المطلب الأول: افتعال الأزمات

خذ مثلاً أزمة فبركة إسلام السيدة وفاء قسطنطين ..


بدأت أحداث أبو المطامير يوم 27 نوفمبر 2004، حين سعت السيدة وفاء قسطنطين لإشهار إسلامها، وهى مهندسة زراعية تعمل بهيئة الإصلاح الزراعي بمحافظة البحيرة وتبلغ السادسة والأربعين من عمرها، ومتزوجة من القس يوسف معوض. حيث تقدمت السيدة وفاء إلى قسم الشرطة في حي السلام بالقاهرة في الأول من ديسمبر 2004 وبصحبة سيدة مسلمة بطلب عمل محضر تعلن فيه أنها تطلب إشهار إسلامها بعد عامين من ممارسة شعائر الدين الإسلامي سراً وبعلم أحد أفراد أسرتها.
وتنص الإجراءات المتبعة في هذه الحالة على ألا يتم تسجيل إشهار تغيير الدين، إلا إذا رتبت جلسة أو أكثر بين الشخص الراغب في تغيير دينه، مع بعض رجال الدين الذي كان ينتمي أصلا إليه، ومعروفة باسم جلسات إسداء النصيحة. وبناء على ذلك تم إخطار مطران البحيرة بالأمر، وكانت تلك الخطوة بداية مشكلة نشأت بين مطران البحيرة وبين جهاز الأمن، فقد رفض المطران فكرة عقد جلسة أو جلسات إسداء النصح وطلب تسليم السيدة وفاء للكنيسة الأرثوذكسية فورا، في حين أن جهاز الأمن كان ملتزماً بالتعليمات الإدارية، واستمر هذا التجاذب لمدة خمسة أيام في الفترة من 3- 8/12/2004 .
في اليوم الثاني من ديسمبر 2004 بدأ التحرك المسيحي، وانتشرت شائعات تقول إن السيدة وفاء اختطفت وهربت مع زميل مسلم وإن غسيل مخ حدث لها. وانتشرت هذه الشائعة كالنار في الهشيم، فتجمهرت أعداد من المسيحيين في المطرانية بالبحيرة يطالبون بعودة السيدة وفاء وتسليمها إلى زوجها باعتبار أنها أجبرت على الإسلام وأنها تزوجت زميلها.
واعتصم المتجمهرون وبدا أن هناك من يعمل على تحويل المشكلة وهى شخصية بحتة إلى قضية سياسية وعامة ومن ثم يورط الكنيسة ككل فيها، ودون مراعاة للقواعد القانونية المعمول بها.
تحركت أجهزة الأمن في محافظة البحيرة لعلاج هذا الموقف مع ما حدث من تجمهر واعتصام، وذهب د.عبد الرحيم شحاتة وزير التنمية المحلية إلى البحيرة ليلتقي برجال الدولة والكنيسة، وانتهى إلى أن السيدة وفاء قد أسلمت، وقد أصدر المجلس الملي للمسيحيين الأرثوذكس بالإسكندرية بياناً نشرته صحيفة وطني استنكر قول د.عبد الرحيم شحاتة، كما استنكر نشر الأهرام لذلك باعتباره يهدد الوحدة الوطنية.
وبدأ توافد مجموعات من شباب الكنيسة على القاهرة في الأيام اللاحقة، وذلك إثر صدور تصريحات من قيادات دينية في البحيرة بأن حل الأمر يكمن في القاهرة، فتوافدت الوفود من الشباب ألمسيحيي الغاضب من مختلف المحافظات إلى مقر البطريركية في العباسية في اعتصام مفتوح، وتزامن ذلك مع قداس للصلاة بمناسبة وفاة الكاتب سعيد سنبل بحضور لفيف من كبار رجال الدولة الذين فوجئوا بالمتظاهرين يحملون اللافتات ويهجم بعضهم على القاعة الكبيرة ويحاصر عدداً من المسئولين فيها.
وكان ذلك بحضور البابا شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية الذي غضب وغادر المقر البابوي ذاهباً إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون للاعتكاف ـ لاحظ تكرار ظاهرة الاعتكاف للبابا ـ ومثلت هذه الأحداث بداية لزيادة حدة الموقف وتفجره، حيث حاولت مجموعة من الشباب الخروج من الكنيسة، وقاموا بقذف الشرطة بالحجارة فأصابوا 55 من الجنود بينهم 5 من الضباط. ولم يكن أمام الشرطة سوى القبض على 34 من المتظاهرين.
وفى ظل هذه التوترات تغير مطلب تسليم السيدة وفاء إلى أسرتها إلى مطلب تسليمها إلى الكنيسة.
وجاء ذلك على لسان الأنبا باخوميوس أولاً، ثم استشرى وصار في ساحة الكاتدرائية بين المحتشدين المعتصمين مطلباً شعبيا. وقد بدا أن هذا الحشد هو أداة الضغط على السلطات المعنية للرضوخ لمطلب تسليم السيدة وفاء إلى الكنيسة. وكان أن صدر القرار السياسي بتسليم السيدة وفاء للكنيسة، والذي أعلنه الأنبا يؤانس على جمهور المعتصمين بمقر الكاتدرائية، وطلب منهم إنهاء الاعتصام.
بعد أن ُسلمت السيدة إلى الكنيسة، تم إيداعها بيتاً للمكرسات في أرض النعام بعين شمس، وهناك أحاط بها عدد من الراهبات، كما وفد عليها عدد من المطارنة منهم الأنبا باخوميوس، والأنبا موسى أسقف الشباب، والأنبا أرميا سكرتير البابا، والأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس.
وبعد أسبوع من تسليمها إلى الكنيسة ذهبت إلى مقر النيابة العامة بعين شمس، وبصحبتها المطارنة الأربعة وعدد من محامي الإدارة الكنسية، وقد تضمنت أقوالها أنها عدلت عن رغبتها في الدخول إلى الإسلام وأنها ستظل مسيحية، وهو ما أكده البيان الذي أصدره النائب العام المستشار ماهر عبد الواحد في 16دسيمبر 2004.


