

-
الفاتيكان والإسلام (9)
د. محمد عمارة
إذا كان عظيم الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ قد جهل عقلانية الإسلام ـ كما جاءت في مصادره ـ فلماذا تجاهل ما كتبه علماء الغرب في هذا الميدان.. وهو شهير ومنشور بمختلف اللغات الغربية التي يتقنها عظيم الفاتيكان ؟!.. أم أن " الغرض" هو "المرض"! الذي جعل الرجل يتجاهل هذا "المقال الغربي" في عقلانية الإسلام .. ولا عقلانية المسيحية التي انتصر عليها الإسلام ؟!.
***
ويا ليت الأمر قد وقف بهذا البابا عند "الجهل" و"التجاهل" ، ذلك أن بابا الفاتيكان ـ بنديكتوس السادس عشر ـ قد استند في حكمه على الإيمان الإسلامي بأنه لا عقلاني ولا منطقي .. وأنه "إيمان وثني أعمي"! ..استند إلى نص منسوب إلى الإمام الفيلسوف والفقيه ابن حزم الأندلسي [ 384 – 456 هـ / 994 – 1064 م] .. فقال: " لقد ذهب ابن حزم إلى حد الإقرار بأن الرب الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة، وأنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا..".
ثم علق البابا ـ في محاضرته ـ على هذه "الفكرة" المنسوبة لابن حزم، فقال ـ مقارناً هذه "الفكرة" باعتقاده المسيحي ـ : " إن القول الفصل في النقاش حول التحول العقائدي باستخدام العنف هو أن عدم التصرف وفقا للعقل هو أمر مناهض لطبيعة الرب .. ولكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية فإن الرب مطلق السمو، فمشيئته لا تتماشي مع أي من خصائصنا، بما فيها العقلانية".
ثم خلص ـ هذا البابا ـ إلى وصف الإيمان الإسلامي بأنه إيمان وثني أعمي.. وبنص عبارته: " ففيما يتعلق بإرادة الله ـ في الإسلام ـ ينبغي علينا التعبد بشكل وثني أعمي"!!.
وأمام هذا الحكم الفاجر ـ وليس فقط الجائر ـ على الإيمان الإسلامي .. لابد من وقفات:
* إن بابا الفاتيكان ـ بنديكتوس السادس عشر ـ هو أستاذ للفلسفة ، مارس العمل الأكاديمي وتقاليد البحث العلمي الأكاديمية قبل أن ينخرط في سلك الكهنوت.. ولقد تولى ـ في الفاتيكان ـ قبل البابوية "عمادة كلية الكاردينالات" .. ومن تقاليد البحث العلمي ـ التي يعرفها حتى المبتدئون في هذا الميدان ـ الرجوع في الاستشهاد بالنصوص إلى مصادرها الأصلية، فهل صنع ذلك بابا الفاتيكان ـ وهو أستاذ الفلسفة ـ عندما استشهد بابن حزم، وأسس حكمه على الإيمان الإسلامي بأنه لا عقلاني ووثني أعمي، بناء على هذا "الشاهد" الذي استشهد به ؟!.
إن أستاذ الفلسفة ـ الحبر الأعظم للفاتيكان ـ قد خان أمانة البحث العلمي.. واستند إلى "شهادة مزور وكاذب"!! فهو لم يرجع إلى ابن حزم ـ وكتبه مترجمة إلى العديد من اللغات الغربية ـ وإنما اعتمد ـ هذا الأستاذ للفلسفة ـ على "منهج العنعنات" ..فاستند إلى مسيحي لبناني هو "عادل تيودور خوري" .. الذي لم يرجع هو الآخر إلى المصادر الأصلية لابن حزم ..وإنما أخذ عن باحث فرنسي في الإسلاميات هو "أرنادليز" ! ..وهذه سقطة وخيانة لتقاليد البحث العلمي ما كان يليق ببابا الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ أن يقع فيها ، خصوصا عندما يتحدث في محاضرة فلسفية ـ عن علاقة الإيمان بالعقل ـ في الجامعة التي كان يدرس فيها الفلسفة .. وإلى نخبة من الأساتذة الجامعيين الأكاديميين! ثم يرتب على هذه السقطة وشهادة الزور ذلك الحكم الجاهل والفاجر على الإيمان الإسلامي ـ الذي يتدين به مليار ونصف المليار من البشر ـ وهو الإيمان الذي يقض انتشاره مضاجع البابا حتى في عقر داره الأوروبية!.
