مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 55

الموضوع: مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (4)

    د. محمد عمارة

    رغم الدهشة والغضب اللذين يشعر بهما، لا المسلمون وحدهم، بل والمنصفون من غير المسلمين ، الذين عرفوا الإسلام.. بل وحتى المحايدون الذين يفترضون ضرورة الأدب والكياسة في الحديث عن الديانات.. رغم كل ذلك، فإن الموضوعية يجب أن تكون المعيار الأول في الرد على هذه الإساءات والمغالطات.

    إن الغضب لله ولرسوله ولدينه أمر مشروع .. بل ومطلوب .. لكن الإسلام يعلمنا أن يمين الغاضب لا تنعقد، وأن قضاء الغاضب لا يجوز؟ لأن الغضب قطعة من الجنون .. ومن ثم فإن العقلانية والموضوعية هي التي يجب أن تحكم الرد على هذه الإساءات .. وتحكم الحوار مع عظيم الفاتيكان .

    ـ وفي البداية .. ولتبديد الاستغراب والاندهاش اللذين أصابا الكثيرين من هذا الذي صنعه الحبر الأعظم للكاثوليكية، المتربع على عرش بابوية الفاتيكان .. أقول : إنه لا غرابة في حدوث هذا الأمر الغريب ؟ !.

    فهذا الرجل ـ الذي تولى البابوية في إبريل 2005م قد شغل ـ في الفاتيكان ـ لأكثر من ربع قرن ـ من 1981 م حتى 2005م ـ منصب المسئول الأول عن "النقاء العقائدي"، أي قيادة "الأصولية الأرثوذكسية الكاثوليكية" التي تقسم العالم إلى مؤمنين كاثوليك حقيقيين وإلى من يعتنقون "بعض عناصر الإيمان " .. أي أنه ـ بالمعنى الشائع في الشرق ـ كان يتولى زعامة ومسئولية "التكفيريين" في الإطار الكاثوليكي ! .. الأمر الذي يرسم صورته وصورة مواقفه ضد الآخرين من غير الكاثوليك ! .. ويرسم صورة مؤسسته في هذه المرحلة من التاريخ .

    ـ وهو من هذا المنطلق "الأصولي ـ التكفيري" عدو لدود للعلمانية، التي جعلت أكبر البلاد الكاثوليكية في أوروبا ـ فرنسا ـ لا يذهب فيها إلى القداس سوى 5 % من السكان الكاثوليك ! .. أي أن تعداد الكاثوليك الفرنسيين ـ بمقاييس هذا البابا ـ هم أقل من تعداد المسلمين الفرنسيين !..

    وهذا المنصب الذي تولاه لأكثر من ربع قرن قبل توليه البابوية ـ منصب "المفتش الأكبر" رئيس مجمع عقيدة الإيمان ـ هو في الكنيسة الكاثوليكية ـ الامتداد المعاصر "لمحاكم التفتيش"، التي احترفت ـ في العصور الوسطي الأوروبية ـ التفتيش عن العقائد، وممارسة الحرق والخنق والإغراق ضد العلماء والمفكرين والفلاسفة والمخالفين .. وضد المسلمين بعد إسقاط غرناطة واقتلاع الإسلام من الأندلس 1492 م .. والتي مارست إعدام هؤلاء المخالفين على "الخازوق المقدس " لمدة ثلاثة قرون ! .. والتي بلغ ضحاياها عدة ملايين .

    بل إن اختيار هذا الرجل ـ واسمه قبل البابوية "جوزيف راتزينجر" ـ لاسمه البابوي ـ بنديكتوس السادس عشرـ له ـ كما أسلفنا ـ معنى وثيق الصلة بهذا التوجه "الأصولي ـ التكفيري" في الموقف من الآخرين .. فالبابا بنديكتوس الرابع عشر ( 1740 ـ 1758م ) ـ في القرن الثامن عشرـ كان عدوا للعقلانية ولمنهج الشك اللذين قامت عليهما حركة التنوير الأوروبية .. وقبل ذلك ـ في القرن السادس ـ كان القديس البابا بنديكت الخامس [ 480ـ 547م ] هو مؤسس الأديرة والرهبانية التي ساعدت على بقاء الحضارة المسيحية في أوروبا .. وهو واضع دستور الرهبانية المتبع حتى الان في الحضارة الغربية .

    فحتى الاسم ـ بنديكتوس ـ الذي اختاره هذا البابا له توجهات أصولية ـ بالمعنى الغربي ـ وله دلالات .. وله تاريخ ! ..

    ـ وفيما يتعلق بما جاء من الإساءات للإسلام ـ في محاضرته بجامعة "ريجنسبورج " في مدينة "رايتسبون " الألمانية ـ في 12 سبتمبر 2006م ، فإن هذا لم يكن ـ كما أسلفنا ـ بداية إساءاته إلى الإسلام ..

    ـ فالرجل له تاريخ في "الخوف والتخويف " من الإسلام ـ ذلك الذي أصبح اتجاها في الغرب يسمونه "الإسلام فوبيا Islam phobia" ـ ففي حوار بينه وبين السياسي الإيطالي البارز "مارسيلو بيرا" ـ نشر في كتاب عنوانه : [بلا جذور: الغرب، النسبية، الإسلام والمسيحية] يعلن هذا البابا أنه تسيطر عليه مخاوف ثلاثة :

    أولها : الانقراض السكاني للأوروبيين المسيحيين بسبب العلمنة التي أشاعت الأنانية وتفكك الأسرة، فانخفضت الخصوبة والمواليد ـ أحيانا إلى أقل من 1% ـ "ذلك أن معدلات المواليد في غالبية الدول الأوروبية تراجعت، الشيء الذي أثر على استمرار التوازن السكاني .. وجعل عدة شعوب أوروبية، خصوصا الألمان والإيطاليين والأسبانيين، ربما لا تعود موجودة قبل نهاية القرن الحالي" أو في أحسن الأحوال والتكهنات تصبح ـ هذه الشعوب ـ أقليات داخل دولها .

    وثاني هذه المخاوف البابوية هو: "أن المكان الذي تتركه الأجيال الأوروبية الجديدة شاغرا يملؤه المهاجرون المسلمون، خصوصا من إفريقيا والعالم العربي .. الأمر الذي يفتح الباب لاحتمال أن تصبح أوروبا مستقبلاً جزءاً من دار الإسلام " !! ..

    وثالث هذه المخاوف البابوية هو : "تراجع المسيحية من الفضاء الأوربي" .. فبسبب العلمانية" أصحبت مسيحية غالبية الأوروبيين تقتصر على انتماء الأسرة التقليدي للمسيحية" ، أي مسيحيون بحكم النسب والتاريخ!! الأمر الذي أدى ـ برأي البابا ـ إلى "افتقار أوروبا إلى القدرة والرغبة والشجاعة الأخلاقية في القتال من أجل أي شيء، حتى حريتها" !!.

    هكذا ينظر البابا بنديكتوس السادس عشر إلى الإسلام ، فيراه الوارث لمسيحيته وكنيسته .. الذي سيجعل أوروبا ـ وهى قلب العالم المسيحي ـ قبل نهاية هذا القرن "جزءا من دار الإسلام " ، كما سبق وجعل الشرق ـ الذي كان قلب العالم المسيحي ـ قلبا لعالم الإسلام!!..

    وقد انعكس هذا الخوف البابوي من الإسلام في صور تعلن عداءه لهذا الدين، وافتراءه عليه، وإساءته لعقائده ورموزه ومقدساته ، حتى قبل هذه المحاضرة التي فجرت غضب المسلمين ، فالإسلام الذي يبلغ القمة في التنزيه للذات الإلهية عن التعدد والحلول والاتحاد والتجسيم والتشبيه ، والذروة في التوحيد الخالص لهذه الذات الإلهية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ (3) ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص 1-4] (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [ الشورى :11] و"كل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك".

    هذا الإسلام، الذي تلخصه كلمة التوحيد، وتعبر عن شعاره شهادة أن لا إله إلا الله ، يقول معه البابا : "إنه ليس دين توحيد على نمط اليهودية والمسيحية، لا ينتمي إلى الوحي نفسه الذي تنتمي إليه اليهودية والمسيحية " !!

    فالتوحيد ـ برأي البابا ـ موجود في اليهودية، التي جعلت الله خاصا ببني إسرائيل، وللشعوب الأخرى آلهتها ! وموجود في المسيحية التي تقول بالتثليث، وتعبد عيسى بن مريم ـ باعتباره الرب ـ وتقول عنه: إنه "الألف والياء، والبداية والنهاية، القادر على كل شيء.. خالق كل شيء، وبه كان كل شيء.. وبدونه لم يكن شيء مما كان"!! [يوحنا: 1: 3، 11].

    أما الإسلام، الذي يجعل الواحدية والأحدية فقط للذات الإلهية، وينزهه عن المثيل والند والشريك والشبيه والصاحبة والوالد والولد ، فهوـ بنظر البابا بنديكتوس ـ ليس دين توحيد !! ..

    * وإذا كان الكاردينال "جوزيف راتزينجر" قد اتخذ لنفسه اسما بابويا ينم عن التوجهات المحافظة والأصولية ـ بالمعنى المسيحي الغربي ـ فإن عداءه هذا للإسلام .. وإعلانه السافر لهذا العداء .. واتخاذ هذا العداء صور الإساءة والتهجم.. هو الآخر له تاريخ .. بل وتاريخ طويل مليء بثقافة الكراهية السوداء للإسلام والمسلمين .

    ـ ففي تراثه الكاثوليكي، يقول أبرز قديسي وفلاسفة الكاثوليكية ـ في العصور الأوروبية الوسطي ـ "توما الأكوينى" [ 1225ـ 1274 م ] عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم : " لقد أغوى محمد الشعوب من خلال وعوده لها بالمتع الشهوانية .. وحرّف جميع الأدلة الواردة في التوراة والأناجيل من خلال الأساطير والخرافات التي كان يتلوها على أصحابه، ولم يؤمن برسالته إلا المتوحشون من البشر الذين كانوا يعيشون في البادية" ! .

    ـ وفى التراث الفني والأدبي الكاثوليكي الأوروبي ـ تراث بابا الفاتيكان ـ وضع "دانتى" [1295 ـ 1321 م] صاحب "الكومديا الإلهية" رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه "في الحفرة التاسعة، في ثامن حلقة من حلقات جهنم، لأنهما ـ بنظر دانتى ـ من أهل الشجار والنفاق ، الذين تقطعت أجسادهم في سعير الكوميديا الإلهية" ! .

    ـ وفي تراث البابا ـ الذي يتهم الإسلام بأنه ليس دين توحيد ـ تزعم "ملحمة رولاندا" ـ الشعبية ـ التي نظمت حوالي 1300م أن المسلمين يعبدون ثالوث :

    1ـ أبولين ـ Apollin

    2ـ وتيرفاجانت ـ Tervagant

    3ـ ومحمد ـ Mohamed (18)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (5)

    بقلم : د. محمد عمارة

    بشهادات علماء الغرب الذين قارنوا بين حقيقة الإسلام وبين الصورة البائسة والكريهة والشوهاء التي صنعتها المسيحية الغربية لهذا الإسلام.. فإن الخيال الغربي المسيحي المريض قد أطلق لنفسه العنان في تشويه صورة الإسلام ، ليشحن العامة والغوغاء في الحروب الصليبية التي شنتها الكنيسة الغربية لإعادة اختطاف الشرق من التحرير الإسلامي.

    ويشهد على هذه الحقيقة المستشرق الفرنسي "مكسيم رودنسون" [1915 -2004م] فيقول: (لقد حدث أن الكتاب اللاتين ـ الذين أخذوا بين 1000م 1140 م على عاتقهم إشباع حاجة الإنسان العامي ـ باتوا يوجهون اهتمامهم نحو حياة محمد دون أي اعتبار للدقة، فأطلقوا العنان "لجهل الخيال المتنصر" ـ كما جاء في كلمات "ر. وساوثرن" ـ فكان محمد "في عرفهم" : ساحرا، هدم الكنيسة في إفريقيا والشرق عن طريق السحر والخديعة، وضمن نجاحه بأن أباح الاتصالات الجنسية .. وكان محمد "في عرف تلك الملاحم" هو صنمهم الرئيسي، وكان معظم الشعراء الجوالة يعتبرونه كبير آلهة السراسنة ـ البدو ـ وكانت تماثليه "حسب أقوالهم" تصنع من مواد غنية، وذات أحجام هائلة ) ! .

    وبشهادة المستشرق الإيطالي "فرنشسكو جابرييلي": " فلقد كانت العصور الوسطي الغربية تنظر إلى ظهور الإسلام وانتشاره باعتباره تمزقا شيطانيا في صدر الكنيسة المسيحية، وانشقاقا مشئوما قام به شعب بربرى"!.

    وبشهادة المفكر الألماني "هربرت هيركومر" ـ في دراسته عن "صور الإسلام في الأدب الوسيط" : "فإن الأوروبيين ادعوا أن رسول الإسلام كان كاردينالا كاثوليكيا، تجاهلته الكنيسة في انتخابات البابا، فقام بتأسيس طائفة ملحدة في الشرق انتقاما من الكنيسة، واعتبرت أوروبا المسيحية ـ في القرون الوسطي ـ محمدا المرتد الأكبر عن المسيحية، الذي يتحمل وزر انقسام نصف البشرية عن الديانة المسيحية".

    وبشهادة المستشرقة الألمانية دكتورة "سيجريد هونكة ": (فلقد استقر في أذهان السواد الأعظم من الأوروبيين الازدراء الأحمق الظالم للعرب، الذي يصمهم جهلا وعدوانا بأنهم رعاة الماعز والأغنام، الأجلاف، لابسو الخرق المهلهلة ، وعبدة الشيطان، ومحضرو أرواح الموتى ، والسحرة ، وأصحاب التعاويذ وأعمال السحر الأسود، والذين حذقوا هذا الفن واستحوذ عليهم الشيطان، تحرسهم فيالق من زبانيته من الشياطين.. وقد تربع على عرشهم الذهبي "ماهومد" ـ "مخميد" ـ وقد ركعت تحت أقدامه قرابين بشرية يذبحها أتباعه قربانا وزلفي إليه!

    فهم الكفرة الفجرة، الذين لا يدينون بالمسيح أو الله ، لأنهم لم يعبدوه بعد .. فهم ليسوا سوى ديدان حقيرة .. وسفلة أوغاد .. أعداء الله .. وأعداء المسيح .. مستبيحو قبر المسيح) ! .

    وحسب وصف "جى . توينبى" [1889 – 1975م] : " فهم غير متحضرين .. وخلق غريب مستبعد من العالم الهللينى، أو المتطفلين على الحضارة الهللينية الإغريقية .. أولئك المحمدون البدائيون.. وأقصى القول فيهم : إنهم تقليد بربري جاهل زائف لديانة السريان الغريبة عنهم، وهم ـ لبدائيتهم وقصورهم ـ لا يسعون إلى اعتناق النصرانية" !.

    "ولقد صورت الكنيسة الأوروبية رسول الإسلام ساحرا كبيرا .. وصورت "قرطبة" ـ في الأندلس ـ وطن عباد الشيطان، المتوسلين بالموتى، الذين قدموا لمحمد الصنم الذهبي الذي كانت تحرسه عصبة من الشياطين، تضحية بشرية" !!

