{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

{ وأنفقوا خيراً لأنفسكم }..

جاء في تفسير النكت والعيون/ الماوردي : فيه ثلاثة أوجه:

أحدهما: هي نفقة المؤمن لنفسه، قاله الحسن.

الثاني: في الجهاد، قاله الضحاك.

الثالث: الصدقة، قاله ابن عباس.

فالله يأمرهم أن ينفقوا الخير بصرفِ أموالِهم إلى المصارفِ التي عينها لهم . فيجعل ما ينفقونه كأنه نفقة مباشرة لذواتهم، ويعدها الخير لهم حين يفعلون.

ويريهم شح النفس بلاء ملازماً. السعيد السعيد من يخلص منه ويوقاه؛ والوقاية منه فضل من الله:

{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }..

ثم يمضي في إغرائهم بالبذل وتحبيبهم في الإنفاق، فيسمي إنفاقهم قرضاً لله. ومن ذا الذي لا يربح هذه الفرصة التي يقرض فيها مولاه؟ وهو يأخذ القرض فيضاعفه ويغفر به، ويشكر المقرض، ويحلم عليه حين يقصر في شكره. وهو الله!

{ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم. والله شكور حليم }..

وتبارك الله. ما أكرمه! وما أعظمه! وهو ينشئ العبد ثم يرزقه. ثم يسأله فضل ما أعطاه. قرضاً يضاعفه.. ثم.. يشكر لعبده الذي أنشأه وأعطاه! ويعامله بالحلم في تقصيره هو عن شكره مولاه..! يا لله!!!

إن الله يعلمنا ـ بصفاته ـ كيف نتسامى على نقصنا وضعفنا، ونتطلع إلى أعلى دائماً لنراه ـ سبحانه ـ ونحاول أن نقلده في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة. وقد نفخ الله في الإنسان من روحه. فجعله مشتاقاً أبداً إلى تحقيق المثل الأعلى في حدود طاقته وطبيعته، ومن ثم تبقى الآفاق العليا مفتوحة دائماً ليتطلع هذا المخلوق إلى الكمال المستطاع، ويحاول الارتفاع درجة بعد درجة، حتى يلقى الله بما يحبه له ويرضاه.

ويختم هذه الجولة بعد هذا الإيقاع العجيب، بصفة الله التي بها الإطلاع والرقابة على القلوب:

{ عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم }..

فكل شيء مكشوف لعلمه، خاضع لسلطانه، مدبر بحكمته. كي يعيش الناس وهم يشعرون بأن عين الله تراهم، وسلطانه عليهم، وحكمته تدبر الأمر كله حاضره وغائبه. ويكفي أن يستقر هذا التصور في القلب، لتتقي الله وتخلص له وتستجيب.

والله أعلم

للسيد قطب والماوردي