المطلب الثاني: إدارة الأزمة وأطرافها


أوضحت الاحتجاجات المتتالية التي قام بها بعض المسيحيون في اللحظات التي شهدت بعض المشكلات بين مسيحيين ومسلمين، أو بين جهة مسيحية وبين السلطات المعنية، أن هناك طرفين أساسيين كان لهما الدور الرئيس في إشعال هذه الأحداث وفى تهدئتها أيضا وهما:
الكنيسة الأرثوذكسية، والدولة متمثلة أساسا في أجهزتها الأمنية.
وهو مشهد غاب عنه السياسيون المعنيون بمثل هذه القضايا، سواء أعضاء الحزب الوطني أو الرموز السياسية، وغاب أيضا المثقفون المسيحيون تقريبا من الساحة الوطنية والحزبية، وهم غير مؤثرين في حقيقة الأمر على عموم جمهور المسحيين، والذي أعطى للكنيسة الحق في التعبير عن همومه وإدارة شئونه المختلفة.
في الوقت نفسه الذي تبدو فيه الكنيسة وقد شمل دورها الجوانب الروحية، وجوانب سياسية وإعلامية وثقافية، يفترض أن تقوم بها مؤسسات الدولة المختلفة دون تفرقة بين مسلمين أو مسيحيين.
وفيما يلي بعض التوضيح:

1 ـ الكنيسة المسيحية والتفاعلات الداخلية

نلاحظ بداية أن الكنيسة الأرثوذكسية، والتي تحرص في كل خطبها ومخاطبتها أن تطلق على نفسها الكنيسة القبطية ـ ولا يخفى على كل دارس حقيقة ودلالة هذا المفهوم ـ، فقد تباينت ردود الفعل وأثيرت عدة تساؤلات حول حقيقية دور الكنيسة، وما إذا كانت تمثل قيادة روحية أم قيادة سياسية، وما هي طبيعة علاقة الكنيسة بالدولة، وحدود التزاماتها بالقانون والنظام العام.
ولم تكن هذه الأسئلة وغيرها من فراغ، ولكنها استندت إلى العديد من الوقائع، التي كانت تحركت فيها الكنيسة كلاعب سياسي وليس روحياً.
وقد ظهر جلياً في واقعة السيدة وفاء قسطنطين أن الكنيسة الأرثوذكسية، في مصر باتت تمارس دورا أكبر من مجرد الدور الديني، المتمثل في رعاية شئون المسيحيين روحيا، لتصل إلى لعب دور سياسي واضح، حيث اعتادت على مستوى الخطاب المعلن استخدام عبارة شعب الكنيسة، مما أعطي انطباعا لدى قطاعات من المواطنين المصريين بأن هناك شعباً آخر إلى جانب الشعب المصري، وأن هناك سلطة تتحدث باسمه في مواجهة السلطات المصرية المعنية، أو هي صاحبة القناة الوحيدة بين المسيحيين ككل وبين الدولة المصرية بكل مؤسساتها وقوانينها، وهو ما ينطوي ـ من الناحية النظرية على الأقل ـ على علاقة ندية لا علاقة سلطات قانونية حاكمة بمواطنين.
وكلا المعنيين لا يستقيمان مع أسس الوحدة الوطنية والقواعد الدستورية والقانونية المعمول بها والتي لا تفرق بين مواطن وآخر على أساس ديني،وأيضا لا يستقيمان مع مقولات الحفاظ على هذا الوطن من تدخلات الخارج.
ومن اللافت للانتباه أن اعتكاف البابا شنودة الثالث مثل وسيلة هامة للاحتجاج منذ توليه البابوية منذ ما يزيد عن ربع قرن، حيث قام بخمسة اعتكافات لأحداث وظروف مختلفة:
فالاعتكاف الأول كان في أبريل عام 1980 احتجاجاً على المضايقات التي اعتقد أن الجماعات الإسلامية ترتكبها في حق شباب وفتيات المسيحيين بجامعة أسيوط واستمر لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، وامتنع فيها عن صلاة العيد، وبعدها استجاب وزير الداخلية - آنذاك- لمطالبه واعتقل العديد من أفراد الجماعات الإسلامية بجامعة أسيوط.
أما الاعتكاف الثاني في 13 أغسطس عام 1981 عقب أحداث الزاوية الحمراء والتي أعقبها إصدار الرئيس السادات قراراً بتشكيل لجنة بابوية لإدارة شئون الكنيسة.
ونتج الاعتكاف الثالث عن أحداث الكشح في ديسمبر عام 1999.
بينما كان الاعتكاف الرابع في يونيو عام 2001 عقب الأزمة التي أثارتها صحيفة النبأ، ولم ينته الاعتكاف سوى بمصادرة العدد ووقف إصدار الصحيفة ومحاكمة رئيس مجلس إدارتها.
أما الاعتكاف الخامس وهو الأخير بدير الأنبا بيشوى بوادي النطرون فجاء إثر اندلاع أزمة السيدة وفاء قسطنطين على النحو المشار إليه.
والملاحظ أن من بين خمسة اعتكافات احتجاجية قام بها البابا على مدار 25 عاما، هناك ثلاثة في أقل من أربعة أعوام، وهو مؤشر خطير يدل من جهة على تصاعد حالة الاحتقان الداخلي بين المسيحيين والمسلمين، كما يدل من جهة أخرى على فعالية سلاح الاعتكاف في مواجهة السلطات المعنية، التي بدت حريصة على سرعة إنهاء الاعتكاف، ولو أدى ذلك إلى التغاضي عن بعض الاعتبارات القانونية.
وفى هذا السياق يعتقد المفكر المسيحي جمال أسعد عبد الملاك أنه يجب ألا تواجه حالات تغيير الملة بمثل هذه الممارسات التي تأخذ شكل التظاهر والاعتصام، وأنه يجب أن نفصل بين إشهار الإسلام، وبين التعبير عن هذا الإشهار سياسياً، فالإسلام لا يُكره أحداً على اعتناقه لأنه لا إكراه في الدين. ويرى انه يجب عدم التعبير عن الغضب جماعيا أيا كان الحدث، لأن هذا يكرس علاقة الكنيسة بالسياسة ويقحم الكنيسة في أمور ليست من تبعاتها، لأن مكان التجمهر والتظاهر هو البرلمان أو مجلس الشورى، وليس دور العبادة.
ولذا فقد ظهر اعتقاد بأن الطريقة التي أثارت وأدارت بها الكنيسة هذا الموضوع قد كسبت بالفعل استعادة السيدة وفاء وسيطرتها المادية عليها، وبالتالي كسبت ما تشيعه عن هيمنتها على جماهير المسيحيين.
وقد تكرر هذا الوضع في مواقع عدة، فقد نجحت سياسة فرض الأمر الواقع حين أخذ أحد الأديرة في البحر الأحمر في 2003 أراضى الدولة القريبة منه دون سند من حق قانوني،
والأراضي هنا هي المال العام للمواطنين المصريين مسلمين ومسيحيين معا، وقد عجزت الأجهزة المعنية عن استرداد هذه الأراضي، وغاب عن ذلك حكمة احترام القانون، التي بدونها لن تحفظ حقوق الأقلية في مصر أو أي مجتمع آخر.
والحقيقة أن ضغوط الكنيسة كانت ستظل مشروعة، في حال مورست في إطار القواعد القانونية، ولم يصاحبها هذا الكم من الإشاعات المغرضة والتعبئة الطائفية، التي قد تساعد على تحقيق مكاسب وقتية، ولكنها تظهر الكنيسة كمؤسسة شديدة لا تتقبل فكرة الإصلاح الداخلي، خاصة وأن قضية السيدة وفاء قسطنطين على الفرض بصحة أحداثها قد عكست أزمة حقيقية في علاقتها بالكنيسة قبل الحديث عن إشهارها لإسلامها.
ومع الوضع في الاعتبار الحساسية التي يمكن أن تثيرها قضية تغيير زوجة رجل دين لدينها، إلا أن التحدي الحقيقي أمام الكنيسة كان في قدرتها على التحكم في عملية الشحن الطائفي، بل ومنعه أصلا، لاسيما وأن هناك عشرات المشكلات التي يعانى منها عموم المسيحيين، ولم تجد من يسارع بحلها أو حشد الشباب الغاضب من أجلها.

