحيانا عن قوى الرفض الإسلامية والتي غالباً ما يتم وصفهم بالمتطرفين كما لو كانوا قد نزلوا من المريخ، كما أنهم بلا جذور أو فروع في المجتمع المصري ، كما لو أنهم غرباء وفدوا إلى أرضنا بمحض الصدفة السيئة، إن ما ارتكبه وما يرتكبه هؤلاء من عنف ربما هو المسئول عن محاولة وسائل الإعلام تبرئة المجتمع المصري منهم، ولكن الخطورة في هذه النظرة للتطرف والمتطرفين هي أنها تخلي نصيبنا كشعب وكمجتمع وكنظام من المسئولية بل إنها تنطوي على تسويف وطمس بليد لجذور الظاهرة .

إن هؤلاء المتطرفين ينحدرون من أهم شريحة في الطبقات الوسطى والتي كانت وستظل أهم مصدر للحيوية السياسية والاجتماعية في مصر، إنها الشريحة التي أفرزت معظم زعمائنا الوطنين خلال هذا القرن ابتداءً من سعد زغلول إلى النحاس وانتهاء بحسني مبارك .

وبالنظر إلى قائمة المتهمين في قضية الفنية العسكرية ـ كمثال ـ نجد أن معظم المتهمين من طلاب وخريجي كليات الطب والهندسة والزراعة والفنية العسكرية نفسها، وكان بينهم ضابطان برتبة عقيد وكان إباؤهم من موظفي الدولة ومن صغار ومتوسطي الملاك في الريف والمدن .
نفس الشيء تكشف عنه النظرة المتفحصة للمتهمين في القضايا الأخرى كقضية (ثورة مصر) والتي تزعمها نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكل المشتركين من خيرة شباب الوطن ونفس الشيء مع كل القضايا الأخرى.
خلاصة القول هو أن المتطرفين ليسوا من أطراف المجتمع ولكن من قلبه وصلبه ، ويمكن أن يكون من بينهم أخ لي أو لك أو قريب لي أو لك، ولنسأل أنفسنا من منا ليس له قريب أو صديق في الجماعات الدينية ؟ من منا ليس له قريبة من اللائي أخذن بالحجاب أو الزي الإسلامي في السنوات العشرين الأخيرة؟!!.

والسؤال الآن.. لماذا ينخرط شباب من صلب المجتمع ومن أحسن عناصره المتفوقة دراسيا ومن أكثر طبقاته حيوية ونشاطا لماذا ينخرط مثل هذا الشباب إلى جماعات دينية متطرفة تلجأ إلى العنف والإرهاب؟.
والإجابة على السؤال طويلة، ولكن يكفي أن نقول أنهم يحسون بمفارقات مذهلة بين قدراتهم الذاتية وإنجازاتهم التعليمية والمهنية من جانب وبين نصيبهم الحقيقي من الثروة والسلطة في مجتمعهم من جانب ، لأنهم يشعرون أنهم قد فعلوا كل ما طلبه منهم المجتمع من حيث التفوق والتحصيل ومع ذلك فإنهم هامشيون لا حول لهم ولا قوة، إن معظمهم لا يستطيع أن يلبي مطالبه الأساسية المشروعة مثل السكن والزواج بل إن أبواب العمل معظمها موصدة في وجهه، إن معظمهم يشعر أن كل ما حوله يتغير وبلا سبب مفهوم وأنه عاجز عن السيطرة أو حتى المشاركة في إحداث أو منع هذا التغيير.

إن الجيل الذي اكتسب وعيه في السبعينيات قد شهد اسم بلده يتغير وكذلك علمها ونشيدها الوطني، ورأى فلسفتها الاقتصادية والاجتماعية تتغير وكذلك تحالفاتها الإقليمية والدولية كلها تتغير، وقيل له أن ما سبق كان (طالحا) وأن ما لحق كان (صالحا)، وبصرف النظر عن الصحة والخطأ وراء هذا التغيير في كل شيء فالمهم أنه كان من حيث الكم والكيف هائلا يصعب جدا استيعابه في فترة زمنية قصيرة، وفضلا عن ذلك فإنها ـ أي المتغيرات ـ قد تركت إيحاء قوي لدى الشباب بالشك في كل شيء، فمن يدريه أنهم لن يأتوه غدا ويقولون له أن ما تتمسك به اليوم زائف بدوره، وأنك مطالب بأن تؤمن بأن اسما جديدا وعلما جديدا ونشيدا جديدا وفلسفة جديدة وتحالفات جديدة هم الأصلح لوطنك، من يصدق (من يكذب).