* ولقد ظننت في بادئ الأمر ـ لحسن ظني بأمانة الرجل الأكاديمية ـ أن الأمر لا يعدو أن يكون إساءة فهم منه للفكرة المنسوبة لابن حزم ..وظننت أن ابن حزم يدافع عن طلاقة المشيئة الإلهية والقدرة الإلهية في مواجهة المعتزلة الذين "أوجبوا" على الله فعل الصلاح والأصلح ـ الأمر الذي يوهم أنهم قد حدوا من طلاقة القدرة والمشيئة الإلهية ـ وأن الأمر لا يعدو الرفض ـ من ابن حزم ـ لتقييد المشيئة الإلهية والقدرة الربانية.. لكن عنًّ لي أن أختبر مدي الصدق في هذا الذي نسبه البابا إلى ابن حزم، نقلا عن "الأساتذة" الكاثوليك : عادل تيودور خوري .. وأرنادليز.
ولم يكن هذا الاختبار بالأمر السهل أو الميسور .. وذلك لأن البابا ـ أستاذ الفلسفة ـ قد وقع في سقطة علمية أخري عندما نسب كلاما لابن حزم، دون أن يقول لنا ما هو الكتاب الذي قال فيه ابن حزم هذا الكلام؟ .
إن لابن حزم عشرات الكتب.. وبعض هذه الكتب تبلغ مجلداتها العشرات.. ففي أي كتاب؟.. أو جزء ؟ .. أو صفحة.. وفي أية طبعة من الطبعات يمكن العثور على هذا الذي نسبه البابا إلى الإمام ابن حزم؟ بل في أية لغة من اللغات التي ترجم إليها فكر ابن حزم تم النقل عنه من قبل الذين نقل عنهم بابا الفاتيكان ؟؟!
لكن خطر القضية .. وخطورة الحكم الذي حكم به البابا ـ أستاذ الفلسفة ـ على الإيمان الإسلامي، جعلني أستعين بالخبرة في التعامل مع المصادر.. ومظان القضايا والأفكار .. حتى هداني الله فعثرت على المصدر الذي تحدث فيه ابن حزم حول هذا الموضوع في كتابه [ الفصل في الملل والأهواء والنحل].
ولقد كانت المفاجأة الأعظم عندما اكتشفت الكذب البواح والاغتيال الفكري الصريح الذي مارسه الحبر الأعظم ـ و"الأساتذة" الكاثوليك الذين نقل عنهم ـ ضد أفكار ابن حزم حول طلاقة المشيئة الإلهية ولا محدودية القدرة الإلهية .
منهج الاغتيال الفكري على طريقة [ لا تقربوا الصلاة] و[ ويل للمصلين]!!.. فابن حزم لم يرد في كلامه ولم يخطر بباله أن يقول: " إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة، وإنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا.." .. ومن ثم لم يقل إن مشيئة الله منفكة عن العدل والمنطق والمعقول والصلاح والأصلح.. وإنما ميز بين قدرة البشر المحدودة وبين قدرة الله التي لا تحدها حدود .. وأكد ـ في الوقت ذاته ـ بالنصوص الصريحة اتساق المشيئة الإلهية مع الحكمة والرحمة والعدل والمنطق والعقل.. لأنه ـ سبحانه ـ مع طلاقة مشيئته وقدرته، لا يفعل الظلم ولا الجور ولا العبث ولا الكذب، مما لا يليق بذاته المتصفة بصفات الجلال والجمال والكمال ، ومن ثم فلا يصدر عنه ـ سبحانه ـ ما ينافي الحكمة والعقل والمنطق.. لأن فعل ذلك هو من صفات المخلوقين، وليس من صفات الخالق.. وهو ـ سبحانه ـ الذي كتب على نفسه الرحمة.. والذي لا يظلم أحدا .. والذي لا يأمر بالفحشاء ولا المنكر .. والذي أحسن كل شيء خلقه وقدره تقديراً.
ولقد كشفت نصوص ابن حزم عن حقيقة الإيمان الإسلامي : الإيمان بمشيئة إلهية وقدرة ربانية لا تعرف الحدود .. ولا تتناهي .. وفي الوقت ذاته منزهة عن مجاوزة الحكمة والرحمة والعدل والمنطق والعقلانية بكل ما تعني هذه المصطلحات عند الذين يفقهون ويعقلون .. وحتى تتكشف "العورة الفكرية" و"السقطة المنهجية" و" الكذبة الكبرى" التي سقط فيها "أستاذ الفلسفة" والحبر الأعظم للفاتيكان ـ هو وحزبه ـ نورد نصوص الإمام ابن حزم حول القدرة الإلهية والمشيئة الربانية في التصور العقدي للإسلام والمسلمين .. وهو في هذه النصوص يقول لمن يسأل:
ـ هل طلاقة القدرة الإلهية ـ القادر على كل شيء ـ تجعله فاعلا للكذب مثلا وهو في مقدوره؟
فيقول ابن حزم ـ في جواب هذا السؤال ـ : "إن الله تعالي فعال لما يشاء، وعلى كل شيء قدير ..[وكان الله عليما قديرا] ، فأطلق تعالي لنفسه القدرة ، وعم ولم يخص، فلا يجوز تخصيص قدرته بوجه من الوجوه.. فإن قال قائل: فما يؤمنكم إذ هو تعالي قادر على الظلم والكذب والمحال من أن يكون قد فعله أو لعله سيفعله فتبطل الحقائق كلها ولا تصح، ويكون كل ما أخبرنا به كذبا؟".
ثم يجيب ابن حزم على سؤال هذا القائل:
"وجوابنا في هذا .. أن الله تعالي قادر عليه ولكن لا يفعله ..وأنه تعالي لا يجور ولا يكذب.. ولا يظلم، وأنه تعالي قد أخبرنا بأنه قد تمت كلماته صدقًا وعدلاً ولا مبدل لكلماته، وأنه تعالي قادر، وليس كل ما يقدر عليه يفعله.. وكل من يدين بأن الله حق مجمعون على أنه تعالي لا يكذب ولا يظلم .. وقد صح إطباق جميع سكان الأرض قديما وحديثا، لا نحاشي أحدا، على أن الله لا يظلم ولا يكذب .
وقد قام البرهان على أنه تعالي لا يشبه شيء من خلقه في شيء من الأشياء، والخلق عاجزون عن كثير من الأمور، والعجز من صفة المخلوقين، فهو منفي عن الله عز وجل جملة، وليس في الخلق قادر بذاته على كل مسئول عنه، فوجب أن الباري تعالي هو الذي يقدر على كل مسئول عنه .. وكذلك الكذب والظلم من صفات المخلوقين، فوجب يقينًا أنهما منفيان عن الباري تعالي.. فهذا هو الذي آمننا من أن يظلم أو يكذب أو يفعل غير ما علم أنه يفعله، وإن كان تعالي قادرا على ذلك" .
هذه هي نصوص الإمام ابن حزم الأندلسي، حول الإيمان الإسلامي بطلاقة المشيئة الإلهية، ولا محدودية القدرة الإلهية.. وفي الوقت ذاته تنزيه الذات الإلهية عن كل ما لا يليق بالحكمة المطلقة .. والعدل المطلق.. والرحمة المطلقة .
لقد تنزه ـ سبحانه ـ عن العجز البشري ، وعن فعل ما لا يليق بذاته المنزهة .. لقد خلق كل شيء بقدر.. وكتب على نفسه الرحمة .. وهو (الَذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ والْمِيزَانَ) [ الشورى: 17] ، (وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [ الحديد : 25] ، ومن ثم فلا تناقض بين طلاقة قدرته ـ سبحانه ـ وبين الحكمة والمنطق والعقل كما يفهمها الحكماء والعقلاء .
تلك هي الحقيقة التي "جهلها ـ وتجاهلها" بابا الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ فافتري على الإمام ابن حزم، ونسب إليه ما لم يقله .. بل افتري عليه عكس ما قاله!!..
لقد قال ابن حزم:" لقد أخبرنا الله تعالي بأنه قد تمت كلماته صدقا وعدلاً لا مبدل لكلماته".
وافتري البابا على ابن حزم عندما نسب إليه عبارة:" إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة"!!
وهكذا بلغ الافتراء حد الفجور .. ثم صعد به إلى حيث عممه على الإيمان الإسلامي، فوصفه بأنه "إيمان وثني أعمي"!! فلم يقف الافتراء عند ابن حزم وإنما عممه البابا على الإسلام .. وكل المؤمنين بالإسلام!.
وهكذا تأسس الافتراء الغريب والعجيب على فضيحة علمية من "الوزن الثقيل"! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
-
الفاتيكان والإسلام .. أهي حماقة .. أم عداء له تاريخ ؟ (10)
د. محمد عمارة
هل يليق بعظيم الفاتيكان أن يقتبس الافتراءات التي تتحدث عن أن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بما هو سيئ ولا إنساني وشرير ؟!! ومن ذلك حضه على نشر دينه بالسيف ؟!! .
وإذا كانت "خارطة العالم الإسلامي" تقول: إن أربعة أخماس الأمة الإسلامية لم يدخل بلادها جيش إسلامي فاتح .. ولا عرفت في تاريخها حروباً ولا فتوحات .. وإنما دخلها الإسلام وانتشر فيها بالقدوة والأسوة وتميز منظومة القيم والأخلاق التي جاء بها الإسلام ، والتي حملها إلى هذه البلاد التجار والعلماء والمتصوفة .
كما تقول حقائق تاريخ الفتوحات الإسلامية إن هذه الفتوحات جميعها إنما تمت ضد قوى الهيمنة الاستعمارية والحضارية التي قهرت الشرق واستعمرته ونهبته لعشرة قرون ، بدءا من "الإسكندر الأكبر" [356- 324 ق.م] في القرن الرابع قبل الميلاد إلى "هرقل" [610- 641م] في القرن السابع للميلاد..
وتقول هذه الحقائق ـ كذلك ـ بأن جميع معارك تلك الفتوحات الإسلامية إنما كانت ضد جيوش الاستعمار البيزنطي والفارسي ، ولم تدر معركة واحدة ضد أهل البلاد من الشرقيين.
بل وتقول هذه الحقائق ـ أيضاً ـ إن الشعوب الشرقية قد وقفت مع جيوش الفتح الإسلامي ضد المحتلين البيزنطيين الرومان، لأنها رأت في الفتح الإسلامي تحريرا للأرض والأوطان من النهب الروماني، وتحريرا للشرق من القهر الحضاري البيزنطي .. وتحريراً للمسيحية الشرقية وضمائر أهلها من الاضطهاد الديني ـ بل والإبادة ـ التي مارستها الكنيسة الرومانية ضد النصرانية الشرقية .. وقد وقفت هذه الشعوب الشرقية جميعها مع جيوش الفتح الإسلامي، وهي على دياناتها السابقة على الإسلام.. وقد شهد الأساقفة النصارى الشرقيون ـ ومنهم شهود العيان على هذا الفتح الإسلامي ـ على أن هذا الفتح إنما كان "إنقاذاً" للنصرانية الشرقية ـ التي اضطهدها الرومان ـ وتحريراً للكنائس والأديرة الشرقية ـ التي اغتصبها الرومان ـ وعلى أن هذا الفتح إنما جاء "عقاباً إلهيا" ـ بيد إسلامية ـ للرومان على ظلمهم الذي مارسوه ضد الشرق والشرقيين لعشرة قرون .
* شهد بهذه الحقيقة ـ التي تجاهلها عظيم الفاتيكان ـ الأسقف القبطي "يوحنا النقيوسي".. فقال: "إن الله ـ الذي يصون الحق ـ لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى أيدي الإسماعيليين ـ العرب المسلمين ـ ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدينة مصر.
وكان هرقل حزينا .. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم .. مرض هرقل ومات .
وكان عمرو بن العاص [50 ق. هـ ـ 43 هـ / 574 – 664 م] يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئا ما، سلبا أو نهبا، وحافظ عليها [الكنائس] طوال الأيام" .
* وشهد بذلك بطرك المصريين "بنيامين" [39 هـ / 659 م] الذي ظل هاربا من مطاردة الرومان ثلاثة عشر عاماً .. حتى جاء الفتح الإسلامي فأمّنه وأعاده إلى كرسي كنيسته .. وأعاد إليه كنائس رعيته وأديرتهم من الاغتصاب الروماني .. فخطب في "دير مقاريوس" ـ بعد التحرير الإسلامي ـ فقال:
" لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون" .
* ولقد وصف الأسقف "يوحنا النقيوسي" فرح المصريين بانتصار المسلمين على الرومان .. وبهجتهم بتحرير المسلمين للبطرك "بنيامين" ورد الكنائس والأديرة إلى أهلها .. وصف ذلك الذي شهدته عيناه، فقال: " ودخل الأنبا بنيامين بطرك المصريين مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الروم في العام 13 ـ أي العام الثالث عشر من تاريخ هروبه ـ وسار إلى كنائسه، وزارها كلها.
وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم هرقل الملك ، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين على يد البابا "كيرس" ـ البطرك المعين من قبل الدولة الرومانية في مصر ـ وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر.." .
* كما شهد بذلك الأسقف "ميخائيل السرياني" ـ بعد خمسة قرون من الفتح التحريري الإسلامي ـ فقال في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي : "وهذا هو السبب أن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت ، والذي يديل دولة البشر كما يشاء فيؤتيها من يشاء .. لما رأي شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا، وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم، وأنزلوا بنا العقاب من غير رحمة ولا شفقة، أرسل أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب ليخلصنا على أيدهم من قبضة الروم .. ولم يكن كسبا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام" .
وهكذا رأي ميخائيل الأكبر ـ بطريق أنطاكية اليعقوبي ـ "أصبع الله في الفتوح العربية حتى بعد أن خبرت الكنائس الشرقية الحكم الإسلامي خمسة قرون" ، كما يقول العالم الإنجليزي توماس أرنولد .
* وشهد على هذا الطابع التحريري للفتح الإسلامي العلامة سير توماس أرنولد [1864 – 1930م] فقال: "إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين نعموا ـ بوجه الإجمال ـ في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح ، لا نجد لها معادلا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة.
وإن دوام الطوائف المسيحية في وسط إسلامي يدل على أن الاضطهادات التي قاست منها بين الحين والآخر على أيدي المتزمتين والمتعصبين، كانت من صنع الظروف المحلية أكثر مما كانت عاقبة مبادئ التعصب وعدم التسامح" .
* وشهد بذلك ـ أيضا ـ المستشرق الألماني الحجة "آدم متز" [1869 – 1917 م] عندما قال: " لقد كان النصاري هم الذين يحكمون بلاد الإسلام"! .
* ولقد استمرت شهادات الإنصاف للفتوحات الإسلامية ـ من رجال الدين والمؤرخين غير المسلمين ـ حتى القرن العشرين .. فكتب يعقوب نخلة روفيلة [1847 – 1905م] في كتابه [تاريخ الأمة القبطية] يقول: " ولما ثبت قدم العرب في مصر، شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلين باستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم.
وأول شيء فعله من هذا القبيل: استدعاء "بنيامين" البطريرك، الذي اختفي من أيام هرقل ملك الروم، فكتب أمانًا وأرسله إلى جميع الجهات يدعو فيه البطريرك للحضور، ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع أكرمه وأظهر له الولاء ، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، ورد "بنيامين" إلى مركزه الأصلي معززاً مكرماً.
وكان بنيامين موصوفا بالعقل والمعرفة والحكمة حتى سماه بعضهم (بالحكيم) .. وقيل إن عمرا لما تحقق ذلك منه قربه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات ويستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها.. وقد حسب الأقباط هذه الالتفاتة منة عظيمة وفضلا جزيلاً لعمرو.
واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي، فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كلاً منها حاكم قبطي ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعين نوابا من القبط ومنحهم حق التدخل في القضايا المختصة بالأقباط والحكم فيها بمقتضي شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني، وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية.
وضرب [عمرو بن العاص] الخراج على البلاد بطريقة عادلة .. وجعله على أقساط، في آجال معينة، حتى لا يتضايق أهل البلاد.. وبالجملة، فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان.." .
هكذا شهدت هذه الشهادات التي كتبها أقباط ومستشرقون ، منهم من كان شاهد عيان على الفتوحات الإسلامية ، على أن هذه الفتوحات :
* هي التي أنقذت النصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية.
* وأعادت الشرعية والعلنية والحرية لهذه النصرانية الشرقية، بعد أن حظرها الرومان وعاملوها باعتبارها هرطقة ممنوعة ، وبعبارة "ميخائيل الأكبر ـ السرياني" : "فإن الإمبراطور الروماني لم يسمح لكنيستنا المونوفيزتية ـ [القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح] ـ بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت؛ ولهذا فقد انتقم الرب منه".
