

-
إلى بلاد الكنائس.. (2)
انهمك جورج في القراءة بعد ذهاب كاترينا، وأكمل ما كان يقرأ عن مارتن لوثر وجون كالفن وغيرهما، وعن التغيرات الحديثة في الدين المسيحي، ولم ينتبه للوقت حتى سمع صوت الممرضة تقول له:
هل لديك اختبار بعد خروجك؟ نعم، اختبار مصيري. في أي مستوى دراسي؟ لا أدري. يبدو أنك لا تود أن نتحدث، وأعتذر عن قطع قراءتك، ولكني إنما جئت لأفصل المغذي، وستبدأ في الأكل الطبيعي من الغد. أعتذر، لم أقصد ما فهمت، وإنما أنا حقيقة أشعر أني في اختبار لكنه ليس اختبارًا دراسيًّا. لم أفهم شيئًا مما تقول! ما دينك؟ أنا لا أثق بكل الأديان كثيرًا، لكني بروتستانتية.. كالفينية. أي من أتباع جون كالفن؟ نعم، وإن كنت لا أعرف ماذا جاء به من جديد؟ كل الذي أعرفه أنه أقرب للعقل واجتماع العقلاء من اللوثرية. وكيف عرفت هذا وأنت لا تعرفين الجديد الذي جاء به؟ أنا ممرضة، ولست راهبة، يبدو أنه حل الصراعات الدامية التي بين الكاثوليك والبروتستانت. وهل يعقل أن يتصارع أصحاب دين واحد؟! وهل يعقل أن يأتي شخص مثل كالفن ويعيد تصنيع الدين؟! لذا قلت لك لا أثق لا بالبروتستانتية ولا بالكاثوليكية ولا بكل الأديان، ولولا حاجتي للدين لما آمنت بالبروتستانتية. عذرا، ماذا تقصدين بحاجتي للدين؟ لا يمكن أن أعيش بلا دين، الحياة بلا دين عذاب وشقاء، كنت ملحدة، ثم انتقلت إلى العلمانية، وقد كدت أن أنتحر من الضيق الذي كنت أعيشه، وكنت أعرف خطأ ما أنا عليه في داخلي، فقررت أن أكون بروتستانتية بلا تفاصيل لا يمكن أن تفهم أبدًا.. الكلام معك ممتع لكني أستأذنك فلدي عمل. وهل ترضي البروتستانتية نفسك الذكية بدون تفاصيل كما قلت؟ أعتقد أنك تهربين من نفسك، ولكن إلى أين؟
ظهر أثر كلام جورج في وجه الممرضة وهي تخفي همًّا في قلبها وخواء في روحها:
ربما، إلى ما لا أعرف، كأنني ريشة في مهب الريح، لكن ربما أصل لما أريد يومًا، استأذنك.
استيقظ جورج في الغد باكرًا، وما إن وصله الإفطار حتى أكله بنهم، فقد كان يشعر بجوع شديد وبرغبة شديدة في الأكل، ثم عاد إلى قراءته، جاءته ممرضة الأمس لتقيس درجة حرارته..
جيّد أنت بخير. أعتذر على إزعاجك بالأمس. لا إزعاج، شكرا لك على لطفك، وأظن كلامك صحيح في أني أهرب من نفسي بلا هدف. لكن ماذا أفعل إذا كان الإلحاد والعلمانية عذاب، والتدين هروب؟ التدين ليس هروبًا، لكنك تهربين من دينك. لأنه دين كما تقول أنت يؤلف ويصنع، وليس دينًا من الله، فربما جاء من يعدل في الدين ليكون أفضل. ولكنه دين سماوي، أي من عند الله. أنت أعلم مني بالدين، لكن كيف يكون دينا سماويًا ويغيره كالفن أو لوثر أو غيرهما كما يريدون؟! بل إن اليسوع نفسه قُتِل قبل كتابة العهد الجديد؛ فألفه بعض طلاب طلابه. يبدو أنك فيلسوفة في الأديان! بل هاربة من نفسي كما قلت لي. وما الحل من وجهة نظرك؟ الحل هو ما انتقدتني به، الهروب من النفس. لا أظن الهروب من المشاكل يوجد لها حلا. وما الحل من وجهة نظرك إذن؟ أن ندخل في تفاصيل الدين ونعرف الحقيقة. أن نكون قساوسة ورهبانًا؟! حتى هؤلاء لديهم شكوك كبيرة، ولذا يغيرون في الدين بشكل دائم. أن نعرف الطريق لا يعني أن نصبح قساوسة أو رهبانا، أنا أحترم الرهبان والقساوسة، ولا أحب أن أكون منهم، ولكن الشك يجلب الشقاء، كما أن اليقين يجلب الطمأنينة. تبدو كاثوليكيًا، فهم يريدوننا أن نسلم للقساوسة والرهبان بلا نقاش، بل وبلا رجوع للكتاب المقدس بأنفسنا. لا يمكن أن أسلم عقلي لأحد ليكون واسطة بيني وبين ربي، أنا بروتستانتي. إذن علامَ تنتقدني وأنت مثلي؟! إلا إذا كنت لوثريا. هههه، حقيقة لا أدري إن كنت من أتباع كالفن أو لوثر أو غيره، ما أعرف أني بروتستانتي؛ لأن أبي وأمي كانا بروتستانتيين فقط. إذن أنت مثلي بالضبط، فكيف تصفني بالهرب من نفسي؟! لأني أنا أيضا هارب من نفسي. هارب إلى أين؟ إلى طريق السعادة. هههه، وأين هو أيها الفيلسوف؟ لا أدري، لكني سأجده. يبدو أنك صاحب ألغاز فلسفية، ورغم استمتاعي بالحديث إلا إنني مضطرة للانصراف، وبالمناسبة أنا متأكدة أنك ستجده؛ لأنك تمتلك الإصرار، فإذا وجدته فأخبرنا عنه. ما هو؟! طريق السعادة!
بعد وقت قصير من مغادرة الممرضة جاء الطبيب إلى غرفة جورج، وطمأنه على وضعه الصحّي، وأخبره أنه بإمكانه الخروج غدًا مساءً إن رغب بذلك، فهو في صحة جيّدة.
شكرا لك. أخبرتني زوجتك أنك مسافر لروما، فهنيئًا لك، فهي بلاد جميلة عريقة. نعم، سأسافر أنا وهي والأولاد، هل هناك وصايا صحية بعد العملية؟ لا أبدا، أنت بصحة جيدة.
قبيل الغداء وصل آدم.. ليجد جورج غارقًا في قراءته غافلًا عمّا حوله، فاقترب منه ملقيًا التحية:
يبدو أنك تقرأ في شيء مهم جدا، حتى إنك لم تعد تشعر بمن حولك! آدم..! مرحبا، متى وصلت؟ كنت أقرأ في تاريخ المسيحية القديم. جيد، وماذا وجدت؟ عندما تقرأ في تاريخ المسيحية القديم والجديد تجد تخبطا غريبا جدا! ألا ترى أنك مستعجل في نقد الكاثوليكية حتى قبل سفرك لروما؟ أنا لا أنقد الكاثوليكية. إذا لم أفهمك، ماذا تقصد؟
أنا أنقد الكاثوليكية والبروتستانتية وجميع الطوائف والأديان المسيحية. أنت ذاهب إلى روما، وستتضح الأمور لك أكثر بعد سفرك، فلا تستعجل، فربما يبدو لك ما ليس في خلدك الآن. هذا ما كنت أريد أن أستشيرك فيه. لم أفهم، ما هو الأمر الذي تريد أن تستشيرني فيه؟ بناءً على رأيك، فقد اتصلت بتوم وأخذت منه موعدًا أن نلتقي غدا، ولكني أعرف ماذا سيقول لي! جيد، أكمل ماذا سيقول لك؟ سيقول لي: ابحث في النصرانية وتعرف إليها عن قرب أثناء سفرك لروما، وأنا أشعر أني أعرفها إلى حد كبير، سواءً من قراءاتي أو من سفري للقدس أو من حياتي، فأنا بروتستانتي، ولا أشعر أن هناك شيئا جديدا سأضيفه في سفري. كم عمرك جورج؟ ثمان أو تسع وثلاثون، لماذا تسأل عن ذلك؟ صبرت ثمان وثلاثين سنة، ولا تستطيع أن تصبر حتى تسافر لروما، وتعود وأنت متأكد من قرارك، ألا ترى أنك مستعجل؟ ربما، لكني كلما ازددت علما بفرق البروتستانتية ازددت زهدا فيها. بما تنتقل إلى الكاثوليكية أو الأرثوذكسية إذن. ألم أقل لك إنك كاثوليكي؟ لكن صدقني بُعدي عن البابوية الكاثوليكية أكبر من بُعدي عن البروتستانتية. ربما تغير رأيك بعد السفر، جميل أن نتعامل مع الأفكار بانفتاح لا بأفكار مسبقة. ليس لدي أفكار مسبقة، فأنا قرأت أدبيات الكاثوليك والبروتستانت وتاريخهم ونتاجهم، لكني لم أقتنع بشيء. جيد، حاول أن تنفتح أكثر وتتأمل أكثر، ولا تستعجل؛ فبعد سفرك ستكون أكثر تأكدًا واطمئنانًا لقرارك. لكن هل يمكن أن يغالط الدين العقل أو العلم؟ قطعا لا.. لا يمكن إن كان الدين حقًا من عند الله.
فإن تعارض الدين مع العقل أو الواقع أو العلم أليس هذا دليلًا على كونه ليس الدين الحق؟ بلى، ولكن يجب أن نفهم أن العقل قاصر؛ فما لا تدركه لا يعني أنه مخالف للعقل أو العلم، بل يعني قصورنا البشري فحسب. كيف، وضح أكثر؟ كوننا لا نعرف كنه الله ولا ندركه بعقولنا؛ لا يعني أن الله غير موجود أو غير صحيح، وإنما يعني قصورنا البشري الطبيعي. رغم تعبي وكدي فلم أستطع أن أفهم أن الإله واحد ومكون من ثلاثة أقانيم إلى الآن، فهل هذا سر كاثوليكي من أسرار الكنيسة تريدني أن أؤمن به بلا نقاش؟ هناك فارق كبير بين ألا تستطيع إدراك أمر، وبين أن يتعارض مع العقل، فأيهما تعني؟ أعني الثانية، فهذا يتعارض مع عقلي ولا أستطيع أن أفسره. ما يتعارض مع العقل الصريح الصحيح لا يمكن أن يكون دينا صحيحا، أو دين الحق. وبهذا سنسقط إذن الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية. لماذا لا تنتظر حتى تعود من روما؟ ولو عدت بهذا الرأي فهذا يعني أني سأكون ملحدا أو علمانيا. وهل الإلحاد والعلمانية لا يتعارضان مع العقل لديك؟ يتعارض بشكل رئيس مع العقل، ولذا هربت منه إلى الدين، ثم هربت من الدين الأرضي للدين السماوي، ثم كرهت اليهودية كما هي عليه الآن، وبدأت أكره المسيحية، ولم يبق إلا أن أكون إرهابيًا مسلمًا. لا تتخذ قرارا حتى ترجع من روما، فربما تفهم وتقتنع. وإن لم أقتنع؟ ابحث في الإسلام لعله يكون طريق السعادة! ولماذا لم تبحث أنت في الإسلام إذن؟ وتصبح زير نساء إرهابيًا ورجعيًا. نحن في مرحلة البحث في المسيحية، وسأخبرك بعد عودتك من روما. لا أعرف لماذا تتكلم أنت وكاترينا وكأن روما ستقنعني أن أخالف عقلي، وأن أصدق وأؤمن بما يناقض المنطق! لم أقل لك خالف المنطق، لكني قلت لك لا تستعجل، وأنت عاقل، فإن اقتنعت وإلا فافعل ما تريد، ثم أنا جئتك بناءً على طلبك، ولم أفرض عليك شيئًا، فلماذا هذا الهجوم علي؟ عذرًا آدم، أنا عجول بطبعي، لكن صدقني أنا أريد أن أصل طريق السعادة بسرعة أكبر، كان أكثر ما يخيفني قبل العملية أن أموت وأنا لم أعرف طريق السعادة. ستصل بإذن الله، ولئن تصل متأخرًا خير لك من عدم الوصول، مع أنك لم تتأخر؛ بل تسير بسرعة كبيرة. أكرر اعتذاري لك آدم، ربما أكون مستعجلًا، وربما أكون مللت من هذه الموضوعات. إن كنت مستعجلًا حرصا على الوصول فهذا شيء، أما الملل فمعناه الوقوف وعدم الإكمال وهو كارثة. كارثة! ألا ترى أنك تبالغ؟! بلا إصرار، لا يصل الإنسان لشيء، ولا يحقق أي نجاح، والملل يعني عدم الإصرار، ثم ألا يتعارض هذا مع نفسية المستعجل التي تحملها بسبب حرصك؟ أتفق معك لكنك تتحمس بسرعة، ألم تلاحظ ذلك؟ ربما، لكن ألم تلاحظ أنك تقصد استفزازي؟ هههه أحيانا.. فأنت سريع الانفعال.
