و اضع لكم ما ذكره الامام الالباني رحمه الله في مقدمة كتابه نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق مبينا ضعف القصة بجميع طرقها :
(( بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى نبينا على سائر البشر وعصمه من الشيطان أن يوحي إليه بشر فقال تعالى مخاطبا إبليس اللعين : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) [ الحجر : 42 ] بل جعل تعالى له السلطة على شيطانه القرين فكيف من كان عنه من المبعدين ؟ . كما أشار إلى ذلك قول رسوله الكريم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن " قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : " وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " ( 1 ) وصلى الله على محمد الذي مكنه الله تعالى من إبليس حتى كاد أن يخنقه وهم أن يربطه بسارية من سواري مسجد المدينة ( 2 ) وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
وبعد فقد كتب إلى بتاريخ 14 / 7 / 1952 م بعض الأستاذة من الإخوان الأعزة من الباكستان حيث أوفد إليها لغاية علمية يسألني عن رأيي في حديث الغرانيق الذي اختلف فيه قول حافظين كبيرين هما : ابن كثير الدمشقي وابن حجر المصري فقد أنكره الأول وقواه الآخر . وطلب مني أن لا أضن بالجواب عليه فلبثت بعض الأشهر أترقب فرصة أستطيع فيها إجابة طلبه . ثم لقيني أحد الأحبة عقب صلاة عيد الأضحى لهذه السنة 1371 ه فسألني أيضا عن حديث الغرانيق فأجبته بأنه لا يصح بل هوباطل موضوع فذكر لي أن أحد الشباب ممن في قلوبهم مرض احتج به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وحاشاه يتكلم بما يرضي المشركين جذبا لهم إليه لأنه بزعمه الباطل لم يكن نبيا صادقا وإنما كان يتظاهر بذلك ترؤسا عليهم كما يهرف بذلك بعض الملاحدة قديما وحديثا فحملني ذلك على أن اغتنم فرصة العيد المذكور فشرعت متوكلا على الله الغفور في جمع طرق تلك القصة من كتب التفسير والحديث وبينت عللها متنا وسندا ثم ذكرت قول الحافظ ابن حجر في تقويتها وتعقبته بما يبين وهي ما ذهب إليه ثم عقبت على ذلك بذكر بعض البحوث والنقول عن بعض الأئمة الفحول ذوي التحقيق في الفروع والأصول تؤيد ما ذهبنا إليه من نكارة القصة وبطلانها ووجوب رفضها وعدم قبولها تصديقا لقوله تعالى : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ) [ الفتح : 9 ] ))

و رسالة الامام الالباني هذه قيمة جدا فقد اورد جميع الروايات الذاكرة لقصة الغرانيق و اظهر علل ضعفها سندا و متنا في كل رواية على حدة و فيها ما يمكن للطالب في علم الحديث و التفسير ان يستفيد منه
و الاروع منه ما خصصه في رسالته هذه في الرد على مسالة تصحيح ابن حجر رحمه الله لاصل القصة
واستنادا على هذا اضربت عن ذكر اسباب تضعيف روايات الغرانيق واكتفيت بتضعيف اهل العلم لها و من اراد ان يعرف سبب ضعف كل رواية على حدة فليراجع رسالة الامام الالباني رحمه الله و ليقراها

رابط كتاب الامام الالباني رحمه الله: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق
http://islamport.com/d/1/alb/1/84/681.html#

و كما قال الامام الالباني رحمه الله في نصب المجانيق ان الرواية لا يصح منها طريقا واحدا و ان مراسيلها كلها لا تصح الى الراوي الا مرسل ابي العالية و مرسل ابي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و مرسل سعيد بن جبير و قتادة و كلهم من طبقة واحد توفو في نفس الفترة تقريبا فلا يبعد ان يكونوا كلهم اخذوا الرواية من مصدر واحد مجهول او عن جمع مجهول فلا يمكن اذا الجزم بصحة الرواية
قال الامام الالباني رحمه الله في نصب المجانيق :
((إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة لألفيناها كلها مرسلة حاشا حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل فيبقى النظر في هذه المراسيل وهي كما علمت سبعة صح إسناد أربعة منها وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية ( رقم 1 - 3 ) ومرسل قتادة رقم ( 5 ) وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنهم من طبقة واحدة : فوفاة سعيد بن جبير سنة ( 95 ) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة ( 94 ) وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرا - سنة ( 90 ) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة والأول كوفي والثاني مدني والأخيران بصريان فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه واحدا لا غير وهومجهول وجائز أن يكون جمعا ولكنهم ضعفاء جميعا فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمس المقام الكريم فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها بل التنديد ببطلانها ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا وإن كنت لم أقف على من صرح بذلك كما ذكرت آنفا .))

و اما من تشبث بهذه المراسيل من الطاعنين فهو ملزم باخذ مرسل عروة بن الزبير رحمه الله اذ و ان كان مرسلا ضعيفا الا ان مرسله اقل ضعفا اذ ان عروة و ان كان في نفس طبقة الاربعة السابقين الا انه امام في المغازي و السير و قد تكلم رحمه الله في رسالته الى عبد الملك بن مروان عن بدء دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة و الهجرة الى الحبشة ورجوع بعض المهاجرين الى الحبشة و لم يذكر قصة الغرانيق ابدا مما يوهن القصة و يزيد في ضعفها اذ ان عدم ذكره للقصة مع امامته في المغازي و احتجاجهم علينا بالمرسل كفيل برد القصة واثبات وهن من يحتج بمثلها .
نقرا من تفسير الطبري رحمه الله لسورة الانفال :
((16083 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة, عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان كتبَ إليه يسأله عن أشياء, فكتب إليه عروة: " سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, وسأخبرك به, ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, أن الله أعطاه النبوة, فنعم النبيُّ ! ونعم السيد! ونعم العشيرة! فجزاه الله خيرًا، وعرّفنا وجهه في الجنة, وأحيانَا على ملته, وأماتنا عليها, وبعثنا عليها. وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنـزل عليه, لم يَبْعُدوا منه أوّلَ ما دعاهم إليه, (57) وكادوا يسمعون له، (58) حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش، لهم أموال, أنكر ذلك ناسٌ, واشتدّوا عليه, (59) وكرهوا ما قال, وأغروا به من أطاعهم, فانصفق عنه عامة الناس فتركوه, (60) إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل. فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث, ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم, فكانت فتنةً شديدة الزلزال (61) , فافتتن من افتتن, وعصم الله من شاء منهم. فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان بالحبشة ملك صالح يقال له " النجاشي"، لا يُظلم أحد بأرضه, (62) وكان يُثْنَى عليه مع ذلك [صلاح] ، (63) وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش، يَتْجَرون فيها, ومساكن لتِجَارهم (64) يجدون فيها رَفاغًا من الرزق وأمنًا ومَتْجَرًا حسنًا، (65) فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قُهِروا بمكة, وخاف عليهم الفتن. (66) ومكث هو فلم يبرح. فمكث ذلك سنوات يشتدُّون على من أسلم منهم. (67) ثم إنه فشا الإسلام فيها, ودخل فيه رجال من أشرافهم ومَنَعتهم. (68) فلما رأوا ذلك، استرخوْا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه. (69) وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل أرض الحبشة، مخافتَها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال. فلما استُرْخي عنهم، ودخل في الإسلام من دخل منهم, تُحُدِّث باسترخائهم عنهم. (70) فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قد استُرْخِيَ عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون. فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها, (71) وجعلوا يزدادون، ويكثرون. وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير, وفشا بالمدينة الإسلام, وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة. فلما رأت ذلك قريش , تذامرَتْ على أن يفتنوهم ويشتدّوا عليهم, (72) فأخذوهم، وحرصوا على أن يفتنوهم, فأصابهم جَهْدٌ شديد. وكانت الفتنة الآخرة. فكانت ثنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وأذن لهم في الخروج إليها= وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم إنه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبًا، (73) رؤوس الذين أسلموا, فوافوه بالحج, فبايعوه بالعقبة, وأعطوه عهودهم على أنّا منك وأنت منا, (74) وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدت عليهم قريش عند ذلك. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة, وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخرج هو, وهي التي أنـزل الله فيها: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ))

صححها الشيخ احمد شاكر رحمه الله في تحقيقه لتفسير الطبري رحمه الله وقال :
(((75) الأثر : 16083 - " أبان العطار " ، هو " أبان بن يزيد العطار " ، وقد سلف شرح هذا الإسناد : 15719 ، 15821 ، وغيرهماإسناد صحيح .
وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان قد رواه أبو جعفر مفرقًا في تفسيره ، وفي تاريخه ، فما رواه في تفسيره آنفًا رقم : 15719 ، 15821 أما في تاريخه ، فقد رواه مفرقًا في مواضع ، هذه هي 2 : 220 ، 221 ، 240 ، 241 ، 245 ، 267 - 269 ثم 3 : 117 ، 125 ، 132 ، وعسى أن أستطيع أن ألم شتات هذا الكتاب من التفسير والتاريخ ، حتى أخرج منه كتاب عروة إلى عبد الملك كاملا ، فهو من أوائل الكتب التي كتبت عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا الخبر نفسه ، مفرق في موضعين من التاريخ 2 : 220 ، 221 كما أشرت إليه في ص : 443 تعليق : 1 ثم 2 : 240 ، 241.
ونقله ابن كثير عن هذا الموضع من التفسير في تفسيره 4 : 61 ، 62 . ))

و كما قلت سابقا فاننا لا نستشهد بالمراسيل و لكننا نلزم من اراد ان يحتج بها علينا بمرسل عروة رحمه الله . و اما سبب عدم احتجاجنا بمرسل عروة رحمه الله( كغيرها من المراسيل) رغم ان بعض اهل العلم قواه فهو ما ذكره الشيخ عبد الله الجديع
في كتابه تحرير علوم الحديث الجزء الثاني الباب الثاني الحديث المردود الفصل الأول ألقاب الحديث الضعيف بسبب عدم الاتصال المبحث الرابع: مسائل في الانقطاع والإرسال المسألة الثانية: المفاضلة بين المراسيل :
((ومما قواه طائفة من الأئمة من المراسيل: مراسيل عروة بن الزبير، وذلك من أجل أنه قال: " إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به " (1).
قال ابن عبد البر: " كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ " (2).
قلت: لا ريب أن هذا النص عن عروة يفيد شدة تحريه واحتياطه، لكن العلم بتحري التابعي وحده لا يكفي للاحتجاج بمرسله دون عاضد؛ لجواز أن يكون حمله عن غير ثقة عند غيره، وحسن الظن بالمتروك ذكره من الإسناد لا يكفي لصحة النقل ما لم يشهد له شاهد. ))


يتبع