لكن ما هو المعيار التاريخي ؟

ما هو المعيار الذى يجب أن نعول علية لمعرفة التوثيق التاريخى الصحيح لتلك الفترة ؟

هل هى الكتب والمراجع التى تضاربت أشد ما يكون التضارب ؟

أم المراجع الإسلامية ؟ ..

ربما تستنكر قولى الآن وتقول .. وكيف تكون تلك المراجع الإسلامية حجة ومن أبسط الأمور التى يجب أن يراعيها الباحث فى أخذ مصادره ، أن تكون تلك المصادر حيادية لا تنتمى للمعسكر المؤمن بالفكرة التى يسعى الباحث لإثباتها .. وإلا فما هى فائدة البحث أصلا ؟!

وأنا هنا أقدم دليلين عقليين ـ لا يقبلان الشك ـ على حجية المراجع الإسلامية ، وهيمنتها على غيرها من المراجع فى تلك الفترة التاريخية ..

1 - إن تلك النبوءة كانت الفصل فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .. ونعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان له من الأعداء من المنافقين والكفار مَن كان يحصى الدقائق والثوانى لإحصاء تلك العدة .. فلو كانت الفترة قد زادت عن ذلك ، لما كنت أنا هنا أكلمك حول الإسلام أصلا !! .. كانت الدعوة ستوأد فى مهدها .. معاذ الله ! .. و رغم ذلك لم يظهر ولو قول واحد من المنافقين أو المشركين بلمحة شك حول زمن تحقق النبوءة إذ كان الحق أظهر .. خصوصا وأن فتح مكة لم يكن قد حدث بعد ، أي أن من المشركين مَن لن يخاف بطش مسلم أصلا إذا ما جهر بالتكذيب .. ولكن الحق كان أظهر من أي قول تعسفى حتى .

2 - اختلاف المراجع غير الإسلامية فيما بينها حول تواريخ المعارك .. مما يقطع بعدم حجيتها فى النقاش العلمى حول نقطة حساسة كتلك .. مع تفرد المراجع الإسلامية باتفاق كامل وتوافق ، بأن الفترة كانت بضع سنين .. أضف إلى ذلك التواتر فى النقل والذى يميز التوثيق الاسلامى عموما .

و لذلك ..

فإن دواعى المنهجية العلمية لن تتعارض أبدا بل وتتوافق مع الأولوية البحثية فى الأخذ من المراجع الإسلامية .
و بذلك ..

فقد صدق سبحانه وتعالى فى محكم التنزيل إذ قال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

بسم الله الرحمن الرحيم ..

" الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * ِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ "

صدقت و تعاليت يا رب العالمين
**
توضيح مدى أهمية تلك النبوءة من الناحية العقلية ، قياسا على الظروف التاريخية والاجتماعية لتلك الفترة ، فى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
إن الباحث فى الظروف التاريخية والاجتماعية لتلك الفترة ، ليتعجب أشد العجب من تلك النبوءة ، إذا ما كان يؤمن بأن محمداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو مؤلف القرآن الكريم ولا يقر بنبوته ..

و لهذا كان جدلهم المتهافت الذى بينا تهافته ، ومن بعده انخرست الألسنة بعون الله ومشيئته ..

فى سبب نزول تلك الآية ، يقول الإمام النيسابورى :

" قال المفسرون : بعث كسرى جيشا إلى الروم ، واستعمل عليهم رجلا يسمى شهريران ، فسار إلى الروم بأهل فارس ، وظهر عليهم ، فقتلهم ، وخرب مدائنهم ، وقطع زيتونهم ، وكان قيصر بعث رجلا يدعى يحنس ، فالتقى مع شهريران باذرعات وبصرى ، وهى أدنى الشام إلى أرض العرب ، فغلب فارس الروم ، وبلغ ذلك النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، فشق ذلك عليهم ، وكان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكره أن يظهر الأميون من أهل المجوس على أهل الكتاب من الروم ، وفرح كفار مكة وشمتوا ، فلقوا أصحاب النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا : إنكم أهل كتاب ، والنصارى أهل كتاب ، ونحن أميون ، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم ، و إنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم . فأنزل الله تعالى " الم غُلبت الروم فى ادنى الأرض " ... إلى آخر الآيات ..

" أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ قال : أخبرنا الحرث بن شريح قال : أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الأعمش عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدري قال : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس ، فأعجب المؤمنون بظهور الروم على فارس .

إذن فنحن أمام معجزة بحق .. لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل .

فالظروف فى ذلك الوقت كانت لا تبشر أبداً بانتصار الروم .. على الأقل هذا ما توافر لأهل مكة من معلومات فى هذا الوقت .. لذا فإنه من المخاطرة بحق أن يربط محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا التخمين بصدق نبوته ، على افتراض أنه مَن ألف القرآن .. وكأنه شخص يقول " إن سوريا سوف تحتل أمريكا بعد 10 سنوات " !!! .. ولا يكتفى بهذا بل ويربطها بصدق نبوته !!! ..
و نضع الموضوع قيد التحليل المنطقى :
نجد أولا .. إذا أراد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يؤلف شيئا كهذا ، فيجب أن يتوافر للأمر أولا جانب مهم جدا ، ألا وهو .. الدافع ..

إن القارىء لظروف تلك الفترة لا يجد دافعا ، ولو حتى بسيطا ، لجعل محمد صلى الله عليه وسلم يدخل فى تحدٍ كهذا أبدا ..

إذ إنه كان تقريبا فى عز الاضطهادات البربرية لقريش ، وفى وقت اشتدت فيه الفتن على المؤمنين ، فما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى بأمر كهذا كدليل على نبوته وهى أقرب إلى الاستنكار منها إلى التصديق !! ..

وما كان ليخاطر بأمر الرسالة إلى تلك الدرجة وهو غنى عن ذلك ؛ إذ قلما تجد بيتا فى مكة فى ذلك الوقت إلا ويوجد فيه متبع لمحمد صلى الله عليه وسلم .. فما حاجته لأمر كهذا يا ذوى العقول ؟!! .. أمِن أجل أمر يغيظ به الكفار ؟ .. تذكر ما قلته جيدا أيها الزميل " وليد " : إن محمدا ـ صلوات ربى و سلامه عليه ـ كان عبقريا .. وما كان لمدعٍ عبقرى أن يقع فى تلك المخاطرة أبدا !!

نجد ثانيا ..أن محمدا صلى الله عليه وسلم من الناحية المنطقية لا يمكن أبدا أن يصل إلى تخمين كهذا على فرض الظن .. إذ إن من يقطع بهذا يجب أن يكون ملما ومتابعا جيدا وباستمرار لفترة طويلة لأخبار تلك الحروب ، ولكن تصرفه صلى الله عليه وسلم وموقفه كان موقف المتضايق المستغرب لهذا الأمر .. وما كان لأحد أن يتابع الأمر والأخبار أولا بأول دون أن يقطع بانتصار الفرس حتميا على الروم .. وهو ما لم يتوافر فى ردة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. مما ينسف كل النظريات الظنية حول تلك النبوءة نسفا .. مثل تلك التى ساقها المستشرق " اميل درغام " فى أن النبوءة كانت متوقعة من قِبل محمد ( عليه الصلاة والسلام ) .. وهو قول أحمق ، لا يملك المفكر فيه إلا التسليم بنبوة خير خلق الله صلى الله عليه وسلم .


فقولوا لي يا ذوي العقول .. هل لديكم تفسير لذلك سوى التصديق بالنبوة ؟!

أستحلفكم بالله يا غير المسلمين أن تتفكروا فى تلك الآيات ..


من الله سبحانه و تعالى رب العالمين يبلغكم على لسان النبي الأمين صلوات ربي و سلامه عليه


إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ


فماذا يكون حالك إن كان هذا القرآن من عند الله واستكبرت بعدما جاءتك البينات على ذلك ؟

ومن يعصمك من أمر الله يوم لا يعصم من أمره عاصم !

نصيحة ..

أنت تؤمن بوجود الله ..

فلا تفتر من الدعاء أن يرشدك إلى الطريق الصحيح .. فمتى دعوته صدقا .. أجابك وهداك إلى ما يحب ويرضى أيّا كان .

هدانا الله و إياكم سبل الرشاد ..


**********************************************


و الله أعلم و أنتم لا تعلمون ...

و سلام على المرسلين ...

و الحمد لله رب العالمين ....

ملاحظة/
الموضوع يعود لأكثر من سنتين فالروابط قد تكون غيرت لكن يمكن البحث عن الفقرات في الكوكل