لقد أصبح الشباب أكثر ذكاء ووعيا وحساسية إنهم لا يصدقون أحدا، إنهم يقولون أن رئيس الدولة يقول لنا كلاما ثم نفاجأ بعد ذلك بتصرفاته مخالفة تماما لما يقول وإن كان نداءه دائما هو يجب مصارحة الشعب ، أصبحوا يشكون في كل شيء متغير وأصبح الثابت الوحيد في حياة بعضهم هو (وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ودينه الحنيف وقرآنه المجيد وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم تلكم ثوابت لا تتغير.

ويصبح في مفهوم الشباب أن الثابت أبقى من الزائف وتلك هي البداية الصحيحة لوضع اليد على تشخيص الظاهرة والإجابة عن السؤال المطروح ، إذ أن الشاب :

1ـ يبدأ في أول الأمر نوعا من (الانعزال) عن تيار الحياة العام فينطوي على نفسه او على مجموعة صغيرة من الأصدقاء يصلون معا ويذاكرون معا ويتريضون معا ليصرفوا ويصونوا أنفسهم عن مفاسد المجتمع الذي يعيشون فيه ، ولو اقتصر الأمر على هذا لما كان فيه أي خطر فالفكر والحوار الفكري والعبادة والقدوة الصالحة خير ولكل شاب أن يختار لنفسه أصدقاءه وكتبه ويربط نفسه بالنماذج الطيبة ممن قدموا الخير للدين والدنيا .

2ـ ولكن قد يقع الشاب هنا تحت تأثير نظرة لا ترى من حوله إلا الفساد وتكثر الحديث عن الفساد وتزيد من حجم الخطأ وتملأ نفس الشاب بالمرارة فيزداد الشاب عزلة عن تيار الحياة من حوله وينتقل تحت تأثير هذه النظرة إلى مرحلة جديدة يقول فيها صاحبه الذي تولى التأثير عليه إن علينا أن نتخذ من المجتمع موقفا يستهدف تغيير الواقع .

3ـ هنا قد يصل الأمر بالشاب وزملائه إلى الانعزال التام ـ فكريا ـ عن تيار الحياة من حولهم ويكتموا ما في أنفسهم حتى عن آبائهم ويروا في هذا المجتمع جاهلية تحتاج إلى التغيير.

4ـ ومع تراكم هذا الاتجاه في نفس الشاب وانعزاله واتخاذه موقف العداء من المجتمع تحدث تصورات يرى فيها البعض باسم الدين أنهم المنفذون لأوامر الله وأنهم هم الذين سيخلصون المجتمع من شروره.

5ـ كما أن البعض يقدمون عصور الماضي للإسلام بصورة غير واقعية فقد كان في كل عصر من عصور الإسلام إيجابيات وسلبيات لكن الذين يتحدثون عن السلف الصالح وعصورهم يقدمون كل شيء في صورة مثالية وهذا يؤدي إلى أن تزداد الفجوة بين الشباب والواقع ..
الماضي عنده بغير صورته المتناسبة والحاضر عنده بغير حجمه الطبيعي .. ومع تشويه الماضي بالتكبير والحاضر بالتصغير تضطرب مقاييس العمل وقد ينتهي الأمر إلى (معاداة الحاضر) وفرق كبير بين الإصلاح والتدمير، بين التطوير والهدم، بين النفس الطويل في العمل والاندفاع الانتحاري .

6ـ ومن الممكن بعد ذلك أن يتدرج الأمر بعقل الشاب إلى أن الوصول إلى الحكم هو أسرع طريقة لكي يحقق الأفكار التي غرسوها في رأسه فيكون اتجاهه هو الاستيلاء على الحكم .

7ـ عندما يصل الشاب بفكره إلى هذه النقطة يحدث الانقلاب الهائل داخليا من الانطواء إلى الانعزال إلى معاداة المجتمع ، عندئذ يصعب معه العلاج أيا ما كان هذا العلاج وإنما العلاج يبدأ منذ ظهور عرض الانطواء على الشاب ففي هذه المرحلة يمكن تدارك الأمر قبل الدخول في مرحلتي الانعزال والمعاداة .

ويخطئ من يعتقد أن التطرف ظاهرة جديدة في مصر ويخطئ من يعتقد أن الإرهاب والاغتيال أسلوب مستحدث لتسوية الخلافات السياسية ، فحتى اللفظ الإنجليزي لكلمة اغتيال Assassination أصلها عربي ومصري بالذات وترجع في جذورها إلى أيام الحاكم بأمر الله حيث كان بعض المنشقين على الدولة يلجئون إلى اغتيال جنود الدولة وهم ملثمون ليلا وكانت الدولة بدورها تطلق عليهم اسم (الحشاشين) وهو المقابل لما نعنيه في يومنا هذا بالإرهابيين .

وفي تاريخ مصر المعاصر، حدثت عدة اغتيالات سياسية ابتداء من بطرس غالي إلى أحمد ماهر إلى أحمد الخازندار إلى أمين عثمان إلى محمود فهمي النقراشي وانتهاءً بأنور السادات ورفعت المحجوب فضلا عن محاولات الاغتيالات الكثيرة والتي باءت بالفشل هذا عدا محاولات الاغتيالات المذهبية ، فالاغتيال إذن ليس جديدا وهو في أبسط تعريفاته الخروج عن القواعد والأطر الفكرية والدستورية والقانونية التي يرتضيها المجتمع والتي يسمح في ظلها بالخلاف والحوار، وقد حدث التطرف بهذا المعنى منذ صدور التاريخ العربي الإسلامي واستمر إلى يومنا هذا.

ولكن حينما يتحول التطرف من فكر إلى عمل سياسي فإنه يصبح تحديدا لكل الأطر والقواعد التي يقوم عليها النظام الاجتماعي السياسي وكثيرا ما يأخذ شكل العنف والإرهاب وحتى هذا الشكل ليس جديدا تماما في مجتمعاتنا كما رأينا .

ولكن المراقب المتفحص لتاريخنا القومي يلاحظ أن هناك فترات معينة زاد فيها التطرف والاغتيال وفترات انحسر فيها التطرف والاغتيال، ربما كانت الأربعينات تمثل أكبر عقد في تاريخنا الحديث شهد من التطرف والعنف السياسي الداخلي ما لم يشهده عقد آخر إلا عقد السبعينات، ويبدو لنا أن كلا العقدين كانا ينطويان على تغييرات هائلة في بنية المجتمع المصري وأن النظام السياسي كان متلكئا عنه أو سابقه لحركة المجتمع وأن عدم التواكب في الحركة خلق تصادما بين بعض الشرائح الاجتماعية الهامة والقيادة السياسية وتحول الفصام إلى خصام ثم إلى تطرف كما سبق أن بينا .

ومن هنا لابد من إعادة التوازن بين النظام السياسي والنظام الاجتماعي ولابد من اتساق اتباع الحركة السياسية للقيادة مع الحركة الاجتماعية لوسع الجماهير .
ـ إن التطرف عموما هو انسلاخ لشريحة اجتماعية معينة عن المجرى الرئيسي للحياة في هذا المجتمع .
ـ إن التطرف بمثابة النشاز في معزوفة سيمفونية ويحدث ذلك عادة إما لخطأ في النوتة الموسيقية أو لغفوة أو خطأ من المايسترو.
ولسوف نعرض لجماعة الفنية العسكرية ولتنظيم الجهاد باعتبارهما من الجماعات الراديكالية والتي هي محور الدراسة وعليه فلن نتناول الحديث عن باقي الجماعات كجماعة التكفير والهجرة وما يدور في فلكها من جماعات..وذلك من خلال المطالب التالية: