شرح بلوغ المرام
للصنعاني


كتاب النكاح
وَعَنْ أَبي هُريرةَ رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: "لا تُنْكَحُ الأيّمُ حتّى تُسْتأمَرَ، ولا تُنْكَح الْبكْرُ حَتى تُسْتَأذَنَ" قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قالَ: "أَنْ تَسْكُتَ" مُتّفَقٌ عَلَيهِ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تُنْكَحُ) مغير الصيغة مجزوماً ومرفوعاً ومثله الذي بعده (الأيِّمُ) التي فارقت زوجها بطلاق أو موت (حتّى تُسْتَأمَرَ) من الاستئمار طلب الأمر (ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتى تُسْتَأذَنَ" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أَنْ تَسْكُتَ" متفقٌ عليه).
فيه أنه لا بد من طلب الأمر من الثيب وأمرها فلا يعقد عليها حتى يطلب الوَليُّ الأمر منها بالإذن بالعقد. والمراد من ذلك اعتبار رضاها وهو معنى أحقيتها بنفسها من وليها في الأحاديث.
وقوله: "البكر" أراد بها البكر البالغة وعبر هنا بالاستئذان وعبر في الثيب بالاستئمار إشارة إلى الفرق بينهما.
وأنه يتأكد مشاورة الثيب ويحتاج الولي إلى صريح القول بالإذن منها في العقد عليها.
والإذن من البكر دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول.
وإنما اكْتُفيَ منها بالسكوت لأنها قد تستحي من التصريح.
وقد ورد في رواية عائشة قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي قال: "رضاها صماتها" أخرجه الشيخان.
ولكن قال ابن المنذر يستحب أن يعلم أن سكوتها رضا.
وقال ابن شعبان: يقال لها ثلاثاً: إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي فأما إذا لم تنطق ولكنها بكت عند ذلك فقيل: لا يكون سكوتها رضا مع ذلك وقيل: لا أثر لبكائها في المنع إلا أن يقترن بصياح ونحوه وقيل: يعتبر الدمع هل هو حار فهو يدل على المنع أو بارد فهو يدل على الرضا.والحديث عام للأولياء من الأب وغيره في أنه لا بد من إذن البكر البالغة وإليه ذهب الهادوية والحنفية وآخرون عملاً بعموم الحديث هنا وبالخاص الذي أخرجه مسلم بلفظ: "والبكر يستأذنها أبوها".
ويأتي ذكر الخلاف في ذلك واستيفاء الكلام عليه في شرح الحديث الآتي:
وعَنْ ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: "الثيّبُ أَحَقُّ بِنفْسِها مِنْ وَليّها، والبِكْرُ تُسْتَأمَرُ وإذْنُها سُكوتُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وفي لَفْظٍ: "لَيْس للولي مَعَ الثّيبِ أَمْرٌ، والْيَتيَمةُ تُسْتَأمَرُ" رَوَاهُ أَبُو داوُدَ والنّسائيُّ وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ.
(وعَنْ ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنه: أَنّ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: "الثيّبُ أَحَقُّ بِنفْسِها مِنْ وَليّها، والبِكْرُ تُسْتَأمَرُ وإذْنُها سُكوتُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وفي لَفْظٍ) أي من رواية ابن عباس (لَيْس للولي مَعَ الثّيبِ أَمْرٌ، والْيَتيَمةُ تُسْتَأمَرُ" رَوَاهُ أَبُو داوُدَ والنّسائيُّ وصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ).
تقدم الكلام على أن المراد بأحقية الثيب بنفسها اعتبار رضاها كما تقدم على استئمار البكر وقوله: "ليس للولي مع الثيب أمر" أي إن لم ترض لما سلف من الدليل على اعتبار رضاها وعلى أن العقد إلى الولي وأما قوله: "واليتمية تستأمر".
فاليتيمة في الشرع الصغيرة التي لا أب لها وهو دليل للناصر والشافعي في أنه لا يزوج الصغيرة إلا الأب لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تستأمر اليتيمة" ولا استئمار إلا بعد البلوغ إذ لا فائدة لاستئمار الصغيرة.
وَعَنِ ابنِ عَباسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ جَاريَةً بكْراً أَتَتِ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَذَكَرَتْ أَنْ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كارهِةٌ فَخَيّرَهَا رسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ وابنُ مَاجَهْ وأُعِلَّ بالإرْسَالِ.

(وَعَنِ ابنِ عَباسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ جَاريَةً بكْراً أَتَتِ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَذَكَرَتْ أَنْ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كارهِةٌ فَخَيّرَهَا رسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ وابنُ مَاجَهْ وأُعِلَّ بالإرْسَالِ
وأجيب عنه بأنه رواه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب موصولاً وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حبان عن أيوب موصولاً.
وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله فالحكم لمن وصله.
قال المصنف: الطعن في الحديث لا معنى له لأنه له طرقاً يقوي بعضها بعضاً اهـ.
وقد تقدّم حديث أبي هريرة المتفق عليه وفيه: "ولا تنكح البكر حتى تستأذن" وهذا الحديث أفاد ما أفاده فدل على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح وغيره من الأولياء بالأولى.
وإلى عدم جواز إجبار الأب ذهبت الهادوية والحنفية لما ذكر ولحديث مسلم "والبكر يستأذنها أبوها" وإن قال البيهقي: زيادة الأب في الحديث غير محفوظة فقد ردّه المصنف بأنها زيادة عدل يعني فيعمل بها.
وذهب أحمد وإسحاق والشافعي إلى أن للأب إجبار بنته البكر البالغة على النكاح عملاً بمفهوم "الثيب أحق بنفسها" كما تقدم فإنه دل أن البكر بخلافها وأن الولي أحق بها.
ويردّ بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء وأن لا يخص الأب بجواز الإجبار.
وقال البيهقي في تقوية كلام الشافعي: إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوّجها من غير كفء قال المصنف: جواب البيهقي هو المعتمد لأنها واقعة عين فلا يثبت الحكم بها تعميماً.
قلت: كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة بل قالت: إنه زوّجها وهي كارهة فالعلة كراهتها فعليها علق التخيير لأنها المذكورة فكأنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا كنت كارهة فأنت بالخيار.
وقوله المصنف: "إنها واقعة عين" كلام غير صحيح بل كحكم عام لعموم علته فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم.
وقد أخرج النسائي عن عائشة: "أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوّجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته وأنا كارهة قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فجاء رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء".
والظاهر أنها بكر ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس وقد زوجها أبوها كفئاً ابن أخيه.
وإن كانت ثيباً فقد صرحت أنه ليس مرادها إلا إعلام النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء ولفظ النساء عام للثيب والبكر وقد قالت هذا عنده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فأَقرّها عليه.
والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي التزويج للكراهة لأن السياق في ذلك فلا يقال هو عام لكل شيء