

-
المبحث الرابع
حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي وأدلتها وتطبيقاتها
الشّورى في اللغة: إبداء الرأي وأخذه، من شَوَرَ، فهي الأصل الثلاثي للكلمة تستخدم في اللغة بمعنى: عرض الشيء وإظهاره وإبدائه، مثل قوله: شرت الدابة إذا عرضتها للبيع، وبمعنى: أخذ الشيء وتناوله، مثل شرت العسل: أي أخذته من الخلية (لسان العرب، ج 4، طبعة دار صادر، ص 434). فإذا قال شرت فلاناً أو شاورته أو استشرته فهي بمعنى: أخذ الرأي وتوجيهه منه، والتشاور والمشاورة والمشورة بمعنى: استخراج الرأي وإظهاره بمراجعة بعض القوم لبعضهم ومن ذلك قوله تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159. (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن ص 47.).
فنحن أمام طرفين:
الأول: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أي حاكم من حكام المسلمين، فهو يستخرج الرأي السليم بسماعه لما يقدم من المؤمنين من رأي وفكر وهم الطرف الثاني.
وفي المصباح المنير: وشاورته في كذا واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليَّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة (الفيومي، المصباح المنير، ج 1، ص 395.).
والشّورى في اصطلاح فقه السياسة الشرعيّة تعني الحصول على رأي الأمّة أو من يمثلها في شؤون الحكم المتعددة.
والشّورى ليست – فحسب – مبدأ هامّاً وراسخاً من مبادئ الحكم الإسلامي، بل هي قاعدة من قواعد الحياة الإسلاميّة، قال تعالى: [:وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ]الشورى/ 38، وقد سميت بها سورة من سور القرآن الكريم لأهميتها وهي سورة مكيّة. كما جاء طلبها في شؤون الأسرة بين الزوجين عندما يريدان فطام الطفل الرضيع قبل مضي حولين كاملين، قال تعالى: [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)]البقرة/ 233 .
قال الإمام محمد رشيد رضا معلّقاً على هذه الآية ورابطاً لمعناها بأمر الشّورى العامّة: «إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمّة كلها؟ وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص!» (تفسير المنار، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 333، وانظر: بحث الدكتور صلاح الخالدي بعنوان «الشّورى في القرآن الكريم «المقدم إلى مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، والمنشور في كتاب الشّورى في الإسلام، ج 1، ص 55. وانظر: النظام السياسي في الإسلام، الدكتور عبد العزيز الخياط، ص 89 وما بعدها.).
أمّا في مجال الحكم فقد ورد الأمر بها في الكتاب الكريم في قوله تعالى:
[فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159.
وقد وردت هذه الآية الكريمة التي تأمر بالشّورى في سياق آيات تتحدّث عن غزوة أحد، ومعلوم أنّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تجهزت قريش لقتاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين في المدينة أخذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعد لقتالهم، وشاور الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَم في:
هل يواجههم في المدينة، أم يخرج لقتالهم خارجها؟.. وكان رأي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتحصن في المدينة ويلاقيهم فيها، وكان معه في ذلك عدد من الصحابة، فقال لأصحابه: «لو أنّا أقمنا في المدينة، فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم»، وشاركهم في الرأي عبد الله بن أبّي ومجموعة من المنافقين، لكن أغلب المسلمين، وبخاصة الشبان منهم، والذين لم يشتركوا في معركة بدر، وقد كانوا متحمسين للقاء قريش وجهاً لوجه، ولم يدخل المشركون عليهم مدينتهم في السابق، قالوا: «يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهليّة، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟»، فكان رأيهم الخروج للقائهم خارج المدينة، وظلت هذه الأكثريّة تبين رأيها حتى أخذ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأيها وقال: «شأنكم إذاً»، ودخل بيته ولبس لامته، أي عدة الحرب، واستعد للخروج للقاء قريش خارج المدينة. فلما ظنّوا أنهم أكرهوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك برأيهم، وقالوا: رددنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأيه، وقالوا أيضاً: «أكرهنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخروج»، قالوا له : «يا نبي الله، شأنك إذاً» وقالوا: «يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل»، فرد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلاً: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. وخرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أحد بألف مقاتل.
وفي الطريق رجع عبد الله بن أبي ومجموعته في ثلث الجيش.. وكان ما كان في أحد، وأخذ بعض المنافقين يذكرون أنّ السبب في ذلك هو الخروج للقاء قريش، وأنّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو أطاعهم لما حدث ما حدث، لأنّ المنافقين وزعيمهم عبد الله بن أبي كان رأيهم عدم الخروج من المدينة. قال تعالى في بيان ذلك:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّىلَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)] آل عمران/ 156.
وقال سبحانه: [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)] آل عمران/ 168، وكأن في ذلك تعريض بما فعله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأخذ برأي الأكثريّة، ومع ذلك جاءت الآية الكريمة لتؤكد مبدأ الشّورى رغم ما كان عنها من نتيجة فقال سبحانه:[ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159، وذلك بصيغة الأمر فهي واجبة، لأنّ الأصل في الأمر هو الوجوب، وهي وإن كانت أمراً لرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي أمر لكل حاكم من حكام المسلمين، لأنها خطاب له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باعتباره إماماً للمسلمين. والأمر جاء عاماً بمشورة المسلمين جميعاً، وفي كل ما يتعلق بأمرهم، أي جميع شؤونهم أياً كان مجالها.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة صاحب القرآن في المنتدى فى ظل أية وحديث
مشاركات: 76
آخر مشاركة: 21-06-2015, 12:43 AM
-
بواسطة ابوغسان في المنتدى اللغة العربية وأبحاثها
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-11-2014, 06:23 PM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-03-2010, 02:00 AM
-
بواسطة ياسر سواس في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 16-02-2010, 10:39 PM
-
بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 08-09-2007, 12:22 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات