حرية عقيدة أم تلاعب بالأديان ؟! ـ جمال أسعد

جمال أسعد : بتاريخ 8 - 5 - 2007

حكمان متناقضان في قضية واحدة هكذا حكمت المحكمة الإدارية العليا بحق خمسة وأربعين مسيحيا انتقلوا للإسلام من المسيحية وأرادوا العودة مرة أخرى للمسيحية في أن يتم تسجيل ديانتهم المسيحية في هوياتهم الشخصية وكانت مبررات الحكم وحيثياته هي الاستناد لمبدأ حرية العقيدة الذي كفله الإسلام "
وفي ذات الموضوع قد رفضت المحكمة الإدارية إثبات خانة مسيحي لعدد مائتين وستين مسيحيا انتقلوا للإسلام وأرادوا العودة للمسيحية مرة أخرى .
ومبرر الحكم هو أن اعتناق شخص ما دين آخر غير الذي يعتنقه يعني إيمان الشخص بالدين الآخر والخضوع لأحكامه وأن حرية العقيدة التي أقرها الإسلام هذا غير التلاعب بالإسلام ذلك التلاعب الذي يجعل شخصا ما يظل متنقلا بين دين وأخر بهدف غير الإيمان والاعتقاد بهذا الدين

بعد الحكم انطلقت جوقة المتخصصين في تلك القضايا بهدف الاستفادة والاسترزاق من خلال بوتيكاتهم الممولة من منظمات خارجية يقيمون الدنيا ولا يقعدونها وذلك بالتنسيق مع تلك المجموعة التي تقوم بنفس الدور والتي تقيم بالخارج.. ناهيك عن هؤلاء المرتزقة الذين يريدون أن يجدوا لهم دورا يلعبونه.

ومن هنا فنحن نتساءل : ما هي حدود حرية العقيدة ؟! وهل تلك القضية المثارة حاليا تدخل في إطار حرية العقيدة أم ماذا ؟ ولماذا تفجرت تلك الآن ؟! وما أسبابها ؟! وما نتائجها وما الحل ؟

لا شك أن حرية العقيدة هي الركن الركين على مدى التاريخ والأساس الثابت في أي بناء ديني أو عقيدي .. فالدين أساسه العقيدة اعتنقها المؤمنون بإرادتهم .. وإكراه الفرد على اعتناق الدين يحيل المكره إلى صفوف المنافق وهو أخطر على "الدين" ممن لا يؤمن به ويدين به عن قناعة ورضى

أما الإيمان بالدين يعني معرفته والاقتناع بمنهجه وقبول أحكامه بدون ضغط أو إكراه وهنا وفي إطار قضيتنا هذه .. نتساءل : هل هؤلاء الذين انتقلوا من المسيحية للإسلام .. قاموا بدراسة الإسلام وأحكامه وهل وصلوا إلى مرحلة الإيمان بهذا الدين عن قناعة وبدون إرهاب أو إكراه أو إرغام أو إغراء ؟ فإذا كان الأمر كذلك فليس من المنطقي أو الواقعي أن يعود هؤلاء إلى المسيحية مرة أخرى خاصة أنهم قد تركوها بعد دراسة واقتناع بالإسلام .

ما هي الحكاية إذن ؟!.. حسب اعترافات كثير منهم في برامج تليفزيونية ومن خلال تحقيقات صحفية فإنهم قد انتقلوا إلى الإسلام ( ولا أقول أنهم قد اعتنقوا الإسلام)
وذلك للهروب من مشاكل طلاق لم تحلها لهم الكنيسة أو للهروب من أحكام قضائية أو للحصول على مكاسب مادية وغير ذلك .

أرادوا حل تلك المشاكل عن طريق هذا الانتقال . أي أنهم قد اتخذوا من الانتقال للإسلام قنطرة وممرا وتكأة للوصول إلى ما يبتغون . وبعدها أرادوا العودة مرة أخرى إلى المسيحية و التي ـ أستطيع أن أجزم هنا ـ أنهم لا يعرفونها ولا يؤمنوا بها من قريب أو من بعيد فمن يترك دينه لمثل هذه الأسباب فدينه يتبرأ منه.. فهل هذا الانتقال وهذا السلوك وعلى هذا النحو الرخيص يعتبر في إطار حرية العقيدة ؟ أم هو تلاعب بالأديان سواء المسيحية أو الإسلام؟! .

لا شك في أن هذا تلاعب بالأديان يجب مواجهته بشكل رادع . وذلك لما تشكله مثل تلك القضايا من حاسية ، عادة ما تستغل طائفيا سواء بالحق أو بالباطل من كلا الطرفين . وذلك لما للدين من أهمية خاصة في الضمير الجمعي المصري بأكمله.

حرية العقيدة هنا لا نستطيع أن نتعامل معها بنفس تلك المرجعية الفكرية الغربية، وذلك لأن الغرب قد عانى كثيرا من استبداد الكنيسة ممثلة في رجال الدين .
وفي عصر التنوير استقر الوضع على فصل الدين عن السياسة بل عن المجتمع والحياة بأكملها ما جعل الدين ومرجعياته تفقد سيطرتها على البشر، ولخصت حرية العقيدة في اللادينية، ومع ذلك فإن ثمة صراعا بين الطوائف المسيحية في أوروبا وصل لذروته في جماعة الكاميراز الكاثوليكية التي كانت تغتال الكاثوليك الذين تحولوا للبروتستانتية وذلك الصراع الدائر بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا، ناهيك عن تكفير الأسقف بيشوي في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية للكاثوليك والبروتستانت المصريين .

وهل نذكّر هنا بالصراع الطائفي المقيت الذي يدور الآن في منطقة الشرق الأوسط وفي العراق خاصة بين السنة والشيعة .

إذن حرية العقيدة هي قيمة مطلقة في دساتير ومواثيق حقوق الإنسان كما أنها غاية وهدف سامي نسعى إليه جميعا ولكن هذا لا يلغي ذلك الواقع المرير الذي يختلف من بلد لبلد أخر ومن حضارة إلى حضارة أخرى
ومع ذلك فما تم في قضيتنا هذه لا علاقة له بحرية العقيدة ولكن كان سببه تلك المشاكل التي أراد أصحابها التخلص منها عن طريق الانتقال إلى الإسلام وأهمها مشكلة الطلاق

وهي مشكلة تتهلق برأي البابا شنودة الشخصي ومن خلال اجتهاده الذاتي وذلك بهدف إثبات تميزه عن الآخرين الشيء الذي جعله يسقط أحكام القضايا بالطلاق والتي تتم بناء على أحكام لائحة 1938 التي أقرتها الكنيسة كانت ـ حتى عهد البابا شنودة ـ تعمل بأسبابها في أحكام الطلاق منذ القرن الحادي عشر . وما زال البابا مصرا على تفعيل مشروع قانون أعدته الكنيسة بديلا للائحة 38 ...ولم يشرع ولم يصبح ضمن المنظومة التشريعية المصرية حتى الآن . أي أن البابا يطبق ما يريده وليس القانون .. والمجال هنا لا يسمح بمزيد من الحديث في تلك القضية

أما إثارة هذا الملف الآن من خلال ذلك المحامي المفصول من القضاء والذي يسترزق منها خاصة وأنه هو الوحيد الذي يقوم بمثل هذه القضايا.. فإن ذلك يحملنا على التساؤل: لماذا هو بالذات ؟! وهل هو الوحيد المنوط به تلك القضايا؟! وهل هذا الدور به خلال الكنيسة أم من خلال طلب من المؤسسات المانحة أم من كليهما ؟! أم في إطار الحملة المدبرة والممولة من تلك المنظمات على المادة الثانية من الدستور والتي لا علاقة لها بهذه القضية أو بمشاكل الأقباط بشكل عام ؟!

أما أسباب ذلك التحول إلى الإسلام .. فهو نتاج لمشاكل لا علاقة للإسلام بها وعلى الكنيسة أن تجد حلا لها ولا تصدر مشاكلها للغير وتخلق مزيدا من المشاكل بما يؤجج الطائفية .

أما أهم ضحايا هذا القضية فهم هؤلاء الأبناء الذين تحول آبائهم إلى الإسلام لعبا وتلاعبا وهم لا علاقة لهم البتة بهذا اللعب حيث أنهم ما زالوا على المسيحية فالإصرار على أن يظلوا مسلمين دون رغبتهم وضد إرادتهم قد يضعهم في مشاكل لا قبل لهم بها
أقول هذا يتناقض مع حرية العقيدة فعلا وقولا ..فمنهم لم يؤمن بالإسلام ولم يتحول إليه ولم يعتنقه فلماذا الإصرار على ذلك ؟ أليس هذا نوعا من الإكراه في الدين ؟! خاصة وأن هؤلاء الأبناء غير آبائهم المتلاعبين فما يقع على آبائهم لا يجب أن يسري عليهم ..ولذا يجب أن يقوم مجلس البحوث الإسلامية بدراسة تلك المشكلة والتي يجب أن تدرس وتفحص بشكل متوازن أي كل حالة على حدة . حتى لا نخلق مشاكل لبشر بدون ذنب تؤثر على مجمل العلاقات وعلى سلامة المجتمع ... اعتقد أنه من الانصاف أن نتعامل مع الأبناء تحديدا بمبدأ حرية العقيدة التي أقرها الإسلام دون مواربة في الوقت الذي يجب أن يشرع فيه قانون يمنع ويجرم التلاعب بالأديان وأن نحدد الفرق بين حرية العقيدة وبين ذلك التلاعب المستهجن والمرفوض .

وعلى الكنيسة ألا تتدخل في هذه القضية ناهيك عن أنها هي أحد أسبابها ولكن في النهاية هي قضية شخصية تخص مواطنين مصريين لهم الحق في رفع الدعاوى واستئنافها ونقضها حسب القانون
فتدخل الكنيسة يعطي القضية بعدا طائفيا ، فهي في واقع الحال، مشاكل شخصية وانحرافات ذاتية أرادت استغلال الدين من أجل تلك تبرير تلك الانحرافات والدين بريء من تلك الممارسات والحرية أكبر من أن تستغل ستارا للتغطية على المنحرفين .

http://www.almesryoon.com/ShowDetail...&Page=7&Part=1