أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، ومنّ علينا بأعظم دين شرع، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الحبيب الأعظم ، درّة الوجود ، وأكرم عابد للمعبود ، خاتم المرسلين الكرام ، مُعلِم الخير، ومنقذ البشرية ومحرر عقولها، أفضل من عاش ومن مات، فِداه نفسي ومالي وعرضي وأبي وأمي وعشيرتي وصحبي، شفيعنا وحبيبنا وقدوتنا وإمامنا ، خير البشر وخير من مشى على الأرض و خير من طلعت عليه الشمس بل هو شمس الدنيا و ضياؤها بهجتها و سرورها ريقه دواء و نفثه شفاء و عرقه أطيب الطيب أجمل البشر و أبهى من الدرر يأسر القلوب و يجتذب الأفئدة متعة النظر و شفاء البصر إذا تكلم رقت له القلوب قبل الأستماع ، كم شفى قلباً ملتاعاً و كم هدى من أوشك على الهلاك و الضياع ، سيد ولد آدم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، نشهد انك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت للأمة، وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين.. تركتنا على المحجة البيضاء، على الطريقة الواضحة الغراء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا خاسر .


إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين

إنها عدالة القرآن الكريم ، إنه الحق العادل الذي ينزل على رسول الله بلاغاً يذكر الأبناء بطهارة الآباء .


مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

لقد تعددت أقوال المفسير في اسباب نزول هذه الآية ، فمنهم من قال انها نزلت في عم الرسول ، ومنهم من قال أنها نزلت في ام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنه من قال أنها نزلت من أجل قوم كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين .

لذلك وجب علينا التوضيح ونسأل الله التوفيق .

جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب ، بالمجلد 1: العقيدة والآداب الإسلامية باب17 .. انها نزلت في امر عم الرسول صلى الله عليه وسلم .

وجاء في كتاب خواطر للإمام محمد متولي الشعراوي بتفسير سورة التوبة بالمجلد رقم 9 الصفحة رقم 5529 ... انها نزلت في امر عم الرسول صلى الله عليه وسلم .

13466 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاة دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده أَبُو جَهْل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة , فَقَالَ : " يَا عَمّ قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَلِمَة أُحَاجّ لَك بِهَا عِنْد اللَّه ! " فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة : يَا أَبَا طَالِب أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك ! " فَنَزَلَتْ { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } , وَنَزَلَتْ : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } .

لذلك سنوضح كل ما جاء من ادعاءات باطلة بالطعن في أصلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد أمر الله عز وجل سيدنا إبراهيم عليه السلام ألا يستغفر لأبيه ، بعد أن تبين له أنه عدو الله ، ومادام والد سيدنا إبراهيم عليه السلام قد وصف بهذه الصفة وأنه عدو لله وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من نسل سيدنا ابراهيم عليه السلام .. إذن :

فلماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنني من خيار من خيار من خيار)) ؟ اخراج البيهقي في دلائل النبوة 1/166

ولو فهمنا قول الحق : إن أبا إبراهيم عدو لله ، ففي هذا نقيض لحديث رسول الله ، ومادام أبو ابراهيم كان عدوا لله وتبرأ منه وقال له الحق : لا تستغفر .

إذن : ففي نسبه صلى الله عليه وسلم أعداء الله ، وفي ذلك نقض لقوله "أنا خيار من خيار، مازلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"> حديث صحيح اخراجه البيهقي في دلائل النبوة1/166

ولهذا نريد أن نصفي هذه المسألة تصفية علماء ، لا تصفية غوغاء

ولنسأل من هو الأب ؟

الأب هو من نَسلك وأنجبك ، أو نسل من نسلك.

إذن : فهناك أب مباشر وأبوه يعتبر أبا لك أيضاً إلى أن تنتهي لآدم ، هذا هو معنى كلمة ((أب)) كما نعرفه ، لكننا نجد أن القرآن قد تعرض لها بشكل اعمق كثيراً من فهمنا التقليدي ، واغنى السور بالتعرض لهذه المادة ((سورة يوسف)) ؛ لأن مادة ((الأب)) جاءت ثماني وعشرين مرة خلال هذه السورة ، فمثلاً تجد في اوائل سورة يوسف ، قول يوسف عليه السلام :

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا 4

وبعد ذلك جاءت السورة بأن الله ينجي يوسف ويعلمه من تأويل الأحاديث :

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

والأبوان المقصودان هنا هما إبراهيم وإسحاق عليهم السلام .

ثم يقر سيدنا يوسف بأن هناك ثلاثة من آبائه هم : "إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام" .

ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّه .. (38)

وهكذا ذكر اسم ثلاثة من آبائه : إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام


إذن : إسحاق هو أبو يعقوب ، وإبراهيم هو الأب الثالث
، وقال يوسف عليه السلام : ((وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوب))

و((آبَآئِـي)) جمع أب . وعندما أراد أن يذكر الأعلام من آبائه قال : [إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوب]

ويعقوب هو أبو يوسف ، وإسحاق أبو يعقوب ، وإبراهيم أبو إسحاق .

إذن : فإبراهيم أب ، وإسحاق أب ، ويعقوب أب.. وهكذا نرى أن كلمة ((الأب)) تطلق على الجد ، وآباء الجد إلى آدم عليه السلام .

وإذا نظرنا إلى سورة البقرة تجد قول الله سبحانه وتعالى :

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ ... 133

ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً ، وهكذا يكون إبراهيم أباً ، وإسماعيل أباً ، وإسحاق أباً ، ولكن إسماعيل أخ لإسحاق ، إذن فقد أطلق الأب هنا وأريد به العم ، وهكذا ترى أنه إذا ألحق بكلمة ((أب)) اسم معين هو المقصود بها ، فالمعنى ينصرف إما إلى الجد وإما إلى العم ، وإذا جاءت من غير تحديد الأسم ، فهي تنصرف إلى الأب المباشر فقط .


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ74الانعام

لقد ذكر الحق سبحانه هنا اسم الأب وحدده بـ ((آزر)) ولو أنه أبوه حقيقة لما قال آزر ... وقد تم شرح هذا الأمر هـــ(آزر ليس هو الأب الصلبي لسيدنا ابراهيم)ـــا

إذن قول الله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ) يبين لنا أن آزر ليس هو الصُّلب الذي انحدر منه رسول الله ، ولكنه عمه ، وبذلك نحل الإشكال واللغز الذي يحير الكثيرين .

يتبع :-