في هذه الآونة.. دخلت كاترينا ومعها مايكل وسالي راكضين إلى سرير أبيهما، فاحتضنهما بشوق.. وانشغل بالحديث معهما عن آدم قليلًا.. فانتظر آدم لدقائق، ثمّ قرّر الانصراف..
لقد اطمأننت عليك، هل تسمح لي بالانصراف؟
ابتسمت كاترينا لآدم، وقالت:
العذر لك، فمايكل وسالي لم يشاهدا أباهما بعد العملية، ولم يجلسا معه منذ فترة طويلة؛ فقد كان مسافرًا. عمّ تعتذرين؟! لقد أنهينا كلامنا واطمأننت على صاحبي، ولديّ عمل وأود أن أنصرف. أنا شاكر لك آدم، هل سأراك قبل سفري؟ أسعد بلقائك، وإن لم أرك فعلى الأقل سيكون بيننا اتصال، أستأذنكم.
بعد خروج آدم علقت كاترينا:
لم أر صاحبك هذا إلا في المستشفى، لكنه شخص رائع ومهذب جدا، ومريح جدًّا ولا أدري لماذا؟ ربما لأنه كاثوليكي مثلك! كل الكاثوليكيين كذلك مهذبين ورائعين، لكنك سابقًا قلت لي إنك لا تعرف دينه. وإلى الآن لا أعرف، لكن حرصه على سفري لروما وتعرفي على الكاثوليكية وتوافقه الدائم معك في طريقة التفكير يؤكد لي أنه كاثوليكي، تخيلي كان اليوم يريد أن يقنعني أن أكون منفتحًا في التفكير في الكاثوليكية. هههه، جيد، فربما تكون منغلقًا في التفكير فيها، وربما تستفيد من أصحابك ما لم تستفد من زوجتك.. بالمناسبة أخبرت الأبناء اليوم بتأكيد سفرنا لروما، وها هم بين يديك فاستمع إلى طلباتهم.
اطلبا.. ماذا تريدان؟ أبي هل نسيت؟ ماذا نسيت؟ لقد طلبت منك أن أرى قلعة سانت أنجلو، وطلبت سالي أن ترى نافورة تريفي. أعتذر، فقد نسيت فعلا. أخشى أن تكون هذه الرحلة مجرد جلوس في الفندق لتقرأ وتعمل على الحاسوب وتتناقش طوال الوقت. أعدكما أن يكون هناك أوقات خاصة لكما. وعد يا أبي؟ وعد، وبشهادة أمكما أيضا. وأنا أعدكما أيضا، وأشهد على ذلك أباكما.
كان الاجتماع العائلي حميميًّا وسعيدًا حتى جاء وقت الغداء، فقالت كاترينا لأبنائها:
ما رأيكما أن ننصرف الآن وأدعوكما إلى وجبة في مطعم إيطالي؟ رائع! هيا بنا.
عندما ذهبت كاترينا مع أبنائها، تناول جورج غداءه، ثم عاد لقراءته مرة أخرى.. وراح يسترجع ما قرأه بعمق منذ أن دخل المستشفى، فشعر بنفسه قلقًا.. فكلما قرأ أكثر كلما ظهرت له التناقضات بشكل أكبر، خاصة ما يسميه وثنية المسيحية وتعدد آلهتها وجعل البابا ورجال الدين من الآلهة! فهل يمكن أن يزيل كل هذا بسفرية واحدة..! إن تم هذا فربما تكون البابوية صحيحة وأصبح كاثوليكيًا مثل كاترينا وآدم..!
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة *اسلامي عزي* في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 11-09-2018, 08:12 PM
-
بواسطة ابوغسان في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 30-12-2014, 04:14 PM
-
بواسطة صدى الحقيقة في المنتدى من ثمارهم تعرفونهم
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 26-09-2013, 12:57 AM
-
بواسطة pharmacist في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 16-04-2013, 12:02 PM
-
بواسطة محمد مصطفى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 28-04-2006, 01:58 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات