فإذ لم يصح في هذا شيء أصلاً فقد قال تعالى "وقد فَصَّل لكم ما ‏حَرَّم عليكم" (الأنعام/ 119)، وقال تعالى "هو الذي خلق لكم ما في ‏الأرض جميعًا" (البقرة/ 29) وقال رسول الله من طريق سعد بن أبي ‏وقاص، وطريقه ثابتة، "إن من أعظم الناس جرمًا في الاسلام من سأل عن ‏شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته"، فصح أن كل شيء حرّمه تعالى قد ‏فصّله لنا، وما لم يفصّل لنا تحريمه فهو حلال. 1-وخرج مسلم بن الحجاج ‏قال ثني هارون بن سعيد الأيلي ثنا عبد الله بن وهب عمرو، وهو ابن ‏الحارث، أن ابن شهاب حدثه عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، ‏أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان تغنيان في أيام مِنًى وتضربان، ‏ورسول الله مُسَجًّى بثوبه، فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله عنه ‏فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. 2-وبه إلى عمرو بن الحارث أن ‏محمد بن عبد الرحمن حدثه عن عروة عن عائشة قال: دخل رسول الله ‏وعنده جاريتان تغنيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ‏فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله؟ فأقبل ‏عليه فقال: دعهما. فإن قيل إن أبا أسامة روى هذا الحديث عن هشام ‏بن عروة عن أبيه فقال فيه: "وليستا بمغنيتين"، قيل: قد قالت عائشة: ‏‏"تغنيان"، فأثبتت الغناء لهما. فقولها: وليستا بمغنيتين، أي ليستا ‏بمحسنتين. وقد سمع رسول الله قول أبي بكر: "مزمار الشيطان؟"، فأنكر ‏عليه، ولم ينكر على الجاريتين غناءهما. وهذا هو الحجة التي لا يسع أحدا ‏خلافُها، ولا يزال التسليم لها. 3-وروى أبو داود السجستاني ثنا أحمد ‏بن عبيد العداني ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز ثنا سليمان ‏بن موسى عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارًا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى ‏عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ قال: لا. فرفع إصبعيه ‏وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا. فلو كان ‏حرامًا ما أباح رسول الله لابن عمر سماعه، ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه، ‏ولكنه عليه السلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره ‏الأكل متكئًا، والتنشف بعد الغسل في ثوب يُعَدّ لذلك، والستر الموشى ‏على سدة عائشة وعلى باب فاطمة رضوان الله عليهما، وكما كره أشد ‏الكراهية عليه السلام أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بُعِث عليه ‏السلام منكرًا للمنكر وآمرًا بالمعروف. فلو كان ذلك حرامًا لما اقتصر عليه ‏السلام أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه. فلم يفعل عليه ‏السلام شيئًا من ذلك بل أقره وتنزه عنه، فصح انه مباح وأن تركه أفضل ‏كسائر فضول الدنيا المباحة، ولا فرق. 4-وروى مسلم بن الحجاج قال ‏ثنا زهير بن حرب ثنا جرير ابن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: ‏جاء حبشٌ يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني رسول الله فوضعت ‏رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن ‏النظر به إليهم. 5-وروى سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق ‏السبيعي عن عامر بن سعد البجلي أن أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب ‏وثابت بن زيد كانوا في العريش، وعندهم غناء، فقلت: هذا، وأنتم ‏أصحاب رسول الله؟ فقالوا: إنه رُخِّص لنا في الغناء في العرس، والبكاء ‏على الميت في غير نوح، إلا أن شعبة قال: "ثابت بن وديعة" مكان ثابت ‏بن زيد، ولم يذكر أبا مسعود. 6-وروى هشام بن زيد ثنا حسان عن ‏محمد بن سيرين قال: إن رجلاً قدم المدينة بجَوَارٍ، فنزل على ابن عمر، ‏وفيهم جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يَهْوَ منهن شيئًا. قال: انطلقْ ‏إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا. فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن ‏عليه، فأمر جارية فقال: "خذي"، فأخذت حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر ‏إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان. فبايعه ‏ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني غُبِنْتُ بتسعمائة ‏درهم. فأتى ابن عمر مع الرجل إلى المشتري فقال له إنه غُبِن في تسعمائة ‏درهم، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: بل نعطيها إياه. ‏فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد سمعا ‏الغناء بالعود. وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجِدّ فلم ينه عنه. وقد ‏سَفَر في بيع مغنية كما ترى، ولو كان حرامًا ما استجاز ذلك أصلاً.‏
