

-
فإذ لم يصح في هذا شيء أصلاً فقد قال تعالى "وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم عليكم" (الأنعام/ 119)، وقال تعالى "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا" (البقرة/ 29) وقال رسول الله من طريق سعد بن أبي وقاص، وطريقه ثابتة، "إن من أعظم الناس جرمًا في الاسلام من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته"، فصح أن كل شيء حرّمه تعالى قد فصّله لنا، وما لم يفصّل لنا تحريمه فهو حلال. 1-وخرج مسلم بن الحجاج قال ثني هارون بن سعيد الأيلي ثنا عبد الله بن وهب عمرو، وهو ابن الحارث، أن ابن شهاب حدثه عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان تغنيان في أيام مِنًى وتضربان، ورسول الله مُسَجًّى بثوبه، فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله عنه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. 2-وبه إلى عمرو بن الحارث أن محمد بن عبد الرحمن حدثه عن عروة عن عائشة قال: دخل رسول الله وعنده جاريتان تغنيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله؟ فأقبل عليه فقال: دعهما. فإن قيل إن أبا أسامة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه فقال فيه: "وليستا بمغنيتين"، قيل: قد قالت عائشة: "تغنيان"، فأثبتت الغناء لهما. فقولها: وليستا بمغنيتين، أي ليستا بمحسنتين. وقد سمع رسول الله قول أبي بكر: "مزمار الشيطان؟"، فأنكر عليه، ولم ينكر على الجاريتين غناءهما. وهذا هو الحجة التي لا يسع أحدا خلافُها، ولا يزال التسليم لها. 3-وروى أبو داود السجستاني ثنا أحمد بن عبيد العداني ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز ثنا سليمان بن موسى عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارًا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ قال: لا. فرفع إصبعيه وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا. فلو كان حرامًا ما أباح رسول الله لابن عمر سماعه، ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه، ولكنه عليه السلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره الأكل متكئًا، والتنشف بعد الغسل في ثوب يُعَدّ لذلك، والستر الموشى على سدة عائشة وعلى باب فاطمة رضوان الله عليهما، وكما كره أشد الكراهية عليه السلام أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بُعِث عليه السلام منكرًا للمنكر وآمرًا بالمعروف. فلو كان ذلك حرامًا لما اقتصر عليه السلام أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه. فلم يفعل عليه السلام شيئًا من ذلك بل أقره وتنزه عنه، فصح انه مباح وأن تركه أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة، ولا فرق. 4-وروى مسلم بن الحجاج قال ثنا زهير بن حرب ثنا جرير ابن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: جاء حبشٌ يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني رسول الله فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر به إليهم. 5-وروى سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي أن أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب وثابت بن زيد كانوا في العريش، وعندهم غناء، فقلت: هذا، وأنتم أصحاب رسول الله؟ فقالوا: إنه رُخِّص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت في غير نوح، إلا أن شعبة قال: "ثابت بن وديعة" مكان ثابت بن زيد، ولم يذكر أبا مسعود. 6-وروى هشام بن زيد ثنا حسان عن محمد بن سيرين قال: إن رجلاً قدم المدينة بجَوَارٍ، فنزل على ابن عمر، وفيهم جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يَهْوَ منهن شيئًا. قال: انطلقْ إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا. فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية فقال: "خذي"، فأخذت حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان. فبايعه ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني غُبِنْتُ بتسعمائة درهم. فأتى ابن عمر مع الرجل إلى المشتري فقال له إنه غُبِن في تسعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: بل نعطيها إياه. فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود. وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجِدّ فلم ينه عنه. وقد سَفَر في بيع مغنية كما ترى، ولو كان حرامًا ما استجاز ذلك أصلاً.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: "فماذا بَعْدَ الحقِّ إلا الضلال؟" (يونس/ 32)، ففي أي ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب وكل ما هو من اللهو. قال رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". فإذا نوى المرء بذلك ترويح نفسه وإجمالها لتقوى على طاعة الله عز وجل فما أتى ضلالاً. وقد قال أبو حنيفة: من سرق مزمارًا أو عودًا قُطِعَتْ يده، ومن كسرهما ضَمِنَهما. فلا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله تعالى أو من رسوله عليه السلام لأنه إخبار عن الله تعالى، ولا يجوز أن يخبر عنه تعالى إلا بالنص الذي لا شك فيه. وقد قال رسول الله: "ومن كذب علي متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار". قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري رضي الله عنه: ولقد أخبرني بعض كبار أهل زمانه أنه قال: أخذتُ النسخة التي فيها الأحاديث الواردة في ذم الغناء والمنع من بيع المغنيات وما ذكره فيها أبو محمد رضي الله عنه، ونهضت بها إلى الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البر ووقفته عليها أيامًا ورغّبته في أن يتأملها، فأقامت النسخة عنده أيامًا ثم نهضتُ إليه فقلت: ما صنعتَ في النسخة؟ فقال: وجدتها فلم أجد ما أزيد فيها وما أنقص".
