وصل جورج لتوم في موعده فوجد باب العيادة مغلقًا، فطرق الباب ففتح له توم مرحّبًا..

تفضل.. آسف العيادة مغلقة حتى تنتهي زوبعة براد ومشاكله، فهو لا يزال يثير علي كل الأطراف الشخصية والمهنية والنظامية. وماذا ستصنع؟ لا أدري، لكنها ستحل على كل حال. ولماذا لا تفاوضه؟ أفاوضه! على ماذا؟ لا أدري، المهم أن تكف شره وأذاه. شره وأذاه خير مما يدعوني إليه، العجيب أني رغم أذيته الشديد، إلا إنني أسعد مما كنت رغم خدماته الكبيرة! الحياة مليئة بالمفارقات والعجائب، راهب يعمل الفاحشة، ونبي يتعرى، وإله يقتل، ومع ذلك يجب ألا نعترض أو ننتقد! دعنا ندخل في موضوعنا إذن، كيف رأيت الكنيسة الكاثوليكية بصراحة؟ بصراحة رأيتها على حال لا يمكن أن يصدقها عقل! ربما هذا لأنك ببروتستانتي! والكنيسة البروتستانتية تشبهها كثيرا، أعتقد أن المشكلة ليست في هذا أو ذاك، المشكلة... المشكلة في ماذا؟ بصراحة المشكلة في الوثنية. الوثنية؟! كم أرهقني التفكير في هذا، لكن هذه الحقيقة، وثنية البابوية، وثنية التثليث، وثنية الأصنام، وثنية... ربما تقصد أن المشكلة في الكنيسة؟!
لا، المشكلة الحقيقية في الكتاب المقدس نفسه، سواءً العهد القديم أو الجديد، ولحل هذه المعضلة رأت الكنيسة الكاثوليكية ألا يقرأ الكتاب المقدس إلا رهبانهم، وهم الذين يوضحونه، ورأت الكنيسة البروتستانتية أن تقرأه وتتفلت منه كما تشاء. تحليل دقيق، لكن ما سبب ذلك من وجهة نظرك؟ السبب أن الذي كتب الكتاب المقدس عدّل فيه، ثم اجتمع القساوسة والرهبان وعدّلوا، ثم عُدِّل وعُدِّل، ولم يعد هذا الكتاب المتناقض والذي يخالف الحقيقة العقلية من عند الله. ولماذا لم يكتب من أيام المسيح؟ لأن المسيحيين كانوا مضطهدين ملاحقين؛ ولذا لم يكتب إلا بعد وفاته بمدة طويلة وعلى يد أشخاص غير معروفين تاريخيًّا ومختلف فيهم، وبلغة أخرى غير لغة المسيح عليه السلام، المهم أنها معضلة لا يمكن الخروج منها أبدًا، ولذا كثرت التناقضات فيها وبين نسخها؛ بل وفي النسخة الواحدة، والتناقضات مع العقل والمنطق والواقع والعلم.. يكفي هذا، يبدو أنك متحامل على الكتاب المقدس! لست متحاملًا أبدا، لكن صدقني حاولت أن أطيع الكتاب المقدس وأسلم له وما استطعت! وضح لي كيف؟ سأعطيك مثالين، الأول: لأؤمن بكل ما ورد في الكتاب المقدس أنا مضطر أن ألغي عقلي، فإن ألغيت عقلي لم أفهم معناه أصلًا. فلسفة جميلة وعملية.. عقلية رائعة. ثانيًا: لو قررت أن أفهم وأسلم وألغي عقلي؛ فالكتاب المقدس يقول لي إنه ليس لي! كيف ليس لك؟! وضح. أليس في الكتاب المقدس قول اليسوع: (لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ)، وأنا لست من بني إسرائيل، إذن هو لم يرسل لي أصلًا. إذن أنت لست مسيحيًّا؟! ربما، صدقني لا أدري.. أخشى أني أصبحت ملحدا بسببك! كانت هذه خطتي لتصبح ملحدًا، وأخشى أنها تكون قد نجحت، ولكني قطعًا تغيرت عما كنت عليه، وأكرر لك بحكم أني أَعْرَفُ منك على الأقل بالإلحاد، فلا يوجد إلحاد حقيقي؛ إنما هو ادعاء للهروب من مثل هذه القضايا، فبإمكانك أن تهرب بالإلحاد، أو بالخمر، أو بالجنس، أو بأي شيء آخر، لتعيش أسوأ وأنكد حياة، فهو هروب من حقيقة أكثر من كونه حقيقة داخلية. نعم يبدو أن خطتك نجحت للأسف، أخشى أن أفقد الأمل في الوصول إلى طريق السعادة. ربما نكون لجهلنا تجاوزنا شيئا لم نمحصه أو لم نفهمه، على كل حال اتفقنا ألا نتخذ قرارًا حتى ننتهي. ماذا تعني بقولك: لجهلنا تجاوزنا شيئًا دون فهم؟! هذا هو نفس منطق الكاثوليك. صحيح إلى حد ما، لكن ألا يمكن للعقل والمنطق أن يتقبل فكرة أننا أخطأنا، أو أننا عرضة للخطأ على الأقل؟ بلى، العقل يقبل ذلك، بل خلافه هو غير المقبول، واعتبار أنك دائمًا على صواب هو لذي خلاف العقل. هههه، جيد.. إذن الكاثوليكية تتناسب مع العقل.. المهم أننا اتفقنا ألا نتخذ القرار حتى ننتهي. أرجو ألا تكون هذه مقدمة كالعادة؛ لتقول لي نبدأ بدراسة الإسلام. قطعًا.. سأقول لك ذلك، بل أنا قد بدأت بدراسة الإسلام، وأجاهد نفسي أن أدرسه بانفتاح، ألم أقل لك أني أصبحت أبحث معك عن طريق السعادة؟
ضرب جورج بيده على يده الأخرى:

يبدو أننا بدأنا طريقا لا نهاية له. لقد بدأت بالأمس في قراءة القرآن، كتاب المسلمين المقدس. هههه، حتى أنا حاول آدم أن يقنعني أن أقرأه، ولم أرد عليه، لكني أشعر بأني أضيع وقتي. آدم هو الذي أعطاني نسخة منه مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.. فهو يتوقع أني عندما أقراها ربما أدخل في الإسلام. يريدك أن تدخل في الإسلام! وما مصلحته في ذلك؟ كل الناس يدعون إلى ديانتهم وأفكارهم. لم أفهم! ماذا تعني؟ ما الشيء الذي لم تفهمه، آدم يريدني أن أدخل في دينه، ما الشيء غير الواضح؟ آدم مسلم!!! نعم، واضح من شكله فهو عربي، ألا تعرف ذلك؟ نعم، لم أكن أعرف، فاسمه غير عربي، وكان يغلب على ظني أنه كاثوليكي من أصول هندية، أخشى أن يكون آدم يتلاعب بي. أما اسمه فاسم أبو البشر جميعًا، وموجود عندنا وعند العرب، وأما أنه يتلاعب بك فلا أظن، إلا إذا كان قد كذب عليك، فهل سألته وكذب؟ سألته ولم يجبني أكثر من مرة، المهم هل كان يوجهني لأصِل إلى الإسلام؟ لا أحب أن أكون مغفلًا. هل إذا دعاك لدينه تصبح مغفلًا؟! لا، ولكني أخشى.. لا يوجد شيء لتخشاه، إلا إذا كنت تخشى أن تدخل في الإسلام؟! نعم أخشى أن أساق إلى شيء بدون علم أو عقل. وهل أنت ضعيف لدرجة أن يسوقك آدم، ولم يستطع القساوسة ولا غيرهم أن يسوقوك ويقنعوك؟! أم أن آدم قوي إلى درجة كبيرة تجعلك خائفا منه؟
أشار جورج بيده:

لا هذا ولا ذاك، لماذا تكلمني هكذا؟! لأنك تحولت من أسد على كل الأديان إلى أرنب خائف من الإسلام. لست خائفًا، وسأدرس الإسلام.. وبمناسبة حديثك عن تحولي، فإن آدم يكتب عن تحولاتك. تحولاتي؟! أنا لا زلت لم أنته من براد، فماذا يكتب هذا هو الآخر؟ ادخل صفحته على الفيس بوك واقرأ ما كتب. سأرجع إليه، لكن دعنا من هذا، المهم ستدرس الإسلام بعقلية منفتحة كما درست الأديان التي قبله؟ نعم، اتفقنا. وستنقده كما نقدت ما قبله؟ نعم، بل أشد. لا، هذا ليس الانفتاح الذي نتحدث عنه، فمعنى قولك أشد انتقادًا؛ أي أكثر تحاملًا وانغلاقًا، تعامل معه بانفتاح كما تعاملت بالمثل مع الأديان الأرضية أو اليهودية أو المسيحية.
هههه، هل تريدني إذن أسلم ولا أنتقد؟! بل أريدك أن تكون منفتحًا، حريصًا على العلم، ثم انقده بأريحية كما انتقدت اليهودية أو المسيحية أو البوذية. لكني نقدت ما ذكرت بقوة وكشفت زيفها بالنسبة لي على الأقل. واكشف زيف الإسلام كما كشفت زيفها أيضا، وإن كنت أستحسن أن نتعلم، ونترك القرار بعد ذلك، فقد يتضح لنا شيئًا لم يكن في أذهاننا. وبعد كشف زيف الإسلام وتناقضاته، ماذا سنصبح؟ هل سنعود للإلحاد؟ لا أدري؟! كل ما أعرفه أنه قد يبدو لنا شيئًا غير متوقع كما قلت لك سابقًا. بما إنك قد بدأت بقراءة القرآن، فكيف وجدته؟ بدأت بالأمس، ولم أقرأ إلا شيئًا يسيرًا جدًّا، ولكنه ممتع. ههه، يبدو أني بدأت أوسوس، وأخشى أن تكون أنت أيضا مسلمًا. لا.. اطمئن أنا لست مسلمًا. إذن أنت ماذا؟ أنا مثلك، لا أدري، أشعر بأني أتقلب بسرعة. نفس كلام آدم عنك، أنك تتحول. ربما كان كلامه حقًّا، سأقرأ ما كتب عني اليوم، ولكن ما اسمه الكامل حتى أجده على الفيس بوك؟ لديك بريده ستجده في رسائلي، يمكنك بذلك أن تجد صفحته. جيد، المهم أننا سندرس الإسلام بانفتاح. هههه، وسنذهب إلى أفغانستان أو تورا بورا بانفتاح. لا أدري لماذا تتحدث وكأنك متأكد من أنك ستتحول للإسلام؟ مجرد سخرية لا أكثر ولا أقل. بالمناسبة ألم تتشاجر مع كاترينا بخصوص رأيك في الكاثوليكية؟ نعم، يبدو أنها استسلمت لي. لما ذهبت للكنيسة؟ كنت أشعر بصدق تعبدها وحبها لليسوع. نعم، نفس شعوري، لكن الصدمات التي جاءتها من الكاثوليكية وعقائدها كبيرة.. تخيل أنها ارتبكت كثيرًا عندما قابلنا مسلمًا في روما!! وارتبكت كذلك عندما عرفت أن القس الذي علمها الإيمان واليقين لا يعرف إجابة شكوكي! كم يعجبني تدينها! إذن تحول للكاثوليكية. وكم أكره التناقض ومخالفة العلم! ههههه، إذن تحول للإسلام؟! واذهب إلى جبال تورا بورا. صدقني لو اقتنعت بالإسلام وكان شرطه أن أذهب لتورا بورا لفعلت. أحب العزيمة القوية، لكني للأسف لا أرى نفقًا في نهاية الطريق. ولا أنا، لكني متأكد أنه سيظهر ولو فجأة، أما كيف؟ فلا تسألني، لكني واثق. لدي شعور وواثق مثلك. لم ترسل لنا تلخيصًا لإجاباتنا على رسالتك كالعادة؟ صدقت..لم أر البريد في الأمس بسبب صورك، سأرسل اليوم، واليوم سأنتبه لإجابات آدم أنها إجابات مسلم. كان واضحًا من إجاباته السابقة. ربما، لكني لم أنتبه، عمومًا ربما لذلك كتب عني أني لا أربط المواضيع والأحداث والمناقشات والمعلومات. الربط مهم جدًّا. نفس كلام آدم، تبدو معجبًا به. لم أكن أعرف أن هذا رأيه، حقيقة لست معجبًا برأيه بقدر ما أنا معجب باتزانه الداخلي. اتفق معك في اتزانه الداخلي، وأنا معجب برأيه أيضا، بالمناسبة هل أزلت أجهزة التنصت التي وضعها لك براد؟ نعم، كم أتمنى أن أنتهي من براد وموضوعه، فهو يربطني بعالمي القديم التعيس! ستنتهي منه قريبًا، هل تأذن لي بالانصراف؟ نعم، فقد انتهينا من جلسة اليوم، وقد كانت في نظري من الجلسات المهمة الجيدة.
إذن سنبدأ بالإسلام، وسأعود إلى عملي وسأقابل كاخ، كم أكرههما! ما هما اللذان تكرههما؟ الإسلام وكاخ. عدنا للتحامل مرة أخرى. أوه.. لم أنتبه، هههه، الصحيح أن أقول كاخ والإسلام.. أيّ شيء ينتظرنا يا ترى!