فإن قال قائل: قال الله تعالى: "فماذا بَعْدَ الحقِّ إلا الضلال؟" ‏‏(يونس/ 32)، ففي أي ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروح في ‏البساتين وصباغ ألوان الثياب وكل ما هو من اللهو. قال رسول الله: "إنما ‏الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". فإذا نوى المرء بذلك ترويح ‏نفسه وإجمالها لتقوى على طاعة الله عز وجل فما أتى ضلالاً. وقد قال ‏أبو حنيفة: من سرق مزمارًا أو عودًا قُطِعَتْ يده، ومن كسرهما ضَمِنَهما. ‏فلا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله تعالى أو من رسوله عليه ‏السلام لأنه إخبار عن الله تعالى، ولا يجوز أن يخبر عنه تعالى إلا بالنص ‏الذي لا شك فيه. وقد قال رسول الله: "ومن كذب علي متعمّدًا فليتبوأ ‏مقعده من النار". قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري رضي الله ‏عنه: ولقد أخبرني بعض كبار أهل زمانه أنه قال: أخذتُ النسخة التي فيها ‏الأحاديث الواردة في ذم الغناء والمنع من بيع المغنيات وما ذكره فيها أبو ‏محمد رضي الله عنه، ونهضت بها إلى الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البر ‏ووقفته عليها أيامًا ورغّبته في أن يتأملها، فأقامت النسخة عنده أيامًا ثم ‏نهضتُ إليه فقلت: ما صنعتَ في النسخة؟ فقال: وجدتها فلم أجد ما ‏أزيد فيها وما أنقص".‏
ومن الفقهاء المعاصرين يقول الشيخ شلتوت، رحمه الله رحمة ‏واسعة، فى كتابه: "الفتاوى" (ط18/ دار الشروق/ 1424هـ- 2004م/ ‏‏355- 358) مع بعض التصرف: "الأصل الذي أرجو أن يُتنبَّه إليه في هذا ‏الشأن وأمثاله مما يختلفون في حِلِّهِ‏‎ ‎وحُرمته هو أن الله خلَق الإنسان بغريزة ‏يَميل بها إلى المستلَذّات والطيبات التي‎ ‎يَجِدُ لها أثرًا طيبًا في نفسه به يهدأ، ‏وبه يرتاح، وبه ينشط، وبه تسكن جوارحه. فتراه ينشرح بالمناظر الجميلة، ‏كالخُضرة المُنَسَّقَة والماء الصافي الذي تلعب أمواجه، والوجه الحسَن الذي ‏تنْبسط أساريرُه، وينشرح صدرُه بالروائح الزكيَّة التي تُحْدِث خِفَّةً في ‏الجسم والروح، وينشرح صدره بلَمْسِ النُّعومة التي لا خُشونة‎ ‎فيها، وينشرح ‏صدره بلذَّة المَعرفة في الكشف عن مجهول مَخْبُوءٍ، وتراه بعد هذا‎ ‎مَطبوعًا ‏على غريزة الحب لمُشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين، والقناطير‎ ‎المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام‎ ‎والحرْث.‏
ولعلَّ قيام الإنسان بمُهمته في هذه الحياة ما كانت لِتَتِمَّ على‎ ‎الوجه ‏الذي لأجله خلَقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية، تُوَجّهه نحو ‏المشتَهَيَات، وتلك المُتَع التي خلقها الله معه في الحياة، فيأخذ منها القَدْر ‏الذي يحتاجه وينفعه. ومن هنا قضت الحِكمة الإلهية أن يُخْلَق الإنسان ‏بتلك العاطفة، وصار من غير‎ ‎المعقول أن يَطْلُب الله منه، بعد أن خلَقه ‏هذا الـخَلْق، وأودع فيه لحِكمته السامية هذه العاطفة، نزْعَها أو إِمَاتتها أو ‏مكافحتها في أصلها، وبذلك لا يُمكن أن يكون من أهداف الشرائع ‏السماوية، في أيِّ مرحلة من مراحل الإنسانية، طلبُ القضاء على‏‎ ‎هذه ‏الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة. نعم للشرائع‎ ‎السماوية بإِزاءِ ‏هذه العاطفة مَطلب آخر يتلخص في كبْح الجماح. ومعناه: مكافحة‎ ‎الغريزة ‏عن الحدِّ الذي ينسى به الإنسان واجباتِه، أو يُفْسِد عليه أخلاقه، أو ‏يَحُول‎ ‎بينه وبين أعمال هي له في الحياة ألْزمُ، وعليه أوجب.‏‎ ‎