2ـ التفاعلات الخارجية
تختلف التقديرات بالنسبة لعدد المسيحيين المهاجرين، حيث يتراوح عددهم بين 600 ألف و2 مليون في بعض المصادر الكنسية. ولعل إشكالية عدد المسيحيين المهاجرين تتشابه مع إشكالية تعداد المسيحيين في الداخل، فبينما تقول المصادر الكنسية إن نسبتهم حوالي 15% من تعداد السكان، تقول مصادر الحكومة المصرية إن نسبتهم لا تتعدى 10%، وإن هذه النسبة تشمل المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت وغيرهم من الطوائف المسيحية، وإن نسبة الأرثوذكس في حدود 5.7 % ، مع الأخذ في الاعتبار أن شكاوى الاضطهاد تأتى دائماً من جانب الأرثوذكس ولا تأتى من غيرهم من المسيحيين من الطوائف الأخرى. وكل ذلك طبقاً للإحصائيات التي يقوم بها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري كل عشر سنوات.
وقد نشأت في السنوات الأخيرة تجمعات مسيحية أصولية مصرية متعددة في الغرب تتحدث عما تصفه بـ آلام أقباط مصر وتزعم التفرقة ضدهم. وتمتلك في معظمها أموالا طائلة تمكنها من إطلاق محطات فضائية ذات سمات تبشيرية، وشبكات إلكترونية تتضمن كتابات وآراء شديدة التعصب والعداء للإسلام والمسلمين ليس في مصر وحسب وإنما فى المجتمعات المسلمة ككل، وبصورة تضعها في حالة أقرب للجماعات العنصرية المتطرفة الموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي تعتبر خارجة على التوافق الاجتماعي والسياسي العام فى بلدانها، بل وتُحارب من القوى الأساسية يسارا أو يمينا داخل هذه المجتمعات.
والمثير للمفارقة أن هذه التجمعات المسيحية المتطرفة، وبالرغم من ادعاءاتها الليبرالية على بعض ما تروجه من مزاعم، لم تستطع أن تخفى جوهر توجهاتها العنصرية أو تغطى على حجم المعلومات المختلقة عن حوادث لم تحدث إطلاقا، بالإضافة إلى العدوانية الشديدة التي تحملها كتاباتهم تجاه الإسلام والمسلمين. وتعتبر كتابات ناشطي مسيحيو المهجر أن مسلمي مصر هم أحفاد العرب غزاة مصر وأنهم الأقباط هم العنصر المصري النقي، كما أنهم يتنكرون للحقائق التاريخية المعروفة عن ظهر قلب ولدور الكنيسة المصرية في فتح باب الدخول لعمرو بن العاص لمصر والصداقة التي جمعت بينه وبين البابا بنيامين بابا الأقباط المصريين آنذاك.
وتسعى هذه الجماعات للتأثير على السياسة الخارجية المصرية بطريقة غير مباشرة من خلال الضغوط التي يمارسونها على صانعي القرار في الدول الغربية، والذين يمارسون بدورهم ضغوطًا على السلطات المصرية عبر التركيز على عدد من القضايا الرئيسة، كقضية الخط الهمايوني الذي كان ينظم بناء الكنائس في مصر، في الوقت الذي لم يكن هناك وجود لهذا الخط سواء على المستوى القانوني أو العملي، وقضية التمثيل السياسي للمسيحيين داخل المؤسسات التشريعية، والتمثيل الوزاري؛ وقضية الأوقاف المسيحية ، وأخيرا ما يعتبرونه قضية التجاهل التعليمي والإعلامي للمسيحيين.
وفيما يلي توضيح لطبيعة الوجود المسيحي الأرثوذكسي فى الخارج، والعمل الذي يقوم به بعض ناشطي مسيحيو المهجر: