هشام عزمي كتب في : Mar 17 2004, 01:44 PM


ها هو رد تفصيلي من كتاب "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب

الإسلام .. والرق

ربما كانت هذه الشبهة أخبث ما يلعب به الشيوعيون لزلزلة عقائد الشباب ! .. لو كان الإسلام صالحاً لكل عصر – كما يقول دعاته – لما أباح الرق .. وإن إباحته للرق .. وإن إباحته للرق لدليل قاطع على أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة ، وأنه أدى مهمته وأصبح في ذمة التاريخ !
وإن الشباب المؤمن ذاته لتساوره بعض الشكوك ! كيف أباح الإسلام الرق ؟ هذا الدين الذي لا شك في نزوله من عند الله ، ولا شك في صدقه ، وفي أنه جاء لخير البشرية كلها في جميع أجيالها .. كيف أباح الرق ؟ الدين الذي قام على المساواة الكاملة . الذي رد الناس جميعاً إلى أصل واحد ، وعاملهم على أساس هذه المساواة في الأصل المشترك .. كيف جعل الرق جزءاً من نظامه وشرع له ؟ أَوَ يريد الله للناس أن ينقسموا أبداً إلى سادة وعبيد ؟ أَوَ تلك مشيئته في الأرض ؟ أَوَ يرضى الله للمخلوق الذي أكرمه إذ قال : " ولقد كرمنا بني آدم " أن يصير طائفة منه سلعة تباع وتشترى كما كان الحال مع الرقيق ؟ وإذا كان الله لا يرضى بذلك ، فلماذا لم ينص كتابه الكريم صراحة على إلغاء الرق كما نص على تحريم الخمر والميسر والربا وغيرها مما كرهه الإسلام ؟
وإن الشباب المؤمن ليعلم أن الإسلام دين الحق ، ولكنه كإبراهيم : " قال: أولم تؤمن ؟ قال بلى ، ولكن ليطمئن قلبي ! " .

أما الشباب الذي أفسد الاستعمار عقله وعقائده ، فإنه لا يتلبث حتى يتبين حقيقة الأمر ، وإنما يميل به الهوى فيقرر دون مناقشة أن الإسلام نظام عتيق قد استنفد أغراضه !

وأما الشيوعيون خاصة فأصحاب دعاوى " علمية " مزيفة ، يتلقونها من سادتهم هناك ، فينتفشون بها عجبا ً، ويحسبون أنهم وقعوا على الحقيقة الأبدية الخالدة التي لا مراء فيها ولا جدال ، وهي المادية الجدلية ، التي تقسم الحياة البشرية إلى مراحل اقتصادية معينة لا معدى عنها ولا محيص . وهي الشيوعية الأولى ، والرق ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والشيوعية الثانية ( وهي نهاية العالم ! ) وأن كل ما عرفته البشرية من عقائد ونظم وأفكار ، إنما كانت انعكاساً للحالة الاقتصادية ، أو للطور الاقتصادي القائم حينئذ ، وأنها صالحة له ، متلائمة مع ظروفه ، ولكنها لا تصلح للمرحلة التالية التي تقوم على أساس اقتصادي جديد . وأنه – من ثم – لا يوجد نظام واحد يمكن أن يصلح لكل الأجيال . وإذا كان الإسلام قد جاء والعالم نهاية فترة الرق ومبادئ فترة الإقطاع ، فقد جاءت تشريعاته وعقائده ونظمه ملائمة لهذا القدر من التطور ، فاعترفت بالرق ، وأباحت الإقطاع ! ولم يكن في طوق الإسلام أن يسبق التطور الاقتصادي ، أو يبشر بنظام جديد لم تتهيأ بعد إمكانياته الاقتصادية ! لأن كارل ماركس قال إن هذا مستحيل !

ونريد هنا أن نضع المسألة في حقيقتها التاريخية والاجتماعية والنفسية ، بعيداً عن الغبار الذي يثيره هؤلاء وأولئك ، فإذا حصلنا على حقيقة موضوعية فلا علينا حينئذ من دعاوي المنحرفين ، و " العلماء " المزيفين !
نحن ننظر اليوم إلى الرق في ظروف القرن العشرين ، وننظر إله في ضوء الشناعات التي ارتكبت في عالم النخاسة ، والمعاملة الوحشية البشعة التي سجلها التاريخ في العالم الروماني خاصة ، فنستفظع الرق ، ولا تطيق مشاعرنا أن يكون هذا اللون من المعاملة أمراً مشروعاً يقره دين أو نظام . ثم تغلب علينا انفعالات الاستبشاع والاستنكار فنعجب كيف أباح الإسلام الرق ، وكل توجيهاته وتشريعاته كانت ترمي إلى تحرير البشر من العبودية في جميع ألوانها وأشكالها ، ونتمنى في حرارة الانفعال أن لو كان الإسلام قد أراح قلوبنا وعقولنا فنص على تحريمه بالقول الصريح .