ومن الفقهاء المعاصرين يقول الشيخ شلتوت، رحمه الله رحمة واسعة، فى كتابه: "الفتاوى" (ط18/ دار الشروق/ 1424هـ- 2004م/ 355- 358) مع بعض التصرف: "الأصل الذي أرجو أن يُتنبَّه إليه في هذا الشأن وأمثاله مما يختلفون في حِلِّهِ وحُرمته هو أن الله خلَق الإنسان بغريزة يَميل بها إلى المستلَذّات والطيبات التي يَجِدُ لها أثرًا طيبًا في نفسه به يهدأ، وبه يرتاح، وبه ينشط، وبه تسكن جوارحه. فتراه ينشرح بالمناظر الجميلة، كالخُضرة المُنَسَّقَة والماء الصافي الذي تلعب أمواجه، والوجه الحسَن الذي تنْبسط أساريرُه، وينشرح صدرُه بالروائح الزكيَّة التي تُحْدِث خِفَّةً في الجسم والروح، وينشرح صدره بلَمْسِ النُّعومة التي لا خُشونة فيها، وينشرح صدره بلذَّة المَعرفة في الكشف عن مجهول مَخْبُوءٍ، وتراه بعد هذا مَطبوعًا على غريزة الحب لمُشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرْث.
ولعلَّ قيام الإنسان بمُهمته في هذه الحياة ما كانت لِتَتِمَّ على الوجه الذي لأجله خلَقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية، تُوَجّهه نحو المشتَهَيَات، وتلك المُتَع التي خلقها الله معه في الحياة، فيأخذ منها القَدْر الذي يحتاجه وينفعه. ومن هنا قضت الحِكمة الإلهية أن يُخْلَق الإنسان بتلك العاطفة، وصار من غير المعقول أن يَطْلُب الله منه، بعد أن خلَقه هذا الـخَلْق، وأودع فيه لحِكمته السامية هذه العاطفة، نزْعَها أو إِمَاتتها أو مكافحتها في أصلها، وبذلك لا يُمكن أن يكون من أهداف الشرائع السماوية، في أيِّ مرحلة من مراحل الإنسانية، طلبُ القضاء على هذه الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة. نعم للشرائع السماوية بإِزاءِ هذه العاطفة مَطلب آخر يتلخص في كبْح الجماح. ومعناه: مكافحة الغريزة عن الحدِّ الذي ينسى به الإنسان واجباتِه، أو يُفْسِد عليه أخلاقه، أو يَحُول بينه وبين أعمال هي له في الحياة ألْزمُ، وعليه أوجب.
ذلك هو موقفُ الشرائع السماوية مِن الغريزة. وهو موقف الاعتدال والقَصْد لا موقف الإفْراط ولا مَوقف التفريط. هو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع. هذا أصْلٌ يجب أن يُفْهَم، ويجب أن تُوزَن به أهداف الشريعة السماوية. وقد أشار إليه القرآن في كثير من الجُزئيات "ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ". "يا بَنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا". "واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ". وإذنْ فالشريعة تُوجِّه الإنسان في مُقتضيات الغريزة إلى الحدِّ الوسَط، فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حُبِّ المال. إنما نزلت بتَعديلها على الوجه الذي لا جشَع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع الغريزة في حُبِّ المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة، وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على ما لا ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة الحُزْن، وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلَع فيه ولا جزَع. وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز. وقد كلَّف الله العقل، الذي هو حُجته على عباده، بتنظيمها على الوجه الذي جاء به شرْعه ودينه. فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت أو مالَ إلى تعلُّم شيء من ذلك فقد أدَّى للعاطفة حقَّها. وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحدِّ الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية أو الأخلاق الكريمة أو المكانة التي تتَّفِق ومركزه كان بذلك مُنظمًا لغريزته، سائرًا بها في الطريق السوي، وكان مَرْضِيًّا عند الله وعند الناس. بهذا البيان يتَّضِح أن موقف الشاب في تعلُّم الموسيقى، مع حرصه الشديد على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها وعلى أعماله المكلف بها، موقف (كما قلنا) نابعٌ من الغريزة التي حكَمها العقل بشرع الله وحكمه، فنزلت على إرادت. وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس في هذه الحياة.
ولقد كنتُ أرى أن هذا القدْر كافٍ في معرفة حكم الشرع في الموسيقى وفي سائر ما يُحب الإنسان ويهوَى بمقتضى غريزته لولا أن كثيرًا من الناس لا يكتفون، بل ربما لا يؤمنون بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب وأُثِر عن الفقهاء. وإذا كان ولا بد فليعلموا أن الفقهاء اتفقوا على إباحة السماع في إثارة الشوق إلى الحج، وفي تحريض الغُزَاة على القتال، وفي مناسبات السرور المألوفة كالعيد والعُرْس وقدوم الغائب وما إليها. ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيينِ: يُقَرّر أحدهما الحُرْمة، ويستند إلى أحاديث وآثار. ويُقرر الآخر الحِلّ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار. وكان من قول القائلين بالحِلِّ: "إنه ليس في كتاب الله ولا سُنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مُجَرَّد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات". وقد تعقَّبوا جميع أدلة القائلين بالحُرمة، وقالوا: إنه لم يصحَّ منها شيء.
وقد قرأت في هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورَع والتقوى رسالة هي: "إيضاح الدلالات في سماع الآلات" للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم، على فرض صحتها، مُقَيَّدة بذِكْر الملاهي وبذكر الخمر والقيْنات والفسوق والفجور، ولا يكاد حديث يخلو من ذلك. وعليه كان الحُكْم عنده في سماع الأصوات والآلات المُطرِبة أنه إذا اقترن بشيء من المُحرَّمات، أو اتُّخذ وسيلةً للمُحرَّمات، أو أَوْقعَ في المحرمات كان حرامًا، وأنه إذا سلِم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلُّمه. وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء، أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والـمُحَرَّم. وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء. وهو يُوافق تمامًا في المغزى والنتيجة الأصل الذي قرَّرناهُ في موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية.
وإذن فسماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يُمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة أو صوت إنسان أو صوت حيوان. وإنما يُحَرَّم إذا استُعِين به على محرَّم أو اتُّخِذ وسيلةً إلى محرَّم أو ألْهَى عن واجب. وهكذا يجب أن يعلم الناس حُكْم الله في مثل هذه الشؤون. ونرجو بعد ذلك ألا نسمع القول يُلْقَى جزافًا في التحليل والتحريم، فإن تحريم ما لم يُحَرّمه الله أو تحليل ما حرَّمه الله كلاهما افتراءٌ وقوْلٌ على الله بغير علم: "قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانًا وأنْ تَقُولُوا علَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ" (الآية 33 من سورة الأعراف)".
ومن الفقهاء المعاصرين كذلك د. القرضاوى، الذى عالج هذه المسألة فى كتابه: "الإسلام والفن"، والذى ننقل كلامه هنا أيضا بشىء من التصرف. قال: "ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقي؟ سؤالٌ يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيان شتى، سؤالٌ اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعًا لاختلاف أجوبتهم: فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ولكل لون من ألوان الموسيقي مدعيًا أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده. ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا: إن الغناء مزمار الشيطان ولهو الحديث، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وخاصة إذا كان المغني امرأة. فالمرأة عندهم صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال. ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى حتى المصاحِبة لمقدمات نشرات الأخبار. ووقف فريق ثالث مترددًا بين الفريقين: ينحاز إلى هؤلاء تارة، وإلى أولئك طورًا، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصًا بعد أن دخلت الإذاعة: المسموعة والمرئية على الناس بيوتهم بِجِدّها وهَزْلها، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعًا وكرهًا.
والغناء بآلة، أي مع الموسيقى، وبغير آلةٍ مسألةٌ ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى: اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا: فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحه قبيح. وكل قول يشتمل على فحشٍ حرامٌ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟ واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات و الإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة كالعرس وقدوم الغائب وأيام الأعياد ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها. وقد وردت في ذلك نصوص صريحة سنذكرها فيما بعد. واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بيّنًا: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًّا بآلة وبغير آلة، وعده حرامًا، بل ربما ارتقي به إلى درجة "الكبيرة". ولأهمية الموضوع نرى لزامًا علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل، ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام، مُتّبِعًا للدليل الناصع، لا مقلدًا قول قائل. وبذلك يكون على بينة من أمره، وبصيرة من دينه.
قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى: "هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الأَرُضِ جَمِيعًا"، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلي الله عليه و آله و سلم، أو إجماع ثابت متيقن. فإذا لم يرد نص ولا إجماع، أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء لم يؤثر ذلك في حله، وبقي في دائرة العفو الواسعة. قال تعالى: "وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حُرَِّمَ عَلَيْكُمُ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتمُ إِلَيْهِ". وقال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا"، وتلا: "وَ مَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا". وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وسكت عن أشياءَ رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". وإذ كانت هذه هي القاعدة، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء؟ وما موقف المجيزين منها؟
استدل المحرِّمون بما رُوِيَ عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى: "وَمِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهمُ عَذَاب مهِين"ـ وفسروا لهو الحديث بـ"الغناء". قال ابن حزم: "ولا حجة في هذا لوجوه: أحدها أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم. والثاني أنه قد خالف غيرهم من الصاحبة والتابعين. والثالث أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها لأن فيها: "وَمِنَ النَاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الُحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا". وهذه صفةٌ مَنْ فَعَلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا. قال: "ولو أن امرءًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوًا لكان كافرًا! فهذا هو الذي ذم اللهُ تعالى، وما ذَمَّ قَطُّ عز و جل مَنْ اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروّح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالى. فبطل تعلقهم بقول هؤلاء. وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو بغناء أو بغير ذلك فهو فاسقٌ عاصٍ لله تعال. ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن".
واستدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين: "وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا عَنُه"، والغناء من اللغو، فوجب الإعراض عنه. ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالى: "وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه وَقَالُوا لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلامٌ عَلَيْكُم لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِيُنَ". فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا: سَلامًا". ولو سلّمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه، وليس فيها ما يوجب ذلك. وكلمة "اللغو"، ككلمة "الباطل"، تعني ما لا فائدة فيه. وسماعُ ما لا فائدة فيه ليس محرّمًا ما لم يضيّع حقا أو يشغل عن واجب. رُوِيَ عن ابن جريج أنه كان يرخِّص في السماع، فقيل له: أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو. قال تعالى: "لا يُؤَاخِذُكم الله بِالَلغْو ِفِي أَيْمَانِكمْ".قال الإمام الغزالي: "إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القَسَم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخَذ به، فكيف يؤاخَذ بالشعر والرقص؟".
على أننا نقول: ليس كل غناءٍ لغوًا. إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه: فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة. والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة، وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في "المحلَّى" ردا على الذين يمنعون الغناء. قال: "احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث. وقد قال الله تعالى: "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ؟". فجوابنا، وبالله التوفيق، أن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى". فمن نوى باستماع الغناء ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن، وفِعْله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغوٌ معفوٌّ عنه كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده على باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لا زورديًّا أو أخضر أو غير ذلك، ومدّ ساقه وقبضها، وسائر أفعاله.
واستدلوا بحديث "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، و تأديبه فرسه، و رميه عن قوسه"، والغناء خارج عن هذه الثلاثة. وأجاب المجوِّزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله: "فهو باطل" لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: "إني لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق". على أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، لا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز و صفه بأنه باطل.
واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري معلقًا عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري (شكٌّ من الراوي) عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: الملاهي أو آلات العزف. والحديث، وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المعلَّقات" لا من "المسندات المتصلة". ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده. ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب. وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث، ووصله بالفعل من تسعة طرق، ولكنها جميعًا تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، ألا وهو هشام بن عمار. وهو، وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدِّثها وعالمها، ووثَّقه ابن معين و العجلي، فقد قال عنه أبو داود: حدَّث بأربعمائة حديث لا أصل لها. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقد تغير. فكان كل ما دُفِع إليه قرأه، وكل ما لُقِّنَه تلقَّن. وكذلك قال ابن سيار. وقال الإمام أحمد: طياش خفيف. وقال النسائي: لا بأس به (وهذا ليس بتوثيق مطلق). ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال: صدوقٌ مُكْثِرٌ له ما يُنْكَر. وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر! ومثل هذا لا يُقْبَل حديثه في مواطن النزاع، وخصوصًا في أمر عمت به البلوى. ورغم ما في ثبوته من الكلام ففي دلالة كلام آخر، فكلمة "المعازف" لم يُتَّفَق على معناها بالتحديد: ما هو؟ فقد قيل: الملاهي، وهذه مجملة. وقيل: آلات العزف. ولو سلّمنا بأن معناها آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى، فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة "المعازف" لأن عبارة "يستحلون"، كما ذكر ابن العربي، لها معنيان: أحدهما يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني أن تكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال المعني الحقيقي لكان كفرًا، فإن استحلال الحرام المقطوع به، مثل الخمر والزنى المعبر عنه بـ"الحِرِ"، كفر بالإجمال.
ولو سَلَّمْنا بدلالتها على الحرمة، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحِرِ والحرير والخمر والمعازف، أو كل فرد منها على حدة؟ والأول هو الراجح. فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور، فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخَزٍّ و حرير. ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري باللفظ: "ليشربنّ أناسٌ من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة و الخنازير". وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه"، والبخاري في "تاريخه". وكل من روى الحديث من طريق غير هشام بن عمار جعل الوعيد على شرب الخمر، وما المعازف إلا مكملة وتابعة.
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة مريم في المنتدى منتدى الديكور والأثاث المنزلي
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 20-12-2011, 01:52 PM
-
بواسطة ابوحازم السلفي في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 19-05-2010, 09:10 PM
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 06-05-2010, 07:07 AM
-
بواسطة مريم في المنتدى منتدى الديكور والأثاث المنزلي
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 18-01-2010, 12:59 AM
-
بواسطة النبع الصافي في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 02-06-2009, 07:21 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات