المبحث الثاني

الآيات المتصلة بقانون الأحوال الشخصية والتي تشمل فقط الحديث عن: العبودية والتبني والكفالة

المطلب الأول العبودية والتبني والكفالة

﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ. الآية رقم 21 من سورة يوسف. (نظام التبني والعبودية).
وردت في سورة يوسف إشارة إلى ما يسمى بنظام التبني للصغار، وهو سلوك مارسه البشر منذ القدم لكن هذا النظام ينطوي على تداخلات قانونية وشرعية هامة فقد قال تعالى في الآية 21 من سورة يوسف:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
فلنتوقف هنا عند هذه الآية طويلاً وذلك من خلال دور القصة القرآنية في التمهيد والإعداد لبعض القوانين التشريعية للأحوال الشخصية خاصة نظام التبني.
من المعروف أن القصة القرآنية كانت تتنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل تثبيت حكم تشريعي معين أو نسخ وإلغاء حكم سابق كان معمولاً به..
خذ عندك مثلا في الأمور العقائدية الكبرى كألوهية السيد المسيح.. هذه القضية العقائدية ظهرت بوضوح في مجتمع المدينة إذ استقر في الأذهان أن السيد المسيح رفعه الله إليه في السماوات, الأمر الذي اتخذه النصارى تكأة لألوهية السيد المسيح.. هذه القضية مهد الله سبحانه وتعالى لها بحادثة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا وفيها أثبت الله سبحانه وتعالى العبودية لرسوله صلى الله عليه وسلم وحسم الأمر بقوله تعالى:
﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الزخرف:81.
دققوا..
إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول العابدين.. فمن باب أولى أن يتخذه الله سبحانه وتعالى ولداً وليس أي أحد سواه.
كذلك حادثة الإسراء نفسها وهي حادثة لا يقبلها العقل نجد أن القرآن الكريم كان قد عالج هذه القضية بالتمهيد لها عن طريق ذكره لقصة نقل عرش ملكة سبأ من اليمن إلى الأقصى..
وكانت التشريعات الكبرى لا تتنزل على المجتمع مرة واحدة ولكنها كانت تخضع لعوامل التدريج..
فخذ عندك مثلاً تشريع حرمة الربا..
هذا النظام الاقتصادي المعقد لم يتم الغائه بين يوم وليلة، ولكنه تم بالتدرج وذلك على امتداد تسعة أعوام وعلى مراحل أربعة كما يلي: -
المرحلة الأولى: ما جاء في سورة الروم وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين مقروناً بذم الربا ومدح الزكاة وذلك قبل فرض الزكاة كما في قوله تعالى: - ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ الروم: 39.
وقد جاء في السور المكية أصول الواجبات والمحرمات بوجه إجمالي كما في هذه الآية.
المرحلة الثانية: وهي في قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا النساء:160-162.
أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه. وهذا تلميح بالتحريم لأنه جاء على سبيل الحكاية عن بني إسرائيل وأن الربا كان محرماً عليهم، فاحتالوا على أكله، فهو بذلك تمهيد، وإيماء إلى إمكان تحريم الربا على المسلمين كما هو محرم على بني إسرائيل. وفيه إيماء آخر، وهو أنه إذا حرم عليكم الربا فلا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب الأليم مثل ما لقوا لأن هذا السلوك ليس إلا سلوك الكافرين والعياذ بالله.
المرحلة الثالثة: حيث يقول تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[آل عمران: 130 –132 ] .
أي: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم .
وهذا مفيد لتحريم الربا- كما سبق بيانه – إلا أنه لم يكن فيه من التهديد والوعيد ما كان في آخر مراحل التحريم.
المرحلة الرابعة والأخيرة : وفي هذه المرحلة جاءت الآيات الكريمة بالحكم الشرعي:-
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
[ البقرة : 275 – 279 ].
وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إلى قوله ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ
[ البقرة : 278 – 279 ] قال: (هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم (البخاري مع الفتح : 4 / 368 باب موكل الربا .) .
ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة، هذا تاريخ الربا عبر التاريخ، وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته ولكنْ يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشحُّ إلا عتواً ونفوراً ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حق.
وكذلك الخمر..
وقد أورد العلماء في آيات التشريع القرآني أن تحريم الخمر مر بثلاث مراحل متوالية، كان أولها تحريم الخمر قبل الخروج إلى الصلاة، كما في قوله جل جلاله :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (النساء: ٤٣)، تلاها إبراز المضار التي ترشح من تناول الخمر، والتي تفوق بكثير الفوائد المجتباة من تناوله، مما يدفع العقل إلى توظيف مفاعيله في تقدير المصلحة والمفسدة ويجعله في مرحلة توزين الجانبين في ميزان العقل والموضوعية فقال جل جلاله:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (البقرة: ٢١٩)، وأخيراً كانت الآية الحاسمة التي حسمت موضوع الخمر وقطعت دابر تلك العادة الذميمة والسلوك المريض، فقال العزيز الحكيم جل جلاله في محكم تنزيله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة: ٩١).
وقد أورد بعض العلماء أن التدريج كان على مراحل أربع، تضاف فيها إلى المراحل الثلاث المذكورة آنفاً الآيةُ المكية من كتابه الكريم، والتي تضمنت التلميح إلى أن الخمر، والذي عبر عنه القرآن الكريم بلفظة السَّكَر على أرجح أقوال المفسرين، ليس برزق حسن؛ تهيئة للنفوس وترسيخاً في العقل الباطن أن الخمر لا يندرج ضمن الطيب من الرزق: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل: ٦٧)، إذ تفيد واو العطف في اللغة المخالفة والمغايرة، بالإضافة إلى العطف.
وكذلك حكما التبني والرقيق واللذين نحن بصدد الحديث عنها الآن فلقد مر التحريم لهما بمراحل عدة..
الفرع الأول حكم الرقيق

ومن الواضح أيضا أن مصر كانت تعرف في ذلك الوقت تجارة الرقيق، فتجارة الرقيق كانت مألوفة وأن يوسف لصغره لم يكن جائزة كبيرة للذين عثروا عليه, ولذلك يقول القرآن إنهم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين وأن الذي اشتراه ممن يعملون في سوق الرقيق ولكن الله فتح عليه عندما باعه لعزيز مصر مما يظهر أن الطفل بدا عليه أنه من بيت كريم لا يحتمل الإهانة.
فالرق كانت له مصادر متعددة منها الحروب ومنها الإعسار عن الوفاء بالدين (ولذلك ربط القرآن بين الربا وتجارة الرقيق، لأن الربا كان من أبواب الرق)، مما يؤدي إلى استرقاق الدائن للمدين ولذلك حث القرآن الكريم على تجفيف منابع الرق وحسن معاملة الأسرى وحظر استرقاقهم وميز بين الأسير وبين ما سبق من أوضاع العبودية والاسترقاق لأن الناس في الإسلام متساوون في الكرامة الإنسانية.
وكان شائعا في ذلك الزمان أن الرقيق يختلف عن الخادم.
النقطة القانونية الأولى: أن الرقيق ليست له شخصية قانونية ولا يتمتع بأي حقوق ويعامل معاملة الأشياء، كما أن روما القديمة التي بدأت حضارتها في القرن الرابع قبل الميلاد ربما بالتقابل مع قصة موسى كان لديهم سقوط صفة الحرية عن المواطن الحر فيصبح رقيقا في أحوال محددة وأهمها الفرار من الخدمة العسكرية والإعسار وغيرها مما ينزل الحر إلى مرتبة العبد ويسمى في القانون الروماني الموت المدني، أي انقضاء الشخصية القانونية والأهلية القانونية في التصرف.
وظل هذا النظام سائدا لقرون عديدة تالية، والدليل هو فتوى العز بن عبد السلام في مصر لأن المماليك عبيد وأن العبد لا يجوز له أن يكون حاكما وهي الإمامة الكبرى وأن هذا العبد الحاكم يجب أن يشتريه أحد ويعتقه حتى يصبح كامل الأهلية فيصلح للإمارة.
فإذا كانت العبودية في الإسلام لله وحده فقد جفف الإسلام منابع الرق ووسع طاقات الحرية وجعل تحرير الرقيق أحد صور التكفير عن الخطايا أو الوفاء بالتزامات دينية.
وهذه المساواة بين بني البشر جميعا هي التي دفعت أشراف مكة إلى انتقاد الرسول وسخريتهم من دعوتهم واتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا يتبعه إلا الأراذل ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ هود:27، لأن الإسلام يسوي بين العبد والسيد في المجالس فأبت نفوس الأشراف تنزيل قدرهم ومساواتهم بعبيدهم.
النقطة القانونية الثانية: هي أن القرآن الكريم يستخدم عادة مصطلح الشراء وليس البيع على خلاف القانون المدني الذي يستخدم عقد البيع وليس هناك عقد للشراء ولذلك عبر القرآن عن بيع القافلة التي عثرت على يوسف في البئر بأنهم شروه بثمن بخس وكذلك يشتري المؤمن رضا الله بالعبادات والإنفاق. والبخس في اللغة هو عدم التناسب بين المبيع وبين الثمن تعبيرا عن زهدهم في اقتنائه. وهو ما سوف نتناوله بشيء من التفصيل فيما بعد.