وهنا وقفة عند حقائق التاريخ . ففظائع الرق الروماني في العالم القديم لم يعرفها قط تاريخ الإسلام ، ومراجعة بسيطة للحالة التي كان يعيش عليها الأرقاء في الإمبراطورية الرومانية ، كفيلة بأن ترينا النقلة الهائلة التي نقلها الإسلام للرقيق ، حتى لو لم يكن عمل على تحريره – وهذا غير صحيح !

كان الرقيق في عرف الرومان " شيئا " لا بشرا . شيئا لا حقوق له البتة ، وإن كان عليه كل ثقيل من الواجبات . ولنعلم أولا من أين كان يأتي هذا الرقيق . كان يأتي من طريق الغزو . ولم يكن هذا الغزو لفكرة ولا لمبدأ .
وإنما كان سببه الوحيد شهوة استعباد الآخرين وتسخيرهم لمصلحة الرومان .

فلكي يعيش الروماني عيشة البذخ والترف ، يستمتع بالحمامات الباردة والساخنة ، والثياب الفاخرة ، وأطايب الطعام من كل لون ، ويغرف في المتاع الفاجر من خمر ونساء ورقص وحفلات ومهرجانات ، كان لا بد لكل هذا من استعباد الشعوب الأخرى وامتصاص دمائها . ومصر مثل لذلك حين كانت في قبضة الرومان ، قبل أن يخلصها من نيرهم الإسلام. إذ كانت حقل قمح للإمبراطورية ، وموردا للأموال .

في سبيل هذه الشهوة الفاجرة كان الاستعمار الروماني ، وكان الرق الذي نشأ من ذلك الاستعمار . أما الرقيق فقد كانوا – كما ذكرنا – أشياء ليس لها كيان البشر ولا حقوق البشر . كانوا يعملون في الحقول وهم مصفدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنعهم من الفرار . ولم يكونوا يُطْعَمون إلا إبقاء على وجودهم ليعملوا ، لا لأن من حقهم – حتى كالبهائم والأشجار – أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء . وكانوا – في أثناء العمل – يساقون بالسوط ، لغير شيء إلا اللذة الفاجرة التي يحسها السيد أو وكيله في تعذيب هذه المخلوقات . ثم كانوا ينامون في " زنزانات " مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران ، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزانزانة الواحدة – بأصفادهم – فلا يتاح لهم حتى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات .
ولكن الشناعة الكبرى كانت شيئاً أفظع من كل ذلك ، وأدل على الطبيعة الوحشية التي ينطوي عليها ذلك الروماني القديم ، والتي ورثها عنه الأوربي الحديث في وسائل الاستعمار والاستغلال .

تلك كانت حلقات المبارزة بالسيف والرمح ، وكانت من أحب المهرجانات إليهم ، فيجتمع إليها السادة وعلى رأسهم الإمبراطور أحياناً ، ليشاهدوا الرقيق يتبارزون مبارزة حقيقية ، توجه فيها طعنات السيوف والرماح إلى أي مكان في الجسم بلا تحرز ولا احتياط من القتل . بل كان المرح يصل إلى أقصاه ، وترتفع الحناجر بالهتاف والأكف بالتصفيق ، وتنطلق الضحكات السعيدة العميقة الخالصة حين يقضي أحد المتبارزين على زميله قضاء كاملاً ، فيلقيه طريحاً على الأرض فاقد الحياة !

ذلك كان الرقيق في العالم الروماني . ولا نحتاج أن نقول شيئاً عن الوضع القانوني للرقيق عندئذ ، وعن حق السيد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حق الشكوى ، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها ، فذلك لغو بعد كل الذي سردناه .

ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها ، تختلف كثيراً عما ذكرنا من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهداراً كاملا ً، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقاً مقابلها ، وإن كانت تختلف فيما بينها قليلاً أو كثيراً في مدى قسوتها وبشاعتها .

ثم جاء الإسلام …

جاء ليرد لهؤلاء البشر إنسانيتهم.جاء ليقول للسادة عن الرقيق :

" بعضكم من بعض " (1) . جاء ليقول : " من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن أخصى عبده أخصيناه " (2) . جاء ليقرر وحدة الأصل والمنشأ والمصير : " أنتم بنو آدم وآدم من تراب " (3) ، وأنه لا فضل لسيد على عبد لمجرد أن هذا سيد وهذا عبد . وإنما الفضل للتقوى : " ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى " (4) .

جاء ليأمر السادة أمراً أن يحسنوا معاملتهم للرقيق : " وبالوالدين إحساناً ، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى ، والجار الجنب ، والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً " (5) . وليقرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد ، أو التسخير أو التحقير ، وإنما هي علاقة القربى والأخوة . فالسادة " أهل " الجارية يُستأذنون في زواجها : " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم . بعضكم من بعض ، فانكحوهن بإذن أهلهن ، وآتوهن أجورهن بالمعروف " (6) ، وهم إخوة للسادة : " إخوانكم خولكم .. فمن كان " أخوه " تحت يده فليطعمه مما يطعم ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم " (7) . وزيادة في رعاية مشاعر الرقيق يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : " لايقل أحدكم : هذا عبدي وهذه أمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي " (8) . ويستند على ذلك أبو هريرة فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجري : " احمله خلفك ، فإنه أخوك ، وروحه مثل روحك " .

ولم يكن ذلك كل شئ . ولكن ينبغي قبل أن ننتقل إلى الخطوة التالية أن نسجل القفزة الهائلة التي قفزها الإسلام بالرقيق في هذه المرحلة .

لم يعد الرقيق " شيئاً " . وإنما صار بشراً له روح كروح السادة . وقد كانت الأمم الأخرى كلها تعتبرالرقيق جنساً آخر غير جنس السادة ، خلق ليستعبد ويستذل ، ومن هنا لم تكن ضمائرهم تتأثم من قتله وتعذيبه وكيه بالنار وتسخيره في الأعمال القذرة والأعمال الشاقة (9) . ومن هنالك رفعه الإسلام إلى مستوى الأخوة الكريمة ، لا في عالم المثل والأحلام ، بل في عالم الواقع . ويشهد التاريخ ـ الذي لم ينكره أحد ، حتى المتعصبون من كتاب أوربا ـ بأن معاملة الرقيق في صدر الإسلام بلغت حداً من الإنسانية الرفيعة لم تبلغه في أي مكان آخر . حداً جعل الرقيق المحررين يأبون مغادرة سادتهم السابقين ـ مع أنهم يملكون ذلك بعد أن تحرروا اقتصادياً وتعودوا على تحمل تبعات أنفسهم ـ لأنهم يعتبرونهم أهلاً لهم ، يربطهم بهم ما يشبه روابط الدم ! وأصبح الرقيق كائناً إنسانياً له كرامة يحميها القانون ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل . فأما القول فقد نهى صلى الله عليه وسلم السادة عن تذكير أرقائهم بأنهم أرقاء . وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودة الأهل وينفي عنهم صفة العبودية ، وقال لهم في معرض هذا التوجيه : " إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم " (10) فهي إذن مجرد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقاً ، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة ! وبذلك يغض من كبرياء هؤلاء ، ويردهم إلى الآصرة البشرية التي تربطهم جميعاً ، والمودة التي ينبغي أن تسود علاقات بعضهم ببعض . وأما الاعتداء الجسدي فعقوبته الصريحة هي المعاملة بالمثل : " ومن قتل عبده قتلناه .. " وهو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانية بين الرقيق والسادة ، وصريح في بيان الضمانات التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر ـ التي لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشرية الأصيلة ـ وهي ضمانات كاملة ووافية ، تبلغ حداً عجيباً لم يصل إليه قط تشريع آخرمن تشريعات الرقيق في التاريخ كله ، لا قبل الإسلام ولا بعده ، إذ جعل مجرد لطم العبد في غير تأديب ( وللتأديب حدود مرسومة لا يتعداها ولا يتجاوز على أي حال ما يؤدب به السيد أبناءه ) مبرراً شرعياً لتحرير الرقيق .

----------------------------------------------
الحواشي السفلية:


(1) سورة النساء [25] .
(2) حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
(3) حديث رواه مسلم وأبو داود..
(4) أخرجه الطبري في كتاب " آداب النفوس " " بإسناده عمن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ".
(5) سورة النساء]36 [ .
(6) سورة النساء] 25[ .
(7) حديث رواه البخاري.
(8) رواه أبو هريرة.
(9) يعتقد الهنود أن الرقيق (المنبوذين) خلقوا من قدم الإله ، ومن ثم فهم بخلقتهم حقراء مهينون ، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب ، عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل ! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيِّئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه .
(10) ذكره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين في الكلام عن حقوق المملوك ، في حديث طويل قال إنه آخر ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم .