إذاً، فما الذي حصل بالضبط في القرن الرابع بعد الميلاد؟ لنسأل السيد ديفيد رايت David F. Wright المحاضر الرئيسي في التاريخ الكنسي في جامعة إيدينبورو University of Edinburough. لقد قام السيد رايت بنشر تفصيل لتطور عقيدة "الثالوث"، حيث يقول:
"لقد كان أريوس Arius من كبار القساوسة المسؤولين عن أبرشية بوكاليس Baucalis – واحدة من الأبرشيات الإثني عشر في الاسكندرية. لقد كان مبشراً نشطاً يتبعه الكهنة و الناسكون، و قام أيضاً بنشر تعاليمه على شكل أغانٍ و منظومات شعرية. وفي عام 318 بعد الميلاد تصادم مع أسقف الاسكندرية. لقد ادعى أريوس أن الآب فقط هو الإله الحق، و أن الإبن كان مختلفاً عن الآب بشكل جوهري. و قال أيضاً أن الإبن لم يكن يملك - من حيث الطبيعة أو الأحقية – أي صفات إلهية من حيث الخلود و الملك و المعرفة التامة و الصلاح و الطهارة. قال أن الإبن لم يكن موجوداً قبل أن يولد من الآب، و أن الآب قد أنتجه كمخلوق. و كونه مخلوق كباقي المخلوقات فإنه كان موجوداً - بصرف النظر عن عامل الزمن - قبل كل الخليقة. و على الرغم من ذلك فإنه لم يشارك الآب في الألوهية و لم يكن على دراية تامة به."
ثم يتابع السيد رايت Wright في كتابه ليأكد على أنه قبل القرن الثالث للميلاد كان "الثلاثة" منفصلين في الإيمان المسيحي و كان لكل منهم منزلته الخاصة.
دليل إيردمان في تاريخ المسيحية – فصل ((المجامع و المذاهب))
“Eerdman’s Handbook to the History of Christianity,” chapter on “Councils and Creeds,”

ترتوليان Tertullian (155-220 م) – محامياً و قسيساً لكنيسة قرطاجة في القرن الثالث – هو أول مسيحي يبتدع كلمة "الثالوث" عندما تقدم بنظرية أن الإبن والروح يشتركان في الألوهية، ولكن كليهما كينونة واحدة من جوهر واحد مع الآب.
أنظر قاموس مفسري الكتاب المقدس/ الإصدار الرابع ص 711
Interpreter’s Dictionary of the Bible, V4, p. 711

في هذا الوقت، كان مقدّر لحادثتين مختلفتين أن تمهدا للاعتراف الرسمي بالكنيسة من قبل الإمبراطورية الرومانية. فمن ناحية، كان الإمبراطور قسطنتين – الإمبراطور الوثني للرومانيين – قد بدأ يلاحظ التزايد المستمر لأعداد الناس المعتنقين للديانة الجديدة من رعيته. فلم يعودوا هؤلاء الحاشية القليلي الشأن بالنسبة للإمبراطورية، بل كان وجودهم يزداد بشكل ملحوظ، كما أن الإنقسام الصارخ و العداوة بين مختلف طبقاتهم كان يشكل بداية خطر محدق على الاستقرار الداخلي للإمبراطورية ككل.

و من جانب المسيحيين، كان قد اندلع خلاف حول مسألة "الثالوث" سنة 318 بعد الميلاد بين رجلين من رجال الكنيسة في الاسكندرية: أريوس Arius (الشماس ) و ألكسندر Alexander (الأسقف الذي يتبع له أريوس). قام الإمبراطور قسطنتين بالتدخل في هذا الخلاف، فقام بإرسال العديد من الرسائل يحثهم فيها على وضع الخلافات جانباً - و التي وصفها بأنها "تافهة" – فيما يخص طبيعة الله و عدد الآلهة وما إلى ذلك. فبالنسبة إلى شخص قد اعتاد على ملازمة أمور مثل تعدد الآلهة ذكوراًو إناثاً، أشباه الآلهة، الآلهة البشر، تجسد الآلهة، بعث و قيامة الآلهة، وما إلى ذلكم.. فكانت مسألة عبادة جزء من حاشيته لإله واحد أو ثلاثة آلهة أو حتى "ثلاثة آلهة في إله واحد" هي مسألة تافهة و ثانوية إلى أبعد الحدود.

بعد أن فشلت محاولات الإمبراطور المتكررة لتهدئة الأوضاع، وجد نفسه أخيراً سنة 325 بعد الميلاد في مواجهة خطيرة لخلافين خطيرين فرّقا بين الرعية المسيحية: أولهما كان الاحتفال بذكرى خروج اليهود من مصر في يوم الأحد من عيد الفصح، و ثانيهما كان مفهوم "الثالوث المقدس". لاحظ الإمبراطور قسطنتين أن وجود كنيسة موحدة كان مطلباً لأي مملكة قوية. فعندما فشلت المفاوضات لإنهاء الخلافات، نادى الإمبراطور لعقد "مجمع نيقية" لحل هذه النزاعات و لتحقيق أهداف أخرى. عُقد الاجتماع و تم التصويت على ألوهية عيسى (عليه السلام). و نظراً لكون أريوس Arius عائقاً ملحوظاً في التصويت، لم يمنح مقعداً في المجمع من الأساس. عندها صوت المجلس بالإجماع على ألوهية عيسى بالإضافة إلى تعديل في القرار يدين المسيحيين المؤمنين بوحدانية الله. عندها أُحرقت كل الكتب التي ألفها أريوس و قُتل كل من أخفى هذه الكتب.

و مباشرةً، قام أتباع الثالوث باستحداث كلمة (من نفس الجوهر homoousious) ثم استخدموا الدعم السياسي الجديد لإكراه كل الحضور لقبول تعريفهم لطبيعة الله. لم يقبلوا حلولاً وسطية. حتى هؤلاء ذوي الآراء الوسطية أجبروا على توقيع القرار و التمسك به و قبوله لإدانة الموحدين، و إلا سيكونوا محط ظلم و اضطهاد شديدين. و درءاً للنفي و لكي يبقى على إيمانه نوعاً ما، حاول الأسقف إيسوبيوس Eusebius of Nicomedia التوفيق بإضافة حرف على كلمة (من نفس الجوهر) لتصبح (homoiousios) بمعنى (مشابهاً للجوهر). فتم نفيه بعد ذلك بفترة وجيزة بحجة السماح لأتباع أريوس (الأريوسيون) دخول كنيسته.

يجب علينا أن نتذكر أيضاً أن كل ما جرى لم يكن مبنياً على أصول دينية بل حاجات سياسية. لقد كان الجدال في المجمع مشابهاً إلى حد كبير جدال الديمقراطيين و الجمهوريين في البرلمان. من يدري ما كان يجري وراء الكواليس من تأثيرٍ على الأعضاء و عقدٍ للصفقات للتحكم بنتيجة التصويت.

يقول أحد المؤرخين الكاثوليك:
"في بداية المجمع، كان حزب أتباع أريوس الوسطيين مهيمناً و الذي كان الأسقف إيسوبيوس Eusebius of Nicomedia أحد أعضائه الأكثر تأثيراً. واجهت كلمة (من نفس الجوهر homoousious) بعض المصاعب في التأييد و القبول: فقد تم فرضها بدل من أن تحظى بالقبول، و قام هوسيوس Hosius بتأييد هذه الكلمة بكل ما أوتي من قوة، و كذلك فعل أساقفة الاسكندرية و أنتيوش Antioch. و أعلن الأمبراطور ميله لاستخدام هذه الكلمة، فكان ذلك حجة رئيسية للكثيرين."

يقول مؤرخ آخر:
"لقد كان المجمع من وجهة نظر قسطنتين مسألةً تخص الدولة أكثر من كونه مسألة تخص الكنيسة. لقد كان تواقاً لإنهاء الخلافات التي أقضت مضجعه، و لم يمكن مهتماً بالموافقة على ما يقوله أريوس Arius أو ألكسندر Alexander بقدر اهتمامه الكبير بوصول الأغلبية لنتيجة يمكن توظيفها في إسكات المعارضين بغض النظر عن هويتهم."
كلا الاقتباسين أعلاه من كتاب (الردة عن عقيدة ********* للمؤلف جيمس باركر
“Apostacy from the Divine Church” by James L. Barker

--- يتبع