    "فبلاد الإسلام هي عالم الخرافات والأساطير، عبدة الشيطان، والسحرة المتضرعين إلى الشيطان .. بلاد الأضاحي البشرية من أجل صنم ذهبي، تسهر على سلامته عصبة من الشياطين، اسمه محمد" !!.

    "ولقد نظم شاعر الكنيسة القسيس "كونراد" 1300م ـ في ريجنز بورج ـ "ملحمة رولاند".. التي وصف فيها المسلمين بأنهم الشعب الذي لا يروى تعطشه لسفك الدماء، والذي لعنه رب السماء.. فهم كفرة وكلاب.. وخنازير فجرة.. وهم عبدة الأصنام التي لا حول لها ولا قوة.. الذين لا يستحقون إلا أن يقتلوا وتطرح رممهم في الخلاء، فهم إلى جهنم بلا مراء" ! .

    وفى هذه الملحمة الشعبية يخاطب القس "كونراد" الشعب المسلم، فيقول: "إن مخمت ـ محمد ـ قد أرسلني إليك لأطيح رأسك عن كتفيك وأطرح للجوارح جثتك، وأمتشق برمحي هامتك ، ولتعلم أن القيصر قد أمر كل من يأبى أن تعمده الكنيسة "ليس له إلا الموت شنقا، أو ضربا، أو حرقا" . إن أولئك جميعا دون استثناء حزب الشيطان اللؤماء، خسروا الدنيا والآخرة، وحل عليهم غضب الله، فبطش بهم روحا وجسدا، وكتب عليهم الخلود في جهنم أبدا"!!.

    أما البابا الذهبي "أوربان الثاني" [ 1088 ـ 1099م] الذي أشعل نيران الحروب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين ، فهو الذي خطب في فرسان الإقطاع الأوروبيين يحثهم على الحرب المقدسة ضد المسلمين، فقال : "أى خزي يجللنا وأي عار، لو أن هذا الجنس من الكفار، الذي لا يليق به إلا كل احتقار، والذي سقط في هاوية التعري عن كرامة الإنسان، جاعلا من نفسه عبدا للشيطان، قد قدر له الانتصار على شعب الله المختار"!!.

    نعم .. هذه هي صورة الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم.. وصورة المسلمين في تراث أوروبا الكاثوليكية .. والتي نافستها فيه أوروبا البروتستانتية، تلك التي تحدث بلسانها كبيرها "مارتن لوثر" [1483 ـ 1546م] عن القرآن الكريم فقال : "إنه كتاب بغيض وفظيع وملعون، ومليء بالأكاذيب والخرافات والفظائع! .. وإن إزعاج محمد والإضرار بالمسلمين يجب أن تكون المقاصد من وراء ترجمة القرآن وتعرف المسيحيين عليه .. وإن على القساوسة أن يخطبوا أمام الشعب عن فظائع محمد، حتى يزداد المسيحيون عداوة له، وأيضا ليقوى إيمانهم بالمسيحية، ولتضاعف جسارتهم وبسالتهم في الحرب ضد الأتراك المسلمين، وليضحوا بأموالهم وأنفسهم في هذه الحروب " !! ..

    أما صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الرحمة المهداة .. والنور والبشير للعالمين .. فإنها عند رأس البروتستانتية ـ وبألفاظه ـ صورة "خادم العاهرات وصائد المومسات" !!.

    ***

    وإذا كان المرء يعجب كل العجب من أن يبلغ "الخيال المظلم والمريض" بالكنيسة الأوروبية ـ بابواتها .. وقساوستها .. وشعرائها .. وعوامها ـ هذا المستوى الغريب والعجيب والمريب في الافتراء على الإسلام والمسلمين .. فإن هذا العجب يتزايد عندما يرى هذا التراث من ثقافة الكراهية السوداء لا يزال باقيا .. وفاعلأ .. دون نقد أو مراجعة .. بل يراه فاعلا وموجها لبابا الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ بنديكتوس السادس عشر في القرن الواحد والعشرين !! .

    ***

    ويا ليت الأمر قد وقف عند هذا البابا ـ ذي التوجهات المحافظة والأصولية ـ بالمعنى الغربي ـ وإنما الأدهى والأمر أننا أمام تراث من العداء للإسلام والافتراء على رموزه ومقدساته، يحرك هذه المؤسسة الكبرى التي يتربع على عرشها هذا البابا.

    ـ فهذه الكنيسة هي التي هيجت أوروبا 0 وأعلنت وقادت أولى الحروب العالمية على الإسلام ـ الحروب الصليبية ـ التي دامت قرنين من الزمان [ 489 ـ 690هـ / 1096 ـ 1291 م] .

    ـ وهى التي زكت وصمتت صمت الرضا ـ بل وشاركت بالتنصيرـ في الغزوات الأوروبية الحديثة لاستعمار العالم الإسلامي على امتداد القرون الخمسة الممتدة من إسقاط غرناطة والأندلس 1492م وحتى هذه اللحظات ! .

    ـ وهى التي أرسلت "كريستوفر كولمبس" [1451ـ 1506م ] ليجمح الذهب ـ بعد إبادة سكان الأمريكتين ـ لإعداد حملة صليبية جديدة ضد عالم الإسلام، لإعادة اغتصاب القدس وفلسطين !! .. ويومها كتب "كولمبس" إلى البابا "إسكندر السادس" [1492 ـ 1503م] فقال:

    "لقد اضطلعت بهذه المهمة ـ الرحلات إلى أرض الذهب في أمريكا ـ لننفق ما سوف نكسبه منها في رد الديار المقدسة .. وبعد أن ذهبت إلى هناك ورأيت الأرض كتبت إلى الملك "فرديناند" [1479ـ 1516م] والملكة "إيزابيلا" [1474ـ 1504م] : إنه منذ ذلك اليوم، وعلى مدار سبع سنوات، سوف أحتاج إلى خمسين ألفا من الجنود المشاة، وخمسة آلاف فارس لفتح الديار المقدسة " !!.

    ـ وهى التي أرسلت "فاسكو دي جاما" [1469ـ 1524م ] ليلتف حول العالم الإسلامي .. تمهيدا لضرب قلب العالم الإسلامي 1497م .

    ـ وهى التي أرسلت "ماجلان" [ 1480 ـ 1521] ليحارب المسلمين في الفلبين 1521م .. ولتنصير الفيلبين التي كانت مسلمة .. واسم عاصمتها "أمان الله" .

    ـ وهى التي أعلن مطرانها في باريس ـ بحضرة الملك الفرنسي "شارل العاشر" [1824ـ 1830م] ـ عند احتلال الجزائر 1830م : "إنه يحمد الله على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، وما زالت كذلك" ! .

    كما أعلن كرادلتها وقساوستها ـ وهم يحتفلون 1930م بمرور مائة عام على احتلالهم للجزائر ـ : "إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد .. وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدا لدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الإنجيل !! .. وإن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار" !! .

    ـ وهى التي عهد جنرالها "كليبر" [1753ـ 1800م] ـ إبان الحملة الفرنسية على مصرـ إلى المعلم "يعقوب حنا" [1745ـ 1 180م ] : "أن يفعل بالمسلمين ما يشاء .. حتى تطاولت النصارى على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم .. وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين" !! .

    ـ وهى المؤسسة الكنسية التي يقود كرادلتها في واقعنا المعاصرـ وليس فقط البابا بنديكتوس السادس عشرـ حرب التخويف من الإسلام .. فيقول الكاردينال "بول بوبار" ـ مساعد بابا الفاتيكان يوحنا بولص الثاني .. ومسئول المجلس الفاتيكاني للثقافة ـ : "إن التحدي الذي يشكله الإسلام يكمن في أنه دين وثقافة ومجتمع وأسلوب حياة وتصرف، في حين أن المسيحيين في أوروبا يميلون إلى تهميش الكنيسة .. إن الإسلام يمثل تحديا لأوروبا وللغرب عموما .. وإن المرء لا يحتاج إلى أن يكون خبيرا ضليعا لكي يلاحظ تفاوتا متزايدا بين معدلات النمو السكاني في أنحاء معينة من العالم، ففي البلدان ذات الثقافة المسيحية يتراجع النمو السكاني بشكل تدريجي، بينما يحدث العكس في البلدان الإسلامية.. وفى مهد المسيح، يتساءل المسيحيون بقلق عما سيحمله لهم الغد، وعما إذا لم يكن موتهم مبرمج بشكل ما" .

    أما الكاردينال :"المونسنيور جوزيبي برناردينى" فإنه يقول ـ في حضرة البابا يوحنا

    بولص الثاني ـ : "إن العالم الإسلامي سبق أن بدأ يبسط سيطرته بفضل دولارات النفط .. وهو يبني المساجد والمراكز الثقافية للمسلمين المهاجرين في الدول المسيحية، بما في ذلك روما عاصمة المسيحية.. فكيف لنا ألا نرى في ذلك برنامجا للتوسع وفتحا جديدا" ؟ ! .

    إذن .. فنحن لسنا بإزاء عداء فردى لبابا جديد، يمثل تيار "الأصولية الكاثوليكية" أو تراث محاكم التفتيش .. ومواقف الصليبية القديمة من الإسلام والمسلمين .. وإنما ـ مع ذلك، وفوق ذلك ـ أمام تيار قائد في مؤسسة كنسية، هي كبرى مؤسسات المسيحية الغربية .. تحمل العداء ذاته للإسلام .. وتروج للتخويف منه باعتباره يفتح أوربا فتحا إسلاميا جديدا !! ويهدد بتحويل أوروبا إلى جزء من "دار الإسلام " في هذا القرن الذي نعيش فيه ! .

    ***

    أما عن محاضرة البابا بنديكتوس السادس عشرـ التي مثلت أحدث فصول الإساءات للإسلام ولن تكون آخر هذه الفصول ـ فلقد تناول الرجل فيها أربع نقاط :

    1ـ الافتراء على رب العالمين وإله المسلمين .. وذلك في معرض حديثه عن علاقة الإيمان بالعقل .. إذ ادعى أن الإيمان المسيحي عقلاني .. بينما المشيئة الإلهية لإله المسلمين متسامية ولا علاقة لها بالعقل ولا بالمنطق !! الأمر الذي يجعل الإيمان الإسلامي بإله المسلمين إيمانا "وثنيا أعمى"!! .

    2ـ والافتراء على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك عندما استشهد بعبارة الإمبراطور البيزنطي "مانويل الثاني" [ 1391 ـ 1425م ] التي زعم فيها أن محمداً لم يأت إلا بما هو سييء وشرير ولا إنساني، ومن ذلك أمره نشر دينه بالسيف ! .

    3ـ وخلطه بين الجهاد الإسلامي وبين الحرب المقدسة ـ التي عرفتها ومارستها النصرانية الغربية لعدة قرون ـ ومن ثم ادعاؤه أن الدين الإسلامي والإيمان به إنما يؤسس لممارسة العنف والإرهاب ضد الآخرين ! .

    4ـ والافتراء على القرآن الكريم، ووصف آياته بأنها "تعليمات أوامر اللئام التي أثبتت في القرآن " !! .

    ولما كنا قد سبق وكتبنا الكتب والدراسات في الرد على جميع هذه الافتراءات والشبهات.. فإننا ـ مراعاة للمقام وعدم التكرار ـ سنقدم هنا نقاطاً موجزة تدحض هذه الافتراءات.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (6)

    د. محمد عمارة

    فيما يتعلق بمقام العقل في الإيمان الإسلامي وفى الفكر الإسلامي .. فقد تجاهل عظيم الفاتيكان ـ الذي درس الفلسفة ودرّسها ـ أن الله سبحانه وتعالى في الإيمان الإسلامي من أسمائه (الحَكِيمُ) .. وأنه (العَزِيزُ الحَكِيمُ) و (العَلِيمُ الحَكِيمُ) .. وأنه هو الذي [أنزل الكتاب والحكمة] .. وأنه ـ سبحانه وتعالى ـ إنما بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس (الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) .. وحتى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أشار القرآن الكريم إلى ما يتلى في بيوتهن (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ).. وأن (ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) ، (سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ) [ البقرة: 32] ، (إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) [ البقرة: 129] ، (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [ البقرة : 209] ، (هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) [ الجمعة: 24] ، (وأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) [ النساء: 113] ، (واذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 33] ، (ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) [ البقرة: 269].

    ولقد ورد في القرآن الكريم وصف الذات الإلهية بالحكيم في مائة آية من آيات هذا القرآن .. كما وردت فيه الآيات التي تتحدث عن العقل والتعقل في 49 آية .. وعن القلب، كأداة للتعقل، في 132 آية .. وعن الفقه، بمعنى الوعي العقلي، في 20 آية .. وعن الحكمة في 19 آية .. وعن التفكر في 18 آية .. وعن اللب، بمعنى العقل والجوهر الإنساني، في 16 آية .. وعن الاعتبار، بمعنى التعقل، في 7 آيات .. وعن التدبر في 4 آيات .. وعن النهى، بمعنى التعقل، في آيتين .

    أي أن القرآن الكريم ـ الذي هو معجزة عقلية تستنفر العقل للتعقل، ولا تدهشه كالمعجزات المادية فتشله عن العمل ـ قد جاء فيه الحديث عن العقل والحكمة فيما يقرب من ثلاثمائة آية .. وذلك فضلا عن مائة آية ورد فيها ـ بالنص ـ وصف "الحكيم" كواحد من أسماء الله الحسنى .

    بل لقد جعل القرآن الكريم تنكب العقلانية والتعقل السبيل إلى جهنم والعياذ بالله (وقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) [ الملك :10،11].

    ـ ثم .. ألم يسمع عظيم الفاتيكان أن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم قد قال : "العقل أصل ديني"..

    وقال : "عليكم بالقرآن ، فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدا " (رواه الدارمى).

    وألم يقرأ لابن رشد [ 520ـ 595 هـ / 1126 ـ 1198 م] ـ الذي أخرجت عقلانيته الإسلامية أوروبا من خرافات اللاهوت الكنسي ـ كيف جعل "دليل العناية والرعاية " ـ وهو قمة الحكمة والعقلانية ـ دليلا على وجود الله سبحانه وتعالى ؟ .. وكيف أعلن أن "الحكمة " هي الأخت الرضيعة "لشريعة الإسلام "؟ .

    وألم يسمع ـ عظيم الفاتيكان ـ عن المعتزلة والتيار العقلاني في الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية، الذين تجاوزا ما اتفق عليه غيرهم من المسلمين من أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يجوز عليه ولا يليق به ـ لفرط الحكمة المطلقة في مشيئته وفعله ـ إلا فعل الصلاح والأصلح .. تجاوز المعتزة ذلك، فأوجبوه على الله !! ..

    ولقد استندوا في ذلك إلى فهمهم للقرآن الكريم، الذي جاء فيه أن الله ـ سبحانه وتعالي ـ قد (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [ الأنعام: 12].

    * وألم يقرأ ـ عظيم الفاتيكان ـ ما كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي [ 450 ـ 505 هـ / 1058 ـ 1111 م] ـ وهو أستاذ للعديد من الفلاسفة والقديسين المسيحيين ـ عن العلاقة العضوية بين العقلانية وبين الشرع والقرآن في الإسلام .. وكيف شبه العقل بنور البصر، والشرع بنور الشمس وضيائها .. ومن ثم حكم بأنه لا قيمة لأي منهما إذا انقطع عن الآخر .. وقال :

    "إنه لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول .. فمثال العقل : البصر السليم من الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء .. والمستغني بأحدهما عن الآخر إنما يكون في غمار الأغبياء .. فالمعرض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثاله: المتعرض لنور الشمس مغمضًا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان! فالعقل مع الشرع نور على نور .. وأنّى يستتب الرشاد لمن يقتنع بتقليد الأثر والخبر، وينكر البحث والنظر؟ .

    أولا يعلم أنه لا مستند للشرع إلا قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر؟ .. إن العقل أولى باسم النور من العين، بل بينهما من التفاوت ما يصح أن يقال معه إنه

    أولى، بل الحق أنه يستحق الاسم دونها .. وعند إشراق نور الحكمة يصير الإنسان مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصراً بالقوة، وأعظم الحكمة كلام الله تعالى، فيكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة، إذ به يتم الإبصار، فبالحري أن يسمى القرآن نوراً، كما يسمى نور الشمس نوراً، فمثال القرآن: نور الشمس، ومثال العقل : نور العين، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى : ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَذِي أَنزَلْنَا) [التغابن : 8] .. وما قضي العقل باستحالته، فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول .. والوحي الإلهي والشرع الحق لا يرد بما ينبو عنه العقل .. فلهذا كان رأسمال كل السعادات العقل" .

    وقول الغزالي ـ كذلك ـ في شرح الآية الكريمة : (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70] "فكان من أعظم ما شرفه به الله وكرمه : العقل، الذي تنبه به على البهيمة، وألحقه بسببه بعالم الملائكة، حتى تأهل به لمعرفة باريه ومبدعه بالنظر في مخلوقاته، والاستدلال به على معرفة صفاته بما أودعه في نفسه من حكمة" .

    * وألم يعلم ـ عظيم الفاتيكان ـ أن الإسلام قد جعل "الشك المنهجي" علما.. وأوجب تعلمه .. لأنه هو الطريق إلى اليقين .. حتى قال الجاحظ [163 ـ 255 هـ /780 ـ 869 م]: "فاعرف مواضع الشك، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له . وتعلّم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرف التوقف، ثم الثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه .. فلو لم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك ، فلا تذهب إلى ما تريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل، وللأمور حكمان : ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجة" .

    * وقول الماوردي [ 364 ـ 450هـ / 974ـ 1058 م] : "إن السبب المؤدي إلى معرفة الأصول الشرعية والعمل بها شيئان: أحدهما: علم الحس، وهو العقل ، لأن حجج العقل أصل لمعرفة الأصول، إذ ليس تعرف الأصول إلا بحجج العقول . وثانيهما: معرفة لسان العرب - وهو معتبر- في حجج السمع خاصة " .

    * وقول القرافى ـ أحمد بن إدريس ـ [ 684 هـ - 1285 م]: " .. والقاعدة المعلومة : أن الشرع لا يرد بخلاف العقل، بل جميع واردات الشرائع يجب انحصارها فيما يجوزه العقل وجودا وعدماً، فيرد الشرع بترجيح أحد طرفيه، وجوده أو عدمه، أو يسوى بينهما، وهو الإباحة" .

    * وقول القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمدانى [415 هـ ـ 1024م]: "إن الأدلة، أولها : دلالة العقل لأن به يميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة، والإجماع. ولربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي : الكتاب، والسنة، والإجماع فقط ، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر . وليس كذلك: لأن الله تعالي لم يخاطب إلا أهل العقل؛ ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع ، فهو أصل في هذا الباب. وإن كنا نقول: إن الكتاب هو الأصل، من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام . وبالعقل يميز بين أحكام الأفعال وبين أحكام الفاعلين، ولولاه لما عرفنا من يؤاخذ بما يتركه أو بما يأتيه، ومن يحمد ومن يذم؛ ولذلك تزول المؤاخذة عمن لا عقل له. ومتى عرفنا بالعقل إلها منفردا بالإلهية، وعرفناه حكيما، نعلم في كتابه أنه دلالة، ومتى عرفناه مرسلاً للرسول، ومميزا له بالأعلام المعجزة من الكاذبين، علمنا أن قول الرسول حجة ، وإذا قال صلى الله عليه وسلم : "لا تجتمع أمتي على خطأ .. وعليكم بالجماعة" .. علمنا أن الإجماع حجة " .

    * وإذا كان بابا الفاتيكان قد جعل موضوع محاضرته عن علاقة الإيمان بالعقل .. فكيف جهل أن فلاسفة الإسلام ـ ومنهم أبو علي الجبائى [ 235ـ 304 هـ ـ 849 – 916م ] قد قالوا : "إن الواجب الأول على الإنسان هو النظر" .

    بل وقال الفيلسوف أبو هاشم الجبائي [ 247 – 321 هـ / 861 – 933 م]: "إن الواجب الأول على الإنسان هو الشك" ! .. وذلك انطلاقا من التأصيل القرآني لمنهاج "الشك المنهجي": (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [ البقرة: 260].

    *وحتى شيخ الإسلام، وإمام السلفية ابن تيمية [661 ـ 728 هـ / 1263 – 1328م] الذي جعل عنوان كتابه "درء تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول" .. رأيناه يعلن : أن "الحنفية وكثير من المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، وهو قول الكرامية والمعتزلة، وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين" ، أي أن أغلب تيارات الفكر الإسلامي ـ الفلسفية والفقهية ـ تجعل العقل مرجعية للتحسين والتقبيح .

    * وإذا كان عظيم الفاتيكان ـ وأستاذ الفلسفة ـ قد جهل هذا التراث الفلسفي الإسلامي القديم .. فكيف جهل تراث الإسلام الفلسفي الحديث ـ في العقلانية الإسلامية ـ والذي قال فيه جمال الدين الأفغاني [1254 – 1314 هـ / 1838 – 1897 م]: "إن الدين الإسلامي يكاد يكون متفردا بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون، وتبكيت الخابطين في عشواء العماية، والقدح في سيرتهم.

    هذا الدين يطالب المتدينين أن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم، وكلما خاطب خاطب العقل، وكلما حاكم حاكم إلى العقل، تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة، وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة .. وقلما يوجد من الأديان ما يساويه أو يقاربه في هذه المزية.. وأظن غير المسلمين يعترفون لهذا الدين بهذه الخاصة الجليلة.

    إن العقل مشرق الإيمان، فمن تحوّل عنه فقد دابر الإيمان ، وإن فرقا بين ما لا يصل العقل إلى كنهه، فيعرفه بأثره، وبين ما يحكم العقل باستحالته، فالأول معروف عند العقل، يقر بوجوده، ويقف دون سرادقات عَزّتْهٌ، أما الثاني فمطروح من نظره، ساقط من اعتباره، لا يتعلق به عقد من عقوده، فكيف يصدق به وهو قاطع بعدمه ؟ ! .

    لقد بدأ الإنسان بداية لا تميزه عن غيره من الحيوانات !.. لكن نقطة الافتراق كانت قوته العاقلة .. والله قد جعل قوة العقل للإنسان محور صلاحه وفلاحه .. والحكمة ـ وآلتها العقل ـ هي مقننة القوانين، وموضحة السبل، وواضعة جميع النظامات، ومعينة جميع الحدود ، وشارحة حدود الفضائل والرذائل، وبالجملة، فهي قوام الكمالات العقلية والخلقية .. فهي أشرف الصناعات.

    إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون، ولسوف يستجلى بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة، وسوف يصل بالعلم وإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته، فيرى ما كان من التصورات مستحيلاً قد صار ممكنا، وما صوره جموده بأنه خيال قد أصبح حقيقة.

    إن أول ركن بني عليه الدين الإسلامي : صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام، فإن عقيدة وهمية لو تدنس بها العقل لقامت حجابًا كثيفًا يحول بينه وبين حقيقة الواقع ويمنعه من كشف نفس الأمر، بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة الفكرية وتدعوه بعد ذلك أن يحمل المثل على مثله، فيسهل عليه قبول كل وهم، وتصديق كل ظن، وهذا مما يوجب بعده عن الكمال، ويضرب له دون الحقائق ستاراً لا يخرق، وفوق ذلك ما تجلبه الأوهام على النفوس من الوحشة وقرب الدهشة، والخوف مما لا يخيف، والفزع مما لا يفزع .

    إن دين الإسلام قد فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس .. وقرر المزايا على قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير، فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفضيلة .. وعقائد الأمة ـ وهي أول رقم ينقش في ألواح نفوسهاـ يجب أن تكون مبنية على البراهين القويمة والأدلة الصحيحة، وأن تتحامي مطالعة الظنون في عقائدها، وتترفع عن الاكتفاء بتقليد الآباء فيها، فإن معتقدا لاحت العقيدة في مخيلته بلا دليل ولا حجة لا يكون موقنّا، فلا يكون مؤمنا .. وأولئك المتبعون للظن ، القانعون بالتقليد تقف بهم عقولهم عند ما تعودت إدراكه، فلا يذهبون مذاهب الفكر، ولا يسلكون طرائق النظر، وإذا استمر بهم ذلك تغشّتهم الغباوة بالتدريج، ثم تكاتفت عليهم البلادة حتى تعطل عقولهم عن أداء وظائفها العقلية بالمرة، فيدركها العجز عن تمييز الخير من الشر، فيحيط بهم الشقاء، ويتعثر بهم البخت، وبئس المآل مآلهم .

    هذا هو الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (7)

    د. محمد عمارة

    ألم يقرأ عظيم الفاتيكان ـ وأستاذ الفلسفة ـ شيئا من هذا الذي كتبه فيلسوف الشرق جمال الدين الأفغاني .. عن تفرد الإسلام ـ دون غيره من الأديان ـ بالعقلانية .. وشهادة خصومه له بهذا التفرد؟ ! ..

    وهل يجوز لمثله ـ عن يتصدى للحديث عن موقف الإيمان الإسلامي من العقل والعقلانية ـ أن يجهل هذه "المقالات " الشهيرة ـ حتى في اللغات الغربية ـ عن

    العقلانية الإسلامية ؟! ..

    ثم .. ألم يسمح بابا الفاتيكان عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [ 1266 – 1323 هـ /1848 – 1905 م] ـ وهو الذي وضعت حول فكره وإبداعاته العديد من الرسائل الجامعية التي كتبها لاهوتيون غربيون .. والذي راسل وحاور العديد من فلاسفة الغرب ومفكريه .. من "تولستوى" [1828ـ 1910م] إلى سبنسر [ 1820 – 1903م] إلى هانوتو [1853ـ 1944م ] .. وغيرهم .. وهو الذي صاغ العقلانية الإسلامية المتفردة مقالا نفيسَا، قارن فيه بين عقلانية الإسلام ولا عقلانية عقيدة بابا الفاتكان !! ..

    ألم يسمع البابا بديكتوس السادس عشر بما كتبه محمد عبده عن:

    "أن الإنسان: كون عقلي، سلطان وجوده العقل، فإن صلح السلطان ونفذ حكمه، صلح ذلك الكون وتم أمره .. والعقل من أجلّ القوي، بل هو قوة القوي الإنسانية وعمادها، والكون صحيفته التي ينظر فيها، وكتابه الذي يتلوه، وكل ما يقرأ فيه فهو هداية إلى الله وسبيل للوصول إليه ..

    والعقل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة ..

    ولقد تآخى العقل و الدين ـ [في الإسلام] ـ لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل ، بتصريح لا يقبل التأويل، وتقرر بين المسلمين كافة ـ إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه ـ أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله، وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحى إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك وما يتوقف عليه فهم معني الرسالة ، كالتصديق بالرسالة نفسها..

    كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء، قد يعلو على الفهم، فلا يمكن أن يأتي بما

    يستحيل عند العقل ..

    وأول أساس وضع عليه الإسلام: هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان

    الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه ؟

    بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة : إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه، ومات طالبا غير واقف عند الظن، فهو ناج.

    فأي سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل من هذه السعة ؟

    ولقد اتفق أهل الملة الإسلامية ـ إلا قليلاََ ممن لا ينظر إليه ـ على أنه إذا تعارض العقل

    والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقى في النقل طريقان : طريق التسليم بصحة المنقول،

    مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه. والطريق الثانية:

    تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.

    وإنه لا يقين مع التحرج من النظر، وإنما يكون اليقين بإطلاق النظر في الأكوان،

    طولها وعرضها، حتى يصل إلى الغاية التي يطلبها بدون تقييد.

    فإنه يخاطب ـ في كتابه ـ الفكر والعقل والعلم بدون قيد ولا حد . والوقوف عند

    حد فهم العبارة مضر بنا، ومناف لما كتبه أسلافا من جواهر المعقولات.. والقرآن قد دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم، فهو معجزة عرضت على العقل، وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في أنحائها، ونشر ما انطوى في أثنائها .. فالإسلام لا

    يعتمد على شئ سوى الدليل العقلي، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري ، فلا يدهشك بخارق للعادة، ولا يعشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية ..

    والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به . فمن ربّيَ على التسليم بغير عقل، والعمل ـ ولو صالحا ـ بغير فقه فهو غير مؤمن، لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله

    وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير؛ لأنه يفقه أنه الخير النافع

    المرضي لله، ويترك الشر؛ لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودناه ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده .. فالعاقل لا يقلد عاقلاً مثله، فأجدر به أن لا يقلد جاهلاً هو دونه !

    وإذ القول بنفي الرابطة بين الأسباب والمسببات جدير بأهل دين ورد في كتابه أن

    الإيمان وحده كاف في أن يكون للمؤمن أن يقول للجبل تحول عن مكانك، فيتحول

    الجبل! .. يليق بأهل دين تعد الصلاة وحدهاـ إذا أخلص المصلى فيهاـ كافية في اقدراه

    على تغيير سير الكواكب وقلب نظام العالم العنصري!.. وليس هذا الدين هو دين الإسلام !

    دين الإسلام هو الذي جاء في كتابه: (وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) [التوبة: 105] ـ (وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ) [ الأنفال:60] ـ (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [ الأحزاب: 62]. وأمثالها.

    وليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى ارتفاع ما بين حوادث الكون من الترتب في السببية والمسببية إلا إذا كفر بدينه قبل أن يكفر بعقله!.

    إن الله في الأمم والأكوان سننا لا تتبدل.. وهى التي تسمى شرائع أو نواميس، أو قوانين .. ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها، هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل. وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله، ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه، فإنه غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا

    الشقاء، وإن ارتفع في الصالحين نسبه، أو اتصل بالمقربين سببه. فمهما بحث الناظر

    وفكر، وكشف وقرر أتى لنا بأحكام تلك السنن، فهو يجرى مع طبيعة الدين، وطبيعة

    الدين لا تتجافي عنه، ولا تنفر منه (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) [آل عمران: 137].

    إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننا، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علماً من العلوم المدونة، لتقديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة ـ في مجموعها ـ أن يكون فيها قوم يبيون لها من سن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال، وبينها العلماء بالتفصيل عملا بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه.

    والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم؛ إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها ..

    وبهذا الأصل، الذي قام عليه الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله عليه وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد .. ".

    وبعد هذا "المقال في العقلانية الإسلامية"، التي تفرد بها الإسلام دون سائر الديانات .. ينبه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده على تميز هذه العقلانية الإسلامية بأنها "عقلانية مؤمنة " تميزت بالوسطية الإسلامية الجامعة بين "العقل" و "الوحي" ـ بين "السنن الكونية : كتاب الله المنظور" وبين "آيات الوحي والشرع : كتاب الله المسطور" .. فهي بريئة من "اللاهوت الخرافي" براءتها من "الغرور العقلاني" .. بريئة من العقلانية المجردة من النقل ـ كما كان الحال في الحقبة الإغريقية ـ وبريئة من العقلانية المادية الوضعية التي جاءت ـ في النهضة الأوروبية ـ ثورة على اللاهوت اللاعقلاني, ولذلك ضبط الإمام محمد عبده هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة .. عندما قال:

    " .. فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة، اللهم إلا في قليل ممن لم يعرفهم الزمن، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال :

    وقد يكون من الأعمال ما لا يمكن درك حسنه، ومن المنهيات ما لا يعرف وجه قبحه، وهذا النوع لا حسن له إلا الأمر ولا قبح إلا النهى ! ..

    إن مجرد البيان العقلي لا يدفع نزاعا ولا يرد طمأنينة، وقد يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل يزعم أنه أرفع من واضعها، فيذهب بالناس مذهب شهواته، فتذهب حرمتها، وينهدم بناؤها، ويفقد ما قصد بوضعها ..

    وإذا قدّرنا عقل البشر قدره، وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني .. أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته ..

    ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده .. لهذا كان العقل محتاجا إلى معين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة ..

    فالعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله، وعلمه، وقدرته، والتصديق بالرسالة .. أما النقل، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة، والعبادات ..

    والذي علينا اعتقاده: أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد، لا دين تفريق في القواعد، والعقل من أشد أعوانه، والنقل من أقوي أركانه.. ".(48)

    وعلى هذا الدرب .. درب العقلانية الإسلامية، المتميزة بإعلاء مقام العقل، مع الوسطية التي تجمع بين العقل لعالم الشهادة، والإيمان بالنقل المصور لعالم الغيب ..

    أي العقلانية الجامعة بين العلم والغيب .. على هذا الدرب يسير الشيخ حسن البنا [1324 – 1368 هـ / 1906 – 1949 م] عندما يقول: "إن الإسلام لم يحجر على أفكار، ولم يحبس العقول .. بل جاء يحرر العقل، ويجث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء. "والحكمة ضالة المؤمن أنًّى وجدها فهو أحق الناس به".

    "وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منها ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالإتباع حتى يثبت

    العقلي أو ينهار ..

    ولقد تذبذب تاريخ العقل البشرى بين:

    اـ طور الخرافة والبساطة والتسليم المطلق للغيب.

    2ـ وطور الجمود والمادية والتنكر لهذا الغيب المجهول .

    وكلا هذين اللونين من ألوان التفكير خطأ صريح، وغلو فاحش، وجهالة من الإنسان بما يحيط بالإنسان، فلقد جاء الإسلام الحنيف يفصل القضية فصلا حقّا .. فجمع بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل ..

    إن المجتمع الإنساني لن يصلحه إلا اعتقاد روحي يبعث في النفوس مراقبة الله .. في

    الوقت الذي يجب على الناس فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم وتعرف وتخترع وتكتشف وتسخر هذه المادة الصماء، وتنتفع بما في الوجود من خيرات وميزات .. فإلى هذا اللون من التفكير الذي يجمع بين العقليتين : الغيبية والعلمية ندعو الناس"(49).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (8)

    د. محمد عمارة

    هكذا تبلورت في الإسلام ـ الدين .. والحضارة .. والتاريخ ـ عقلانية مؤمنة متميزة عن غيرها من العقلانيات التي عرفتها شرائع أخرى .. وحضارات أخرى .

    ـ فالإنسان كون عقلي .. سلطان وجود العقل ..

    ـ والعقل هو جوهر الإنسان .. ومن أجل القوى الإنسانية .. بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها .

    ـ ولقد تآخى العقل والدين في القرآن لأول مرة في تاريخ الشرائع السماوية .

    ـ الله ـ في القرآن ـ لا يخاطب إلا الفكر والعقل والعلم ، بدون قيد ولا حد .

    ـ والقرآن معجزة عقلية، عرضت على العقل، وعرفته القاضي فيها .

    ـ والمسلم لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به .

    ـ والعقل هو مشرق الإيمان الديني .

    ـ والسعادة الإنسانية هي من نتائج العقل والبصيرة .

    ـ وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام .

    ـ والسببية .. والسنن والقوانين هي الحاكمة للكون والاجتماع .

    ـ وأول واجب على الإنسان هو النظر .. والشك المنهجي هو الطريق إلى اليقين .

    ـ والعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله .. والتصديق بالرسالة .. أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب .. فالعقل من أشد أعوان الإسلام .. والنقل من أقوى أركان الإسلام .

    ***

    ثم .. من أين جاء عظيم الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ بهذه "البدعة " التي زعم فيها أن مسيحيته متفوقة في العقلانية على الإسلام ؟ ! .

    ألم يقرأ مقارنة الإمام محمد عبده بين الدينين في هذا المقام ؟ .. وكيف أن (أحد أصول النصرانية ـ الذي لا يختلف فيه كاثوليك ولا أرثوذكس ولا بروتستانت ـ هو أن الإيمان منحة لا دخل للعقل فيها، وأن من الدين ما لا يقبله العقل ، بمعنى ما يناقض أحكام العقل ومنطقه، وهو مع ذلك مما يجب الإيمان به .. ولقد قال القديس "أنسيلم" [1033ـ 1109م ] : "يجب أن تعتقد أولا بما يعرض على قلبك بدون نظر .. فليس الإيمان في حاجة إلى نظر العقل، والكون وما فيه لا يهم المؤمن أن يجيل فيه نظره"!!.. بينما أول أماس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر العقلي هو أساس الإيمان الصحيح..) .

    فأين هي العقلانية المسيحية ـ وهذا كلام القديس "أنسيلم"؟! .. فضلاً عن أن تكون عقلانيتها متفوقة على العقلانية الإسلامية ـ التي قدمنا الشواهد من مقالاتها؟! .

    لقد قرر الإسلام ـ وقرر فلاسفته ومفكروه ـ أن العقل هو الطريق إلى معرفة الله ـ سبحانه وتعالى ـ لأن العقل يتفكر ويتدبر ويتعقل في الخلق، فيدرك أنه لا بد من خالق متصف بكل صفات الجلال والكمال .. ولذلك كانت أول فريضة على الإنسان ـ إسلاميا ـ هي فريضة النظر! حتى قبل الإيمان بالكتب والنبوات والرسالات !! (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) [يونس: 101] ـ (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ) [ العنكبوت: 20]

    وإذا جاز لبابا الفاتيكان أن يجهل هذا التراث الإسلامي القديم والحديث في العقلية الإسلامية ـ المتميزة .. والمتفوقة .. والمتفردة ـ .. وهذا غير جائزـ فكيف له أن يجهل ـ وهو أستاذ للفلسفة ـ ما كتبه المستشرق الإنجليزي "ألفريد جيوم " عن تفرد الفلسفة الإسلامية بتأسيسها على الدين الإسلامي .. وذلك عندما قال : "إن قوة الحركة الاعتزالية ـ التي أسست علم الكلام الإسلامي.. والفلسفة الإسلامية قبل عصر الترجمة عن الإغريق ـ مردها جهود أولئك الذين حاولوا أقصى ما في طوقهم إقامة علم الكلام الإسلامي على أسس ثابتة من الفلسفة، مصرين في الوقت نفسه على أن تكون تلك الأسس منطقية، ثم الانسجام بينها وبين الفلسفة التي يجب أن تدرس بوصفها من صميم العقيدة الدينية .. " .

    * ثم .. أين هي العقلانية ـ يا عظيم الفاتيكان ـ في الدين الذي ينتهك قوانين السببية، ويقررـ في كتابه ـ أن الإيمان وحده كاف في أن يكون للمؤمن أن يقول للجبل تحول عن مكانك فيتحول الجبل ! وأن الصلاة وحدها كافية في إقدار المصلى على تغيير سير الكواكب، وقلب نظام العالم وتركيبه العنصري؟! .

    * بل أين هي حتى ظلال العقلانية في الدين الذي لا يزال أهله ـ حتى القرن الحادي والعشرين ـ يعتقدون أن " تمتمات" ببعض الكلمات اللاتينية، تحول الخبز والخمر إلى لحم معبودهم ودمه ! .. ثم "يتناولونه" ـ يتناولون معبودهم ويأكلونه ـ ليذهبوا بعد ذلك بفضلات هذا المعبود إلى حيث يعرف الجميع !! .

    * أين هي العقلانية التي تتحدث عنها وتباهى بها يا عظيم الفاتيكان، وها هو القديس "أوغسطين " [ 354ـ 430م ] يقول : "أؤمن بهذا لأنه محال أو غير معقول !! .. كما يقول القس وهيب الله عطا: " إن التجسيد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية ، ولكننا نصدق ونؤمن أن هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولاً" !! .

    * أين هي العقلانية عند الذين يقول كتابهم : "اعتقد وأنت أعمي" !!.. "أغمض عينيك ثم اتبعني" !! .

    * وإذا كنت ـ يا عظيم الفاتيكان ـ لم تقرأ ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي عن مقام العقل في الإسلام .. فهل يليق بمثلك أن تجهل ما كتبه علماء الغرب عن هذه العقلانية الإسلامية، ودورها في انتشار الإسلام ؟ ! .. وما كتبوه عن لا عقلانية مسيحيتك الرومانية، التي غبشتها وأفسدتها الثقافة الهلينية، وملأتها بالأسرار والألغاز .. ودور هذه اللاعقلانية في هزيمة مسيحيتك أمام عقلانية الإسلام ؟ ! .

    كيف جهلت ـ يا عظيم الفاتيكان ـ ما كتبه العلماء الأعلام الغربيون الذين جمعوا بين فقه الإسلام وفقه النصرانية .. ومنهم العلامة سير توماس أرنولد [ 1864- 1930م] عملاق الثقافة الإنجليزية .. الذي أورد في كتابه الفذ [الدعوة إلى الإسلام] شهادات العلماء والفلاسفة واللاهوتيين والمستشرقين الغربيين على عقلانية الإسلام .. وعلى امتلاء المسيحية بالأسرار والألغاز التي يستحيل فهمها حتى على أهل الاختصاص .

    لقد قال العلامة سير توماس أرنولد : (ولا يستطيع أي فرد أن يوضح الطابع العقلي للعقيدة الإسلامية، وما جنته من هذا الطابع من الفائدة في نشر الدعوة، توضيحا يبعث على الإعجاب، بأكثر مما وضحه البروفسور "إدوارد مونتيه" [ 1856 – 1927م] في العبارات التالية : " الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، فإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقييم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، ينطبق على الإسلام تمام الانطباق .. إن لدين محمد كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل .. إن الإيمان باالله والآخرة ـ في الإسلام ـ يستقران في نفس المتدين على أساس ثابت من العقل والمنطق، ويلخصان كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن. وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهى على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام .

    لقد حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل، باعتباره النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة، وقد جهر القرآن دائما بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلال وصفاء لا يعتريه التحول . ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا .. وفي هذا تكمن الأسباب الكثيرة التي تفسر لنا نجاح جهود الدعاة المسلمين.

    وكان من المتوقع لعقيدة محددة كل التحديد خالية كل الخلو من جميع التعقيدات الفلسفية ـ ثم هي تبعا لذلك في متناول إدراك الشخص العادي- أن تمتلك ـ وإنها لتمتلك فعلا ـ قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس") .

    * وغير شهادة هذا العالم الفرنسي "مونتيه " ـ الخبير بالقرآن والإسلام والخبير بالكاثوليكية ـ يورد العلامة سير توماس أرنولد شهادة اللاهوتي الإيطالي "الأب مراتشى" [ 1612 – 1700 م] ، وهو الذي نشر القرآن متنا وترجمه بالإيطالية .. كما أسهم في ترجمة العهدين القديم والجديد .. . يورد "أرنولد" شهادة "مراتشي " على عقلانية الإسلام، والتى يقول فيها : "لو قارن إنسان بين أسرار الحالة الطبيعية البسيطة التي فاقت طاقة الذكاء البشري، أو التي هي على الأقل من الصعوبة بمكان، إن لم تكن مستحيلة [ العقيدة المسيحية] وبين عقيدة القرآن، لانصرف عن الأولي في الحال، وأسرع إلى الثانية في ترحيب وقبول..".

    * وغير هاتين الشهادتين الغربيتين على تميز الإسلام وامتيازه في العقلانية ـ بل وتفرده بها ، وخاصة إذا ما قورن بالنصرانية ـ يورد العلامة سير توماس أرنولد شهادات غربية على أن هذه العقلانية هي السر في هذا الانتشار الذي شهدته هذه العقيدة الإسلامية.. يورد شهادة الأمير والمستشرق الإيطالي "كايتاني ـ ليون" Caetani [ 1869ـ 1926م ] ـ وهو الخبير في الإسلام والدراسات الإسلامية .. وصاحب الإنجازات المتميزة في تحقيق التراث الإسلامي ـ التي يقول فيها : " إن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقية إنما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهلينية إلى اللاهوت المسيحي.

    أما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الهلينية وبالاَ عليه من الوجهة الدينية؛ لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدي ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها.

    فلما أهلّت آخر الأمر أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد المسيحية الشرقية التي اختلطت بالغش والزيف، وغرقت بفعل الانقسامات الداخلية، وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولي على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد ذلك قادرة على مقاومة وإغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لا تقبل الجدل.. وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمي في أحضان نبي بلاد العرب".

    * وغير هذه "الشهادة ـ الوثيقة" لكايتاني على أن عقلانية الإسلام هي السر في انتشاره السريع، وانتصاره على اللاعقلانية المسيحية ، قدم "أرنولد" شهادة الفيلسوف الأمريكي "جون تايلور" [ 1753 ـ 1824 م] .. والتي يقول فيها: " إنه من اليسير أن ندرك لماذا انتشر هذا الدين الجديد بهذه السرعة في إفريقيا وآسيا. كان أئمة اللاهوت في إفريقيا والشام قد استبدلوا بديانة المسيح عقائد ميتافيزيقية عويصة، وذلك أنهم حاولوا أن يحاربوا ما ساد هذا العصر من فساد بتوضيح فضل العزوبية في السماء، وسمو البكورية إلى مرتبة الملائكة، فكان اعتزال العالم هو الطريق إلى القداسة، والقذارة صفة لطهارة الرهبنة، وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة، كما كانت الطبقات العليا مخنثة يشيع فيها الفساد ، والطبقات الوسطي مرهقة بالضرائب، ولم يكن للعبيد أمل في حاضرهم ولا مستقبلهم، فأزال الإسلام ـ بعون من الله ـ هذه المجموعة من الفساد والخرافات.

    لقد كان ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية باعتبارها رأس التقوى . ولقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته، كما بين أن الله رحيم عادل يدعو الناس إلى الامتثال لأمره والإيمان به وتفويض الأمر إليه ، وأعلن أن المرء مسئول، وأن هناك حياة آخرة ويوما للحساب، وأعد للأشرار عقاباً أليما، وفرض الصلاة والزكاة والصوم وفعل الخير، ونبذ الفصائل الكاذبة والدجل الديني والترهات والنزعات الأخلاقية الضالة وسفسطة المنازعين في الدين، وأحل الشجاعة محل الرهبنة، ومنح العبيد رجاء، والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكا للحقائق الأساسية، التي تقوم عليها الطبيعة البشرية"

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام (9)

    د. محمد عمارة

    إذا كان عظيم الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ قد جهل عقلانية الإسلام ـ كما جاءت في مصادره ـ فلماذا تجاهل ما كتبه علماء الغرب في هذا الميدان.. وهو شهير ومنشور بمختلف اللغات الغربية التي يتقنها عظيم الفاتيكان ؟!.. أم أن " الغرض" هو "المرض"! الذي جعل الرجل يتجاهل هذا "المقال الغربي" في عقلانية الإسلام .. ولا عقلانية المسيحية التي انتصر عليها الإسلام ؟!.

    ***

    ويا ليت الأمر قد وقف بهذا البابا عند "الجهل" و"التجاهل" ، ذلك أن بابا الفاتيكان ـ بنديكتوس السادس عشر ـ قد استند في حكمه على الإيمان الإسلامي بأنه لا عقلاني ولا منطقي .. وأنه "إيمان وثني أعمي"! ..استند إلى نص منسوب إلى الإمام الفيلسوف والفقيه ابن حزم الأندلسي [ 384 – 456 هـ / 994 – 1064 م] .. فقال: " لقد ذهب ابن حزم إلى حد الإقرار بأن الرب الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة، وأنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا..".

    ثم علق البابا ـ في محاضرته ـ على هذه "الفكرة" المنسوبة لابن حزم، فقال ـ مقارناً هذه "الفكرة" باعتقاده المسيحي ـ : " إن القول الفصل في النقاش حول التحول العقائدي باستخدام العنف هو أن عدم التصرف وفقا للعقل هو أمر مناهض لطبيعة الرب .. ولكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية فإن الرب مطلق السمو، فمشيئته لا تتماشي مع أي من خصائصنا، بما فيها العقلانية".

    ثم خلص ـ هذا البابا ـ إلى وصف الإيمان الإسلامي بأنه إيمان وثني أعمي.. وبنص عبارته: " ففيما يتعلق بإرادة الله ـ في الإسلام ـ ينبغي علينا التعبد بشكل وثني أعمي"!!.

    وأمام هذا الحكم الفاجر ـ وليس فقط الجائر ـ على الإيمان الإسلامي .. لابد من وقفات:

    * إن بابا الفاتيكان ـ بنديكتوس السادس عشر ـ هو أستاذ للفلسفة ، مارس العمل الأكاديمي وتقاليد البحث العلمي الأكاديمية قبل أن ينخرط في سلك الكهنوت.. ولقد تولى ـ في الفاتيكان ـ قبل البابوية "عمادة كلية الكاردينالات" .. ومن تقاليد البحث العلمي ـ التي يعرفها حتى المبتدئون في هذا الميدان ـ الرجوع في الاستشهاد بالنصوص إلى مصادرها الأصلية، فهل صنع ذلك بابا الفاتيكان ـ وهو أستاذ الفلسفة ـ عندما استشهد بابن حزم، وأسس حكمه على الإيمان الإسلامي بأنه لا عقلاني ووثني أعمي، بناء على هذا "الشاهد" الذي استشهد به ؟!.

    إن أستاذ الفلسفة ـ الحبر الأعظم للفاتيكان ـ قد خان أمانة البحث العلمي.. واستند إلى "شهادة مزور وكاذب"!! فهو لم يرجع إلى ابن حزم ـ وكتبه مترجمة إلى العديد من اللغات الغربية ـ وإنما اعتمد ـ هذا الأستاذ للفلسفة ـ على "منهج العنعنات" ..فاستند إلى مسيحي لبناني هو "عادل تيودور خوري" .. الذي لم يرجع هو الآخر إلى المصادر الأصلية لابن حزم ..وإنما أخذ عن باحث فرنسي في الإسلاميات هو "أرنادليز" ! ..وهذه سقطة وخيانة لتقاليد البحث العلمي ما كان يليق ببابا الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ أن يقع فيها ، خصوصا عندما يتحدث في محاضرة فلسفية ـ عن علاقة الإيمان بالعقل ـ في الجامعة التي كان يدرس فيها الفلسفة .. وإلى نخبة من الأساتذة الجامعيين الأكاديميين! ثم يرتب على هذه السقطة وشهادة الزور ذلك الحكم الجاهل والفاجر على الإيمان الإسلامي ـ الذي يتدين به مليار ونصف المليار من البشر ـ وهو الإيمان الذي يقض انتشاره مضاجع البابا حتى في عقر داره الأوروبية!.

    * ولقد ظننت في بادئ الأمر ـ لحسن ظني بأمانة الرجل الأكاديمية ـ أن الأمر لا يعدو أن يكون إساءة فهم منه للفكرة المنسوبة لابن حزم ..وظننت أن ابن حزم يدافع عن طلاقة المشيئة الإلهية والقدرة الإلهية في مواجهة المعتزلة الذين "أوجبوا" على الله فعل الصلاح والأصلح ـ الأمر الذي يوهم أنهم قد حدوا من طلاقة القدرة والمشيئة الإلهية ـ وأن الأمر لا يعدو الرفض ـ من ابن حزم ـ لتقييد المشيئة الإلهية والقدرة الربانية.. لكن عنًّ لي أن أختبر مدي الصدق في هذا الذي نسبه البابا إلى ابن حزم، نقلا عن "الأساتذة" الكاثوليك : عادل تيودور خوري .. وأرنادليز.

    ولم يكن هذا الاختبار بالأمر السهل أو الميسور .. وذلك لأن البابا ـ أستاذ الفلسفة ـ قد وقع في سقطة علمية أخري عندما نسب كلاما لابن حزم، دون أن يقول لنا ما هو الكتاب الذي قال فيه ابن حزم هذا الكلام؟ .

    إن لابن حزم عشرات الكتب.. وبعض هذه الكتب تبلغ مجلداتها العشرات.. ففي أي كتاب؟.. أو جزء ؟ .. أو صفحة.. وفي أية طبعة من الطبعات يمكن العثور على هذا الذي نسبه البابا إلى الإمام ابن حزم؟ بل في أية لغة من اللغات التي ترجم إليها فكر ابن حزم تم النقل عنه من قبل الذين نقل عنهم بابا الفاتيكان ؟؟!

    لكن خطر القضية .. وخطورة الحكم الذي حكم به البابا ـ أستاذ الفلسفة ـ على الإيمان الإسلامي، جعلني أستعين بالخبرة في التعامل مع المصادر.. ومظان القضايا والأفكار .. حتى هداني الله فعثرت على المصدر الذي تحدث فيه ابن حزم حول هذا الموضوع في كتابه [ الفصل في الملل والأهواء والنحل].

    ولقد كانت المفاجأة الأعظم عندما اكتشفت الكذب البواح والاغتيال الفكري الصريح الذي مارسه الحبر الأعظم ـ و"الأساتذة" الكاثوليك الذين نقل عنهم ـ ضد أفكار ابن حزم حول طلاقة المشيئة الإلهية ولا محدودية القدرة الإلهية .

    منهج الاغتيال الفكري على طريقة [ لا تقربوا الصلاة] و[ ويل للمصلين]!!.. فابن حزم لم يرد في كلامه ولم يخطر بباله أن يقول: " إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة، وإنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا.." .. ومن ثم لم يقل إن مشيئة الله منفكة عن العدل والمنطق والمعقول والصلاح والأصلح.. وإنما ميز بين قدرة البشر المحدودة وبين قدرة الله التي لا تحدها حدود .. وأكد ـ في الوقت ذاته ـ بالنصوص الصريحة اتساق المشيئة الإلهية مع الحكمة والرحمة والعدل والمنطق والعقل.. لأنه ـ سبحانه ـ مع طلاقة مشيئته وقدرته، لا يفعل الظلم ولا الجور ولا العبث ولا الكذب، مما لا يليق بذاته المتصفة بصفات الجلال والجمال والكمال ، ومن ثم فلا يصدر عنه ـ سبحانه ـ ما ينافي الحكمة والعقل والمنطق.. لأن فعل ذلك هو من صفات المخلوقين، وليس من صفات الخالق.. وهو ـ سبحانه ـ الذي كتب على نفسه الرحمة.. والذي لا يظلم أحدا .. والذي لا يأمر بالفحشاء ولا المنكر .. والذي أحسن كل شيء خلقه وقدره تقديراً.

    ولقد كشفت نصوص ابن حزم عن حقيقة الإيمان الإسلامي : الإيمان بمشيئة إلهية وقدرة ربانية لا تعرف الحدود .. ولا تتناهي .. وفي الوقت ذاته منزهة عن مجاوزة الحكمة والرحمة والعدل والمنطق والعقلانية بكل ما تعني هذه المصطلحات عند الذين يفقهون ويعقلون .. وحتى تتكشف "العورة الفكرية" و"السقطة المنهجية" و" الكذبة الكبرى" التي سقط فيها "أستاذ الفلسفة" والحبر الأعظم للفاتيكان ـ هو وحزبه ـ نورد نصوص الإمام ابن حزم حول القدرة الإلهية والمشيئة الربانية في التصور العقدي للإسلام والمسلمين .. وهو في هذه النصوص يقول لمن يسأل:

    ـ هل طلاقة القدرة الإلهية ـ القادر على كل شيء ـ تجعله فاعلا للكذب مثلا وهو في مقدوره؟

    فيقول ابن حزم ـ في جواب هذا السؤال ـ : "إن الله تعالي فعال لما يشاء، وعلى كل شيء قدير ..[وكان الله عليما قديرا] ، فأطلق تعالي لنفسه القدرة ، وعم ولم يخص، فلا يجوز تخصيص قدرته بوجه من الوجوه.. فإن قال قائل: فما يؤمنكم إذ هو تعالي قادر على الظلم والكذب والمحال من أن يكون قد فعله أو لعله سيفعله فتبطل الحقائق كلها ولا تصح، ويكون كل ما أخبرنا به كذبا؟".

    ثم يجيب ابن حزم على سؤال هذا القائل:

    "وجوابنا في هذا .. أن الله تعالي قادر عليه ولكن لا يفعله ..وأنه تعالي لا يجور ولا يكذب.. ولا يظلم، وأنه تعالي قد أخبرنا بأنه قد تمت كلماته صدقًا وعدلاً ولا مبدل لكلماته، وأنه تعالي قادر، وليس كل ما يقدر عليه يفعله.. وكل من يدين بأن الله حق مجمعون على أنه تعالي لا يكذب ولا يظلم .. وقد صح إطباق جميع سكان الأرض قديما وحديثا، لا نحاشي أحدا، على أن الله لا يظلم ولا يكذب .

    وقد قام البرهان على أنه تعالي لا يشبه شيء من خلقه في شيء من الأشياء، والخلق عاجزون عن كثير من الأمور، والعجز من صفة المخلوقين، فهو منفي عن الله عز وجل جملة، وليس في الخلق قادر بذاته على كل مسئول عنه، فوجب أن الباري تعالي هو الذي يقدر على كل مسئول عنه .. وكذلك الكذب والظلم من صفات المخلوقين، فوجب يقينًا أنهما منفيان عن الباري تعالي.. فهذا هو الذي آمننا من أن يظلم أو يكذب أو يفعل غير ما علم أنه يفعله، وإن كان تعالي قادرا على ذلك" .

    هذه هي نصوص الإمام ابن حزم الأندلسي، حول الإيمان الإسلامي بطلاقة المشيئة الإلهية، ولا محدودية القدرة الإلهية.. وفي الوقت ذاته تنزيه الذات الإلهية عن كل ما لا يليق بالحكمة المطلقة .. والعدل المطلق.. والرحمة المطلقة .

    لقد تنزه ـ سبحانه ـ عن العجز البشري ، وعن فعل ما لا يليق بذاته المنزهة .. لقد خلق كل شيء بقدر.. وكتب على نفسه الرحمة .. وهو (الَذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ والْمِيزَانَ) [ الشورى: 17] ، (وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [ الحديد : 25] ، ومن ثم فلا تناقض بين طلاقة قدرته ـ سبحانه ـ وبين الحكمة والمنطق والعقل كما يفهمها الحكماء والعقلاء .

    تلك هي الحقيقة التي "جهلها ـ وتجاهلها" بابا الفاتيكان ـ أستاذ الفلسفة ـ فافتري على الإمام ابن حزم، ونسب إليه ما لم يقله .. بل افتري عليه عكس ما قاله!!..

    لقد قال ابن حزم:" لقد أخبرنا الله تعالي بأنه قد تمت كلماته صدقا وعدلاً لا مبدل لكلماته".

    وافتري البابا على ابن حزم عندما نسب إليه عبارة:" إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة"!!

    وهكذا بلغ الافتراء حد الفجور .. ثم صعد به إلى حيث عممه على الإيمان الإسلامي، فوصفه بأنه "إيمان وثني أعمي"!! فلم يقف الافتراء عند ابن حزم وإنما عممه البابا على الإسلام .. وكل المؤمنين بالإسلام!.

    وهكذا تأسس الافتراء الغريب والعجيب على فضيحة علمية من "الوزن الثقيل"! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,942
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    09-02-2014
    على الساعة
    12:13 AM

    افتراضي

    الفاتيكان والإسلام .. أهي حماقة .. أم عداء له تاريخ ؟ (10)

    د. محمد عمارة

    هل يليق بعظيم الفاتيكان أن يقتبس الافتراءات التي تتحدث عن أن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بما هو سيئ ولا إنساني وشرير ؟!! ومن ذلك حضه على نشر دينه بالسيف ؟!! .

    وإذا كانت "خارطة العالم الإسلامي" تقول: إن أربعة أخماس الأمة الإسلامية لم يدخل بلادها جيش إسلامي فاتح .. ولا عرفت في تاريخها حروباً ولا فتوحات .. وإنما دخلها الإسلام وانتشر فيها بالقدوة والأسوة وتميز منظومة القيم والأخلاق التي جاء بها الإسلام ، والتي حملها إلى هذه البلاد التجار والعلماء والمتصوفة .

    كما تقول حقائق تاريخ الفتوحات الإسلامية إن هذه الفتوحات جميعها إنما تمت ضد قوى الهيمنة الاستعمارية والحضارية التي قهرت الشرق واستعمرته ونهبته لعشرة قرون ، بدءا من "الإسكندر الأكبر" [356- 324 ق.م] في القرن الرابع قبل الميلاد إلى "هرقل" [610- 641م] في القرن السابع للميلاد..

    وتقول هذه الحقائق ـ كذلك ـ بأن جميع معارك تلك الفتوحات الإسلامية إنما كانت ضد جيوش الاستعمار البيزنطي والفارسي ، ولم تدر معركة واحدة ضد أهل البلاد من الشرقيين.

    بل وتقول هذه الحقائق ـ أيضاً ـ إن الشعوب الشرقية قد وقفت مع جيوش الفتح الإسلامي ضد المحتلين البيزنطيين الرومان، لأنها رأت في الفتح الإسلامي تحريرا للأرض والأوطان من النهب الروماني، وتحريرا للشرق من القهر الحضاري البيزنطي .. وتحريراً للمسيحية الشرقية وضمائر أهلها من الاضطهاد الديني ـ بل والإبادة ـ التي مارستها الكنيسة الرومانية ضد النصرانية الشرقية .. وقد وقفت هذه الشعوب الشرقية جميعها مع جيوش الفتح الإسلامي، وهي على دياناتها السابقة على الإسلام.. وقد شهد الأساقفة النصارى الشرقيون ـ ومنهم شهود العيان على هذا الفتح الإسلامي ـ على أن هذا الفتح إنما كان "إنقاذاً" للنصرانية الشرقية ـ التي اضطهدها الرومان ـ وتحريراً للكنائس والأديرة الشرقية ـ التي اغتصبها الرومان ـ وعلى أن هذا الفتح إنما جاء "عقاباً إلهيا" ـ بيد إسلامية ـ للرومان على ظلمهم الذي مارسوه ضد الشرق والشرقيين لعشرة قرون .

    * شهد بهذه الحقيقة ـ التي تجاهلها عظيم الفاتيكان ـ الأسقف القبطي "يوحنا النقيوسي".. فقال: "إن الله ـ الذي يصون الحق ـ لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى أيدي الإسماعيليين ـ العرب المسلمين ـ ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدينة مصر.

    وكان هرقل حزينا .. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم .. مرض هرقل ومات .

    وكان عمرو بن العاص [50 ق. هـ ـ 43 هـ / 574 – 664 م] يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئا ما، سلبا أو نهبا، وحافظ عليها [الكنائس] طوال الأيام" .

    * وشهد بذلك بطرك المصريين "بنيامين" [39 هـ / 659 م] الذي ظل هاربا من مطاردة الرومان ثلاثة عشر عاماً .. حتى جاء الفتح الإسلامي فأمّنه وأعاده إلى كرسي كنيسته .. وأعاد إليه كنائس رعيته وأديرتهم من الاغتصاب الروماني .. فخطب في "دير مقاريوس" ـ بعد التحرير الإسلامي ـ فقال:

    " لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون" .

    * ولقد وصف الأسقف "يوحنا النقيوسي" فرح المصريين بانتصار المسلمين على الرومان .. وبهجتهم بتحرير المسلمين للبطرك "بنيامين" ورد الكنائس والأديرة إلى أهلها .. وصف ذلك الذي شهدته عيناه، فقال: " ودخل الأنبا بنيامين بطرك المصريين مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الروم في العام 13 ـ أي العام الثالث عشر من تاريخ هروبه ـ وسار إلى كنائسه، وزارها كلها.

    وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم هرقل الملك ، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين على يد البابا "كيرس" ـ البطرك المعين من قبل الدولة الرومانية في مصر ـ وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر.." .

    * كما شهد بذلك الأسقف "ميخائيل السرياني" ـ بعد خمسة قرون من الفتح التحريري الإسلامي ـ فقال في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي : "وهذا هو السبب أن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت ، والذي يديل دولة البشر كما يشاء فيؤتيها من يشاء .. لما رأي شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا، وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم، وأنزلوا بنا العقاب من غير رحمة ولا شفقة، أرسل أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب ليخلصنا على أيدهم من قبضة الروم .. ولم يكن كسبا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام" .

    وهكذا رأي ميخائيل الأكبر ـ بطريق أنطاكية اليعقوبي ـ "أصبع الله في الفتوح العربية حتى بعد أن خبرت الكنائس الشرقية الحكم الإسلامي خمسة قرون" ، كما يقول العالم الإنجليزي توماس أرنولد .

    * وشهد على هذا الطابع التحريري للفتح الإسلامي العلامة سير توماس أرنولد [1864 – 1930م] فقال: "إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين نعموا ـ بوجه الإجمال ـ في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح ، لا نجد لها معادلا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة.

    وإن دوام الطوائف المسيحية في وسط إسلامي يدل على أن الاضطهادات التي قاست منها بين الحين والآخر على أيدي المتزمتين والمتعصبين، كانت من صنع الظروف المحلية أكثر مما كانت عاقبة مبادئ التعصب وعدم التسامح" .

    * وشهد بذلك ـ أيضا ـ المستشرق الألماني الحجة "آدم متز" [1869 – 1917 م] عندما قال: " لقد كان النصاري هم الذين يحكمون بلاد الإسلام"! .

    * ولقد استمرت شهادات الإنصاف للفتوحات الإسلامية ـ من رجال الدين والمؤرخين غير المسلمين ـ حتى القرن العشرين .. فكتب يعقوب نخلة روفيلة [1847 – 1905م] في كتابه [تاريخ الأمة القبطية] يقول: " ولما ثبت قدم العرب في مصر، شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلين باستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم.

    وأول شيء فعله من هذا القبيل: استدعاء "بنيامين" البطريرك، الذي اختفي من أيام هرقل ملك الروم، فكتب أمانًا وأرسله إلى جميع الجهات يدعو فيه البطريرك للحضور، ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع أكرمه وأظهر له الولاء ، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، ورد "بنيامين" إلى مركزه الأصلي معززاً مكرماً.

    وكان بنيامين موصوفا بالعقل والمعرفة والحكمة حتى سماه بعضهم (بالحكيم) .. وقيل إن عمرا لما تحقق ذلك منه قربه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات ويستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها.. وقد حسب الأقباط هذه الالتفاتة منة عظيمة وفضلا جزيلاً لعمرو.

    واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي، فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كلاً منها حاكم قبطي ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعين نوابا من القبط ومنحهم حق التدخل في القضايا المختصة بالأقباط والحكم فيها بمقتضي شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني، وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية.

    وضرب [عمرو بن العاص] الخراج على البلاد بطريقة عادلة .. وجعله على أقساط، في آجال معينة، حتى لا يتضايق أهل البلاد.. وبالجملة، فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان.." .

    هكذا شهدت هذه الشهادات التي كتبها أقباط ومستشرقون ، منهم من كان شاهد عيان على الفتوحات الإسلامية ، على أن هذه الفتوحات :

    * هي التي أنقذت النصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية.

    * وأعادت الشرعية والعلنية والحرية لهذه النصرانية الشرقية، بعد أن حظرها الرومان وعاملوها باعتبارها هرطقة ممنوعة ، وبعبارة "ميخائيل الأكبر ـ السرياني" : "فإن الإمبراطور الروماني لم يسمح لكنيستنا المونوفيزتية ـ [القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح] ـ بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت؛ ولهذا فقد انتقم الرب منه".

    * وحررت دور العبادة النصرانية ـ الكنائس والأديرة ـ من الاغتصاب الروماني، لا ليتخذها المسلمون مساجد، وإنما أعادوها إلى النصارى الوطنيين حتى "ليروي أنه خرج للقاء عمرو بن العاص من أديرة وادي النطرون ـ بمصر ـ سبعون ألف راهب، بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه، وأنه كتب لهم كتاباً ـ بالأمان ـ هو عندهم..." .

    * وحررت هذه الفتوحات الإسلامية الناس فأشركتهم في حكم بلادهم وأعادت إليهم استقلالهم القانوني .. والقضائي .. والمدني .. الذي حرموا منه طوال قرون الاستعمال الروماني.

    * كما أعادت العدالة الاجتماعية إلى هذه البلاد، عندما نظمت الضرائب وجعلتها على أقساط .. وفي آجال محددة .. وحصرتها في ضريبتين بعد أن كان المواطن يدفع أربع عشرة ضريبة للرومان!.

    * وعاد الطابع الوطني للنصرانية الشرقية وكنائسها ورئاساتها .. فعزل عمرو بن العاص "البطرك ـ الاستعماري" الروماني وأعاد البطرك "بنيامين" إلى كرسي كنيسته الوطنية المصرية.

    * وإذا كان المستشرق الألماني الحجة "آدم متز" قد وصف حال النصاري في ظل الدولة الإسلامية فقال : " لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام".. فإن هؤلاء النصارى قد حرموا حرياتهم المدنية والسياسية والقانونية والقضائية والثقافية واللغوية طوال القرون التي ابتليت بلادهم فيها باستعمار الرومان والبيزنطيين.

    * ولذلك كان استقبال شعوب الشرق للفاتحين الإسلاميين كمحررين .. وبعبارة المؤرخ النصراني "جاك تاجر" [1918 – 1952] : " فإن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين ، بعد أن ضمن لهم العرب ـ عند دخولهم مصر ـ الحرية الدينية، وخففوا عنهم الضرائب .. ولقد ساعدت الشريعة الإسلامية الأقباط على دخولهم الإسلام وإدماجهم في المجموعة الإسلامية، بفضل إعفائهم من الضرائب.. أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية فقد يسر لهم العرب سبل كسب العيش .. إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة".

    * وحتى البابا شنودة الثالث [ 1923 - ] بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ـ أكبر كنائس الشرق وأعرقها ـ والذي كتب عن عدل الإسلام وسماحته، وعن عدل الخلفاء والحكام المسلمين مع غير المسلمين .. فقال عن عدل الراشد الثاني عمر بن الخطاب [ 40 ق .هـ - 23 هـ / 584 – 644 م]:

    " لقد رأينا في التاريخ الإسلامي أمثلة واضحة للسماحة الإسلامية ، نذكر منها أن الخليفة عمر بن الخطاب حينما اقترب من الموت أوصي من يأتي بعده في الخلافة من جهة أهل الكتاب بأمرين:

    الأمر الأول: وفاء العهود التي أعطيت لهم .

    والأمر الثاني قال فيه: ولا تكلفوهم فوق ما يطيقون .

    . . وحينما كان الوليد بن عقبة واليا على بني تغلب ومن فيهم من نصارى . . ورأى عمر أن الوليد هدد هؤلاء الناس وتوعدهم ، عزله من الولاية حتى لا يلقى بهم شرا .. وهكذا كان المسلمون يسلكون في العدل بين رعاياهم ، أيا كان مذهبهم .

    ولقد انتهت حياة عمر بن الخطاب على الأرض، وانتهت مدة خلافته، ولكن الخير الذي عمله لم يمت بموته إطلاقا، ولا يزال حيا الآن يملأ الآذان ويملأ الأذهان .. ويحيا مع الناس على مدى الأزمان" .

    كما تحدث البابا شنودة عن سماحة الخليفة معاوية بن أبي سفيان [ 20ق.هـ - 60 هـ / 603 – 680 م] مع غير المسلمين.. فقال: " لقد كان طبيبه الخاص نصرانياً . . واختار رجلا مسيحيا لكي يؤدب ابنه يزيد .. ويزيد هذا اختار كاهنا مسيحيا لكي يؤدب ابنه خالداً".

    وتحدث عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان [ 26- 86 هـ / 646 – 705 م] فقال : " لقد اتخذ يوحنا الدمشقي [55- 122هـ / 675 - 740م ] مستشارا له . . وقد اختار رجلاً معلماً مشهورا اسمه " أطانا سيوس" لكي يؤدب أخاه عبد العزيز . . ولما صار عبد العزيز بن مروان حاكما لمصر أخذ "أطانا سيوس" معه كمستشار له . . ونجد أن الأخطل [19 – 90هـ / 640 – 708 م] كان من الشعراء المسيحيين المشهورين، واندمج فى مجموعة متلازمة مع جرير [28- 110 هـ / 640- 708م] والفرزدق [ 110 هـ / 728 م] واشتهرت هذه المجموعة في العصر الأموي . . وكان الأخطل المسيحي حينما يدخل إلى مساجد المسلمين يقوم المسلمون له إجلاًلا لعلمه وأدبه ، كما يروي التاريخ الإسلامي" .

    كذلك يشهد البابا شنودة للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك [ 71 – 125 هـ / 690- 743 م] فيقول: "إنه ابتنى للبطريرك في أيامه بيتا إلى جوار قصره، وكان يستمع منه إلى صلواته وعظاته".

    ويشهد ـ كذلك ـ للعصر العباسي، فيقول عن أبى جعفر المنصور [136 - 158هـ / 753 - 774م] : " إن طبيبه الخاص كان مسيحيا اسمه " جرجس بن بختيشوع" ، وكان الخليفة هارون الرشيد [149 – 193 هـ / 766 – 809 م] يقول للناس: من كان منكم له حاجة عندي فليكلم فيها جبرائيل؛ لأني لا أرد له طلبا .. وكان يوحنا مشهورا من أيام الرشيد إلى أيام المتوكل [ 206 – 247 هـ / 821 – 681 م] ، وكان هؤلاء الخلفاء يدعونه إلى موائدهم، وما يأكلون شيئا إلا في حضرته .. وكان حنين بن إسحق من أشهر الأطباء في العصر الإسلامي ، حتى قيل عنه إنه أبوقراط عصره وجالينوس دهره . وحنين بن إسحق هذا تعلم الفقه على يد الإمام أحمد بن حنبل [164 – 241 هـ / 780 - 855م ] وكذلك اللغة على يد سيبويه [ 148 – 180 هـ / 765 – 796 م ] ونبغ في اللغة العربية نبوغا عظيماً.." .

    كما شهد البابا شنودة للدولة الطولونية، ومؤسسها أحمد بن طولون [ 220 – 270 هـ / 834 ـ 884م] "الذي كان من المحبين للأقباط كثيرا، والذي اختار مسيحيا لكى يبنى له مسجده .. واختار مسيحيا لكي يبنى القناطر وكثيرا من منشآته . . وكان يذهب كثيرا لزيارة دير القصير، وكان على صلة وثيقة برهبانه هناك . . فلقد كانت الأديرة المصرية دائما مجالاً لالتقاء الخلفاء والولاة، وكانوا يحبونها ويقضون فيها الكثير من الوقت، ويصادقون رهبانها وأساقفتها" .

    كما شهد البابا شنودة للدولة الإخشيدية، ومؤسسها محمد بن طغج الإخشيد [ 268 – 334 هـ / 882 – 946 م] "الذي كان يبنى الكنائس بنفسه وتولى ترميمها".

    كما شهد البابا شنودة للدولة الفاطمية .. فقال: " ولا أستطيع أن أذكر مقدار اهتمام الخلفاء الفاطميين بالكنائس وبنائها وترميمها.." .

    ثم يختم البابا شنودة شهادته للتاريخ الإسلامي والسماحة الإسلامية، فيقول : " كما تولى الخلفاء والحكام إقامة الوحدة الوطنية ورعايتها .." .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    2,112
    آخر نشاط
    10-10-2025
    على الساعة
    12:44 PM

    افتراضي

    بارك الله فيك أخي الفاضل الكريم على ما قدمت والدال على الخير كفاعله واليوم فقط علمت بهذا الموضوع العظيم ولسوف أِشارك فيه بمعلومات قيمة عندي حتى تثري الموضوع بإذن الله تعالى.
    زهدي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    2,112
    آخر نشاط
    10-10-2025
    على الساعة
    12:44 PM

    افتراضي

    الفاتيكان والمسيحية الأرثوذكسية


    من موقع ( فرصة العالم الأخيرة ) أنقل لكم هذا التقرير بدون تصرف، ودوري في التقرير فقط كان ينحصر في تحقيقي للنصوص المستشهد بها ومن ثم أثبتها بالتشكيل لأنها في التقرير مكتوبة غير مشكلة.. ومن آثارهم تعرفونهم.. وشهد شاهد من أنفسهم على أنفسهم..
    وتبقى مشكلة فنية عندي مؤداها أن التقرير مدعم بالصور والمستندات ولكنني أفتقر إلى كيفية وضع الصورة داخل المشاركة..كبر السن وعدم الخبرة عوامل أساسية وراء ذلك..
    يقول غبطة القس الأرثوذكسي المبجل كاتب التقرير:
    يُظهر الكتاب المقدس أن البابا القادم والأخير سيكون شيطاناً منتحلاً شخصية يوحنا بولس الثاني
    المحتويات:
    أولاً: رؤيا..
    ثانياً:مشهد البرية..
    ثالثاً: سبعة ملوك..
    رابعاً: الملك الثامن..
    خامساً: فترة الوحش..
    سادساً: ماذا عساني أفعل؟..

    قادنا الله، مِن خلال دراسة رؤيا 17، إلى حدث مُذهل يؤيِّد ويدعم حقيقة أننا نقترب من نهاية كل شيء بأسرع مما يتصوَّر أي شخص. وقد حثَّنا إلهنا المُحب على مشاركة هذه النبوة مع الآخرين حتى لا يؤخذ أحد في أشراك الأحداث الشاملة التي ستكتنف العالم قريباً في أعظم خدعة يبتكرها الشيطان.
    ويتجرأ موقع فرصة العالم الأخيرة هذا على شبكة المعلوماتية على أن يُعلن هذا التفسير على العالم أجمع لأننا نتقيَّد ونلتزم فقط بالتفسير الكتابي الدقيق والموثوق. وهذا يعني أننا نفسِّر نبوات الكتاب المقدس باستخدام الكتاب ذاته، أي أننا نجعل الكتاب يُفسرِّ نفسه بنفسه. وبهذا الإجراء، نتأكَّد مِن صحَّة الرؤيا.
    وإذ ندرك بكل وضوح أننا نعيش في العصر الذي يسبق مُباشرة المجيء الثاني لربنا يسوع المسيح في سحب السماء، نلتمس مِن الله أن يلهم قلبك بمدى قصر الوقت المتبقي الذي يتقرَّر بعده مصير كل إنسان. وليت روحه القدوس يمنحك الفطنة والبصيرة والحكمة اللازمة إذ تبدأ في هذه الدراسة الجدية. آمين.
    أولاًـ رؤيا..

    1. أي جزء من الكتاب المقدس قادكم إلى هذه النتيجة؟.
    [1ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمُ السَّبْعَةُ الْجَامَاتُ وَتَكَلَّمَ مَعِي قَائِلاً لِي:«هَلُمَّ فَأُرِيَكَ دَيْنُونَةَ الزَّانِيَةِ الْعَظِيمَةِ الْجَالِسَةِ عَلَى الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، 2الَّتِي زَنَى مَعَهَا مُلُوكُ الأَرْضِ، وَسَكِرَ سُكَّانُ الأَرْضِ مِنْ خَمْرِ زِنَاهَا». 3فَمَضَى بِي بِالرُّوحِ إِلَى بَرِّيَّةٍ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً جَالِسَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ مَمْلُوءٍ أَسْمَاءَ تَجْدِيفٍ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ. 4وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ مُتَسَرْبِلَةً بِأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، وَمُتَحَلِّيَةً بِذَهَبٍ وَحِجَارَةٍ كَرِيمَةٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَمَعَهَا كَأْسٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِهَا مَمْلُوَّةٌ رَجَاسَاتٍ وَنَجَاسَاتِ زِنَاهَا، 5وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ:«سِرٌّ. بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ». 6وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ. فَتَعَجَّبْتُ لَمَّا رَأَيْتُهَا تَعَجُّبًا عَظِيمًا!7ثُمَّ قَالَ لِي الْمَلاَكُ:«لِمَاذَا تَعَجَّبْتَ؟ أَنَا أَقُولُ لَكَ سِرَّ الْمَرْأَةِ وَالْوَحْشِ الْحَامِلِ لَهَا، الَّذِي لَهُ السَّبْعَةُ الرُّؤُوسِ وَالْعَشَرَةُ الْقُرُونِ: 8الْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتَ، كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الْهَاوِيَةِ وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ. وَسَيَتَعَجَّبُ السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، حِينَمَا يَرَوْنَ الْوَحْشَ أَنَّهُ كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، مَعَ أَنَّهُ كَائِنٌ. 9هُنَا الذِّهْنُ الَّذِي لَهُ حِكْمَةٌ! اَلسَّبْعَةُ الرُّؤُوسِ هِيَ سَبْعَةُ جِبَال عَلَيْهَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةً. 10وَسَبْعَةُ مُلُوكٍ: خَمْسَةٌ سَقَطُوا، وَوَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَمَتَى أَتَى يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً. 11وَالْوَحْشُ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ الآنَ فَهُوَ ثَامِنٌ، وَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ، وَيَمْضِي إِلَى الْهَلاَكِ. 12وَالْعَشَرَةُ الْقُرُونِ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ لَمْ يَأْخُذُوا مُلْكًا بَعْدُ، لكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ سُلْطَانَهُمْ كَمُلُوكٍ سَاعَةً وَاحِدَةً مَعَ الْوَحْشِ. 13هؤُلاَءِ لَهُمْ رَأْيٌ وَاحِدٌ، وَيُعْطُونَ الْوَحْشَ قُدْرَتَهُمْ وَسُلْطَانَهُمْ. 14هؤُلاَءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالْخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ». 15ثُمَّ قَالَ لِيَ:«الْمِيَاهُ الَّتِي رَأَيْتَ حَيْثُ الزَّانِيَةُ جَالِسَةٌ، هِيَ شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ. 16وَأَمَّا الْعَشَرَةُ الْقُرُونِ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى الْوَحْشِ فَهؤُلاَءِ سَيُبْغِضُونَ الزَّانِيَةَ، وَسَيَجْعَلُونَهَا خَرِبَةً وَعُرْيَانَةً، وَيَأْكُلُونَ لَحْمَهَا وَيُحْرِقُونَهَا بِالنَّارِ. 17لأَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ يَصْنَعُوا رَأْيَهُ، وَأَنْ يَصْنَعُوا رَأْيًا وَاحِدًا، وَيُعْطُوا الْوَحْشَ مُلْكَهُمْ حَتَّى تُكْمَلَ أَقْوَالُ اللهِ. 18وَالْمَرْأَةُ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي لَهَا مُلْكٌ عَلَى مُلُوكِ الأَرْضِ». ].رؤيا 17 : 1ـ 18
    2. هل لك أن تُقدِّم تفسيراً موجزاً لهذا كله؟
    باختصار، كشفت ليوحنا الدينونة الأخيرة للزانية العظيمة، نتيجة لمسلك أفعالها وهذه الزانية العظيمة يُشار إليها على أنها بابل العظيمة. وظهرت ليوحنا وهي في البرية (عد3). وهذا مشهد مهم كما سنرى لاحقاً.
    ووصف الزانية يتوازى مع الوحش المذكور في رؤيا 13 فهذا أيضاً له سبعة رؤوس وعشرة قرون (عد7). مما يدل على أن الرمزين يمثلان الشخصية أو المنظمة ذاتها، وهي النظام البابوي الكاثوليكي. وفضلاً عن ذلك، وُصِفت الزانية على أنها جالسة على سبعة جبال (عد9). وكثيراً ما عُرفت روما منذ قديم الزمان وحتى وقتنا هذا على أنها المدينة ذات التلال السبعة.
    وفي حين دُمِجت وحدة الكنيسة والدولة في رمز واحد في رؤيا 13، فقد صوَّرهما الله في رؤيا 17 بشكل منفصل. والمرأة ترمز دائماً إلى كنيسة في الكتاب المقدس، وفي هذه الحالة فإن الزانية تشير إلى كنيسة دنسة. والوحش يُشير دائماً إلى مملكة أو أمة تضطهد شعب الله. فأمامنا هنا امرأة دنسة تجلس على (تسيطر) وحش قرمزي (دموي). وهذا، مرة أخرى، يعزز ويدعم حقيقة كون النظام الكاثوليكي هو النظام الوحيد الذي يعمل ككنيسة وكمملكة أرضية في آن واحد. وقد وُصِفـَت هذه الزانية على أنها عظيمة الغنى ومتكبرة. والأهم من هذا وذاك أنها فاسدة جداً (العددان 4 و5). وهي حتماً تمثل أداة الشيطان الفائقة الأخيرة للخداع.
    والآيات التالية تعتبر آيات أساسية:[ 10وَسَبْعَةُ مُلُوكٍ: خَمْسَةٌ سَقَطُوا، وَوَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَمَتَى أَتَى يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً. 11وَالْوَحْشُ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ الآنَ فَهُوَ ثَامِنٌ، وَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ، وَيَمْضِي إِلَى الْهَلاَكِ.] (رؤيا 17 : 10 و11).
    وقد توسع الله في الحديث عن السبعة الرؤوس التي للوحش وعرَّفها على أنها سبعة ملوك. ومن المهم الإشارة إلى أن أحداث النبوة التي رآها يوحنا هنا كانت تتم خلال حكم الملك السادس. وهذا الملك كان سيعقبه الملك السابع، الذي يحكم لفترة قصيرة. ولكن الملك الثامن سيكون واحداً من الملوك السبعة السابقين، وأنه عندما يظهر من الهاوية (عد8) فلن يكون مجرد ملك (قوة حاكمة)، بل وحشاً (قوة مضطهدة)، ثم يمضي أخيراً إلى الهلاك.
    عندما يظهر واحد من الملوك السبعة من الهاوية بوصفه الملك الثامن، ولكن على هيئة وحش، فإن ملوك الأرض العشرة (عد12) [عشرة رقم كوني شامل ويدل على أن هذا يتضمن كافة حكام الأرض؛ مثلما هو الحال بالنسبة لمثل العذارى العشرة]، ستصيبهم الهيبة والرهبة بشكل كبير بسبب الوحش، ويُخضعون قوتهم طواعية للوحش لفترة قصيرة (العددان 12 و13). وكل من الوحش والملوك العشرة سيحكمون ويحاربون المسيح في شخص أتباعه لفترة قصيرة ولكنهم لن يتغلبوا عليهم (عد14).
    قبل نهاية كل شيء بقليل، يكتشف الملوك العشرة أنهم قد وقعوا في الشرك وخُدِعوا بواسطة الوحش (الملك الثامن الصاعد من الهاوية) فيصبُون جام انتقامهم على نظام الوحش، ويدمرونه (عد16) لأنهم في هذه المرة وإن يكن متأخراً، سينفذون إرادة الله (عد17).

    ثانياًـ مشهد البرية
    3. اُخِذ يوحنا إلى البرية حيث رأى الزانية العظيمة تجلس على وحش
    3فَمَضَى بِي بِالرُّوحِ إِلَى بَرِّيَّةٍ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً جَالِسَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ مَمْلُوءٍ أَسْمَاءَ تَجْدِيفٍ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ. (رؤيا 17 : 3).
    هذه نقطة مهمة لأنه ليس بمحض الصدفة أن تكون "الزانية العظيمة التي تجلس على وحش قرمزي" قد شوهِدت في البرية. ففي رؤيا 17 يُظهر الله الفترة الزمنية التي شوهِدت فيها كنيسة الروم الكاثوليك. ولكي نفهم ماذا سيحدث للعالم عندما تخرج مِن اختبار البرية هذا، علينا أن نستوعب أولاً كيف دخلت كنيسة الورم الكاثوليك إلى هذا الاختبار.
    4. ماذا تعني البرية في نبوات الكتاب المقدس؟.
    ولنا مثل آخر في سفر الرؤيا عن كنيسة ذهبت إلى البرية. كانت تلك هي كنيسة الله الحقيقية خلال العصور الوسطى، عندما تعرَّضت الكنسية للاضطهاد البابوي:
    [6وَالْمَرْأَةُ *********) هَرَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ اللهِ لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا.] (رؤيا 12 : 6). نعلم أنَّ هذه الكنيسة كانت طاهرة، لأنَّ الله هو الذي قادها إلى البرية، بعيداً عن الاضطهاد البابوي الذي اشتعل لمدَّة 1260 سنة، مِن 538 إلى 1798م. كان التنين (الشيطان) يُحارب الكنيسة خلال تلك الفترة، مُستخدماً في ذلك، أداته الأرضية، كنيسة الروم الكاثوليك:[ 14فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، حَيْثُ تُعَالُ زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ، مِنْ وَجْهِ الْحَيَّةِ.] (رؤيا 12 : 14). البرية، إذاً، في نبوة الكتاب، هي استعارة مجازية تُصوِّر الأحوال والظروف القاسية التي تُواجه الكنيسة في فترة مُعيَّنة مِن التاريخ.
    5. متى خرجَت كنيسة الله الحقيقية مِن اختبار البرية هذا؟.
    الجواب المنطقي لهذا السؤال هو: عندما انتهى الاضطهاد البابوي. وقد انتهى الاضطهاد بشكل رسمي سنة 1798م، عندما أرسل نابليون بونابرت الجنرال "برتيه" إلى روما وأسر البابا بيوس السادس ونفاه في فلينس بفرنسا. وفي الوقت ذاته أعلن "برتيه" نهاية السيطرة الزمنية على معظم أوربا التي استمتعت بها الكنيسة الكاثوليكية حتى ذلك الوقت. ووضع ذلك نهاية مفاجئة ومذلّة لحكم طويل من فرض القوة استمر 1260 سنة. وبعد ذلك بقليل، انتشرت جمعيات الكتاب المقدس عبر العالم أجمع دون أن يعيق عملها أي عائق ودون أن يواجهوا أي تهديد أو موانع بابوية. وهكذا فإن سنة 1798م تحدد التاريخ الذي خرجت فيه الكنيسة من اختبار البرية هذا. والآن أصبحت كنيسة حرة لتركز طاقاتها على ترجمة ونشر الكتاب المقدس في أكبر عدد ممكن من اللغات، ولتدير نشاطات كرازية في شتى أنحاء العالم.
    6. هل دخلت الكنيسة الكاثوليكية عندئذ في اختبار البرية في الوقت الذي خرجت فيه كنيسة الله الحقيقية منه؟.
    ذلك ما حدث تماماً. ففي سنة 1798م، لم تفقد فقط الكنيسة الكاثوليكية قوتها الزمنية على معظم ملوك وحكام وأمراء أوربا، بل ولم تعد حرة للاستمرار في التمتع بامتيازاتها الإكليريكية مثل اختيار البابا الذي يخلف بيوس السادس. وقد احتاج ممثلوها الآن الحصول على الإذن من نابليون بونابرت قبل تعيينهم للبابا بيوس السابع سنة 1800م ليخلف البابا الذي مات في المنفى قبل ذلك بسنة.
    وفضلاً عن ذلك، فإن اختبار البرية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية كان له التأثير الأكبر عليها من جهة غير متوقعة على الإطلاق ، من فنائها الخلفي أي من إيطاليا ذاتها. هنا تكمن الخلفية لوقائع الحياة القاسية والجافة التي واجهت الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا في القرن التاسع عشر.
    بعد الهزيمة الثانية والأخيرة لنابليون سنة 1815م، وجد الإيطاليون أنَّ شبه جزيرتهم قد قسِّمت إلى دويلات أو ولايات وإمارات بابوية. وقد اعتاد القائد النمساوي القوي، في ذلك الوقت، ويُدعى ميتيرنخ، أن يُشير إلى إيطاليا على أنها مُجرَّد "تعبير جغرافي"، وهو قول يعكس الافتقار إلى الدولة الموحدة. وهذه الحالة الغريبة أفسحت المجال لظهور محاولات قومية لتوحيد إيطاليا في دولة واحدة، ولكن هذه المحاولات واجهت الكثير من الشك والريبة والمُقاومة من قبل الكنيسة الكاثوليكية. وبمرور الوقت تزايد الاقتناع في عقول أولئك القادة القوميين بأن الكنيسة الكاثوليكية كانت بالحقيقة عقبة خطيرة أمام تحقيقهم لطموحاتهم وتطلعاتهم الوطنية.
    ولكن التوجه صوب توحيد إيطاليا وتكوين أمة متحدة جاز في مَعْلَم أو حدث تاريخي هام، عندما اغتُصبت الولايات والإمارات البابوية بالقوة سنة 1860م. ومع ذلك بقيت عقبة واحدة أساسية أمام تكوين دولة إيطالية واحدة. فقد أراد الإيطاليون أن تكون روما هي عاصمة دولتهم الموحدة. والمعروف أن روما كانت هي مقر أو كرسي الكنيسة الكاثوليكية وآخر ما بقي للكنيسة من ممتلكات. وقد تحقق هذا الحلم الإيطالي عندما احتلت القوات الإيطالية روما في 20 أيلول (سبتمبر) 1870، أثناء حكم البابا بيوس التاسع. ثم اُعلنت مملكة إيطاليا بعد ذلك بقليل.
    تفهَّم البابا خطورة الأمر فرفض الاعتراف بالمملكة الجديدة وقام بنفي نفسه طواعية احتجاجاً على هذا الإعلان. هذه الحالة التي لم يسبق لها مثيل عُرفت تاريخياً فيما بعد بالمسألة أو القضية الرومانية. وظلت هذه المسألة أو القضية بلا حل على مدى 59 سنة، كان كافة الباباوات اللاحقين خلالها، يحصرون تحركاتهم على مجرد التنقل بين عدَّة مبانٍ قليلة بالفاتيكان في روما، رافضين مُغادرة روما. من المؤكد أن الكنيسة الكاثوليكية في القرن التاسع عشر كانت مكتنفة بمحيط أشبه بالبرية الشديدة العداء.
    وباختصار، فقد رأينا حتى الآن أنه منذ عام 1798م (عندما نُفي البابا بيوس السادس إلى فلينس بواسطة الجنرال الفرنسي)، وحتى عام 1870 (عندما اغتُصِبَت روما بواسطة الجيش الإيطالي)، غاصت كنيسة الروم الكاثوليك عميقاً في اختبار البرية، وهو اختبار أبعد ما يكون عن وضعها السابق كوحش، والذي استمتعت به خلال 1260 سنة لسيادتها عندما كانت قوة كونية مضطهدة تسببت، إما مباشرة أو من خلال تأثيرها الطاغي على حكام أوربا، في استشهاد ما يقرب من 100 مليون من أتباع المسيح الأمناء.
    7. كيف تمَّ حل المسألة أو القضية الرومانية بين إيطاليا والكنيسة الكاثوليكية سنة 1929؟.
    كان الأمر غير معقول ويستحيل فهمه على بابا روما، أن يكون رأساً للكاثوليك عبر أنحاء العالم، وفي الوقت ذاته أن يكون خاضعاً في وطنه لرئيس آخر هو رئيس الدولة. فوفقاً لاعتقاد الكنيسة الكاثوليكية أن البابا بفضل دعوته، له الحق الذي لا يُمكن أن يتحوَّل أو يتغيَّر، في أن تكون له السيادة الزمنية المُطلقة. فعندئذ فقط يمكنه أن يمارس بحرية وبشكل كامل، واجباته بوصفه رأساً للكنيسة الكاثوليكية الجمعاء. ولكن هذه المطالبة تعارضت وتضاربت مع رغبة الإيطاليين الطبيعية في أن تكون لهم دولة متحدة وعاصمتها روما. وهكذا وجد الإيطاليون أنفسهم بعد سنة 1870م، ممزقين بين ولائهم وإخلاصهم للكنيسة الكاثوليكية بوصفهم كاثوليك أنفسهم، وبين ولائهم وإخلاصهم لدولتهم التي أنشأت حديثاً. وهذا التوتر، الذي لم يجد حلاً، بين الجانبين أضعف الدولة الحديثة التكوين على المستوى العالمي والمحلي على حد سواء. فكان يجب إيجاد حل للمسألة أو القضية الرومانية.
    كان طرفا النزاع يتوقان لوضع حد لهذه المعضلة التي طال أجلها. وفي سنة 1922، تبوَّأ مركز القيادة والقوة كل من الدوق بينيتو موسوليني، والبابا بيوس الحادي عشر. وبحلول عام 1929، وجدا أخيراً الحل للمسألة أو القضية الرومانية الشائكة التي استمرت 59 سنة. وفي 11 شباط (فبراير)، 1929، تمَّ في روما توقيع ثلاث مجموعات من الوثائق والمستندات عُرفَت في مجموعها بلقب "اتفاقيات لاتيران"، نسبة إلى قصر لاتيران الذي تمَّ فيه التوقيع بواسطة كل من الكاردينال جاسباري، مُمثلاً للبابا بيوس السادس عشر، وموسوليني، ممثلاً للملك فيكتور عمانوئيل الثالث.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    2,112
    آخر نشاط
    10-10-2025
    على الساعة
    12:44 PM

    افتراضي


    8. هل لك أن تلخِّص النقاط الأساسية لمعاهدة لاتيران سنة 1929م بين إيطاليا وكنيسة الروم الكاثوليك؟.

    1. اعترفت الدولة الإيطالية بسيادة الكنيسة الكاثوليكية واعتبرت الكنيسة على أنها عضوة مستقلة في المجتمع الدولي. ومن خلال هذه الاتفاقية حصلت الكنيسة على ولاية [دولة] مستقلة في روما على مساحة 44 هكتار.

    2. اعترفت الدولة الإيطالية بكنيسة الروم الكاثوليك بوصفها الديانة الرسمية للدولة، واعترفت الكنيسة الكاثوليكية بدورها باستقلال المملكة الإيطالية.

    3. ألغيت كافة القوانين التي أصدرها البرلمان ضد رجال الدين منذ 1870م واعتُبرت باطلة.

    4. أجريت تسوية نقدية في صالح كنيسة الروم الكاثوليك لتعويضها عن تخليها عن كافة مطالبها الشرعية بمدينة روما وكافة الولايات والإمارات البابوية القديمة.

    5. تعهد البابا بالتزام جانب الحياد الدائم فيما يختص بالعلاقات الدولية والامتناع عن التوسُّط في أي خلاف إلا إذا طُلِبَ منه ذلك بشكل محدد من قبل كافة الفرقاء المعنيين.

    9. آ ما هي أهمية مُعاهدة لاتيران سنة 1929م بالنسبة لاختبار البرية الذي دخلت فيه الكنيسة الكاثوليكية منذ سنة 1798م؟
    ما حصلت عليه كنيسة الروم الكاثوليك سنة 1929م هو استقلالها وسيادتها. والاستقلال السياسي يعني أنها الآن أصبحت مملكة، وإن يكن على مساحة من الأرض أصغر بكثير، حيث صار البابا هو الحاكم المُطلق عليها. وأصبح البابا الآن هو الرأس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية حول العالم، وليس هذا وحسب، بل صار أيضاً هو الملك الزمني بلا مُنازع على دولة مدينة الفاتيكان. وهكذا ما عاد البابا سجين الأسر.
    ومع ذلك، فإن كنيسة الروم الكاثوليك، لم تستعد في سنة 1929م، ولا حتى من بعيد، المنزلة التي كانت لها قبل عام 1798م، عندما كانت قوة مُطلقة [الوحش]. وبهذا فهي في سنة 1929م، لم تخرج بعد من اختبار البرية. ومع أنه في 1929م، وبفضل مُعاهدة لاتيران، تمَّ الاعتراف بالبابا عالمياً بوصفه ملكاً له سُلطة مُطلقة، إلا أنَّ مُعاهدة لاتيران اشترطت على البابا أن يتعهَّد بالتزام جانب الحياد الدائم بالنسبة للشؤون الدولية. وما كان يُمكن تخيل أن يوافق أي بابا، قبل عام 1798م، على مثل هذه الشروط المقيِّدة للحرية. فاعتقاد الكنيسة الكاثوليكية منذ قديم الزمان، هو أنَّ المسيح هو سيِّد الأرض كلها، وأنه عند صعوده أوكل سلطته وسيادته تلك لممثله بطرس ولخليفة بطرس وهو البابا. وبناء على ذلك، فموقف الكنيسة الكاثوليكية المُعلن هو أنَّ القوة الزمنية الحقيقية والسيادة المطلقة ترتكز بشكل كامل في شخص البابا. وبالتالي، فإن كل حاكم أرضي أو ملك، لا يتمتع بأي قوة أو يسيطر على أي مساحة، إلا كما يرى البابا مُناسباً.

    ومُجمل القول هو أن معاهدة لاتيران وإن كانت قد ضمنت للكنيسة الكاثوليكية بعض المكاسب الملموسة، إلا أنها لم تُرجِع للبابا سلطته العليا وقوته التي تمتعت بها الكنيسة دولياً حتى عام 1789م، وجعلتها قادرة على اضطهاد أعدائها، وبالتالي لُقـِّبت في نبوات الكتاب المقدس بلقب الوحش [ذات السلطة المُطلقة]. ومن هنا فلا توجد أهمية خاصة لمعاهدة لاتيران سنة 1929م بالنسبة لاختبار البرية الخاص بكنيسة الروم الكاثوليك، نظراً لأنها ظلت في البرية حتى بعد عام 1929.

    ثالثاًـ سبعة ملوك


    10. آ وماذا عن الملوك السبعة لكنيسة الروم الكاثوليك خلال فترة البرية التي كانت فيها؟
    نأتي الآن إلى أهم جزء في الإصحاح كله. لقد تنبأ الله بوجود سبعة ملوك فقط:[ 10وَسَبْعَةُ مُلُوكٍ: خَمْسَةٌ سَقَطُوا، وَوَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَمَتَى أَتَى يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً.] (رؤيا 17 : 10). ويمكننا الخروج بالحقائق التالية، من هذه الآية:

    1.الملوك هم سبعة في مجموعهم.

    2.اُخِذ يوحنا في الرؤيا إلى زمن الملك السادس: "خمسة سقطوا، وواحد موجود". وهو يأتي بعد أن يكون الخمسة الأولين قد سقطوا. مرة أخرى نشدد على أنها لم تكن بمحض الصدفة أن يؤخذ يوحنا عندما كان في الرؤيا إلى الوقت الذي يتواجد فيه الملك السادس. فهذه إشارة إلهية يقود بها الله شعبه لأن يركزوا انتباههم على ذلك الملك بوجه خاص، إذ أنه سيلعب دوراً في غاية الأهمية في أحداث الأيام الأخيرة.
    3.الملك السابع ..[وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.].. [ وَمَتَى أَتَى]...[ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً.] ....
    11. إذاً، مَن هم الملوك/الباباوات السبعة؟
    كان بيوس الحادي عشر هو أول بابا للروم الكاثوليك (مِن 6 شباط (فبراير)، 1922) وأصبح ملكاً أيضاً في 11 شباط (فبراير)، 1929. وهو الذي اشترك مع موسوليني في إبرام مُعاهدة لاتيران.

    1ـ الملك الأول
    الاسم: بيوس الحادي عشر..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:11شباط(فبراير)1929ـ 10 شباط(فبراير)1929.
    مدة الحكم:10سنوات.

    1ـ الملك الثاني
    الاسم: بيوس الثاني عشر..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:2أذار(مارس)1939ـ9أذار(مارس)1958.
    مدة الحكم:5 سنة.

    1ـ الملك الثالث
    الاسم: يوحنا23..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:28تشرين أول(أكتوبر) 1958ـ 3حزيران(يونيو)1962.
    مدة الحكم:5 سنوات

    1ـ الملك الرابع
    الاسم: بولس السادس..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:21 حزيران( يونيو) 1963ـ 6آب(أغسطس)1978.
    مدة الحكم:15

    1ـ الملك الخامس
    الاسم: يوحنا بولس الأول..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:26آب( أغسطس)1978 ـ28 أيلول (سبتمبر)1978.
    مدة الحكم:33يوم.

    1ـ الملك السادس
    الاسم: يوحنا بولس الثاني..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:16 تشرين الأول(أكتوبر)1978ـ 2نيسان(إبريل) 2005.
    مدة الحكم:27.

    1ـ الملك السابع
    الاسم: بينديكت 16..
    تاريخ الحكم كملك ـ بابا:19نيسان (إبريل) 2005ـ
    مدة الحكم:يبقى قليلاً (عدد10).

    12. ما الذي تعيَّن أن يحدث بعد الفترة القصيرة التي أنبئ بها بالنسبة لحكم بينيدكت 16؟
    [11وَالْوَحْشُ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ الآنَ فَهُوَ ثَامِنٌ، وَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ، وَيَمْضِي إِلَى الْهَلاَكِ.] (رؤيا 17 : 11). ومن هنا نعرف الآتي:
    1. كانت كنيسة الروم الكاثوليك، وحشاً، ذات مرة (حتى 1798)، ولكنها الآن ليست كذلك (إذ أنها كانت في اختبار البرية منذ 1798). ولكنها ستستعيد مكانة الوحش مرة أخرى (بمعنى أنها ستخرج من اختبار البرية) بعد سقوط الملك السابع بينيدكت 16.

    2. الذي يأتي بعد بينيدكت 16 سيكون واحداً مِن الملوك السبعة الآخرين. ولكنه لا يعود يُعتَبَر مُجرَّد ملك، بل سيكون وحشاً أيضاً، لأنه مِن خلاله تستعيد كنيسة الروم الكاثوليك قوَّتها السابقة وسلطتها على اضطهاد أعدائها.

    3. والثامن عندما يأتي سيكون هو الأخير، لأنه "يمضي إلى الهلاك".

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 15-11-2010, 06:37 PM
  2. دروس جديدة وممتازة لكل مسلم .. "سلسلة مختصر عقيدة .. عُباد المسيح"!
    بواسطة Habeebabdelmalek في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 02-07-2009, 02:51 PM
  3. كيف حول الفاتيكان "الحوار" إلى "جسر" للتنصير ـ د.زينب عبد العزيز
    بواسطة Ahmed_Negm في المنتدى من ثمارهم تعرفونهم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-07-2007, 03:16 PM
  4. "الإنجيل يشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم"
    بواسطة محمد مصطفى في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-08-2006, 01:13 AM
  5. "الإنجيل يشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم"
    بواسطة محمد مصطفى في المنتدى منتديات الدعاة العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-01-1970, 03:00 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل

مختصر كتاب "الفاتيكان و الإسلام" لمحمد عمارة - هاام يا غير مسجل