* وحررت دور العبادة النصرانية ـ الكنائس والأديرة ـ من الاغتصاب الروماني، لا ليتخذها المسلمون مساجد، وإنما أعادوها إلى النصارى الوطنيين حتى "ليروي أنه خرج للقاء عمرو بن العاص من أديرة وادي النطرون ـ بمصر ـ سبعون ألف راهب، بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه، وأنه كتب لهم كتاباً ـ بالأمان ـ هو عندهم..." .
* وحررت هذه الفتوحات الإسلامية الناس فأشركتهم في حكم بلادهم وأعادت إليهم استقلالهم القانوني .. والقضائي .. والمدني .. الذي حرموا منه طوال قرون الاستعمال الروماني.
* كما أعادت العدالة الاجتماعية إلى هذه البلاد، عندما نظمت الضرائب وجعلتها على أقساط .. وفي آجال محددة .. وحصرتها في ضريبتين بعد أن كان المواطن يدفع أربع عشرة ضريبة للرومان!.
* وعاد الطابع الوطني للنصرانية الشرقية وكنائسها ورئاساتها .. فعزل عمرو بن العاص "البطرك ـ الاستعماري" الروماني وأعاد البطرك "بنيامين" إلى كرسي كنيسته الوطنية المصرية.
* وإذا كان المستشرق الألماني الحجة "آدم متز" قد وصف حال النصاري في ظل الدولة الإسلامية فقال : " لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام".. فإن هؤلاء النصارى قد حرموا حرياتهم المدنية والسياسية والقانونية والقضائية والثقافية واللغوية طوال القرون التي ابتليت بلادهم فيها باستعمار الرومان والبيزنطيين.
* ولذلك كان استقبال شعوب الشرق للفاتحين الإسلاميين كمحررين .. وبعبارة المؤرخ النصراني "جاك تاجر" [1918 – 1952] : " فإن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين ، بعد أن ضمن لهم العرب ـ عند دخولهم مصر ـ الحرية الدينية، وخففوا عنهم الضرائب .. ولقد ساعدت الشريعة الإسلامية الأقباط على دخولهم الإسلام وإدماجهم في المجموعة الإسلامية، بفضل إعفائهم من الضرائب.. أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية فقد يسر لهم العرب سبل كسب العيش .. إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة".
* وحتى البابا شنودة الثالث [ 1923 - ] بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ـ أكبر كنائس الشرق وأعرقها ـ والذي كتب عن عدل الإسلام وسماحته، وعن عدل الخلفاء والحكام المسلمين مع غير المسلمين .. فقال عن عدل الراشد الثاني عمر بن الخطاب [ 40 ق .هـ - 23 هـ / 584 – 644 م]:
" لقد رأينا في التاريخ الإسلامي أمثلة واضحة للسماحة الإسلامية ، نذكر منها أن الخليفة عمر بن الخطاب حينما اقترب من الموت أوصي من يأتي بعده في الخلافة من جهة أهل الكتاب بأمرين:
الأمر الأول: وفاء العهود التي أعطيت لهم .
والأمر الثاني قال فيه: ولا تكلفوهم فوق ما يطيقون .
. . وحينما كان الوليد بن عقبة واليا على بني تغلب ومن فيهم من نصارى . . ورأى عمر أن الوليد هدد هؤلاء الناس وتوعدهم ، عزله من الولاية حتى لا يلقى بهم شرا .. وهكذا كان المسلمون يسلكون في العدل بين رعاياهم ، أيا كان مذهبهم .
ولقد انتهت حياة عمر بن الخطاب على الأرض، وانتهت مدة خلافته، ولكن الخير الذي عمله لم يمت بموته إطلاقا، ولا يزال حيا الآن يملأ الآذان ويملأ الأذهان .. ويحيا مع الناس على مدى الأزمان" .
كما تحدث البابا شنودة عن سماحة الخليفة معاوية بن أبي سفيان [ 20ق.هـ - 60 هـ / 603 – 680 م] مع غير المسلمين.. فقال: " لقد كان طبيبه الخاص نصرانياً . . واختار رجلا مسيحيا لكي يؤدب ابنه يزيد .. ويزيد هذا اختار كاهنا مسيحيا لكي يؤدب ابنه خالداً".
وتحدث عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان [ 26- 86 هـ / 646 – 705 م] فقال : " لقد اتخذ يوحنا الدمشقي [55- 122هـ / 675 - 740م ] مستشارا له . . وقد اختار رجلاً معلماً مشهورا اسمه " أطانا سيوس" لكي يؤدب أخاه عبد العزيز . . ولما صار عبد العزيز بن مروان حاكما لمصر أخذ "أطانا سيوس" معه كمستشار له . . ونجد أن الأخطل [19 – 90هـ / 640 – 708 م] كان من الشعراء المسيحيين المشهورين، واندمج فى مجموعة متلازمة مع جرير [28- 110 هـ / 640- 708م] والفرزدق [ 110 هـ / 728 م] واشتهرت هذه المجموعة في العصر الأموي . . وكان الأخطل المسيحي حينما يدخل إلى مساجد المسلمين يقوم المسلمون له إجلاًلا لعلمه وأدبه ، كما يروي التاريخ الإسلامي" .
كذلك يشهد البابا شنودة للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك [ 71 – 125 هـ / 690- 743 م] فيقول: "إنه ابتنى للبطريرك في أيامه بيتا إلى جوار قصره، وكان يستمع منه إلى صلواته وعظاته".
ويشهد ـ كذلك ـ للعصر العباسي، فيقول عن أبى جعفر المنصور [136 - 158هـ / 753 - 774م] : " إن طبيبه الخاص كان مسيحيا اسمه " جرجس بن بختيشوع" ، وكان الخليفة هارون الرشيد [149 – 193 هـ / 766 – 809 م] يقول للناس: من كان منكم له حاجة عندي فليكلم فيها جبرائيل؛ لأني لا أرد له طلبا .. وكان يوحنا مشهورا من أيام الرشيد إلى أيام المتوكل [ 206 – 247 هـ / 821 – 681 م] ، وكان هؤلاء الخلفاء يدعونه إلى موائدهم، وما يأكلون شيئا إلا في حضرته .. وكان حنين بن إسحق من أشهر الأطباء في العصر الإسلامي ، حتى قيل عنه إنه أبوقراط عصره وجالينوس دهره . وحنين بن إسحق هذا تعلم الفقه على يد الإمام أحمد بن حنبل [164 – 241 هـ / 780 - 855م ] وكذلك اللغة على يد سيبويه [ 148 – 180 هـ / 765 – 796 م ] ونبغ في اللغة العربية نبوغا عظيماً.." .
كما شهد البابا شنودة للدولة الطولونية، ومؤسسها أحمد بن طولون [ 220 – 270 هـ / 834 ـ 884م] "الذي كان من المحبين للأقباط كثيرا، والذي اختار مسيحيا لكى يبنى له مسجده .. واختار مسيحيا لكي يبنى القناطر وكثيرا من منشآته . . وكان يذهب كثيرا لزيارة دير القصير، وكان على صلة وثيقة برهبانه هناك . . فلقد كانت الأديرة المصرية دائما مجالاً لالتقاء الخلفاء والولاة، وكانوا يحبونها ويقضون فيها الكثير من الوقت، ويصادقون رهبانها وأساقفتها" .
كما شهد البابا شنودة للدولة الإخشيدية، ومؤسسها محمد بن طغج الإخشيد [ 268 – 334 هـ / 882 – 946 م] "الذي كان يبنى الكنائس بنفسه وتولى ترميمها".
كما شهد البابا شنودة للدولة الفاطمية .. فقال: " ولا أستطيع أن أذكر مقدار اهتمام الخلفاء الفاطميين بالكنائس وبنائها وترميمها.." .
ثم يختم البابا شنودة شهادته للتاريخ الإسلامي والسماحة الإسلامية، فيقول : " كما تولى الخلفاء والحكام إقامة الوحدة الوطنية ورعايتها .." .
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة Habeebabdelmalek في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 6
آخر مشاركة: 15-11-2010, 06:37 PM
-
بواسطة Habeebabdelmalek في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 17
آخر مشاركة: 02-07-2009, 02:51 PM
-
بواسطة Ahmed_Negm في المنتدى من ثمارهم تعرفونهم
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 04-07-2007, 03:16 PM
-
بواسطة محمد مصطفى في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 06-08-2006, 01:13 AM
-
بواسطة محمد مصطفى في المنتدى منتديات الدعاة العامة
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 01-01-1970, 03:00 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات