كتاب هداية الحيارى، الجزء 1، صفحة 44.و45

لابن القيم
وذكر يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه جده قال يونس وكان نصرانيا فاسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى أهل نجران بسم الله ابراهيم واسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله الى اسقف نجران واهل نجران سلم انتم اني احمد اليكم اله ابراهيم واسحق ويعقوب اما بعد فاني ادعوكم الى عبادة الله من عبادة العباد وادعوكم الى ولاية الله من ولاية العباد فان ابيتم فاجزيه فان ابيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام فلما اتي الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وزعره ذعرا شديدا فبعث الى رجل من اهل عمان يقال له شرحبيل بن وداعة وكان من همدان ولم يكن احد يدعى الى
معضلة قبله فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى شرحبيل فقرأه فقال الاسقف ما رأيك يا ابا مريم فقال شرحبيل قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية اسماعيل من النبوة فما نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرجل ليس لي في النبوة رأي لو كان امر من الدنيا اشرت عليك فيه برأي وجهدت لك فقال الاسقف تنح فاجلس فتنحي فجلس ناحية فبعث الاسقف الى رجل من اهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي اصبح من حمير فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل فأمره الاسقف فتنحى ثم بعث الى رجل من اهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فامره الاسقف فتنحى ناحية فلما اجتمع الرآي منهم على تلك المقالة جميعا امر الاسقف بالناقوس فضرب به ورفعت المسوح بالصوامع وكذلك كانوا يفعلون اذا فزعوا بالنهار واذا كان فزعهم ليلا ضرب بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع اهل الوادي اعلاه واسفله وطوله مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاثة وسبعون قرية وعشرون ومائة الف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي اهل الرأي منهم على ان يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الوفد حتى اذا كانوا في بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم كانا يبعثان العير الى تجران في الجاهلية فيشترى لهما من برها وتمرها فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس فقالوا يا عثمان ويا عبد الرحمن ان نبيكم كتب الينا بكتاب فاقبلنا مجيبين له فاتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا فتصدينا لكلامه نهارا طويلا فاعيانا ان يكلمنا فما الرأي منكما أنعود أم نرجع اليه فقالا لعلي بن ابي طالب وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم فقال علي لعثمان و عبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون اليه ففعل وفد نجران ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم ثم عادوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم ثم قال والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وان ابليس لمعهم ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له ما تقول في عيسى فانا نحب أن نعلم ما تقول فيه فانزل الله عز وجل ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ...

كتاب هداية الحيارى، الجزء 1، صفحة 83
فصل الوجه الثامن والعشرون قول دانيال أيضا سألت الله وتضرعت إليه أن يبين لي ما يكون من بني إسرائيل وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملهكم ويبعث فيهم الأنبياء أو يجعل ذلك في غيرهم فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال السلام عليم يا دانيال إن الله يقول أن بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا علي وعبدوا من دوني آلهة أخرى وصاروا من بعد العلم إلى الجهل ومن بعد الصدق إلى الكذب فسلطت عليهم بختنصر فقتل رجالهم وسبي دراريهم وهدم مسجدهم وحرق كتبهم وكذلك يفعل من بعده بهم وأنا غير راض عنهم ولا مقيلهم عثراتهم فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط فلا يزالون ملعونين عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرها فأوحى إلى ذلك النبي وأعلمه الأسماء وأزينه بالتقوى وأجعل البر شعاره والتقوى ضميره والصدق قوله والوفاء طبيعته والقصد سرته والرشد سنته اخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب وناسخ لبعض ما فيها أسري به إلى وأرقيه من سماء الى السماء حتى يعلو فأدينه وأسلم عليه وأوحى إليه وارقيه ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة جافظا لما استودع صادقا بما أمر يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالسواق رؤف بمن والاه رحيم بمن آمن به خشن على من عاداه فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي ويخبرهم بما رأى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه ثم سرد دانيال قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا