و فيك أستادنا عبد الرحمان
زاد المعاد في هدي خير العباد
للإمام العلامة شيخ الإسلام
محمد بن أبى بكر بن سعد بن جرير الزرعى
ابن قيم الجوزية
فصل
في أسمائه صلى الله عليه وسلم
وكلها نعوت ليست أعلاماً محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به تُوجِبُ له المدحَ والكمال.
فمنها محمد، وهو أشهرها، وبه سمي في التوراة صريحاً كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب ((جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام)) وهو كتاب فرد في معناه لم يُسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينَّا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه، وصحيحها من حسنها، ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بياناً شافياً، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها، ثم الكلام في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه، وترجيح الراجح، وتزييف المزيَّف، وَمَخبَرُ الكِتابِ فَوْقَ وصفه.
والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحاً بما يوافق عليه كلُّ عالم من مؤمني أهل الكتاب.
ومنها أحمد، وهو الاسم الذي سماه به المسيح، لسرٍّ ذكرناه في ذلك ا لكِتابِ.
ومنها المتوكِّل، ومنها الماحي، والحاشر، والعاقب، والمُقَفِّى، ونبى التوبة، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ الملحمة، والفاتحُ، والأمينُ.
ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد، والمبشِّر، والبشير، والنذير، والقاسِم، والضَّحوك، والقتَّال، وعبد اللّه، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحبُ لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، وغير ذلك من الأسماء، لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح، فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به، أو الغالب عليه، ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترَك، فلا يكون له منه اسم يخصه.
وقال جبير بن مُطْعِم: سمَّى لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء، فقال: ((أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفرَ، وأنا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، والعَاقِب الَّذِي لَيسَ بَعْدَهُ نَبيٌّ )).
وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان:
أحدهما: خاص لا يُشارِكُه فيه غيره من الرسل كمحمد، و أحمد، والعاقب، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة.
والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول اللّه، ونبيه، وعبده، والشَّاهدِ، والمبشِّرِ، والنذيرِ، ونبيِّ الرحمة، ونبيّ التوبة.
وأما إن جعل له مِن كل وصف من أوصافه اسم، تجاوزت أسماؤه المائتين، كالصادق، والمصدوق، والرؤوف الرَّحيم، إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألفَ اسمٍ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ألفَ اسم، قاله أبو الخطاب بنُ دِحيةَ ومقصوده الأوصاف.
فصل
في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم
أمّا مُحَمَّد، فهو اسم مفعول، من حَمِدَ، فهو محمد، إذا كان كثيرَ الخصال التي يُحمد عليها، لذلك كان أبلغَ من محمود، فإن ((محموداً)) من الثلاثي المجرد، ومحمد من المضاعف للمبالغة، فهو الذي يحمد أكثر ممّا يحمد غيره من البشر، ولهذا - واللّه أعلم - سمِي به في التوراة، لكثرة الخصال المحمودة التي وُصِفَ بها هو ودينه وأمته في التوراة، حتى تَمَنَى موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم، وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك، وبينا غلط أبي القاسم السهيلي حيث جعل الأمر بالعكس، وأن اسمه في التوراة أحمد.
وأما أحمد، فهو اسم على زِنة أفعل التفضيل، مشتق أيضاً من الحمد. وقد اختلف الناس فيه: هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟ فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل، أي: حَمْدُه للّه أكثرُ من حمد غيره له، فمعناه: أحمد الحامدين لربه، ورجحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل، أن يُصاغ من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول، قالوا: ولهذا لا يقال: ما أضربَ زيداً، ولا زيد أضرب من عمرو باعتبار الضرب الواقع عليه، ولا: ما أشرَبَه للماء، وآكله للخبز، ونحوه، قالوا: لأن أفعل التفضيل، وفعل التعجب، إنما يُصاغان من الفعل اللازم، ولهذا يقدر نقله من ((فَعَلَ)) و ((فَعِلَ)) المفتوح العين ومكسورها، إلى ((فَعُلَ)) المضموم العين، قالُوا: ولهذا يعدَّى بالهمزة إلى المفعول، فهمزته للتعدية، كقولك: ما أظرفَ زيداً، وأكرمَ عمراً، وأصلهما: من ظَرُف، وَكَرُمَ. قالوا: لأن المتعجَّب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غيرَ متعد، قالوا: وأما نحو: ما أضرب زيداً لعمرو، فهو منقول من ((فَعَلَ)) المفتوح العين إلى ((فَعُلَ)) المضموم العين، ثم عُدي والحالة هذه بالهمزة قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام، فيقولون: ما أضرب زيداً لعمرو، ولو كان باقياً على تعديه، لقيل: مَا أضربَ زيداً عمراً، لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية، فلما أن عدَّوه إلى المفعول بهمزة التعدية، عدَّوه إلى الآخر باللام، فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يُصاغان إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول.









رد مع اقتباس


المفضلات