ذلك هو‎ ‎موقفُ الشرائع السماوية مِن الغريزة. وهو موقف الاعتدال ‏والقَصْد لا موقف الإفْراط ولا مَوقف التفريط. هو موقف التنظيم لا ‏موقف الإماتة والانتزاع. هذا أصْلٌ يجب أن يُفْهَم، ويجب أن تُوزَن به ‏أهداف الشريعة السماوية. وقد أشار إليه‏‎ ‎القرآن في كثير من الجُزئيات ‏‏"ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ ولا‎ ‎تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ". "يا بَنِي آدمَ ‏خُذُوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ‎ ‎مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا". "واقْصِدْ فِي ‏مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ". وإذنْ فالشريعة تُوجِّه الإنسان في مُقتضيات ‏الغريزة‎ ‎إلى الحدِّ الوسَط، فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حُبِّ المال. إنما نزلت ‏بتَعديلها على الوجه الذي لا جشَع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع ‏الغريزة في حُبِّ المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة، وإنما نزلت ‏بتهذيبها وتعديلها على ما لا‎ ‎ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة ‏الحُزْن، وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلَع فيه ولا جزَع. وهكذا ‏وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز. وقد كلَّف الله العقل، ‏الذي هو حُجته على عباده، بتنظيمها على‏‎ ‎الوجه الذي جاء به شرْعه ‏ودينه. فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من ‏حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت أو مالَ إلى تعلُّم شيء من ذلك فقد ‏أدَّى للعاطفة حقَّها. وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحدِّ الذي لا يصرفه ‏عن‎ ‎الواجبات الدينية أو الأخلاق الكريمة أو المكانة التي تتَّفِق ومركزه كان ‏بذلك مُنظمًا لغريزته، سائرًا بها في الطريق السوي، وكان مَرْضِيًّا عند الله ‏وعند‎ ‎الناس. بهذا البيان يتَّضِح أن موقف الشاب في تعلُّم الموسيقى، مع‏‎ ‎حرصه الشديد على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها وعلى أعماله ‏المكلف بها، موقف (كما قلنا) نابعٌ من الغريزة التي حكَمها العقل بشرع الله ‏وحكمه، فنزلت على إرادت. وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية ‏من الناس في هذه‎ ‎الحياة.‏
ولقد كنتُ أرى أن هذا القدْر كافٍ في معرفة حكم الشرع في ‏الموسيقى وفي سائر ما يُحب الإنسان ويهوَى بمقتضى غريزته لولا أن كثيرًا ‏من الناس لا يكتفون، بل ربما لا يؤمنون بهذا النوع من التوجيه في معرفة ‏الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب‏‎ ‎وأُثِر عن الفقهاء. ‏وإذا كان ولا بد فليعلموا أن الفقهاء اتفقوا على إباحة‎ ‎السماع في إثارة ‏الشوق إلى الحج، وفي تحريض الغُزَاة على القتال، وفي مناسبات السرور ‏المألوفة كالعيد والعُرْس وقدوم الغائب وما إليها. ورأيناهم فيما وراء ذلك ‏على‎ ‎رأيينِ: يُقَرّر أحدهما الحُرْمة، ويستند إلى أحاديث وآثار. ويُقرر ‏الآخر الحِلّ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار. وكان من قول القائلين ‏بالحِلِّ: "إنه‎ ‎ليس في كتاب الله ولا سُنة رسوله ولا في معقولهما من القياس ‏والاستدلال ما يقتضي تحريم مُجَرَّد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة ‏من الآلات". وقد تعقَّبوا جميع أدلة القائلين بالحُرمة، وقالوا: إنه لم يصحَّ منها‎ ‎شيء.‏
وقد قرأت في هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادي عشر ‏المعروفين بالورَع والتقوى رسالة هي: "إيضاح‎ ‎الدلالات في سماع الآلات" ‏للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الأحاديث‎ ‎التي استدل بها ‏القائلون بالتحريم، على فرض صحتها، مُقَيَّدة بذِكْر الملاهي وبذكر‎ ‎الخمر ‏والقيْنات والفسوق والفجور، ولا يكاد حديث يخلو من ذلك. وعليه كان ‏الحُكْم‎ ‎عنده في سماع الأصوات والآلات المُطرِبة أنه إذا اقترن بشيء من ‏المُحرَّمات، أو‎ ‎اتُّخذ وسيلةً للمُحرَّمات، أو أَوْقعَ في المحرمات كان حرامًا، ‏وأنه إذا سلِم من كل‎ ‎ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلُّمه. وقد ‏نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين ‏والأئمة والفقهاء، أنهم كانوا يسمعون ويحضرون‏‎ ‎مجالس السماع البريئة من ‏المجون والـمُحَرَّم. وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء. وهو‏‎ ‎يُوافق تمامًا ‏في المغزى والنتيجة الأصل الذي قرَّرناهُ في موقف الشريعة بالنسبة‎ ‎للغرائز ‏الطبيعية.‏
وإذن فسماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يُمكن أن ‏يحرم باعتباره صوت آلة أو صوت إنسان أو صوت حيوان. وإنما يُحَرَّم إذا‎ ‎استُعِين به على محرَّم أو اتُّخِذ وسيلةً إلى محرَّم أو ألْهَى عن‎ ‎واجب. ‏وهكذا يجب أن يعلم الناس حُكْم الله في مثل هذه الشؤون. ونرجو بعد ‏ذلك ألا نسمع القول يُلْقَى جزافًا في التحليل والتحريم، فإن تحريم ما لم ‏يُحَرّمه الله أو تحليل ما حرَّمه الله كلاهما افتراءٌ وقوْلٌ على الله بغير علم: ‏‏"قُلْ‎ ‎إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ‎ ‎والبَغْيَ بِغَيْرِ ‏الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانًا وأنْ تَقُولُوا علَى اللهِ ما لا ‏تَعْلَمُونَ" (الآية 33 من سورة‏‎ ‎الأعراف)".‏
ومن الفقهاء المعاصرين كذلك د. القرضاوى، الذى عالج هذه ‏المسألة فى كتابه: "الإسلام والفن"، والذى ننقل كلامه هنا أيضا بشىء من ‏التصرف. قال: "ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقي؟ سؤالٌ يتردد على ‏ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيان شتى، سؤالٌ اختلف جمهور ‏المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعًا لاختلاف أجوبتهم: ‏فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ولكل لون من ألوان الموسيقي ‏مدعيًا أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده. ومنهم من ‏يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا: إن الغناء مزمار ‏الشيطان ولهو الحديث، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة‌، وخاصة‌ إذا كان ‏المغني امرأة. فالمرأة عندهم صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ‏ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال. ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من ‏أنواع الموسيقى حتى المصاحِبة لمقدمات نشرات الأخبار. ووقف فريق ‏ثالث مترددًا بين الفريقين: ينحاز إلى هؤلاء تارة،‌ وإلى أولئك طورًا، ينتظر ‏القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير ‏الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصًا بعد أن دخلت ‏الإذاعة: المسموعة والمرئية على الناس بيوتهم بِجِدّها وهَزْلها، وجذبت ‏إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعًا وكرهًا.‏
والغناء‌ بآلة، أي مع الموسيقى، وبغير آلةٍ مسألةٌ ثار فيها الجدل ‏والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى، فاتفقوا في مواضع واختلفوا ‏في أخرى: اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو ‏تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا: فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحه ‏قبيح. وكل قول يشتمل على فحشٍ حرامٌ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن ‏والنغم والتأثير؟ واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري ‏الخالي من الآلات و الإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة كالعرس ‏وقدوم الغائب وأيام الأعياد ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة ‏أجانب منها. وقد وردت في ذلك نصوص صريحة سنذكرها فيما بعد. ‏واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بيّنًا: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير ‏آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًّا بآلة وبغير آلة‌، وعده حرامًا، بل ربما ارتقي ‏به إلى درجة "الكبيرة". ولأهمية الموضوع نرى لزامًا علينا أن نفصل فيه ‏بعض التفصيل، ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة حتى يتبين ‏المسلم الحلال فيه من الحرام، مُتّبِعًا للدليل الناصع، لا مقلدًا قول قائل. ‏وبذلك يكون على بينة من أمره، وبصيرة من دينه.‏
قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى: "هوَ ‏الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الأَرُضِ جَمِيعًا"، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح ‏من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلي الله عليه و آله و سلم، أو إجماع ‏ثابت متيقن. فإذا لم يرد نص ولا إجماع، أو ورد نص صريح غير صحيح، ‏أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء لم يؤثر ذلك في حله، ‏وبقي في دائرة العفو الواسعة. قال تعالى: "وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حُرَِّمَ عَلَيْكُمُ ‏إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتمُ إِلَيْهِ". وقال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: "ما ‏أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو ‏عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا"، وتلا: "وَ مَا ‏كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا". وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحَدَّ ‏حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وسكت عن أشياءَ رحمةً بكم غير نسيان فلا ‏تبحثوا عنها". وإذ كانت هذه هي القاعدة، فما هي النصوص و الأدلة ‏التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء؟ وما موقف المجيزين منها؟ ‏
استدل المحرِّمون بما رُوِيَ عن ابن مسعود وابن عباس وبعض ‏التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى: "وَمِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي ‏لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهمُ ‏عَذَاب مهِين"ـ وفسروا لهو الحديث بـ"الغناء". قال ابن حزم: "ولا حجة ‏في هذا لوجوه: أحدها أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلي الله عليه ‏و آله وسلم. والثاني أنه قد خالف غيرهم من الصاحبة والتابعين. ‏والثالث أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها لأن فيها: "وَمِنَ النَاسِ مَن ‏يَشْتَرِي لَهْوَ الُحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا". ‏وهذه صفةٌ مَنْ فَعَلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا. ‏قال: "ولو أن امرءًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوًا ‏لكان كافرًا! فهذا هو الذي ذم اللهُ تعالى، وما ذَمَّ قَطُّ عز و جل مَنْ ‏اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروّح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالى. ‏فبطل تعلقهم بقول هؤلاء. وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة ‏القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو بغناء أو بغير ذلك فهو ‏فاسقٌ عاصٍ لله تعال. ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا ‏فهو محسن".‏
واستدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين: "وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا ‏عَنُه"، والغناء من اللغو، فوجب الإعراض عنه. ويجاب بأن الظاهر من ‏الآية أن اللغو سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق ‏بذلك. قال تعالى: "وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه وَقَالُوا لَنا أَعُمَالنَا ‏وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلامٌ عَلَيْكُم لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِيُنَ". فهي شبيهة بقوله تعالى ‏في وصف عباد الرحمن: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا: سَلامًا". ولو ‏سلّمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن ‏سماعه، ‌وليس فيها ما يوجب ذلك. وكلمة "اللغو"، ككلمة "الباطل"، تعني ‏ما لا فائدة فيه. وسماعُ ما لا فائدة فيه ليس محرّمًا ما لم يضيّع حقا أو ‏يشغل عن واجب. رُوِيَ عن ابن جريج أنه كان يرخِّص في السماع، فقيل ‏له: أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في ‏الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو. قال تعالى: "لا يُؤَاخِذُكم الله ‏بِالَلغْو ِفِي أَيْمَانِكمْ".قال الإمام الغزالي: "إذا كان ذكر اسم الله تعالى على ‏الشيء على طريق القَسَم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، ‏مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخَذ به، فكيف يؤاخَذ بالشعر والرقص؟".‏
على أننا نقول: ليس كل غناءٍ لغوًا. إنه يأخذ حكمه وفق نية ‏صاحبه: فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة. والنية الخبيثة ‏تحبط العمل الذي ظاهره العبادة، وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلى ‏صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". و ننقل هنا كلمة ‏جيدة قالها ابن حزم في "المحلَّى" ردا على الذين يمنعون الغناء. قال: ‏‏"احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ‏ثالث.‌ وقد قال الله تعالى: "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ؟". فجوابنا، ‏وبالله التوفيق، أن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم قال: "إنما ‏الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى". فمن نوى باستماع الغناء ‏ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك ‏على البر، فهو مطيع محسن، وفِعْله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا ‏معصية فهو لغوٌ معفوٌّ عنه كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده على باب ‏داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لا زورديًّا أو أخضر أو غير ذلك، ومدّ ساقه ‏وقبضها، وسائر أفعاله.‏
واستدلوا بحديث "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة ‏الرجل أهله، و تأديبه فرسه، و رميه عن قوسه"، والغناء خارج عن هذه ‏الثلاثة. وأجاب المجوِّزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، ‏فإن قوله: "فهو باطل" لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة. ‏فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: "إني لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل ‏ليكون أقوى لها على الحق". على أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن ‏التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك ‏الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين ‏وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، لا يحرم عليه ‏شيء منها، وإن جاز و صفه بأنه باطل.‏
واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري معلقًا عن أبي مالك أو أبي ‏عامر الأشعري (شكٌّ من الراوي) عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ‏‏"ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: ‏الملاهي أو آلات العزف. والحديث، وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه ‏من "المعلَّقات" لا من "المسندات المتصلة".‌ ولذلك رده ابن حزم لانقطاع ‏سنده. ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب. ‏وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث، ووصله بالفعل من تسعة ‏طرق، ولكنها جميعًا تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، ألا ‏وهو هشام بن عمار. وهو، وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدِّثها ‏وعالمها، ووثَّقه ابن معين و العجلي، فقد قال عنه أبو داود: حدَّث ‏بأربعمائة حديث لا أصل لها. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقد تغير. فكان ‏كل ما دُفِع إليه قرأه،‌ وكل ما لُقِّنَه تلقَّن. وكذلك قال ابن سيار. وقال ‏الإمام أحمد: طياش خفيف. وقال النسائي: لا بأس به (وهذا ليس ‏بتوثيق مطلق). ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال: صدوقٌ مُكْثِرٌ له ما ‏يُنْكَر. وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر! ومثل هذا لا يُقْبَل ‏حديثه في مواطن النزاع، وخصوصًا في أمر عمت به البلوى. ورغم ما في ‏ثبوته من الكلام ‌ففي دلالة كلام آخر، فكلمة "المعازف" لم يُتَّفَق على ‏معناها بالتحديد: ما هو؟ فقد قيل: الملاهي، وهذه مجملة. وقيل: آلات ‏العزف. ولو سلّمنا بأن معناها آلات الطرب المعروفة‌ بآلات الموسيقى، ‏فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة "المعازف" ‏لأن عبارة "يستحلون"، كما ذكر ابن العربي، لها معنيان: أحدهما يعتقدون ‏أن ذلك حلال، والثاني أن تكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك ‏الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال المعني الحقيقي لكان كفرًا، فإن ‏استحلال الحرام المقطوع به، مثل الخمر والزنى المعبر عنه بـ"الحِرِ"، كفر ‏بالإجمال.‏
ولو سَلَّمْنا بدلالتها على الحرمة، فهل يستفاد منها تحريم المجموع ‏المذكور من الحِرِ والحرير والخمر والمعازف، أو كل فرد منها على حدة؟ ‏والأول هو الراجح. فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من ‏الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور، فهم بين خمر ‏ونساء، ولهو وغناء، وخَزٍّ و حرير. ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث ‏عن أبي مالك الأشعري باللفظ: "ليشربنّ أناسٌ من أمتي الخمر يسمّونها بغير ‏اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات، يخسف الله بهم ‏الأرض، ويجعل منهم القردة و الخنازير".‌ وكذلك رواه ابن حبان في ‏‏"صحيحه"، والبخاري في "تاريخه". وكل من روى الحديث من طريق غير ‏هشام بن عمار جعل الوعيد على شرب الخمر، وما المعازف إلا مكملة ‏وتابعة.